المثقف - قضايا

حسين سرمك حسن: علي الوردي (78): ماتً ولم يُمنح عضوية المجمع العلمي العراقي

husan sarmakعاش علي الوردي غريباً في هذا المجتمع ورحل غريباً عنه، فطوبى للغرباء .. (الحلقة الأخيرة)

 

التراثيّة واختلاطها بالجهل

وفي موضع آخر من مخطوطة كتاب الشماع يتحدث الوردي عن إمكانية اختلاط التراثية بالجهل، والنتائج الخطيرة التي تترتب على هذا الإختلاط من عنت وتصلب في الأفكار ومعاداة للأفكار العلمية الجديدة فيقول: (إن الجهل في تأثيره على العقل يشبه التراثية من جهة، ويختلف عنها من الجهة الأخرى، فالناس حين يختلفون في تراثيتهم قد يؤدي ذلك بهم إلى التنازع والاقتتال، ولا سيما إذا كان الاختلاف في المعتقدات الدينية، على نحو ما حصل في المعارك الطائفية التي امتلأ بها التاريخ البشري. ولكن الناس حين يختلفون في درجة جهلهم للأمور فإن ذلك لا يؤدي إلى التنازع والاقتتال في أكثر الأحيان، بل يؤدي إلى الاستغراب أو التكذيب فقط. ويجب أن لا ننسى أن التراثية والجهل كثيراً ما يختلطان في الإنسان ويكونان دافعاً واحداً، خذ على سبيل المثال قصة غاليلو الإيطالي الذي قدم إلى محكمة التفتيش في عام 1642 بتهمة قوله إن الشمس واقفة وإن الأرض هي التي تدور حولها. فهذا الرجل عندما مثل أمام المحكمة اعترف بخطئه وطلب المعذرة، وقد ساعده هذا الاعتراف على تخفيف الحكم عنه حيث حكمت المحكمة عليه بأن يُحجر في بيته ويعتزل الناس. وقد ظل غاليلو محجوراً في بيته طيلة عشر سنوات إلى أن مات وهو في الثامنة والسبعين من عمره. إن هذه القصة تدل على أن الجهل والتراثية يختلطان في بعض الناس ويكونان دافعاً واحداً، فقضاة محكمة التفتيش كان يدفعهم إلى معاقبة غاليلو سببان، أحدهما التراثية التي نشأؤوا عليها وهي التي تعتبر القول بدوران الأرض حول الشمس نوعاً من الهرطقة، أي الزندقة. أما السبب الثاني فهو قد نشأ عن الجهل، فالقضاة لو كانوا قد عاشوا في عصرنا ودرسوا في المدارس الحديثة عن دوران الأرض حول الشمس لما استنكروا قول غاليلو ولما عاقبوه.

إن الجهل والعلم أمران نسبيان، فليس هناك جهل مطلق أو علم مطلق. ويصح القول إن كل واحد منا هو جاهل وعالم في الوقت نفسه، فهو يعرف بعض الأمور بينما هو يجهل أموراً أخرى. ولم يظهر في هذه الدنيا إنسان يعرف أسرار الكون أو أسرار الحياة كلها، وفي هذا مصداق لما ورد في القرآن الكريم: (وفوق كل ذي علم عليم) . في سنة 1862 جاء أحد التجار من كربلاء إلى بغداد بغية إنجاز عمل تجاري له، وكانت بغداد في تلك السنة قد وصلت إليها أسلاك التلغراف التي تربطها باسطنبول، وسمع التاجر الناس يتحدثون عن هذا الاختراع العجيب وكيف أن الإنسان يدق على حديدة في بغداد فيسمعها إنسان آخر في اسطنبول، وهو قد استنكر الخبر في بداية الأمر وكذّبه، ولكن أصحابه التجار ذهبوا به إلى دائرة التلغراف ليشاهد بعينه الحديدة التي يدقها الإنسان فتسمع في اسنطبول، ولما عاد التاجر إلى كربلاء صار يتحدث إلى الناس عن الحديدة العجيبة التي شاهدها بعينه، فأخذ الناس يشككون في سلامة عقله، وفسروا حديثه بأنه ناتج عن شربه للخمر الذي تعلم عليه في بغداد.

