المثقف - قضايا

سليم الحسني: وَهْمُ الدولة (66) لوثة عقل

salim alhasani(قبل خمسة آلاف سنة قبل الميلاد أنشأ السومريون مطاراً في الناصرية لهبوط واقلاع المركبات الفضائية). هذا ما يقوله الوزير كاظم فنجان الحمامي وزير النقل الجديد الذي تم التصويت عليه في البرلمان، بوصفه من التكنوقراط.

لا يميز هذا الوزير التكنوقراط، بين الاسطورة وبين الحقيقة العلمية. فلقد أحال الحضور وهم يستمعون الى كلمته بمناسبة افتتاح مطار الناصرية، الى عدة كتّاب منهم (زكريا ستشن) الذي اهتم بترجمة النصوص السومرية، وتأثر بها.

لا يفرق الوزير العراقي الذي يتولى واحدة من أهم الوزارات وهي وزارة النقل، بين الاساطير السومرية التي كانت أحد مميزات أدبهم وبين الدراسات العلمية. فقد كان تلك الأساطير تتحدث عن الخلق والكون والحياة. حيث تحكي أساطيرهم عن كائنات فضائية جاءت الى الأرض بحثاً عن الذهب، لحاجتها اليه في كوكبهم الأم، ووجدوا أنفسهم بحاجة الى أيدي عاملة، فصنعوا البشر ليكون هم الخدم الذين يقومون باعمال التنقيب.

وتقول أسطورة سومرية أخرى، أن الآلهة جاءت من الفضاء واستقرت في الأرض في وادي الرافدين، وعندما أصابها الكبر وشعرت بمشقة القيام باعمالها اليومية، قررت أن تخلق البشر ليقوموا بخدمتها، فكان الناس على شكلهم الحالي.

وغير ذلك من أساطير برع فيها السومريون، وكان قسماً منها مما اشتركت به كل الشعوب القديمة وهو البحث عن فكرة الخلق وبداية الحياة، وكان القسم الآخر منها يدخل ضمن باب الأدب، وهو الجانب الآخر الذي أبدع به السومريون وكتبوا قصائدهم المطولة على ألواح واسطوانات الطين المفخور.

 ...

وقد حاول (زكريا ستشن) ـ وهو أميركي الجنسية مولود في الاتحاد السوفيتي السابق ـ بعد ترجمته لتلك النصوص وتأثره بها، أن يفترض نظرية بأن اصل الجنس البشري يعود الى تلك الكائنات الفضائية. لكن كل محاولاته كانت لا تصمد أمام الحقائق العلمية، ورفضها علماء الأحياء والآثار والفلك والعلوم الطبيعية، لأنها تقوم على أساس فرضية من الموروث الشعبي القديم.

 ...

عندما يكون الوزير التكنوقراط بهذا المستوى من التفكير والقناعات وعدم التمييز بين منطق الخرافة وبين منطق العلم، فان من الصعب علينا أن نلوم المواطن البسيط وهو يستمع الى حكاية البومة الحزينة على الإمام الحسين، والى الأسود التي لا تأكل لحم السادة، ولا الى الرسوم الجدارية وهي تتحول فجأة الى كائنات حية تلتهم أعداء أهل البيت، ثم تعود صوراً جدارية، والى الذئاب والضواري التي تهجم على زوار الحسين ثم تخشع وتتراجع عندما يخبرها الزوار انهم قصدوا زيارة كربلاء، وغير ذلك من أساطير تفوق ما جاء في كتاب (كليلة ودمنة).

ربما يكون الوزير التكنوقراط كاظم فنجان الحمامي، قد صدّق واعتقد بان (ملحمة كلكامش) التي ترجمها العلامة الكبير (طه باقر) هي واقعة تاريخية حقيقية، وليست اسطورة من الأدب السومري، ففي مقطع منها أن (الآلهة عشتار) تطلب من أباها (إله السماء/ آنو) أن ينتقم من كلكامش لأنه رفض الزواج بها، فأرسل أبوها ثوراً مقدساً من السماء ليقتله، لكن كلكامش يتمكن من قتل الثور بمساعدة صديقه (أنكيدو).

ليس مستبعداً أن يعتقد وزير النقل بصحة هذه الأسطورة، طالما أن السومريين بنوا مطاراً لهبوط وإقلاع المركبات الفضائية، قبل الميلاد بخمسة آلاف سنة فلا بد أن يكون الثور المقدس قد وجد المهبط المناسب والآمن وهو ينزل من السماء بأمر من آلهتها!.

