المثقف - قضايا

سليم الحسني: وَهْمُ الدولة (40) صمت الخائفين

salim alhasaniأكثر ما يعتز به الانسان الشيعي، ولاؤه لأئمة اهل البيت عليهم السلام، وأهم ما يحرص عليه عالم الدين والمثقف الاسلامي الشيعي أن يكون عمله لإحياء معالم مدرسة أهل البيت.

لكن هذا الولاء والحرص، يضعف في المنهج وطريقة العمل. وهذا ما يضع مسؤولية التقصير بالدرجة الأولى على العلماء والمثقفين الشيعة، حيث تميل غالبيتهم الساحقة الى عدم استفزاز جماهير البسطاء في إيمانهم بالخرافة وتمسكهم بالطقوس الكاذبة.

وتزداد الخطورة عندما يميل بعض الفقهاء الى كتمان آرائهم الرافضة للخرافات، خوفاً من ردة فعل البسطاء وجمهور الجهلة في الوسط الشيعي. وعادة ما يستحسن تلامذتهم وكذلك مثقفو الشيعة هذا الموقف منهم، بتبريرهم أن الجو الاجتماعي المتخلف لا يسمح ببيان الحقيقة الدينية في مثل هذه المواضيع، وأن ذلك يضع المرجع الديني في حرج أمام البسطاء، فيضعف ارتباطهم بالمرجعية.

يمكن تقبل مثل هذا التبرير عندما يكون ضمن برنامج تخطيطي، فحتى لا يخسر المرجع دوره في الأمة والنهوض بها نحو مستويات أعلى، فانه يضطر الى تقديم وتأخير آرائه تبعاً لحاجات المشروع الذي يعتمده. وهذا يعني التخطيط الموضوعي في التعامل مع المجتمع، وصولاً الى الأهداف الأكبر.

لكن الإعتراض يأتي قوياً عندما يكون الصمت والكتمان هو المنهج المعتمد، بمعنى الخوف من ردة فعل الخرافيين والتجهيليين وجمهور البسطاء.

لقد وصل الأمر الى تزيين فكرة السكوت على الخطأ والخرافة، لأن مواجهتها يؤثر سلباً على الكيان الشيعي وعلى التشيع.

يدور هذا الكلام منذ عقود طويلة في أوساط الحوزة والكتّاب والمثقفين الشيعة، فكانت النتيجة أن ازدادت الخرافة وتعاظم الجهل، وكثرت الشعوذة، وبرزت حركات تقوم على أساس هذه الانحرافات، وظهر أشخاص يدّعون المرجعية والمكانة العلمية فيحضون بالاتباع والانصار والمريدين في اتجاه يتعارض جوهرياً مع فكر أهل البيت وعقائد التشيع.

فأين هي إذن مصلحة السكوت والصمت التي ينادي بها أصحاب هذا الاتجاه التبريري من علماء وخطباء ومثقفي الشيعة؟

...

دان القرآن الكريم في الكثير من الآيات علماء أهل الكتاب لأنهم كتموا بعض الحقائق الدينية، وتوعدهم بنار جهنم، ثم حذّر المسلمين من الوقوع فيما وقع فيه اليهود والنصارى، فيلقوا نفس المصير. لكننا في التطبيق العملي نجد هذا الاتجاه التبريري يخالف القرآن ويُفضّل الصمت والكتمان بحجة الحفاظ على منزلة المرجع والشيعة والتشيع.

 

وترك أكابر علماء الشيعة منذ قرون طويلة تراثاً علمياً ضخماً، يستند الى دور أئمة اهل البيت عليهم السلام، في تنقية السنة النبوية وإعادة العمل بها وبالقرآن الكريم، وهذا هو قوام التشيع وحقيقته، وهو المنهج الذي استشهدوا وتحملوا الظلم من أجله، لكن الاتجاه التبريري يهمل ذلك كله، ويدعو الى عدم استفزاز البسطاء والجهلة بدعوى الحفاظ على الشيعة والتشيع. وكأن أهل البيت عليهم السلام قد فاتتهم هذه اللفتة!.

 ...

أخطر ما في هذا الاتجاه (التبريري) أنه استسلم من ـ حيث لا يشعرـ لدخول الخرافة الى التشيع، بمعنى أنه وافق على انحراف التشيع ومدرسة أهل البيت بكل ما تمثله من عظمة وأصالة الاسلام في التشريع والمفاهيم والأخلاق والعقائد.

وأخطر ما في توجهات هذه الفئة من العلماء والخطباء والمثقفين، أنهم انسحبوا ـ من حيث لا يقصدون ـ من دورهم الحقيقي المطلوب، وخضعوا لضغوط التجهيليين، فصاروا عوناً لهم في نهاية المطاف، فالصمت هنا يعني تأييد الخطأ.