إن قصة هذا التاجر ليست شاذة أو نادرة، وقد شهدت أنا من أمثالها في حياتي كثيراً، فالناس إذا سمعوا عن أمر مخالف لمألوفاتهم العقلية السابقة أسرعوا إلى تكذيبه حالاً واعتبروه غير معقول وقالوا إن العقل لا يمكن أن يقبل به، ولكنهم سوف يعتبرونه معقولاً بعدما يعتادون عليه.

وكذلك فعلوا عندما أُعلن خبر صعود الإنسان إلى القمر.. على الرغم من الصور التلفزيونية التي عُرضت على الشاشة الصغيرة، ولم يعقلوا كيف أن في القمر صخور، بينما هم كانوا يسمعون ويقرأون عن تشبيه الحبيب لحبيبته بالقمر. لكن من العجيب أن أحد كبار السن من أقاربنا وهو محمد صالح الطائي ذهبنا إليه، أنا وأحد أقاربي وكنا صغاراً إلى محله الذي يبيع فيه المخللات في مدينة الكاظمية، وأخبرناه بصعود الإنسان إلى القمر فلم يستغرب وقال: ما العجب إن ابني نوري يفكك الراديو قطعة قطعة ثم يعيد تركيبه!.. إنه معجب بولده بحيث أنه عدّ أن ما فعله إنجازاً يفوق نجاح الإنسان في الصعود إلى القمر.. ولا يقتصر هذا على العوام فقط، بل هو يشمل العلماء أيضاً ولكن بدرجة أقل، فالمعروف عن بعض العلماء أن أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن أنهم أسرعوا إلى تكذيب المخترعات التي ظهرت في أيامهم واعتبروها مستحيلة، ثم تبين لهم أخيراً أنهم كانوا مخطئين.

خلاصة ما أريد قوله في هذا الصدد إن الإنسان بوجه عام حين ينظر في الأمور لا بد أن تكون نظرته محدودة في إطار مفاهيمه ومألوفاته العقلية السابقة، فالعقل البشري ليس كما كان المفكرون العقلانيون يتصورونه قديماً من أنه قادر على فهم الحقيقة الخارجية فهماً كاملاً، فالواقع أن الحقيقة لا يمكن فهمها بشكلها النهائي الكامل أبداً، فالكون مملوء بالأسرار التي لا نعرف عنها إلا قليلاً، وكلما اكتشف العلم منها شيئاً ظهرت أمامه أسرار أخرى. إن أعظم العلماء في عصر يبدو جاهلاً تجاه عالم في عصر غيره) (556) .

 

تأثيرات التراثيّة لاشعوريّة

ثم يوسّع الوردي نظرته إلى التراثية ليحل إشكالا يبدو بسيطا أمام النظر المباشر والسطحي، في حين أنه يمثل إشكالية شديدة التعقيد في مجال البحث الاجتماعي، فالمراقب المباشر الراصد لحركة الظواهر التي تطفو على سطح الحياة الاجتماعية قد يعتقد أن ما يحصل من تحولات في مجتمعه هي نتيجة طبيعية لما يتمخض في أحشاء هذا المجتمع من فعل وتخطيط "عقلاني" مدروس، لا يستطيع في مراجعته فصل تأثيرات التراثية اللاشعورية من الجهل والأنوية والعاطفة والمصلحة الفردية .. فيقع أسير الشبكة المعقدة والمربكة من العلاقات المشوشة الظاهرة التي لا تعكس الجوهر الحقيقي لتلك التغيرات الاجتماعية:

