المثقف - قضايا

سليم الحسني: وَهْمُ الدولة (47): جذور الحرب ضد مشروع الشهيد الصدر في المرجعية الرشيدة

salim alhasaniفي عام 1983 قدم من الكويت شاب شيعي التحق بالحوزة العلمية في مدينة قم، وبحكم ما يمتلكه من ثروة، استطاع ان يمد جسور العلاقة مع الكثير من بيوت وحواشي المراجع والعلماء، حتى صار موضع ثقتهم ومقرباً منهم.

تمكن هذا الشاب أن يجمع حوله أعداداً من طلبة الحوزة، ويُوفر لهم المسكن والمساعدات المالية، فبسط مكانته في اجواء الحوزة في مدينة قم. ومن خلال الحقوق الشرعية التي كان يقدمها بسخاء لبعض بيوتات المراجع، صار هذا الشاب محترماً وله شأنه في أجواء الحوزة.

توثقت علاقة هذا الشاب بشكل خاص مع رجال الخرافة في الحوزة العلمية، لما يمتلكونه في تلك الفترة من اتساع ونفوذ على اجوائها، فهم يضعفون أمام اصحاب الثراء، وهم بحاجة الى زيادة إمكاناتهم المالية للتحكم بالاجواء العامة والسيطرة عليها من خلال الدعاية والعطاءات وشراء المعتاشين.

وفي نفس الوقت كان يقوم هذا الشاب بالتردد على مجالس تلامذة واتباع وانصار مدرسة السيد الشهيد محمد باقر الصدر، ويحاول التعرف عليهم ولكن بطريقة حذرة. ويتعامل بأدب واحترام ولياقة باعتباره شخصاً معارضاً للحكومة الكويتية، وان هويته الشيعية ونشاطه الديني جعله مطارداً من السلطات الكويتية، فاضطر الى الخروج والهجرة الى الجمهورية الاسلامية في ايران.

هذا الشاب اسمه (عباس بن نخي) وقد كانت المخابرات الإيرانية ترصد تحركاته بدقة، وقد توصلت الى انه نائب ضابط في المباحث الكويتية. لكنها لم تتخذ اي خطوة ضده، لأسبابها وحساباتها المخابراتية، ومن المعروف ان جهاز (الاطلاعات) الايراني من اجهزة المخابرات المتطورة في العالم.

في التسعينات من العقد الماضي، صار (عباس بن نخي) شخصية معروفة في اجواء الحواشي وخصوصاً الخرافية منها والمعادية لمدرسة السيد الشهيد محمد باقر الصدر. ومنهم السيد (علاء الدين الموسوي الهندي) الذي يعمل حالياً رئيساً لديوان الوقف الشيعي.

وكان يقوم (عباس بن نخي) بسفرات متكررة خارج ايران ويعود اليها، وقام بتنظيم مجموعة من الشباب الكويتي في قم تحت عنوان (حزب الله الكويت) وقد جرى عودة بعضهم وتم اعتقالهم فور وصولهم الى الكويت. لكن الشبهات لم تقترب اليه باعتباره كان ثورياً (ذائباً) في ولاية الفقيه، وفي نفس الوقت (متديناً) وصل به التدين درجة الايمان بابسط خرافة، وفي الأوساط البسيطة، عادة ما ترتبط الخرافة بالتدين، وكلما كانت الخرافة عالية صار صاحبها أرفع درجة في مقام الدين والتقوى.

في النصف الثاني من التسعينات بدأت تتكشف نتائج عمل عباس بن نخي، فقد قام بزيارة الى بيروت والتقى بالسيد محمد حسين فضل الله، وفي جلسة عادية خاصة، بدأ يسأله عن امور تاريخية ضمن احاديث عامة اخرى، ثم تطرق الى موضوع الزهراء عليها السلام، وعن صحة رواية كسر ضلعها، فاجابه السيد فضل الله بآراء علماء الشيعة وخلافهم حولها وأنه سأل بنفسه المرجع الكبير السيد عبد الحسين شرف الدين عنها فلم يؤكدها وقال انها لم تثبت عنده وتحتاج الى بحث.

لم يجد عباس بن نخي في جواب السيد فضل الله ما كان يصبو اليه، فاستغل محاضرة القاها السيد فضل الله على مجموعة من النساء حول الزهراء عليها السلام، بعنوان (الزهراء القدوة) فسألته أحدى الحاضرات عن حادثة كسر الضلع، فشكك بصحتها وانها بحاجة الى بحث تاريخي علمي.

