المثقف - قضايا

سليم الحسني: وَهْمُ الدولة (56): التشابه المثير بين منهج بني أمية وأرباب الخرافة الشيعية

salim alhasaniتلتقي الأحاديث المكذوبة على الرسول (ص) والأساطير التي رواها القصاصون ثم دخلت مصادر التاريخ، بمشترك واحد، هو الولاء للسلطة الحاكمة وتعزيز مكانة الحاكم.

لقد صنع هذا الاتجاه في تاريخ الإسلام (معاوية بن أبي سفيان). وكان معاوية مُلماً بتاريخ الأمم والملوك، يقضي وقتاً طويلاً من نهاره وليله في الاستماع الى المؤرخين يحدثونه عن تجارب الماضي، وقد مكنته هذه المعرفة التاريخية من زيادة دهائه ومكره وخدعه وتوظيفها في حكم البلاد والمسلمين. فصرف الأموال الطائلة على المحدثين والمعتاشين والقصاصين لوضع الأحاديث الكاذبة، ضمن منهج حدده بنفسه، وأشرف عليه بدقة.

وعلى منهجه سار من تلاه من الخلفاء الأمويين والعباسيين، فصار التحريف والخرافة صنعة مُربحة في المجتمع الاسلامي.

دخلت الخرافات والأساطير كتب التاريخ ومصادره المهمة. ومن تلك الأفكار المنحرفة عن أصول الاسلام، وصل الينا إسلام مشوه في قسم منه، عن ذلك الذي جاء به الرسول، وصارت طاعة الحاكم واجبة حتى لو كان ظالماً. فانقلب الإسلام من دين التحرر الى العبودية للحاكم عند القسم الأكبر من المسلمين. وصارت عقيدة معظم المسلمين تتمثل في (طاعة) الخليفة، فعندما استباحت جيوش يزيد المدينة المنورة، كان جند الخلافة يقتلون ويسلبون الناس ويغتصبون النساء المسلمات، تنفيذاً لأمر الخليفة، وهم يهتفون (الطاعة الطاعة) والمقصود بها طاعة الخليفة. وتتحدث أمهات مصادر التاريخ عن اشخاص كانوا يقومون بهذه الجرائم البشعة، وهم يعتقدون بأنهم ضمنوا الجنة. أي أن الأمر يشبه تماما ما يحدث الآن على يد تنظيم داعش والجماعات الإرهابية.

بتلك الانجازات ازداد تشجيع الخلفاء لإشاعة الأحاديث والأكاذيب والأساطير، فبرع القصاصون الموالون للسلطة، في اختلاق الروايات والأحاديث والوقائع، التي تخدم الحاكم او عائلته او عشيرته، فظهر اتجاه الخرافة قوياً فاعلاً ومؤثراً في الحياة الاسلامية، تتناقله كتب المؤرخين من أقدمها الى يومنا هذا.

منذ بداية عهد التحريف، بادر أئمة أهل البيت عليهم السلام، الى محاولة إعادة الاسلام صافياً نقياً كما جاء به الرسول، وكانت أدوارهم المتعددة تقوم على أساس هذا الهدف. وقد بذلوا جهودهم من أجل إعداد الشيعة للقيام بهذه المهمة في أوساط الأمة جيلاً بعد جيل حتى غيبة الامام المهدي. ومن بعده تحمل هذا الدور مراجع الشيعة وهم من أكابر العلماء والفقهاء الذين يستندون الى نهجهم ومدرستهم، أي إحياء السنة النبوية، والعمل بها وبالقرآن الكريم.

إن عمل مدرسة أهل البيت كان يواجه بمضايقات السلطات الحاكمة باشكال مختلفة تبدأ بالقتل وتمر على السجن وقطع الأرزاق والملاحقة والنفي والإبعاد عن الديار وتنتهي بالتضييق وسلب الحريات.

