المثقف - قضايا

هاشم عبود الموسوي: أبو سعيد الجنابي مؤسس أول دولة إشتراكية في التاريخ البشري

hashem mosawiربما لا يجرأ الكثير من الباحثين الى الأعتراف، بأن الحراك الفكري والأجتماعي والسياسي لدى أمتنا العربية الأسلامية، كان قد وصل تطوره ومداه قبل تسعة قرون، ليؤسس أول دولة إشتراكية في تاريخ البشرية، وقبل كل النظريات الأشتراكية التي ظهرت في أوربا بقرون عديدة ..

ودون إستنتاجات مسبقة، ودون خوف من إنتقادات قد تثيرها هذه الدراسة، أود أن أتناول إحدى الحركات الأجتماعية والفكرية والسياسية المغمورة، والتي أعتبرها أولى الحركات المتطورة في تاريخ البشرية، والتي أتهمت زورا بالألحاد، حين إنطلقت بعد ثلاثة قرون من ظهور الأسلام . ومنذ إنطلاقتها وحتى القرن الخامس من الهجرة، تصدت لها الأقلام وسخرت خزائن المال والسلاح لمقاومتها، ونصبت المشانق لكل أتباعها، وقطعت سيوف الخلافة أطراف أصحابها ودعاتها، وأحرقت مؤلفاتهم .. وإحترقت معها أفكار العلماء والفلاسفة والشعراء وكل من أتهم بمجاراتهم أو الأقتراب منهم .. تلك هي حركة القرامطة .

تمهيد لا بد من

ربما أستطيع في هذا التمهيد، أن أجزم بأن ثنائية السلطة/ المعارضة (في التاريخ الأسلامي)، قد بدأت في أول تشكيلاتها، منذ أيام السقيفة .. ولكن أول إحتجاج صارخ صدر في عهد سيدنا عثمان بالكوفة ومن سكانها وغالبيتهم من الفلاحين والحرفيين الحالمين بالعدالة والمساواة التي نادى بها السلام وأهملها حكام المسلمين .. وذلك حين قرروا الكتابة للخليفة يشكون له من سوء الأوضاع وتجاوزات عامله، وإذا كان قتل الخليفة عثمان، وما أدى إليه من حروب داخلية، ومن ظهور حركة الخوراج - كأول إحتجاج منظم- ومن ثم إنتقال السلطة من البيت الهاشمي الى البيت الأموي، يمثل إنقساما حادا في جسد الدولة الأسلامية الفتية. إلا أن أول إنقسام للمسلمين لم يكن وليد "يوم الجمل " فقط، " فالفتنة قد إشتعلت قبل ذلك التاريخ بأكثر من ربع قرن وبالتحديد في اليوم الأول لوفاة الرسول (ص) وفي سقيفة بني ساعدة، أي يوم إنتصرت مقولة : " الأمة من قريش " .

إن وصول بني أمية للحكم يمثل إذا تتويجا وتطبيقا لتلك المقولة . وبهذا الصدد يذكر المفكر العراقي الراحل " هادي العلوي" في كتابه المهم " مدارات صوفية " بأن حركات المعارضة في التاريخ الأسلامي قد بدأت مع هذا الحدث، وقد إرتبطت بادئ الأمر بالزهاد والمتصوفين .

وعندما نتابع ممارسات بني أمية الوحشية الهادفة للبقاء على عروشهم وملكهم، مما جعل معاوية يقول : " أنا أول الملوك "ومن ثم يورث العرش لإبنه يزيد،نستنتج بأن هذه فتنة أخرى توازي الفتنة الكبرى يوم قتل سيدنا عثمان . لأنها كانت تحولا مصيريا آخر على مبدأ الشورى الذي أقرها الأسلام، ولم يطبق إلا زمن الخلفاء الراشدين،، و" أمام حزب التوابين " و" شرط الله " والكيسانيين "و، والخوارج من قبلهم كان لابد من سقوط الدول الأموية، وتم ذلك على يد الحلف الكيساني العباسي " .