 (وربّ سائل يسأل الآن: هل أن التراثية والجهل والعاطفة والأنوية والمصلحة، على درجة واحدة من حيث تأثيرها في العقل البشري أم هي مختلفة في التأثير؟!. إن المجتمعات تختلف في درجة تأثرها بهذه العوامل وكذلك الأفراد في كل مجتمع. لنأخذ من أجل التوضيح ثلاثة مجتمعات نموذجية هي المجتمع البدائي والمجتمع البدوي والمجتمع الحضري، فكل واحد من هذه المجتمعات الثلاثة يختلف عن الآخر من حيث تركيز اهتمامه على عامل معين من تلك العوامل الخمسة دون غيره. إن المجتمع البدائي المنعزل تكون التراثية قوية التأثير في أفراده إلى الدرجة القصوى وكلما كان هذا المجتمع أكثر انعزالاً، أي أقل اتصالاً بالمجتمعات الأخرى، كانت التراثية أقوى تأثيراً فيه. وهو لا يكاد يتصل بالمجتمعات الأخرى حتى يبدأ تأثير التراثية بالتضاؤل فيه، ولكن هذا التأثير تتفاوت درجته في الأفراد تبعاً لمستوى ذكاء كل واحد منهم ومبلغ انفتاحه الاجتماعي واطلاعه الفكري. وحين نأتي إلى المجتمع البدوي نجد التراثية فيه ليست بتلك القوة التي وجدناها في المجتمع البدائي، وهذا أمر لاحظناه بشكل خاص في المعتقدات الدينية لدى البدو، ولكن المجتمع البدوي من الجهة الأخرى يولي اهتماماً كبيراً جداً للأنوية، فالفرد البدوي يركز معظم اهتمامه في حياته على كسب الذكر الحسن والمكانة الاجتماعية العالية، فهو مستعد أن يرمي بنفسه إلى الموت عند النخوة، وهو يفضل الموت المصحوب بالفخار على الحياة المصحوبة بالعار، وترى الفرد البدوي يقاتلك من أجل درهم واحد تأخذه منه غصباً بينما هو يذبح لك بعيراً أو عدة أباعر إذا جئت إليه ضيفاً. وفي الوقت نفسه نجد الأفراد في المجتمع البدوي ليسوا على درجة واحدة في هذا الانهماك الأنوي، وقد تجد بينهم الجبان أو البخيل، وذلك تبعاً لتكوين الشخصية في كل واحد منهم ولكن هؤلاء قليلون بالنسبة إلى الآخرين في المجتمع. أما المجتمع الحضري فإنه يتميز عن ا لمجتمع البدوي أو البدائي بكثرة تنوع الأفراد فيه، حيث نجد فيه الأنوي جداً، والتراثوي جداً، وكذلك نجد فيه اللاهث المتكالب على جمع المال، والعاطفي الهائم، ولكننا مع ذلك نستطيع أن نقول إن المجتمع الحضري تسيطر فيه المصلحة المادية أكثر مما تسيطر في المجتمع البدوي والبدائي. ففي المجتمع الحضري، ولا سيما المتقدم في حضارته، تكثر الحاجات المادية وتتنوع، وتنتشر وسائل الترف، وكثيراً ما تقاس قيمة الفرد فيه بمقدار ما لديه من الملايين، وما لديه من قناطير الذهب والفضة حسب التعبير القديم.

إن هذا على كل حال موضوع طويل معقد لا يتسع المجال هنا للإسهاب فيه) (557) .

 

مصطلح "العائنيّة" و "التعيّن"

وهناك مصطلح آخر اجترحه الوردي ضمن حقل الخارقية وهو: (العائنية) الذي وضعه الوردي مقابلا للإصابة بالعين أو الحسد . كانت أول إشارة للوردي لموضوع الإصابة بالعين هي في كتابه الأول " الخارقية " حيث ذكرها بشكل سريع وموجز على الصفحة 194وقد بدا عليه التردد في إقرار وجودها وتحديد أساسها العلمي حيث قال:

(وما يُحكى عن (إصابة العين) يمكن تفسيره بمثل هذا التفسير أيضا . فالعين في الحقيقة لا تصيب أحدا، إنما هي النفس وراء العين هي التي تبث الأمواج الكهربائية على الناس . وهذه الأمواج الفتّاكة لا تؤثر في جميع الأفراد على حد سواء . إن العين لا تصيب إلا من يعتقد بها . وهذا الاعتقاد يجعل الأمواج الصادرة من صاحب العين ذات أثر " متسلسل " في أعصاب الضحية فتطرحه أرضا . إن حوادث الإصابة بالعين لا تقع إلا في المجتمعات الجاهلية التي يسهل انتشار الخرافات فيها . فما أن يسمع الناس عن شخص له " عين " فتاكة حتى تراهم قد هربوا من وجهه . وهذا الجو النفسي المخيف يؤدي إلى سقوط كثير من الضحايا بطريق الإيحاء) (558) .