(يقول كاتب السطور: أعتقد ان حادثة كسر ضلع الزهراء صحيحة، فبعد يوم السقيفة حدثت فوضى في المدينة المنورة، فقد استعان ابو بكر بقبيلة أسلم، حيث اقتحمت المدينة وسيطر رجالها بالقوة عليها، وقد نشروا الخوف بين الناس، وصاروا يضربون من يمرون به، وقد عبر عمر بن الخطاب عن قلقه من اتمام البيعة لأبي بكر بقوله: (فلما دخلت أسلم المدينة علمت انه النصر) وتشير هذه الرواية أن عمر ابن الخطاب، قد يكون استفاد من الفوضى التي عمت المدينة وسيطرة القبيلة الموالية للخلافة، فأراد اتمام النصر بواقعة الدار، وما لحقها من كسر ضلع الزهراء، اضافة الى ما عرف عنه من سلوك خشن طوال حياته. والقضية تاريخية تخضع للبحث التاريخي).

بعد عودة عباس بن نخي من بيروت بدأت طلائع الحملة ضد السيد فضل الله، بانه ضد الزهراء عليها السلام، وقد حمل لواءها السيد علاء الدين الموسوي الهندي فطاف على اقطاب الخرافة يستنهضهم، وفي نفس الوقت كان عباس بن نخي يدور على حواشي المراجع يبث فيهم العزيمة ويدعوهم لمحاربة فضل الله، وكانت الاستجابة لمسعى (بن نخي) سريعة وواسعة، فمن يقوى على رفض طلبه وهو المتفضل عليهم بالمال على مدى سنوات عديدة وبدفعات متزايدة غير منقوصة؟.

وبذلك اكتملت عناصر الهجمة، وبدأت الحرب العنيفة على السيد فضل الله.

كانت المعركة في حقيقتها ضد مدرسة السيد الشهيد محمد باقر الصدر، لكن الوسيلة كانت في ضرب السيد فضل الله لما يمثله من حضور واسع في الواجهة الاعلامية الاسلامية والسياسية على الصعيدين الشيعي والدولي.

ومما يؤكد ذلك، ان الهجمة توسعت لتنال من العلامة الشيخ محمد مهدي الآصفي، وتشكك في توجهاته وافكاره الشيعية، كما انها نالت من العلامة الكبير مرتضى العسكري. وجرى التشكيك في شيعيته ايضاً، كما تعرضت في نفس الوقت شخصيات في الكويت والبحرين والامارات وغيرها لتشكيك مشابه، وكل الذين تعرضوا لذلك هم من تلامذة ومن مدرسة السيد الشهيد محمد باقر الصدر.

كان السيد فضل الله قد طرح نفسه مرجعاً، قبل أن تبدأ الحرب عليه، وأعلن تبنيه لمشروع السيد الشهيد الصدر في المرجعية الرشيدة، وأكد على أنه سيعمل على إتمام ذلك المشروع وتكريس مرجعيته في هذا الاتجاه، بوصف المشروع الصدري هو الرؤية العميقة لواقع المرجعية اليوم ولدورها في حياة الأمة، وأن السيد الشهيد سعى لأن تكون المرجعية مؤسسة قائمة وليس شخصاً محدداً، واذا كانت حياته التي انتهت بالشهادة، لم تمكنه من تحقيق هذا المشروع فأنه سيعمل على تنفيذه.

وقد كتبتُ في تلك الفترة ـ اي قبيل إعلان (بن نخي وعلاء الهندي) معركتهما ـ كتاباً بعنوان (المعالم الجديدة للمرجعية الشيعية) تحدثت فيه عن مشروع المرجعية الرشيدة للسيد الشهيد الصدر، وعن الطرق العملية التي سيجري تنفيذها في ضوء عدة حوارات اجريتها مع السيد فضل الله، وقد لاقى الكتاب انتشاراً واسعاً، حيث أعيد طبعه ست مرات في أقل من سنة.

حدث تطوران مهمان متقاربان زمنياً بعد ذلك:

الأول: قام السيد علاء الدين الهندي بجولة في بعض البلدان، ابرزها دولة الامارات العربية المتحدة وسلطنة عمان واليمن، وفي هذه الدول تعرض ابناء مدرسة السيد الشهيد الصدر وانصاره الى اعتقالات ومضايقات من قبل السلطات الأمنية فيها. ثم تبين أن وراء الوشاية بهم واختلاق التهم ضدهم، هو السيد علاء الدين الموسوي الهندي.

أما الحدث الثاني، فان عباس بن نخي، شعر بأنه امسك بأسباب القوة، بعد أن تمكن من تحريك الحواشي والحصول على مواقف داعمة لمسعاه في محاربة مدرسة السيد الشهيد الصدر، فاراد تصعيد انتصاره الى مرحلة أعلى، حيث بدأ يدعو الى التطبير ومخالفة فتوى السيد الخامنئي في حرمة التطبير، وبدأ نشاطاً متزايداً في هذا الاتجاه. لكنه فوجئ باعتقاله من قبل الأجهزة الأمنية . وبعد الافراج عنه غادر ايران الى الكويت التي كان يدعي معارضته لها.

يقيم عباس بن نخي حالياً في الكويت، ويعيش عيشة فاحشة الثراء بما يملكه من عقارات وبنايات واسواق وتجارة عريضة.