وعند وصول بني العباس للخلافة، عمت الفوضى السياسية وظهرت تحولات إجتماعية، والتي لم يكن لتأسيس الدولة فيها" أي دور فعلي بإستثناء القيادة الروحية"، أما العمل الحقيقي فكان لأبي مسلم الخراساني وجيشه ودعاته المنتشرسن في الأرض، وإذا كان بنو العباس قد إعتلوا الخلافة بإسم الدين والإمامة، فإن دولتهم

• كانت " دولة ذات خداع ودهاء وغدر وكان قسم التحايل والمخادعة أوفر من قسم القوة والشدة " وهذا ما أكده إبن طباطبا . حيث أن أول مافعله العباسيون هونبش قبور بني أمية .. وضربها بالسياط، ثم صلبها وحرقها وذر رمادها في الريح، وهذا ما فعلوه بالتالي مع الذين خرجوا عن حكمهم، وحتى من أعوانهم، فحينما قتل أبو جعفر المنصور أبا مسلم، قيل له : يا يأمير المؤمنين الآن أصبحت خليفة "،كذلك لم يسلم نمهم المفكرون والشعراء والأدباء الذين إتهموهم بالزندقة تارة، وبالتآمر تارة أخرى . أما شكل الحكم، فلم يطرأ عليه تغيير عما كان عليه الحال في دولة بني أمية، إذ بقى الحكم وراثيا، على رأسه بيت من بيوت قريش .

• ربما كان عهد هارون الرشيد " أزهى عصور الدولة العباسية"، لكنه جاء موازيا لما حدث فيه من عنف سياسي، أبشعه ما ما جرى للبرامكة الذين صودرت أموالهم وممتلكاتهم بعد إبادتهم جميعا. كذالك رافق إنتقال السلطة من خليفة لآخر الكثير من إراقة الدماء والقتل والنهب، كما هو الحال مع الأمين وأخيه المأمون، وقد إمتد هذا الأمر ليشمل جميع خلفاء بني العباس . وبالتأكيد فأن العنف كان يولد العنف وظهور حركات المعارضة التي أصبح عددها أكثر بكثير عما كانت عليه في عهد الأمويين .

تشير أكثر المصادر التاريخية الى بدايات تشكل حركة القرامطة في سواد الكوفة، عندما إستفحل الفساد الأداري والأنحلال الخلقي والتمييز العرقي والفوارق الطبقية مع نهاية الدولة العباسية، جميعها كانت مسببات لولادة معارضة فكرية إعتمدت في تحليلها للواقع وتصورها للمستقبل على أفكار فلسفية تناسب كل الفئات التي تشكلت منها قاعدة الدعوة، تلك الدعوة سميت بالأسماعلية، نسبة لإسماعيل، الأبن الأكبر لجعفر الصادق (رض) .

إستطاع الأسماعيليون، وبفضل دعاتهم المنتشرين في أطراف الدولة العباسية التي لم يبق لخليفتها سيطرة فعلية عليها، أن يأسسوا دولتهم الفاطمية الأولى في تونس ومصر .

وبعد ذلك تكونت الدولة الفاطمية الثانية في اليمن، وكانت تابعة للدولة الأولى، فقد تمكن (أبو الحسن الصليحي) من توحيد اليمن دون تعصب لمذهب أو عقيدة، ولم يبشر بالدعوة الأسماعيلية بحد السيف، ولم يضطهد أتباع المذهب السني، وإنما ترك للناس حرية الأختيار، وبالسلوك الحسن والإستقامة إستطاع الوصول الى قلوبهم وكسب ولاءهم وإقناعهم بأنه يدعو للإمام المستنصر من أجل إعلاء كلمة الحق .