 ...

تحمل الإمام علي عليه السلام أكثر من ربع قرن من الظلامة على ضياع حقه في الخلافة، من أجل بضع كلمات، رفض بيعة عمه العباس يوم السقيفة لأن شكلها الظاهري كان عائلياً وليس طبقاً لوصية الرسول، ورفض قبولها بعد ذلك محتجاً على عبارة (سيرة الشيخين) وخاض ثلاثة حروب طاحنة ضد الناكثين والقاسطين والمارقين على بضعة أمور، حتى استشهد في محرابه.

بمقياس الاتجاه التبريري الحالي كانت أموراً بسيطة تلك التي حدثت مع الامام علي عليه السلام، لكنها كانت عند عليّ بن أبي طالب، تعني الحقيقة الصحيحة، والحاضر والمستقبل وبناء الانسان والمجتمع والدولة والمسيرة البشرية.

لم يقل عليّ عليه السلام، إن موقعي ومركزي ومكانتي سـتتأثر وتضعف، إنما أراد لشيعته أن يعتمدوا منهجه، لكن الأسف على الظروف التي جعلت الكثير من علماء وخطباء ومثقفي الشيعة، يحرصون على مكانتهم الشخصية فيسكتون عن قول ما يعتقدونه خوفاً من الجهلة، وتحت مبررات حفظ الشيعة والتشيع.

ما فائدة العنوان الشيعي، عندما تعصف به الخرافة؟

وما فائدة التشيع عندما نحوله الى عنوان فارغ المضمون من عقائده ومفاهيمه وأصالته الاسلامية الرفيعة؟

وما معنى الانتماء لمدرسة اهل البيت، إذا كان ذلك لا يدفعنا نحو الالتزام بها، من اجل بناء الانسان والمجتمع على الأسس الصحيحة؟

 لها تتمة

 

للاطلاع على جميع حلقات:

وَهْمُ الدولة / د. سليم الحسني

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الخرافه والتهويل والغيبيات من مناهج الدين يتبناه وبقوه رجال الدين ويأخذون به بل انه من ظمن قوة الايمان ورساخته في قلوب الاتباع والمريدين وهم بذلك يملكون عقول الناس ويسلبون ارادتهم ،وحتى تترسخ العقيده وينصاع الناس فلابد من خرافة تصاغ للولي حتى يكبر قدره ويعلو شأنه بين اتباعه والخرافه منهاج تاربخي تدخل في صميم حياة الولي تتبلور احداثها بروايات تتناقل عبر الاجيال وتنسب لعلماء ومفكرين ماتوا فلاحول لهم حتى يدحظوا اقول نسبت لهم او احداث رويت عنهم ،والمستفيد من كل تلك المزاعم والخرافات هم رجال الدين،فالدين عندهم بضاعة وﻻ بد للبضاعة من رواج وتسويق حتى تدر ماﻻ يعتاش عليه اولئك المندسون في حقل الدين،انظر كيف يسوق الصوفيه بضاعتهم وكيف تباع قطع القماش في اضرحة الائمه وكيف كانت تباع صكوك الغفران الى اتباع الكنيسه ولماذا حوكم غاليلو غاليلي من قبل محاكم التفتيش؟ﻷنه دحض بالبرهان العلمي خرافة ان الارض مسطحه لكنه وامام محاكم التفتيش خاف وتراجع خوفا من الحرق بتهمة الهرطقه!وفي موسم الزيارات تروج الخرافة بشكل يثير السخط والعجب من خفة عقول الناس ومدى تخلفهم وانقيادهم الاعمى والمضحك في الامر ان اغلبهم ﻻيصلون وﻻ يخمسون ويتعاطون بالباطل والزور والبهتان وﻻ بحافظون على ممتلكات الدوله ويمارسون الحيله في التعامل والتزوير.....فأي مجتمع هذا وبعد اكثر من 1400 سنه على الاسلام

المهندس اياد
This comment was minimized by the moderator on the site

وهذا ماكنا نقوله وما نطمح اليه لماذا السكوت والى متى والدين تنهار اركانه كل يوم فهل ياترى ان النبي محمد ص سكت عن قول الحق تقيتا وهل فعلها علي ع وهل فعلها الحسن والحسين ع ---
فاين علماء الدين اليوم وكل شيء يتجه نحو الهاوية ماذا بقى لهم من الحجج الواهية التي يتستروا بها كل هذه السنين فقد انكشف كل شيء وما عليهم الا المواجهة او اعلان الهزيمة

ابو سجاد
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3650 المصادف: 2016-09-02 02:56:15