المثقف - قضايا

مصطفى المغراوي: المدارس الخاصة تتاجر بدماء الأسر المغربية

mustafa almeghraouielككل سنة تتجدد معاناة مجموعة من الأسر المغربية بسبب الكابوس الذي يقض مضجعهم بعد كل نهاية كل عطلة صيفية، حيث يقفون مشدوهين أمام الزيادات المهولة التي تعرفها واجبات التسجيل والأقساط الشهرية بالمدارس الخاصة، وبذلك تظل الأسر مترنحة بين هاجس توفير جودة التعليم لأبنائها في خضم الاكتظاظ الذي تعرفه المدارس العمومية، وبين صعوبة دفع المستحقات الشهرية للمدارس الخاصة التي تكشر عن أنيابها وتكشف مخالبها أمام الآباء، معلنة انتصارها في كسب الرهان كل عام.

إن قطاع التعليم الخاص بالمغرب عرف رواجا كبيرا في الآونة الخيرة حيث تضاعفت عدد المؤسسات التعليمية وانتشرت بسرعة انتشار النار في الهشيم، وعيونها شاخصة جاحظة تتطلع بنهم إلى جيوب الآباء، والذين يصبحون فريسة سهلة تحت تأثير التخدير الآني والموضعي الذي تمارسه بفعل الحملات الإعلانية التي تقوم بها هذه المدارس والتي يكون اغلبها مجرد تدليس وتغرير لاستقطاب عدد أكبر من المتمدرسين.

وفي نفس السياق لا ننسى أن نشير بأن توالد المؤسسات التعليمية الخاصة بالمغرب، صاحبه كذلك ارتفاع حاد في نسبة التلاميذ الملتحقين بهذا النوع من المدارس، راغبين في التحصيل العلمي الذي يتيح لهم ولوج كليات ومعاهد علمية معينة  تسرع إمكانية إدماجهم في سوق الشغل ، دون أن يكون لهم دراية واسعة بالمؤهلات والكفاءات التي تتوفر عليها هذه المدارس، ومنهم من يسقط في شباك الخديعة  فتذهب أموالهم سدى.

وبغض النظر عن الخروقات التي تقدم عليها هذه المدارس إذ نجدها لازالت تتمادى في سياسة الرفع من الأقساط الشهرية وواجبات التامين دون أن يكون داع لذلك، ودون التفكير في دخل الآباء الذين يتكبدون هذا العناء في رحلتهم الشاقة نحو توفير تعليم أجوَد لأبنائهم، والذين يعاني الكثيرون منهم من ضعف في عدة مواد ومهارات، واضعين أملهم في تلك المدارس التي تتاجر بدمائهم دون آية رقابة من قبل الدولة التي رفعت شعار تحرير الأسعار وعدم المراقبة، مانحة الفرصة لهؤلاء لامتصاص دماء المواطنين المجبورين على التطلع إلى الجودة المفقودة.

وقد عبر أولياء التلاميذ عن امتعاضهم واستغرابهم للطريقة  المشينة التي تتعامل بها المدارس الخاصة معهم، والتي ترفع رسوم التسجيل والتامين بنسبة تتراوح بين (15 و 20 في المائة) كل سنة، بشكل سيجعل هذه المؤسسات تتحول إلى نقط نفور بعد أن كانت محور جذب واستقطاب، في غياب آية زيارات ميدانية مفاجئة للحد من التطاول على جيوب المواطنين، مما يجعل الغزالة في مواجهة مباشرة مع الأسد، والذي لا يفوت فرصة الانقضاض عليها لتجد نفسها تستسلم أمام جبروته وطغيانه.

وفي ظل هذا الوضع المتردي ارتفعت في صمت أصوات وشكاوى الآباء، منددة بهذه الزيادات الخطيرة والتي تثقل كاهل الأسر المغربية، حيث اختارت الوزارة المكلفة موقف الحياد، بدعوى عدم وجود ضوابط قانونية لضبط الرسوم، الأمر الذي يجعلها تخضع لمزاجية المُلاك والمستثمرين في هذا القطاع، بغية تحقيق أكبر عائد من الربح المادي الذي يتجاوز حدود المعقول.

وعلى هذا الأساس يمكن القول أن المدارس الخاصة المغربية لم تعد استثمارا تعليميا، بل أصبحت تجارة مربحة يمتهنها في كثير من الأحيان أشخاص لا صلة لهم بالمنظومة التعليمية والتربوية. ففي الوقت الذي يجب على الدولة إيجاد صيغ مناسبة تحفظ لكل الأطراف حقوقها، نجد تملصا وتقاعسا ظاهرا، يضطر معه الآباء في كثير من الأحيان إلى اللجوء نحو مؤسسات القروض البنكية، قصد تغطية نفقات أبنائهم المدرسية في ظل تدني المردودية التعليمية.

لقد أصبحت المؤسسات التعليمية الخاصة تتناسل في المغرب كالفطر السام في الغابة المتوحشة، وأصبحت سيارات النقل المدرسي التي تجوب الشوارع والأزقة تزاحِم سيارات الأجرة، وفي ظل هذه الفوضى الكبيرة يقف المواطن موقف المتحسر اليائس التائه، حائرا ضائعا بين قساوة الظروف من جهة، ونيران المصاريف الإضافية، التي تؤرقه نومه وتقصم صلبه عند بداية كل موسم دراسي.

وقد تلجأ هذه المؤسسات التعليمية إلى اختلاق مبررات واهية وهمية، مستعينة بوضع "بريستيج" خاص، من أجل التشويش على عقول الآباء ودفعهم مرغمين إلى الانصياع لما تمليه وتفرضه هذه الأخيرة عليهم، في الوقت الذي تكتفي الوزارة المعنية التي تمنح التراخيص لإنشاء هذه المؤسسات التي فاق عددها المدارس الحكومية، بالجلوس على أريكة فخمة ناعمة تنتظر بدأ المباراة بين أرباب المدارس والآباء.

 

مصطفى المغراوي - المغرب

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3675 المصادف: 2016-09-27 04:17:03