المثقف - قضايا

سليم الحسني: العراق، وهم الدولة (44): معتاشون في الدين وفي السياسة

salim alhasani2في عام 1998، طلب مني العلامة الكبير السيد مرتضى العسكري رحمه الله، أن أكتب مقدمة لكتاب أصدرته كلية أصول الدين، وهو يتضمن مناقشات عقائدية بين أفكاره وبين كتابات رجال الوهابية في السعودية. وذلك بعد أن كتب الشيخ حسن بن فرحان المالكي سلسلة من المقالات في الصحافة السعودية حول الأسطورة السبئية وشخصية القعقاع الوهمية. وكان من الطبيعي ان يأتي الكلام على مؤلفات السيد مرتضى العسكري وما تضمنته من آراء فهو الرائد في هذا المجال خصوصاً في مؤلفيه الضخمين (عبد الله بن سبأ) و(خمسون ومائة صحابي مختلق).

وقد دفع الشيخ حسن بن فرحان المالكي الثمن غالياً، فقد تم فصله من وظيفته وحرمانه من العمل ومنعه من مغادرة السعودية، اضافة الى مضايقات لا تنتهي حتى الآن.

وقد لفت نظري أن احد رجال الدين المعروفين من الوهابية وهو (سلمان العوده) قد دعا في أحد مقالاته عدم الإقتراب من مؤلفات وأفكار العلامة العسكري، مبرراً ذلك بأنها تفتح باباً يُصعب غلقه، وتتسبب في مشاكل لا يمكن استيعابها في أوساطهم الدينية، وأن أثرها سيمتد الى الطلبة الجامعيين والاساتذة والباحثين ورجال الدين في السعودية وغيرها.

لفت نظري كيف يصدر هذا الكلام الصريح من رجال الوهابية وهو اعتراف مباشر بالهزيمة الفكرية أمام السيد العسكري. ومع ذلك يصرون على مواقفهم وعنادهم.

تعود بي الذاكرة الى تلك الحادثة عندما أرى أن الكثير من الاخوة المثقفين من الخطباء والعلماء والكتّاب والاعلاميين وغيرهم ـ وتربطني ببعضهم علاقات صداقة قديمة ـ أنهم يفعلون الأمر نفسه مع الافكار المنحرفة والخرافية، ومع الأكاذيب والإدعاءات، ومع الاشخاص المعتاشين والمنتفعين باسم الدين والشيعة والمرجعيات.

وأتساءل: ما الذي جعلهم يلزمون الصمت والابتعاد عن دورهم المطلوب في نصرة التشيع وإحياء مدرسة أهل البيت عليهم السلام، بالمنهج الذي اعتمده رموز التشيع، ويلجأون لمراعاة اشخاص معروفين بالخرافة والتجهيل أو مشهورين بالتقصير في مواقعهم الحساسة؟

وما الذي يدعوهم الى التفتيش عن تبريرات للدفاع عن هذا وذاك من الاتجاه التخريفي او الشخصاني، فيتحدثون في المجالس الآمنة بقناعاتهم الحقيقية، بينما يكتبون العكس بأقلامهم في العلن؟

وغالباً ما يتظاهر هؤلاء بالحكمة او بالحفاظ على وحدة الصف الشيعي، أو بالدقة العالية في تفسير التصريحات ووجوهها، كما يبدو ذلك في بعض مجاميع الواتساب مثلا.

فمتى يتحسن الواقع الاجتماعي إذن؟

وكيف يتخلص البسطاء من الخرافة التي تفتك بعقولهم وتعبث باراداتهم؟

 وأين هو إظهار العلم عند ظهور البدع؟

يبدو أن ظاهرة المثقف الشجاع قد تقلصت مساحتها الى حد كبير، وتوسعت ظاهرة المثقف المعتاش. ومما زاد من الظاهرة الثانية، الوضع الحكومي والاتجاه السلطوي الذي صار هدف الكثيرين، فللمنصب بريق يصعب مقاومته، ومن يناله يطلب الأكبر منه، ولكي يصل الى ذلك، لا بد أن يشتري رضا المسؤولين والزعماء والقادة الدينيين والسياسيين.

ومع الأيام يتحول هذا السلوك الى صفة شخصية طاغية، وتصبح المواقف خاضعة لإرضاء الأشخاص وليس المبادئ، ثم يصل الأمر الى الابتعاد عن أي فكرة أو مشروع أو خطوة تقود الى نشر الحقيقة والتحدث بها ونشرها. تماما كما وصل السلفيون والوهابيون وغيرهم من رجال الدين في المذاهب الأخرى الى قناعة تتحكم بهم، هي الابتعاد عن أبواب الحقائق، وغلقها وإتلاف مفاتيحها.

لا يختلف الأمر في الجانب الديني او السياسي، فالممارسة واحدة، فهؤلاء يعتاشون بهذا السلوك في أجواء الدين عند حواشي المرجعيات، واذا ما قادتهم الفرص أو الظروف للجو السياسي فانهم يلجونه بسرعة حاملين معهم المنهج والعادات والسلوك نفسه. وفي الحالتين يتحدثون علناً خلاف قناعتهم، ويتحدثون في الأجواء الآمنة خلاف ما تحدثوا به في العلن.

لا أعتقد أن لهذه المشكلة حلولاً ممكنة، فهؤلاء يغرقونك بالمواعظ والنصائح ودروس الاخلاق وكلمات الحكمة، فكيف يمكن أن تنصحهم أو تنبههم على ما هم فيه؟.

لكن المسؤولية هنا تقع على المثقفين والمتعلمين، فكلمة منهم وتعليق مكتوب، واعتراض مسموع، ومناقشة هادفة، يسهم بشكل كبير في علاج آفة الاعتياش التي تنخر في الوسط الثقافي العراقي عموماً، ولها تداعياتها الخطيرة على حاضر الشيعة ومستقبلهم.

لها تتمة

 

للاطلاع على جميع حلقات:

وَهْمُ الدولة / د. سليم الحسني

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

أصل التشيع الإخبارية الإمامية الإثني عشرية قبل أحدوثة الشيخ المفيد في الإسلام مدرسة الأصول والوصول إلى تقليد اجتهاد مرجعية الولي الفقيه نائب الإمام الحجة المهدي المنتظر من قبل حجتية إيران المعارضة وشيخية الأحساء معارضة الأصولية والاجتهاد والتقليد والوهابية السلفية السعودية الإرهابية في آن واحد.

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3655 المصادف: 2016-09-07 03:13:22