المثقف - قضايا

مهدي الزيني: المنبر الحسيني (1)

قضية كربلاء ويوم عاشوراء ومظلومية الامام الحسين وأهل بيته من القضايا الاساسية والوجدانية التي يتربى عليها الفرد الشيعي في مجتمعاتنا المتواجدة في مختلف الاصقاع والبلدان ونتيجة للصراع المستمر بين الطواغيت وماتمثله القضية الحسينية من قيم تُعتبر تحدٍ لسلطانهم وجبروتهم وظلمهم على مر العصور فإن جمرة هذه القضية وإن خمدت زمنآ ما فأنها تبقى متّقدة في قلوب عاشقي ابي الأحرار روحي فداه وما ان تجد متنفساً او فسحة من الحرية حتى تنطلق وبأقصى سرعة لتُسمع الأحرار والمستضعفين والمحرومين في كل أنحاء المعمورة نداء الحرية الخالد الصادر من الامام الحسين ع (هيهات منّا الذلة) وألهامهم عشقه وحبه والسير على دربه في طلب الإصلاح والحريّة ونبذ الظلم والجهل والتخلف والارتقاء بالانسان الى ما خلقه الله لاجله وهو إعمار الارض وإصلاحها (إني جاعل في الارض خليفة)، ونتيجة لتقادم الازمان والتغيرات التي تفرضها طبيعة كل مرحلة من مراحل الحياة على تلك المجتمعات في مختلف الأماكن والدول فإن عملية رثاء وذكر الامام الحسين ع تتناسب وطابع تلك المرحلة وعادات وتقاليد ذلك المجتمع والبيئة الحاضنة لتلك الشعائر فخلال اطلالة متأنية لتاريخ شعائر تلك المجتمعات ألمستذكرة لقضية عاشوراء في مراحله المتوالية نرى تغيرات كثيرة ومتجددة في عملية ممارسة وذكر ايام عاشوراء وبأخذ عيّنة واحدة من تلك المجتمعات وتسليط الضوء على نشوء وممارسة شعائرها في حواضرها ومنتدياتها عبر مراحلها التاريخية سوف نلاحظ مدى التغيرات المستمرة في هذه الشعائر عبر الأجيال المتعاقبة مهما كانت بسيطة ! فَلَو اخذنا مثلا تطورات الرثاء الحسيني في المجتمع العراقي كيف بدأ وماهي العوامل التي ساعدت على نضوجه وتطوره خلال القرون المنصرمة وصيرورته الى ماوصل عليه الان لعرفنا ان الحياة لاتركن الى شيء مهما كان غاليا ومؤثرا فإن سنّة الله في التغيير لابد ان تشمله مهما كان عزيزا فلكل جيل أسلوبه وأدواته في التعبير عن قضاياه المتعددة في مختلف العصور ، ومالم يكن مقبولا او مستساغا من التعبير او الممارسات في زمن ما او مرحلة ما ربما يصبح مقبولا عند جيل اخر لاحق ولايمكن الاستغناء عنه بسهولة !! فمن منّا قبل عقد من الزمان كان يتصور ان تُصور اللطميات في الفيديو كليب مثلا وان عملية الطور الشعري والمقامات سوف تتغير الى التوزيع الموسيقي والإخراج الفني والمؤثرات الصوتية وما يصاحبها من تمثيل لبعض احداث الواقعة ! وما الى ذلك من أساليب متجددة في حياتنا المعاصرة وهل ان جيل آباءنا او اجدادنا لو كان حاضرا معنا اليوم هل كان سيقبل بهذا التغيير ام سيعتبرها لعب ومهزلة وانحراف بالتعبير عن القضية الحسينية من الجد الى ماهو اقرب من اللعب و الهزل!!؟ كل هذه الأساليب والممارسات قابلة للتجديد والتغيير لانها وسائل تعبير ليس الا !! اما جوهر القضية الحسينية ومضمونها وأهدافها وشخوصها فهو مما لايمكن تغييره او التلاعب به لانه الأساس الذي نستمد منه جذوى صحواتنا المتكررة عبر الأجيال المتعاقبة ان اصابنا وهن او ألمّت بِنَا نائبة خلال مراحل التاريخ المختلفة، فجوهر القضية الحسينية اساسه قرآني (ولاتركنوا الى الذين ظلموا) وقد مهّد له النبي ص في سنته المطهرة وقام بأعباءه الامام ع حين رأى ان جادة الدين على وشك الانقلاب فبتضحياته الجسام وايثاره القتل لإعزاز دين الله بدل العيش الذليل مع مفاهيم الطواغيت المنحرفة حافظ على الدين الاسلامي المحمدي الأصيل فهذا الدين هو وديعة عندنا جاء به النبي ص من عند الله وحافظ عليه الامام الحسين ع بدمائه الزكية الطاهرة لذا وجب المحافظة عليه بتطبيقه بصورة واعية وليست شكلية!!، اذا علينا ان نعي مفاهيم الثورة الحسينية ونعيشها ونتمثلها في حياتنا وانها هي الهدف السامي الذي نصبو اليه وان نفرِّق بين الممارسات والاساليب التي تقام خلال ايام الذكرى وبين أهداف الثورة الحسينية ، ان من يقومون بهذه الممارسات هدفهم إيصال معنى واهداف وغاية ثورة الامام الحسين ع للناس بالطريقة التي من خلالها يتفاعلون معها ويفهمونها وتؤثر فيهم وتدعوهم الى تمثل اخلاق الحسين واهدافه في حياة كل فرد منّهم ، وان هذه الأساليب والممارسات والشعائر ليست ديناً او عقيدة نستميت لاجلها ولانقبل ان تُمس او تُغير او تُبدل ونقيم الدنيا ولا نقعدها إن احدا انتقد ممارسة او فعل او انتقد اُسلوب او موضوع خطيب او دعى الى تغيير الأساليب بأحدث منها او مما يقبله العقل ويستسيغه الذوق ولايكون سُبّةً علينا يرفعه الاخر ضدنا أينما حل او ارتحل ! فإن التجديد والنقد ومراجعة الأساليب والأدوات والأعمال والافعال مما يحث عليه الدين ويدعو اليه المعصوم ويطلبه العقلاء (فبشّر عبادي الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه)، اما تاريخ الواقعة واحداثها وتفاصيلها ورواتها وكل ما يتعلق بها فهي تبقى علما يدرسه المتخصصون ويحلله الباحثون ويميط اللثام عن أحداثه الغامضة رجال العلم والدين والتاريخ ليكشفوا و يفضحوا ما كتب المُغالون او العابثون او المحرفون على مر السنين في تشويه قصة كربلاء ومساراتها ورجالها وأماكنها وجعلها بشكل أشبه بالأسطورة مما لايتقبله العقل السليم ويمجه صاحب كل ذوق رفيع . فقصة الامام الحسين ع وأهل بيته واصحابه ليس في منظورها التراجيدي اوالعاطفي وان كان ذلك مهما ولا غنى عنه ، وإنما هي قضية امام هدىً ثائر سائر على منهج القرآن الكريم والنبي ص تُنتهك حرمته وعياله في الشهر الحرام من قبل أناس أرادوا جعل دين الله غرضا لأهوائهم وسلطانهم فهبّ منتفضا لإرجاعه الى مساره الذي يريده الله لعباده . 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

ادامك الله لنصره ابي عبد الله الحسين وقضيته العادله

ابو كوثر
This comment was minimized by the moderator on the site

احسنتم وجعلنا الله واياكم من المستبصرين بهدى الامام الحسين

رضوان
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3678 المصادف: 2016-09-30 01:45:15