وقد استطاع الشيعة بفضل أئمتهم ومن بعدهم كبار المراجع والعلماء، ان يؤسسوا أعظم المدارس الفكرية في تاريخ الإسلام، وأوثقها فهي تستند الى القرآن الكريم والى الصحيح من السنة النبوية، فأسسوا العلوم والمعارف الكبرى، وقد أفرد لها السيد حسن الصدر كتابه الرائع (تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام).

كما استطاعوا من خلال منهجهم الأصيل الصمود بوجه كل التحديات التي واجهتهم من قبل السلطات الحاكمة، وكان كبار العلماء يتصدون لأي ظاهرة لتحريف فكر أهل البيت أو إضعاف منهجهم في البحث العلمي الرصين.

لكن الانتكاسة بدأت في عصر الاستعمار، حيث اكتشف المستشرقون والبعثات الدبلوماسية أن قوة الشيعة تكمن في ارتباطهم بمراجع على قدر كبير من الوعي واستيعاب الواقع. فكان الشيعة يصنعون الثورات، وينهضون بعد كل نكبة تمر بهم على يد السلطات.

مع عصر الاستعمار نشطت الخرافة بشكل كبير، وبرزت عمليات التجهيل للاطاحة بالفكر الشيعي، وخلق بدائل مشبوهة تتوغل في أجواء الحوزة العلمية. وقد برزت جهود روسيا القيصرية وبريطانيا في هذا الاتجاه، حيث استطاعت هاتان الامبراطوريتان دعم العديد من الاشخاص ودفعهم الى انتاج الخرافات والتجهيل في الوسط الشيعي.

وبعد الحرب العالمية الأولى، تنامت الخرافة بشكل ملحوظ، وشهدت المواكب الحسينية نمواً متزايداً يقوم على أساس الخرافة والمظاهر الاستعراضية، فيما راح المضمون الفكري لثورة الحسين يتراجع بالتدريج. حتى وصلنا اليوم الى علماء الأحلام والتجهيل وسط حالة كارثية من التخلف الاجتماعي والثقافي التي تغطي العراق. واضاف لها القادة السياسيون المزيد من التدهور لتصبح الكارثة أشد وأكبر من قبل.

إن عمليات التجهيل التي صنعها بنو أمية وبنو العباس في صدر الإسلام، واستطاعوا من خلالها السيطرة على الأمة، وسلب ارادتها، انتقلت في العصور الحديثة الى الجو الشيعي. والملفت انها تشترك معها في مظهرين اساسيين:

 

الأول: القدرة المالية الكبيرة لأقطاب التجهيل

الثاني: حكايات قصصية فيها من الغرائب والعجائب ما يهبط بمستوى العقل الى أدنى المستويات، وهي في النتيجة تُسهم في اشاعة الضعف والخنوع وعبادة الاشخاص.

وسأقارن في حلقات قادمة بين القصص التي وضعها بنو أمية وبنو العباس، وبين التي يجري تداولها على قسم من منابر الشيعة حالياً، مما يشير الى أن الهدف مشترك بين المجموعتين، أي قتل العقل وتعطيل الارادة، وجعل الفرد هو المعبود والمتحكم بالجماهير البسيطة، وأن العملية التي تجري اليوم من تشويه الفكر الشيعي ومدرسة أهل البيت عليهم السلام، باسم الشيعة، ليست بريئة وتحوم حولها الشبهات والثمن المدفوع.

لها تتمة

 

للاطلاع على جميع حلقات:

وَهْمُ الدولة / د. سليم الحسني

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

اتمنى ان تزور بغداد ايام عشوراء لترى حجم التخلف الذي غرق فيه الشعب العراقي ومدى الخراب الذي يحدث في احياء بغداد وشوارعها ،ونحن نعرف جيدا الناس الذين يقيمون هذه الشعائر او المشرفين والممولين لها

المهندس اياد
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3663 المصادف: 2016-09-15 15:04:50