المثقف - قضايا

سليم الحسني: وَهْمُ الدولة (55): السيد الخوئي يفضح "معجزات" الخرافيين

salim alhasaniلست بصدد مناقشات عقائدية في هذه السلسلة من المقالات، فهي كما واضح من عنوانها (وَهْمُ الدولة) تهدف الى تشخيص الأخطاء والهفوات والأسباب التي أدت الى وصول العراق الى هذا المستوى المتردي، ووضعته على شفا حفرة الانهيار كدولة.

ومن الطبيعي أن يأتي الكلام طويلاً حول بعض القضايا والأسباب التي تقف حائلاً دون إمكانية النهوض والبناء، ومن الممكن أن أعود الى إشارات سريعة ذكرتها في حلقات سابقة، لأتوسع فيها في حلقات جديدة، بحسب طبيعة الموضوع الذي أتناوله.

لقد كتب الكثير من المتابعين تعليقاتهم ووصلتني اضعافها على الخاص في الفيسبوك، رسائل يناقش أصحابها في المعجزات وفي الخرافات، مع ان اتجاه الحديث كان عن أسباب هذا التدهور في العراق، وان الخرافة من أسبابه القوية التي فتحت المجال أمام مجاميع التجهيل للتلاعب بعقول البسطاء، وإماتة الإرادة فيهم. وقد تلاقى ذلك مع فساد السياسيين والمسؤولين بطريقة أو بأخرى، فنتج عن ذلك المزيد من التدهور، واصبح الحل وعمليات الاصلاح والانقاذ في غاية الصعوبة، بل أنها ستكون مستحيلة لو استمر الحال على ذلك.

فعلى سبيل المثال أن اقطاب الخرافة عملوا ويعملون على إضعاف قوة المرجعية الحقيقية ودورها في الأمة، فقد صنعوا وجودات تعمل على تدمير موقع المرجعية كقيادة عليا للأمة، واستغلوا البسطاء في هذا الاتجاه.

وقد تحدثت في مقال سابق عن الشيخ بشير النجفي، ووضعت الفيديو الذي يقول فيه: إن لحم بني فاطمة عليها السلام محرم على الأسود، وأن السيد لو أدخل يده في فم الأسد، فلا يأكلها، وقد جرّب ذلك مراراً وتكراراً، بحسب قوله.

يجب أن نعرف ان هذا النمط من الشخصيات التي تؤمن بالخرافة، هي التي تتسبب في تضليل الأمة، والأخطر من ذلك تعمل على إضعاف المرجعية العليا المتمثلة حالياً بالسيد السيستاني في توجيهاتها ومواقفها وقراراتها.

لقد استطاع الشيخ بشير النجفي أن يوجه ضربة لخطوة مهمة أقدم عليها السيد السيستاني حين دعا عبر خطب الجمعة بـ (عدم انتخاب المُجرب)، وكانت تلك فرصة لإبعاد الوجوه الفاسدة والفاشلة عن الواجهة والمواقع السياسية في الحكومة والبرلمان. لكن الشيخ النجفي خالف هذا الرأي، وقدّم تزكيته لمجلس الأعلى بقوله إن عمار الحكيم ابني وابن المرجعية.

إن من الطبيعي لشخص يعتقد بخرافة الأسد والسيد، أن يعتقد بصلاحية عمار الحكيم للقيادة والعمل السياسي.

وبذلك كانت النتيجة أن إحدى الكتل الفاسدة خرجت بتزكية قوية من جو خرافي، وأن المرجعية العليا تعرضت لطعنة من شخص يحمل صفة مرجع ديني. فكيف بعد هذا نأمل بالمواطن البسيط أن لا يُجرب المجرب؟.

