المثقف - قضايا

حسن عبد الهادي اللامي: ظاهرة الجلوس امام المنازل واثارها

 hasan abdulhadiallamiالاحياء والمناطق الشعبية والتي تتسم ديمغرافيتها بالموروث العشائري والبساطة الريفية والتواشج النَسَبي، وتختلف مستوياتُها الفكرية والثقافية بين جَهلٍ مُطبق وشهادة مرموقة، وكذلك تتباين طباعها بين اشراقات القيم الكريمة الأصيلة وظُلمات إخلاق سيئة وعادات جاهلية وفكرٍ مُنغلق لا يهتدي في صيغ تعامله الا بالعنجهية والمشاجرات واللامبالاة ...

ومن هذه الظواهر "الجلوس امام منازل البيوت والتجمعات في أركان الازقة " وهذه الظاهرة الاجتماعية لها أسبابها التي تضرب بجذورها في عمق التاريخ وتوارثتها الاجيال حتى أخذت بالتلاشي نتيجة الاشباع الثقافي والنفسي ...

حيث طوّر الانسان المدني من وحدات الالتقاء وكثف من تنوع صيغ التبادل تبعا لتنوع مستويات التعامل ..

فكان المسجد ملتقاه والجامعة والمدرسة، والمؤتمرات، وقاعات الاجتماع الفكري والاجتماعي وكذلك الدواوين والمضايف ...

فانحسرت هذه الظاهرة في المناطق والمدن التي طورت مجالس ملتقاها، وبقيت بعض المُدن والمناطق تحتفظ بتلك الظاهرة كحالة تغذي الاحتياج النفسي و الفكري والرابط الاجتماعي ليكون من عاداتها التي تختزل السلبيات والايجابيات، ولعل من جملة اسباب هذه الظاهرة هو كونها مشكلة لها موضوعاتها المتنوعة من الاقتصاد والعمران والعوامل النفسية والاجتماعية .. اي كأن يكون للاكتظاظ الذي تُعاني منه الاسرة الكبيرة في منزل لا يحتمل كثرتهم، او وجود مشاكل اسرية، او وجود تعلق وترابط بين جار وجاره فيكون الملتقى هو الجلوس امام المنزل لغرض التنفيس والترفيه من جهة و الفرار من تلك المشكلات من جهة اخرى .. ولعل هناك اسباب اخرى ستتضح دوافعها من خلال ذكر السلبيات .. 

ولكي تكون لنا رؤية منصفة علينا ان نقف على سلبياتها و ايجابيتها.

فمن السلبيات:

1- انها تُزعج الجار من حيثيات كثيرة كمضايقة النساء في خروجهن من منازلهن وعودتهن وكذلك الجَلَبة والضوضاء والرقابة والرصد لحركة الجار مما يسبب له احراج وانزعاج في ممارسة شؤونه ونشاطاته ..

2- إن هذه التجمعات توفر فرص لاندفاع بعض دَنِيءِ النّفس  في الممارسات القبيحة كمضايقة النساء والتحرش ببعض الطالبات والفتيات التي تمر في الزقاق  بالنظر اليهن او إسماعهن الكلمات الغير نظيفة ..

3 - ان هذه التجمعات توفر مناخ مناسب لنمو التجمعات المُضرة في المجتمع وتستقطب البَطّالين والذين لا يهمهم هدر الاوقات ليتحدثوا بمسائل غير لائقة اخلاقيا او التحدث على اعراض الناس او رصد حركات ابناء الجيران ومضايقتهم والتدخل بشؤونهم والتصنَّت على مشاكل الجيران او قد يثيرون الشغب والعِراك والمشاجرات فيما بينهم ومع الاخرين والضوضاء برفع صوت الموبايلات واجهزة المذياع في سياراتهم بالأغاني مثلا، وربما كانت مناخا مناسبا لتشكيل خلايا ارهابية او عصابات مثيرة للأزمات والمشاحنات ...فتكون مواقع تُهمة، ما ان يراهم احد الا وظن بهم سوءاً !