أما الدولة الفاطمية الثالثة فقد تشكلت على أيدي الداعية الأسماعيلي الكبير حسن الصباح، وبذلك فقد الخليفة العباسي سيطرته على أكثر الأراضي التي كانت تابعة لحكمه . شئ واحد مهم يجب أن نذكره في هذا الصدد، هو أن المذهب الأسماعيلي يؤمن بعصمة الإمام ويعتبره المرجع الثقافي الأعلى، حيث أن السلطة المطلقة مرتبطة به، وبالنتيجة فهي محصورة في قريش . أما القرامطة الثوريون فكان لهم رأي آخر .

لقد إستطاعت حركة الترجمة والتأليف التي أدت لإزدهار العلوم وتألق الفلسفة، رغم الإنحلال والتدهور السياسي، أنعشت في الناس رغبة حقيقة في الخلاص، ومن تلك الحاجة " تصوف البعض وتقرمط آخرون .. وكان للجميع هدفا مشتركا واحدا هو إسقاط الدولة العباسية. وإن كان القرامطة والإسماعيليون قد شكلوا في البداية فرقة واحدة، إلا أنهم مثل أية مدرسة عقائدية، إختلفوا في أمور، وإتفقوا في أخرى، وكان خلافهم الرئيسي في عصمة الإمام، فعند القرامطة لم تكن العصمة معروفة لأحد، ولا يوجد من هو فوق النقد، بما في ذلك الأئمة أنفسهم، أما إتفاقهم فكان في إعتماد رسائل إخوان الصفا.

وكما كانت الكوفة مسرحا لإندلاع أول الثورات في عهد الخليفة عثمان " حيث الأرض الخصبة للثورات وحيث الطبقة المسحوقة التي ضاقت بترف الحكام وبالفوضى السياسية السائدة "، فإنها أيضا، موطن " حسين الأهوازي" أول الدعاة القرامطة ** ولا يستبعد بعض المؤرخين والدراسين لتلك الفترة أن يكون هذا الداعية هو "الحلاج " نفسه .. الذي دعى الفلاحين والحرفين الفقراء الى الإضراب وتعطيل الأعمال . لكن الرايات البيضاء لم ترتفع في سواد الكوفة إلا مع حمدان قرمط، مؤسس المذهب الحقيقي، والذي إعتمد في حركته على قاعدة شعبية (فقيرة في أغلب الأحيان)، ومن جنسيات وعقائد مختلفة، لذا كان منهج حركته عقلانيا فلسفيا أكثر من كونه روحيا عقائديا . وفي الحقيقة، فإن الفكر البديل الذي إنتهجه القرامطة كان نتاج عصر التنوير الذي بدأ بعصر هارون الرشيد، وبدار الحكمة في عهد المأمون، وكذلك بالحركة النشطة للترجمة والتفسير والتأليف التي شارك فيها العلماء والأطباء والمهندسون والفلاسفة من جميع الجنسيات .

لقد طبق حمدان قرمط نظاما إقتصاديا جديدا في مجتمع الكوفة، وبين مريديه . وكان أول من قام بتأويل "وبجرأة عالية " بعض آيات القرآن الكريم تأويلا يحض على الألفة والتعاون لصالح الحماعة، ومن ذلك تأويله للآية الكريمة " وإذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا "، بأنه لا حاجة بهم الى أموال تكون معهم، لأن الأرض بأسرها ستكون لهم دون غيرهم، وكان ذلك في السنة السادسة والسبعين ومائتين من الهجرة، كذلك فإن الضرائب التي فرضها عليهم إنتهت بنظام الألفة، وهو " أن يجمعوا أموالهم في موضع واحد يكونوا فيه إسوة واحدة ولا يفضل أحد منهم صاحبه أو أخاه "، لقد كان ذلك هو الإجراء الأول من نوعه في تاريخ الأسلام، فقبل حمدان قرمط كانت الأموال تجمع من الأتباع لترسل الى الإمام، أما في الوضع الجديد فإنها تصرف على أولئك الأتباع، من جانب آخر، فإن حمدان قد وضع لجماعته نظاما خاصا بهم، حرص فيه على إختيار الدعاة حسب الشروط والمواصفات التي حددها فلاسفتهم، ومن ذلك العلم والتقوى والسياسة والقدرة على الجدل والإقناع . وقد كان لأولئك الدعاة دورا رئيسيا في أمور الدعوة، فقد حرص حمدان على مشاركتهم في القرارات المصيرية، وإختلف في ذلك عن الأسماعيلين الذين كانوا يعتبرون الإمام وحده مصدر التشريع، وصاحب الصلاحية المطلقة، وعلى ذلك النهج تأسس فيما بعد (مجلس العقدانيين) في البحرين، وطبق مبدأ الشورى عند "أبي سعيد الجنابي"، داعية حمدان المخلص للتعاليم الجديدة، وصاحب أول دولة إشتراكية في التاريخ، والرجل الذي تحقق على يده حلم قرمط بعد أن قضى العباسيون على حركة القرامطة في العراق ".