لا نسأل كيف وافق الدكتور حيدر العبادي المتخصص في مجال الكهرباء من بريطانيا، على (الوزير التكنوقراط هذا)، فلقد كتبت مقالات عديدة منذ بداية توليه رئاسة الوزراء عن شخصيته وطريقة تفكيره.

ولا نسأل عن الكتلة التي رشحته، فهذه الكتل أمامنا وهؤلاء قادتها.

ولا نسأل عن تصويت البرلمان العراقي على صلاحية هذا الوزير لتولي وزارة حساسة ومهمة مثل وزارة النقل. فقسم كبير من البرلمان العراقي ليسوا أفضل حالاً منه في ثقافتهم وطريقة تفكيرهم.

السؤال يتجه الى المثقف والإعلامي العراقي، الذي ينتمي الى هذه الكتل السياسية التي ترشح هكذا وزراء ويصوت نوابها عليهم:

ما الذي يمنعكم من الكلام؟

...

إن منظومة المجتمع والدولة في العراق تقوم على الخرافات والأوهام في قطاعات واسعة، تبدأ من مجموعة من الخطباء ورجال الدين والقادة السياسيين والوزراء وتنتهي بالمواطن البسيط.

لقد كتبت عدة مقالات في هذه السلسلة عن الترابط بين الخرافة والفساد السائدين في العراق، وان صُناع الخرافة يتعاضدون مع السّراق في منهج واحد، هو سلب إرادة المواطن وإماتة عقله، ليضمنوا بقاءهم المتسلط عليه. إنها كتلة واحدة من الخرافيين والفاسدين، وإن لم تكن رسمية باتفاقات مكتوبة.

لها تتمة

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

يادكتور لماذا لا تريد ان تقتنع ان التعيينات الوزارية لابيد العبادي ولا بيد البرلمان وانما تاتي عن طريق السفير الايراني كونه صاحب القيمومة ووصيا على العراق الم تلاحظ من خلال مقالات كاظم الحمامي كم غازل الجانب الايراني قبيل تسنمه هذا المنصب وحتى في احدى المقالات قام بمديح ايران وبرئها من اي تدخل بالشاْن العراقي وعندما اعترضت على ذلك من خلال تعليقاتي فرد ردا هجوميا وكانه من اصل ايراني وليس عربي فيا دكتور ان امر التعيين ياتي من السفارة الايرانية وليس من الحكومة والبرلمان العراقي وانت تعلم اكثر من غيرك

ابو سجاد
This comment was minimized by the moderator on the site

اعتقد ان هذه القضية لا تنحصر بما قاله وزير النقل العراقي حول طيران السومريين الى الفضاء فهي ليست من فراغ... فقد سبقه سبيط النيلي قبله في أُطروحة له حاول أن يُثبت فيها بأن سدّ الحديد الذي بناه اسكندر ذو القرنين ليمنع قوم ياجوج وماجوج من الخروج. هذه العملية ليست على الأرض وإنما في أحد الكواكب وقد سافر ذو القرنين ايضا بمركبة الى الفضاء الخارجي وهناك قام ببناء السد.
ويبدو فعلا أثبتت البحوث والدراسات الأثرية الأخيرة أن البعض من الأمم الغابرة كانت في قمة التطوّر التكنولوجي (التسليحي) و (الفضائي وغيره) وأنهم فعلا كانوا يمتلكون المركبات الفضائية ووصلوا الى الكواكب الأخرى.
فضلا يوجد في موروثنا الإسلامي روايات (معصومية) تدعم وتؤكد ذلك وأنه حقيقة وليس وهما، في أن هناك عوالم وأُمم اخرى في الفضاء الخارجي خارج مجرّتنا، ومنظومتنا الشمسية، من هنا ومن هذه الروايات إنطلق النيلي وغيره في أطروحاتهم هذه...
واعتقد لايمكن استغلال هذا الامر بنحو الخرافية من اجل ان تدعم مقالاتك (الخرافية) فليس كل شيء يحمل لمحة اسطورية يعتبر خرافة...
فعلى هذا... لايسلم منك حتى النبي (ص) في اسرائه ومعراجه !!!!

متابع عن كثب
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3678 المصادف: 2016-09-30 01:43:53