المثقف - قضايا

رشيد العــالم: لا عِصمَة للأديَـان مِن الحُرُوب

rasheed alalimإن الصراعات السياسية الكبرى التي وشمت صفحات التاريخ الإنساني القديم والمعاصر كانت في جلها، صراعات دينية وطائفية ومذهبية على عدة مستويات، ففي كل عصر من العُصور نجد الصراع الديني يأخذ طابعًا وشكلا آخر، ولكن أصل الصراع وجوهر الخلاف، يبقى الدين بكل ما يحمله من  أبعاد عقائدية وإيمانية ومضامين روحية  شحنات ثقافية تأخذ أبعادًا دنيوية وأخروية، وبالتالي فكل الصراعات تم تأجيج نيرانها عبر استحضَار البعد الغيبي المتمثل في الجَنة والخلـُود ورضى الله المتواجد بعمق في كل الأديان سَواء كانت سَماوية أم كتابية، أي اعتمادًا على المضمون الديني المتعلق بالمتعَاليات.

فرجال الدين والقساوسة الذين كانوًا يشعلون الحروب كانوا يعتمدون أساسًا على العامل الغـَيبي. وهو نفس الوَسيلة ونفس المُخذر الذي يطعم به ويحقن به الإرهابيون الجهاديون من أجل إيصالهم إلى مرحلة تقديس المطلق واحتقار النسبي، ما يجعل من الذات  قربانـًا حقيرًا لا قيمة له، يشتعلُ رمادًا ليتوقد نورًا في الحياة الأخرى حيث رضَى الله عند المسلمين وَالمسيح عن المسيحيين ويَهُوذا عند اليهود وبوذا عن البُوذيين وزرادت عند الزرادشتِيّين..

إن الصراع بين الأديان كان وما يزال وسيظل لأسبَابٍ عدة.. فمذ قرون عديدة، لم يرد أن البشرية عاشت في تعايش وسلام بعيدًا عن الصِّراعات الحَضَارية والبَشريّة والدِّينيَّـة، فكما شهد التاريخ حروبا بين الرومان والفرس، وبين المغول والتتار، وبين التايبيينج والقلائل في ايرلاندا الشمالية، شهد التاريخ حروبا دموية  باسم الدين قبل الامبراطور الروماني (أغسطس قيصر) الذي اعتنق المسيحية وخاض حروبًا من أجل فرض المسيحية على الشُّعوب، وكان القديس (امبروز) يرى أن البربر المتمردين على الإمبراطور هُم أعدَاء الله ..وقبل الامبراطور الروماني كانت الحروب التي خاضها اليهود والمسجلة في العَهد القديم خاصة في (سفر يشُوع) .. وبعدها نشبت الحروب الصلبية ضد التوسع الإسلامي ومن أجل استرجاع  فلسطين من المسلمين .. كمَا انفجرَت الحُروب  الطاحنة بين الكاثوليك والبروتيستانت  بعد انفصال الكنيستين عن بعض، وخاصة الحرب التي نشبت بين (فيليب) مَلك (اسبانيا) و(إليزابيث) ملكة (إنجلترا).

والفتوحات الاسلامية كانت نموذجا لتعميق الصراع بين الأديان وبين الشعوب، فقد وَصَلت الدولة الاسلامية آنذاك لأقصى توسعاتها في نهاية الدولة الأموية، حين بلغت الهند والصين شرقا و الأندلس غربا وجنوب فرنسا..

فجل  حُرُوب الماضي مازالت مستمرة على مر الليالي والأيام، حتى ذهب البعض إلى القول بضَرُورة القضاء على الأديان من أجل القضاء على العنف الذي يستثمر في النزاعات من خلال الدين، غير أن الأمر ليس كذلك، فالقضاء على الأديان، أمرٌ مستحيل، ولا يمكن تصَوُّره.. فظاهرة الرجوع إلى الدين باتت واضحة حتى في قلب المجتمعات الأوروبية العلمانية التي سَلخت الدين من الحياة السِّياسية والمَدنية.

والدين في مراحل تاريخية كثيرة والنصوص المقدسة التي تقرأ على  أضواء متعددة وفق مقتضَيات الزمان والمكان والأحداث، غالبا ما كانت المحرك الرئيسي المُعتمد من أجل إخضَاع الأمم باسم الحَقيقة الالهية، لأن ارتباط الدين بالحَقيقة الغيبيّـة والذات الالهية المثلى علاوة على اعتباره وسيلة لنيل رضَى الله ونيل الخلود الأبدي، شكل عند المتدينين قداسة سَاميّة جَليلة لا تدنس ولا شيء يعلوا  فوقهَا حتى ولو كان دينـًا آخر.