4 - هي مِحال تصد عن ذكر الله تعالى في اغلب الاحيان فبدل الجلوس في المساجد والحسينيات والمحافل العلمية تكون مأوى للمتسكعين والبطّالين ومثيري الشغب والعراك والفسقة وذوي الهوايات السلبية، ونشر الشائعات والقذف في اعراض الناس ..

... ومن الايجابيات:

1 -هي قد تكون عائق امام دخول الغرباء والمُغرضين فان بعض تلك التجمعات حتما ليسوا كل افرادها سيئين فالبعض منهم ذوغيرة وحمية فهو لا يسمح لمثيري المشاكل والطفيلين ان يُؤذوا ابناء منطقته وجيرانه وهي بعد عائق امام المشبوهين الملاحقين قانونيا كالإرهابيين واللصوص  فتواجد هذه التجمعات قد يكون له دوره في الكشف عن مثل تلك التحركات المضرة والمحافظة على أمن وسلامة منطقتهم وزقاقهم ..

2- قد يكون تواجد هؤلاء له دورا في الحالات الطارئة كالحريق والحالات المرضية  المفاجئة لبعض الجيران الذين يخلو منزلهم من الرجال وكذلك قد يكون لهم دور في إطفاء النائرة والمشاجرات التي تحدث بين الجيران وتهدئة الاضطرابات لبعض الاسر واصلاح ذات بينهم وكذلك في معونة الجيران في بعض شؤونهم ...

3- دور ايماني في نشر الخير والحث عليه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كأن يمنع متطفل مراهق على نساء جيرانه او اي فتاة مارة في الزقاق او يتحدث مع ابناء جيرانه بما يكون فيه صلاح احوالهم ونفعهم .. 

بعد تلك الجولة في بيان السلبيات والايجابيات يمكن للمنصف ان يحدد هل هذه الظاهرة ايجابية ام سلبية ؟ ولا اتصور ان احد ينكر تلك الايجابيات، لكن لو وضعنا تلك الايجابيات مقارنة بالسلبيات! فان الاثار السلبية المترتبة على تلك الظاهرة اكثر تأثيرا من الايجابيات لان هذا الجانب هو الرائج فعلا على ارض الواقع ! وعمق تأثير الجلوس امام المنزل يثير حساسية صاحب المنزل لان تلك المواقع تبعث الى سوء الظن كما اسلفنا، وخصوصا  الفرد الغيور على عرضه ! فيشعر بالانزعاج من وقوفهم وهذا مما لايرتضيه الشرع والعقل !

 فعلينا بمعالجة هذه الظاهرة والاسراع الى استئصالها وتذويبها وان عَسُر ذلك فمسؤولية  تنبيه الجالسين على ضرورة مراعاة الضوابط الشرعية والعُرفية هي تقع على الجميع !، فالإسلام بيّن ضوابط احترام الطرقات العامة والازقة، إذ: روي ان رسول الله (صلى الله عليه واله) نهى عن الجلوس في الطرقات فقال إياكم والجلوس على الطرقات، فإن أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غض البصر، وكف الاذى، ورد السلام، والامر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وروي ايضا انه قال : لا خير في الجلوس على الطرقات إلا من هدى السبيل، ورد التحية، وغض البصر، وأعان على الحمولة (الكتاب: كنز العمال)، إِذَنْ هي كـظاهرة منهي عنها لِغلبة السلبيات فيها وصعوبة ضبط الافراد على احتمالهم لشرائط وحقوق الطريق  فالأولى ان يتجنب الانسان هذه الظاهرة وان كان ولا بُدّ او هناك ما يُلجئه الى ذلك فعليه ان يراعي حقوق الطرقات ويحترم المارة ولا يؤذي  جاره لان ذلك خلاف الايمان ..

 

حسن عبد الهادي اللامي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3642 المصادف: 2016-08-25 05:31:05