وقد اصدر مجموعة المقالات والكتب، يهاجم في بعضها إيران هجوماً شديداً على شاكلة ما تفعله الجزيرة والعربية والاعلام الوهابي، وأكثر ما يسجله من طعن وهجوم ضد السيد الخامنئي، ولكي يضلل البسطاء، فانه يمتدح الامام الخميني، لكنه يهاجم نظرية ولاية الفقية بشدة. وفي نفس الوقت، يدعي رفضه للخرافة، لكنه يمتدح اقطاب الخرافة، ويقلل من دور المرجعية في الوسط الشيعي ويعالجها بمدحه لمرجعية السيد السيستاني، ويخالفها في المواقف، فعندما توفي الشيخ محمد مهدي الآصفي، ونعته مرجعية السيستاني في بيان واضح رصين، اصدر بن نخي بياناً هجومياً ضد الآصفي مباشرة عقب بيان السيد السيستاني.

الى جانب بن نخي، يعيش السيد علاء الدين الموسوي الهندي برخاء ونعيم وثروة طائلة، اضيف لها عمله رئيساً لديوان الوقف الشيعي.

تعيش الخرافة في العراق والخليج أفضل فتراتها، ويعيش اقطابها في احسن حال من ثراء ونعيم ورخاء.

يعيش الشيعي اتعس الظروف، لكنه يتبع الاثرياء الذين يروجون للخرافة، فيقدسهم، بينما ينظرون اليه على انه انسان منبوذ تابع لا يستحق العطف بلقمة لعياله، وان عليه ان يلطم ويطبر ويصدق أحلام الخرافيين، وكلام الشيخ بشير النجفي، صاحب مقولة ان الأسود لا تأكل السادة من ابناء فاطمة الزهراء عليها السلام، والشيخ بشير النجفي أحد الداعمين للحرب التي اعلنها بن نخي وعلاء الموسوي الهندي.

تعيش مدرسة الامام الشهيد الصدر انحساراً واضحاً عن مداها الحقيقي الذي كانت عليه. وقد استطاع اتجاه الخرافة أن يجهز على مشروعه في المرجعية الرشيدة من التنفيذ، ومن التحول الى كيان مؤسساتي قوي وفاعل في المجتمع، يقدم خدماته للأمة ويستقطب الطاقات الشيعية في مختلف التخصصات ويعالج مشاكلهم الحقيقية، وينهض بواقع المعاشي، ويدفع عنهم التحديات والمؤامرات، ويتصدى بالاعتماد على المتخصصين والكفاءات لنشر معالم التشيع ومدرسة أهل البيت على مستوى العالم، بما تمتلكه من تراث علمي لا يضاهيه نتاج اي مدرسة اخرى من المسلمين.

لها تتمة

 

للاطلاع على جميع حلقات:

وَهْمُ الدولة / د. سليم الحسني

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

الكاتب سليم الحسني اسمح لي ان أصارحك ؛ أنك ومنذ بداية سلسلتك هذه لم تكن منصفا ابدا
والباحث الحقيقي المنصف يستطيع ان يكشف العديد من المؤاخذات ويسجلها عليك فضلا عن التمويه والمواربة والمغالطة المفضوحة في سلسلتك هذه.
أبسطها زعمت ان عباس بن نخي مجند استخباراتي مدسوس من قبل الكويت!!! بينما حقيقة بن نخي التي نعرفها ويعرفها ويعلمها الكثيرون غيرنا انه ضابط في الباسيج جندته حكومة ايران ؛ وكان من ضمن المهام الموكلة إليه والتي ترعاها حكومة ايران هي الاطاحة بشخص وعلم وفكر السيد الشهيد محمد باقر الصدر رحمه الله ، (والذي يسأل عن هذه المسألة- العداء ضد الصدر) فليرجع الى كتابات بن نخي وشريكه الكوراني المجند هو الآخر لهذا الغرض ولغيره وايضا ليرجعوا ويتأكدوا من كتابات الكوراني وحملته ضد السيد الشهيد محمد باقر الصدر وضد كل مَن يحمل نفس الفكر وحتى ضد اي شخص يعادي حكومة ايران وسياسة ايران او ينتقد اي جهة دينية تابعة لايران
هذه القضية التي لم تتطرق لها بل وعكستها كليا وحدها تكشف للقراء رواد المثقف الكرام عدم الموضوعية والنزاهة والانصاف الواضح في ما تكتب اضافة الى اسلوب التمويه و(قفز الموانع) الذي تلعبه في كل كتاباتك......
الاشكالات ونقاط الضعف والمؤاخذات عليك كثيرة وكثيرة وكثيرة فلا تغتر وتعتقد ان الجميع مرتاح لكتاباتك او يصدقها لانها اساسا خالية من الصدق والحيادية والانصاف.


تحياتي

سلام الجبوري
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3657 المصادف: 2016-09-09 14:19:59