بعد ذلك استخدم الوردي مصطلح " التعيّن " الذي هو أصح قاموسيا كما قال الوردي في القسم الثاني من الجزء الخامس من موسوعته: لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، والصادر في السبعينات . ففي القاموس: " تعيّنه " بمعنى أصابه بالعين . ويشير الوردي إلى أن علماء جيكوسلوفاكيا سابقا قد درسوا موضوع الإصابة بالعين وقطعوا فيه أشواطا طويلة، وقد زارهم مراسل جريدة " الصندي ميرور " في عام 1965 واطلع على دراسة موضوع التعين في أحد المختبرات الذي اخترع العلماء فيه جهازا حساسا لقياس مقدرة التعيّن لدى الإنسان . والجهاز يحتوي على بندول حساس يتحرك بمجرد أن يركز الإنسان نظره عليه من خلال زجاج كثيف يفصل بينهما . لكن الوردي غير هذا المصطلح " التعين " بمصطلح جديد هو " العائنية " وذلك في حواره الطويل مع " سعد البزاز " الذي ضمه كتاب: " في الطبيعة البشرية " . في هذا الكتاب قدم تبريرا لتبديل المصطلح ووسع المفهوم علميا أيضا:

(تبيّن الآن في علم الخارقية أن هناك بعض أفراد لهم قدرة خارقة في إصابة العين ... أطلق علماء الخارقية على هذه القدرة في الإنكليزية اسم psychokinesis - وهو الإسم الذي أميل إلى ترجمته في العربية باسم العائنية . وإن الذي دعاني إلى اتخاذ هذا الإسم هو أن العرب القدامى كانوا يطلقون اسم العائن على الشخص الذي يملك القدرة على إصابة العين) (559) .

ومن المؤسف أن الوردي - كما يقول - كان قد قدم الكثير من المصطلحات إلى المجمع العلمي العراقي دون استجابة من الأخير . وقد سبق أن قدم مصطلح " التلفاز " بدلا من تلفزيون في هامش في كتابه: (الأحلام بين العلم والعقيدة):

(وأني أنتهز هذه الفرصة لكي أقدم هذا المصطلح " العائنية " إلى المجمع العلمي العراقي عسى أن يحظى منه بالقبول . ومن المؤسف أن أقول أني قدمت إلى المجمع قبل هذا مصطلحات أخرى فلم أحظ منه بجواب . وكل أملي أن أحصل منه في هذه المرة على جواب . قل إن شاء الله) (560) .

 

مصطلح "الأنويّة"

ومصطلح " الأنوية " هو من المصطلحات الجديدة التي اجترحها الوردي الذي يقول عنه:

(يُلاحظ القاريء في مقالاتي وكتبي ومحاضراتي أني أكثر من ذكر مصطلح "الأنوية " وهو مصطلح قد لا يوليه أحد غيري هذا الإهتمام في اللغة العربية . إني تحدثت غير مرة عن هذا المصطلح، وقلت أنه يعني شعور الإنسان بالأنا تجاه الآخرين، وسعيه المتواصل نحو رفع شأنها في نظرهم . والواقع أن الأنوية لها أهمية قصوى في الطبيعة البشرية، ومن الممكن القول إن هذا الموضوع لم يلق في اللغة العربية الاهتمام الجدير به . وقد أصبح من الواجب علينا أن نلفت الأنظار إليه، ونعطيه المكانة المناسبة له) (561) .

ويميّز الوردي بين الأنانية والأنوية فيقول: (إن الأنوية هي كالأنانية نسبة إلى الأنا، ولكن بينهما فرقاً كبيراً في المعنى، فالمعنى المتداول بين الناس عن الأنانية هو أنها التي تجعل الإنسان يهتم بمصلحته الخاصة ولا يهتم بمصلحة الآخرين، أما الأنوية فلها معنى آخر، إذ هي تعني شعور الإنسان بذاته - أي بالأنا ـ تجاه الآخرين، وهذا الشعور يجعل الإنسان في دأب متواصل نحو رفع مكانته في نظر الآخرين . يمكن القول بوجه عام أن الإنسان أنوي وليس أنانياً، ونحن لا ننكر وجود أفراد غير أسوياء تسيطر عليهم الأنانية، يهتمون بمصلحتهم فقط، ولكن هؤلاء قليلون بالنسبة إلى غيرهم من الناس، فالإنسان السوي يميل عادة إلى خدمة الناس، وإلى التضحية بمصلحته الخاصة من أجلهم أحياناً، بغية كسب تقديرهم ونيل المكانة العالية بينهم . وبعبارة أخرى: إن الإنسان السوي يجد من مصلحته في أكثر الأحيان أن يخدم مصلحة الآخرين فهو فرد في مجتمع وهو يسعى نحو رفع مكانته في نظر الآخرين من أفراد المجتمع، وهو يشعر بالارتياح والغبطة في ذلك، وكلما ازداد ارتفاع مكانته ازدادت بذلك غبطته) (562) .

