المثقف - قضايا

سليم الحسني: وَهْمُ الدولة (65): كتلة الخرافيين والسياسيين

salim alhasaniفي مقالات عديدة كتبتها عن الخرافة والخرافيين في العراق، نشرت بعضها مستقلاً وبعضها الآخر في سلسلة (وَهْمُ الدولة)، كنت أحاول إيضاح العلاقة بين جو الخرافة السائد في أوساط واسعة من المجتمع العراقي، وبين تدهور الأوضاع السياسية في الدولة.

ورغم الصورة الظاهرية التي تفصل بين المجالين، باعتبار أن هناك العديد من المجتمعات تؤمن بالخرافات وتتمسك بها، لكنها استطاعت أن تبني دولها وفق نظام ديمقراطي مستقر، ومثالها الهند. إلا أن الأمر في العراق يختلف نظراً للترابط الوثيق بين أجواء الدين والسياسة.

ومع أن النظام في العراق يقوم على أساس علماني بالدرجة الأكبر، لكن أبرز الكتل التي تدير العملية السياسية وتتحكم بها هي دينية، كما أن الجمهور العريض الذي يصنع الكتل البرلمانية بأصواته، ويهيئ القاعدة الواسعة لبعض القادة، يتحرك بدوافع دينية.

إن الشكل الثابت في الحالة العراقية، أن التوجهات المذهبية والدينية هي التي تصنع الكيانات، ومن ثم فان ثقافة المواطن لها دورها المؤثر في تشكيل البرلمان. ولأن نسبة غير قليلة من الناخبين تقع تحت تأثير الخرافة، فهذا يعني أن النظام الديمقراطي أصبح ممراً دستورياً لتُجار الخرافة لتمرير من يريدون الى السلطة التشريعية، ومنها الى السلطة التنفيذية بمختلف مستوياتها ومراكزها.

وعليه فكلما اتسعت الخرافة والمؤمنون بها في المجتمع العراقي، صار وصول الاتجاه الخرافي أسهل الى مراكز الدولة المهمة. ولعل العراق هو الوحيد من بين الدول ذات النظام الديمقراطي الذي تصبح فيه الخرافة متحكمة بأجزاء من العملية السياسية وبالسلطات الرئاسية وبدوائر الدولة على هذا النحو اللافت.

في صيف 2012 ظهرت خرافة (الحناء والطفل) فقد انتشرت حكاية أن طفلاً حديث الولادة تكلم وهو في المهد، وأخبر أهله بأن عاصفة ستهب على العراق، وسيموت جميع الأطفال ما لم يتم تخضيب رؤوسهم بالحناء، وتكالب الناس على شرائها ـ رغم ارتفاع اسعارها ـ يخضبون رؤوس الصغار خوفاً على حياتهم، حتى شحت من الأسواق. ومن الممكن أن ينسج على غرار تلك الحادثة جهاز يتقن فن الخرافة واحدة أخرى لتوجيه الناخبين نحو كتلة معينة باسمها، وإلا أصابتهم كارثة قاتلة!.

هذا التردي الاجتماعي وهبوط المستوى العام في الشارع العراقي، يشكل صيداً ثميناً للخرافيين والسياسيين معاً، ولا يوجد تضارب في المصالح بين الفئتين، بل أن أحداهما تعضد الأخرى، حتى من دون اتفاق رسمي وتفاهم بينهما.

إن الجو المثالي لصانع الخرافة هو أن يكون المستوى الثقافي والاجتماعي والخدمي متدنياً، لكي يروّج لبضاعته في الكلام التجهيلي، من أحلام وأحاديث كاذبة وحكايات خيالية، يجد فيها البسطاء الذين انهكتهم الحياة الصعبة عزاءً وخلاصاً ـ وهمياً ـ لمشاكلهم التي لم يعالجها المسؤول الحكومي.

وفي المقابل يجد السياسي في تدني المستوى الثقافي والتعليمي لجمهور البسطاء، حشداً عددياً من الأصوات يمكن خداعهم بكلمات ووعود وطلاء من الدين، فيهبون للتنازل عن اراداتهم بمنحه الأصوات وهم يشعرون بأنهم نصروا المذهب والدين والكتلة المقدسة.

لن يجد الخرافيون والسياسيون أفضل من الواقع السائد في العراق، فحين يتصفحون مواقع التواصل الاجتماعي، ويطلعون على الشارع، ويجدون هذا الاقبال المتزايد على الخرافة، فانهم يعيشون الاطمئنان كاملاً على مستقبلهم. ويدركون أن هذه الشكاوى التي تظهر في التظاهرات وأيام الجمع في ساحة التحرير والمدن العراقية، ما هي إلا فورة غضب طارئة، تنطفئ نهائياً يوم الانتخاب الحاسم. حيث يكون العقل قد تعطل وتحركت العاطفة الساذجة تصبغ أصابعهم بالحبر البنفسجي. وبعد ذلك بامكانهم أن يصبوا عليهم اللعنات في اليوم ألف مرة.

إن الخرافيين يجدون في فساد المسؤولين وتردي الخدمات العامة، فرصة ثمينة لرواج تجارتهم، حتى وإن هاجموهم ظاهراً، كما أن المسؤولين الفاسدين يرون في اتساع الخرافة ضمانة لبقائهم في السلطة واستمرارهم في الفساد، حتى وإن هاجموا الخرافة.

لقد مضت ثلاثة عشر سنة على سقوط النظام الدكتاتوري، وكانت الحصيلة تزايد الفساد واتساع الخرافة. ألا يشكل ذلك مؤشراً على التماسك الوثيق بين الفساد والخرافة؟.

لها تتمة

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3676 المصادف: 2016-09-28 04:44:36