فالمسلمون ينظرون إلى  الاسلام باعتباره النسخة المعصومة لكل الأديان بينما يعتقد المسيحيون بأن أمَم الأرض عليها أن تخضع لابن الرب يسوع الذي صلب نفسه فداء للبشر وتكفيرًا عن خطايَاهم..الكل يضفي على دينه طابع العصمَة والقداسة وينظر إلى  الأديان الأخرى باعتبارهَا نسخًا مُشوهة أو مُحرَّفة أو مختلقة ..فعدم تنازل الفرق الدينية عن تقديس أديانهم وتنزيه لاهوتهم وإعلاء تراثهم والتعصب للآلهتهم جعل من هذا الإعتقاد سبيلا إلى صون الدين والدفاع بشتى الوسائل عن رموزه ورجالاته وأنبياءه وحتى أدعياءه وإن كانوا على ظلال.. إلى أن صار التعرض لرموز الدين أو لنصوصه أو لعُرَّابه وفقهاءه  تهديدًا لدين للمتدين ولحياته وآخرته وإلهه..

و بهَذا الفهم الانغلاقي وهذا التفسير الضَّيق تم تنشئة المجتمعات عبر أجيال على دين خاطئ و بصورة رَاداكالية وجَذرية، بدل صُورَة نقدية مُـنفتحَة، حتى صَار من الهين خلق أفراد يدافعُون عن الدين أكثر مما يُدَافعون عن أوطانهم و أعراضِهم، لأن  الوطن عندهم مرتبط بالحياة الفانية والوجود السفلي بينما الدين مرتبط بالخلود الأزلي والنعيم المقيم..

فكثيرا ما كانت ترفع شعارات الحَرب من أجل الله، أو فِي سَبيل الله، أو من أجل أن تكون كلمة الله هي العليَا، وكلمة الأديَان الأخرى هي السفلى، فالله والمقدس والغيب، يُعدُّ وقودا حيويًا يَشحذ هِمم الشعوب، ويغذي العَصبيَّات ويُذكي العَزائم، ويطمس البصائر ويخذرالعقول ويطمس القلوب من إدراك عَواقب ومآلات الحروب الدينية، فالتاريخ وضح لنا أن النزاعات السياسية ذات الطابع الاقتصادي أو الإستعماري تنتهي سريعا بعد عقود.. بينما النزاعات الدينية تعمر لقرون طويلة..وإن حدث وخمد سَعيرها فإنها تعود مرة أخرى لتلقي بظلالها على مستقبل الأجيال اللاحقة ما دام الفهم التراثي للدين ظل كما هو عليه من قبل، ولم يتضمن أي ثورة نقدية دينية تنويرية تقرأ الدين على ضوء   التعايش الحضاري والسلم الانساني والأمان البيئي..فالأديان كانت تستثمر من أجل الصراعات أكثر مما كانت تستثمر من أجل إحلال الأمن والسلام بين الأمم

وبعيدا عن الصراعات بين الأديان الكبرى، هناك صراع آخر ليس أقل منه خطورة وهو الصراع داخل الأديان بين المذاهب، فالبعض يرد أصل الصراع بين الأديان إلى نزعة الصراع بين المذاهب..فحقيقة الصراع نابع من عدم فهم عميق لغاية الدين ومقاصده.. وغاية كل دين تتمثل في حفض الأنفس والأعراض ونشر السلام والمَحبة بين الأمم بغض النظر عما إذا كانوا مُتدينين أم لا لأن الله سبحانه لا يحتاج لمتديين يعبدون الله ثم يسفكون الدماء..بل يريد شعوبًا متخلقة تعبد الله وتنشرُ السلام..

فالتحريف والتأويل الخاطئ لمقاصد الدين كانت سببا جوهريا من أسباب نشوب الفتن الكبرى بين الأديان وداخل الأديان وحتى في هذا العصر نجد كثيرا من الحروب يحمى وطيسها بنفس الوسائل التي حمي بها من قبل وهو تأويل النصوص بناء على هدف سياسي وغاية استراتيجية معينة.

إن التاريخ الديني الدموي يعيد نفسه مرة أخرى ولكن الاختلاف يكمن هذه المرة في التقنيات التي تدار بها هذه الحروب، فمن قبل، كانت الحروب تستغرق أيامًا وشهورًا ، وعدد القتلى كان لا يتجاوز الألف أو خمسة الآف .. بينما في هذا العصر بفضل التكنولوجية الحربية الذكية صار من السهول إبادة شعب بأكمله من الأرض في ثانية واحدة عبر طائرة بدون طيار كما يحدث في سوريا والعراق..

المجتمعات البشرية تحتاج أكثر من أي وقت مضى، إلى تجاوز منطق الصراع الديني  و نزعة الخلاف المرضية.. التي لا تخلق مجتمعا مدنيا مثاليا بل في المقابل تخلق مجتمعا مشبعا بالكراهية والحقد والغلو تجاه الآخر المسيحي أو اليهودي، وذلك من خلال تنقية التراث الديني الفكري والفقهي والتفسيري من مختلف القراءات التِي تشرعِن العُنف والكراهية والقتل، وإلا فما بعد خلافة (داعش) سوى خلافات دينية أخرى سَتظهر لتعيد إلى العَالم مسلسل الرعب والأكشن والقتل تحت رايات لا إله إلا الله.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3670 المصادف: 2016-09-22 04:05:37