ويبين الوردي اختلاف وجهة نظره عن وجهة النظر الفرويدية والأدلرية – نسبة إلى عالم النفس "ألفرد أدلر"، فيقول:

(إن النظرية التي كانت شائعة في البلاد العربية حول الأنا هي التي جاء بها فرويد وأدلر وغيرهما من أصحاب مدرسة التحليل النفسي، وهي تختلف عن النظرية الأحدث منها والتي جاء بها "كولي" و"ميد" من علماء الاجتماع الأمريكيين، وفي رأيي أن هذه النظرية الحديثة أكثر قدرة على فهم الطبيعة البشرية وأقرب منها إلى واقع هذه الطبيعة . فحوى النظرية الحديثة في الأنوية هو أن الأنا محور الشخصية البشرية . وأنها من أهم العوامل التي جعلت الإنسان حيوانا اجتماعيا . إن الإنسان ليس لديه غريزة اجتماعية موروثة كما هو الحال في النحل والنمل وغيرهما من الحيوانات الاجتماعية ... بل هو يريد مجاراة الناس حوله، ويحاول التفوق في الحياة لكي ينال المكانة العالية بينهم أو لكي يتجنب انخفاض مكانته على الأقل) (563) .

ويرى الوردي أن الأنا في الإنسان نوعين: أنا اجتماعية وأنا فردية . الأولى ساعدت على قيام المجتمع البشري، أما الثانية فهي التي ساعدت على تغييره وتطويره . وكل مجتمع تسيطر عليه الأنا الاجتماعية بصورة قوية يفقد الحافز على التطور والنماء . وقد عاد الوردي إلى معالجة مفهوم الأنوية بصورة أوسع في كتاب: (في الطبيعة البشرية) (راجع الصفحات 82- 98) .

 

 مات الوردي ولم يُمنح عضويّة المجمع العلمي العراقي

ومن المفارقات المؤلمة أن الوردي، هذا العلامة الجهبذ، مات ولم يُمنح عضوية المجمع العلمي العراقي . ومؤخرا توفي تلميذ الوردي وشيخ بغداد العلّامة " حسين محفوظ " ولم ينل عضوية المجمع العراقي . وقل مثل ذلك عن الدكتور علي جواد الطاهر والدكتور مهدي المخزومي والدكتور ابراهيم السامرائي والدكتور شاكر خصباك وغيرهم من رموز العراق الفكرية اللامعة . والمفارقة أن هؤلاء العلماء الذين لم يمنحوا عضوية المجمع العلمي العراقي كانوا قد منحوا عضوية مجامع علمية عربية وأجنبية تقديرا لعلمهم ونبوغهم ومنجزاتهم . ويكفينا ألَماً أن نذكر الملاحظة التي قالها الأستاذ المؤرخ (حسين أمين) في الحفل التأبيني الذي أُقيم بعد رحيل العلامة الشيخ (حسين علي محفوظ) - رحمه الله - حيث خاطب حسين أمين الحاضرين بقوله: (إن الراحل "حسين علي محفوظ " كان يشكو من إهمال المجمع العلمي العراقي له .. وأنا أجيبه بأن معظم أعضاء المجمع الحاليين لا يعرفون من العلم شيئا . فهل تريد أن تضيع بين هؤلاء ؟) .

أضف إلى ذلك حساسية أعلى مستويات الدولة تجاه أطروحاته الفذّة .. ورفع الجامعة للكرسي الخاص به كاستاذ متمرّس .. وإهمال الدولة له في محنة إصابته بسرطان البروستات وما رافقه من تبوّل دموي هدّ قواه وأنهكه وهو في الثانية والثمانين من عمره فأوصله إلى الموت يوم الثالث عشر من تمّوز من عام 1995..

 

لقد عاش علي الوردي غريباً في هذا المجتمع .. ورحل غريباً عنه .. فطوبى للغرباء ..