عندما ذكرت في عدة حلقات عن أثر الخرافة والترويج لها، في مساندة الفساد والفاسدين، ومن ثم وقوفها ضد عملية بناء المجتمع الدولي، إبتعد قسم من المتابعين عن أصل الفكرة، وانشغلوا بالدفاع عن (معجزات) الشفاء بالبصاق وشربت الصحة، والعمليات الجراحية التي يجريها الأئمة لمرضى السرطان، وشفاء المنبر للأمراض المستعصية ومنها الشلل، وقضاء الحواجز بتقديم النذور للتراكتور العاطل ـ وضعت الصورة في اول تعليق على المقال ـ

ويصل هؤلاء المتابعون الى نتيجة مفادها بأن من ينكر هذه التي يتوهمون انها (معجزات) فهو بالضرورة ينكر ما رواه القرآن الكريم من معجزات جرت على يد الأنبياء والرسل.

هذا المستوى من الإرباك والخلط بين معنى المعجزة والخرافة، هو الذي يدفع الكثير من البسطاء الى الوقوع في مصائد أرباب الخرافة. سأختار مقطعين لأستاذ المراجع والفقهاء السيد الخوئي كما كتبها في تفسيره (البيان) في فصل (إعجاز القرآن) حول معنى المعجزة.

يقول السيد الخوئي في تعريف المعجزة: (أن يأتي المدعي لمنصب من المناصب الالهية بما يخرق نواميس الطبيعة ويعجز عنه غيره شاهداً على صدق دعواه).

ويقول الخوئي: (وإنما يكون الاعجاز دليلا على صدق المدعي ، لأن المعجز فيه خرق للنواميس الطبيعية ، فلا يمكن أن يقع من أحد إلا بعناية من الله تعالى، وإقدار منه).

ويقول: (وإنما يكون المعجز شاهداً على صدق ذلك المدعي إذا أمكن أن يكون صادقا في تلك الدعوى. وأما إذا امتنع صدقه في دعواه بحكم العقل ، أو بحكم النقل الثابت عن نبي ، أو إمام معلوم العصمة ، فلا يكون ذلك شاهدا على الصدق، ولا يسمى معجزا في الاصطلاح وإن عجز البشر عن أمثاله). انتهى

إن أبسط عاقل يرفض تصديق الوقائع الغريبة إذا لم يلمس شواهد او شهوداً عليها، لكن البسطاء يصدقون الغرائب لأن القائل خطيب أو رادود أو رجل دين خرافي يسرد حادثة عن شخص مجهول ليس له اسم ولا عنوان، ولا يمكن التحدث اليه لمعرفة ملابسات " المعجزة " التي حصلت له، كما لا يمكن التحقق من مسلكه الديني والاخلاقي لاستبعاد الاغراض الشخصية لادعائه ذلك، أو فحص حالته الصحية للتأكد من سلامتة العقلية....الخ من شروط ثبوت الادعاءات الخطيرة في القضايا الغيبية.

إن مجرد تصديق كل ما يقوله الخطيب بدون أدنى محاولة للتثبت منه لهو دلالة على المستوى الذي تتميز به طبقة المصدقين بهذه الخرافات التي يعرف كل عاقل انها لو كانت صادقة لجرى توثيقها وتدوينها صوتا وصورة لكي " يهتدي بها " عامة الناس الذين لم يؤجروا عقولهم للخرافيين الذين ينسبون كل هذه القصص العجيبة الى أشخاص مجهولين لا يستطيع أحد اللقاء بهم للتحقق من صدق القصة.

إن الذي يسود المجتمع العراقي ـ ومجتمعات أخرى ـ في طبقاته البسيطة، أنهم يصدقون كلام بعض الخرافيين والمعتاشين على الدين، فيما يدعونه من أكاذيب، ويعطونه صفة المقدس بنسبته الى أهل البيت عليهم السلام. وتكون النتيجة هذا الواقع المرير والمؤلم الذي نراه أمامنا في العراق.

في حلقة قادمة سأقوم بنشر بعض حكايات اقطاب الخرافة، وعلى المهتمين بالموضوع، تطبيق رأي السيد الخوئي عليها لمعرفة قيمتها الدينية والعلمية.

لها تتمة

 

للاطلاع على جميع حلقات:

وَهْمُ الدولة / د. سليم الحسني

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3662 المصادف: 2016-09-14 15:04:50