المثقف - قضايا

سليم الحسني: وَهْمُ الدولة (45): كتلة السلطة القضائية

salim alhasaniمع بداية تشكيل العملية السياسية باشراف بول بريمر، اهتم كثيراً بالسلطة القضائية، فصممها بمقاسات خاصة، وحرص على جعلها تحت رئاسة (مدحت المحمود)، كما جرى تعزيز ذلك عبر الاجراءات الدستورية، بحيث تبقى على النسق الأول الذي صممه الاحتلال الأميركي.

تغيرت الحكومات وتعددت الانتخابات وتشكل اكثر من برلمان وأكثر من سلطة تنفيذية، لكن القضاء لم يمسه التغيير، إنما جرت عليه لمسات شكلية بسيطة، لم تؤثر على قوته وطبيعته وقياداته. وبالتالي فقد بقي دوره ثابتاً كما اُريد له منذ يوم تشكيله الأول.

يتصارع رجال السياسة والنواب، ويختلف قادة الكتل فيما بينهم أشد الاختلاف، وتنعقد الصفقات وتنفرط، لكن سلطة القضاء لا يقترب منها أحد.

يعلن مقتدى الصدر معارضته، ويحتج قادة الكتل السنية، ويشكو قادة الشيعة من الوضع المتردي في العملية السياسية، لكنهم لا يقتربون من خطوة عملية جادة نحو القضاء. فعند هذه الجهة يلتزمون الصمت العملي، ويُخيم عليهم الجمود الفعلي، وينقطع الخطاب.

القضاء في العراق ليس سلطة من سلطات الدولة، إنه كتلة سياسية من نوع خاص، كتلة لا تشترك في الانتخابات، ولا تخضع للدستور ولا تدخل في تحالفات، فهي فائزة على الدوام، وهي محمية من قبل السفارة الأميركية، فمن يجرؤ بعد ذلك على الاقتراب منها؟.

تتولى كتلة القضاء برئاسة مدحت المحمود، إبقاء الفاسدين في مواقعهم، وتغطية ملفات الفساد وإخفاء نتائج التحقيقات، وتشجيع كل المتورطين في هذه القضايا بمواصلة فسادهم والتوسع بها كيفما يحلو لهم، لأن هذه واحدة من المهام المكلفة بها. ولذلك لا نجد في دعوات الاصلاح التي يحاول البعض خداع الشعب بها، لا تقترب بخطوة عملية جادة من السلطة القضائية، إنما تكتفي بشعارات عامة تدعو الى اصلاح القضاء، وهو كلام لا قيمة له، فحتى أبسط مواطن في أفقر قرية عراقية يدعو الى اصلاح القضاء.

في انتخابات عام 2010 كان الحق الدستوري مع اياد علاوي لتشكيل الحكومة لكونه الفائز باكبر عدد من الأصوات، لكن كتلة السلطة القضائية تدخلت وحسمت الأمر لصالح المالكي، وذلك بعد ان اتفاق ايران واميركا على المالكي. وقد سكت علاوي عملياً، وكانت كلماته واداناته مجرد تسجيل موقف اعلامي لا أكثر، بما في ذلك تصريحاته المتكررة بانه سيلجأ الى المحاكم الدولية، لكنه تراجع بعد ذلك.

وفي انتخابات عام 2014 كان المالكي هو الفائز بالكتلة الاكبر، وهو الذي يحق له تشكيل الحكومة، لكن الوضع المحلي والاقليمي والدولي كان يرفضه، فحسم القضاء القضية، واهمل اعتراضاته، وسكت المالكي.

وعندما تم التصويت على اقالة الجبوري، أعلن الجبوري بأن السفارة الامريكية وعدته بأنه سيعود الى منصبه، وبالفعل اصدرت الكتلة القضائية قرارها بعدم صحة إقالته وحكمت ببقائه، وتعامل الجميع مع الأمر الواقع كحقيقة غير قابلة للنقاش.

وغير ذلك من الشواهد التي تبين ان الكتلة القضائية، هي صاحبة القرار في الدولة، وانها لا تمارس دورها القضائي، إنما هي تصنع القرارات السياسية وتوجهها، فتوافق وترفض وتمرر وتمنع، بما تتلقاه من تعليمات من السفارة الأميركية. وهذا ما يعلمه كافة قادة الكتل السياسية من سنة وشيعة وكرد، لكنهم لا يستطيعون الاعتراض، ليس مسموحاً لهم الاعتراض، انما بمقدورهم اطلاق التصريحات الداعية للاصلاح فقط.

لقد أمسكت السفارة الأميركية العراق من خلال السلطة القضائية، وتركت ايران وغيرها تسيطر على ما تشاء من العراق، ففي المواقف الحساسة والحاسمة، يتدخل القضاء فيصنع ما تريده الولايات المتحدة.

إن الخطوة الجادة لإصلاح القضاء، تعني أن تتحشد التظاهرات والمطالبات وتتركز على هذا المطلب تحديداً، ولا تتوقف عنه حتى يلمس الشعب التغيير الحقيقي في السلطة القضائية، وبغير ذلك، فان كل قائد سياسي يتحدث عن الاصلاح متهم بالكذب ومحاولة خداع الشعب، بل متورط في الفساد وخائف من انكشاف ملفاته.

لها تتمة

 

للاطلاع على جميع حلقات:

وَهْمُ الدولة / د. سليم الحسني

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3656 المصادف: 2016-09-08 00:53:55