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية طيبة ومباركة :
احييك على هذا المقال البديع :
وبالنسبة لما تطرقة له من اهمال وتهميش المجع العراقي للعلماء .... أقول:
من خلال ملاحظتي الى اي مبدع في اي فن ثقافي ما برز ابداعه الا بعد ان خرج من العراق وما تنفس وانتشر نتاجه الا بعد ان خرج من سجن الابداع العراق .... اكتفي دون تفاصيل لان الاناء ينضح بما فيه !!
( أقولها وبكل أيمان )

حسن عبد الهادي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا أستاذ حسن. ما تقوله صحيح ويحز في النفوس.

حسين سرمك حسن
This comment was minimized by the moderator on the site

سيدي الكريم ألأستاذ الدكتور سرمك .... شكر وثناء للجهود القيمة التي قدمتها على شكل مقالات قيمة وموضوعية لنظريات الدكتور المرحوم الوردي لبعض آرائه ونظرته الى أغلب عقد وأمراض المجتمع العراقي التي لا زلنا نخوص فيها الى أذنينا ...وأنار وسلط الضوء لنا لوجهنا المظلم من شخصيتنا المدفونة في أعماق مجتمعنا المريض ... وتأكد ياسيدي أنني تابعت المقالات ومعي الكثيرون من القراء لنستعيد ما كان يقدمه المرحوم الوردي من محاضرات على الهواء من على شاشة تلفزيون العراق في نياية ألأعوام الخمسينات وبداية الستينات ... وكنا في حينها طلاب في الصفوف ألأخيرة من المرحلة الأبتدائية آنذاك ولم نكن بعد نمتلك المعرفة والعلم الكافي لأستقبال هذا الكم من المعرفة التي كانت أكبر من عقولنا لذلك كنا في وقتها نبتعد عن الشاشة لحين ألأنتهاء من محاضرته العلمية ... ولكن تغير الحال وبتنا نتلقف كتب الدكتور الوردي عندما دخلنا مرحلة الثانوية وكنا آنذاك نتناقش كطلبة فيما بيننا حول نظرياته الجريئة وكان له مؤيدون كثر ولكن كان له رافضين أيضا ...ولكني وجدت أن أكثر الرافضين هم من الطلبة المنحدرين من عوائل دينية محافظة أضافة الى طلاب المحافظات وألأقضية ....ولو أن نصفهم قد تغير حاله من الرفض الى التأييد والقبول بها ولكن بعد دخولهم الجامعة .... أما عن موضوع عدم قبول عضوية الدكتور الوردي في المجمع العلمي العراقي فقد كان سياسيا وليس لأن الوردي لا يمتلك المؤهل العلمي الذي أعترف به أغلب الجامعات العالمية وتدرس نظرياته فيها ... ويكفي الوردي أن أسمه لمع في سماء العلم وألأبداع أثناء حياته وبعد مماته بأكثر من نضف قرن مضى ...وسيبقى الوردي نجمة مضيئة في علم ألأجتماع وعلم النفس ,.... وياريت بهذه المناسبة أن تقوم الدولة والجهات المسؤولة بترميم قبر المرحوم الوردي وتجعله مكانا يليق بهذا ألأنسان المبدع العراقي وكذلك العمل على تسمية أحدى شوارع أو ساحات مدينته الكاظمية بأسمه الكريم وفاء منها لأحد أبنائها النجباء ... وعودة مرة أخرى لشكرك سيدي السرمك وبارك الله فيك .

أبو أثير / بغداد
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا جزيلا أستاذ أبو اثيرعلى لطفك وتقييمك ومتابعتك لما كتبته عن العلانمة الوردي. ما اشرت إليه عن وجود رافضين لأفكار الوردي دقيق لأن دفاعاتنا النفسية لا تتيح لنا قبول آراء تخدش مشاعرنا النرجسية. فقبول الرأي المضاد يتطلب نضجا نفسيا وعقليا، ولهذا ترى الرافضين يتحولون إلى القبول حين يدخلون الكلية وتتسع معارفهم وتترقق مقاوماتهم النفسية عبر الحوار والجدال وتراكم الخبرة الحياتية. هذه المواقف سببت للوردي خسائر نفسية كبيرة تحملها بإرادة حديدية استثنائية تجعل الإحتفاء به وبجهاده -كما أردت في المقترحات التي طرحتها- شيئا بسيطا من الوفاء لهذا العلامة المجاهد.

حسين سرمك حسن
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3681 المصادف: 2016-10-03 10:34:09