 

قيام أول دولة إشتراكية في التاريخ:

من خلال التمهيد الذي قدمناه، تعرفنا على أن الدعوة كانت قد بدأت بالكوفة .إلا أن تأسس دولة القرامطة كان قد تم في البحرين، في ذلك الوقت الذي كانت تشكل البحرين بلادا واسعة (إمتدادها من البصرة حتى عمان) ويقيم فيها أقوام من جنسيات شتى، وتتعايش فيها العقائد المختلفة من مسيحية ويهودية ومجوسية ووثنية، إضافة للإسلامية وكانت ملجأ للهاربين من أرض الجزيرة وبؤرة الردة على ساحلها الشرقي، كما كانت أرض الخوارج ومنطلق الزنج، فلا غرابة أن يتمكن " أبو سعيد الجنابي" (تلميذ حمدان قرمط) وخلال فترة لا تتجاوز خمسة عشر عاما (286-301هجرية) من بناء مجتمع عقلاني، يحكمه القانون، ويبدو أن ذلك القانون " كان قانونا وضعيا لا علاقة له بالشريعة حيث أن تنفيذ أركانها غير مطبق .. خاصة الصلاة، فالجامع رغم وجوده إلا أن الصلاة كانت إختيارية .

أما الموارد الأقتصادية للدولة، فكانت تأتي عن مصادر متعددة، أهمها الضرائب التي كانت تأتي من السفن المبحرة في الخليج، ومن تجارة اللؤلؤ، وعائدات الشام والكوفة، وطريق الحج الى جانب مغانم الحروب، وضرائب باب البصرة المفروضة على البضائع الخارجية منه الى الخليج، ولم تذكر المصادر عن ضرائب فرضت على سكان البحرين أو محاصيلهم، بل أن نظام الزراعة وإستغلال الأراضي الزراعية قد تحول الى ملكية الدولة، حسب نظام خاص لزراعة الأرض وفلاحتها، على أن يكون الأنتاج للجميع، الى جانب قيام الدولة بتوفير المتطلبات الرئيسية لسكانها، فالمسكن مؤمن، والمزارع تنتج كميات تزيد عن الحاجة، وتكفي الطلب، والطواحين تطحن بالمجان . بهذا ألغى الجنابي الملكيات الخاصة (كما فعل حمدان من قبل) وأصبح نظام الملك جماعيا، فجمعت المواشي والأبل والمحاصيل والثمار، وخصص لها من يرعاها بصورة محددة، وتحول كل نتاج الأرض للسلطة المركزية، وتم وضع نظام مالي يعطي من خلاله جميع الأتباع ما يكفيهم للمعيشة، فلا غرابة، إذن، أن تهتز أرض العراق أمام شعارات القرامطة وأعلامهم البيضاء والتي كتب عليها : " ونريد أن نمن على الذين إستضعفوا في الأرض ونجعلهم أثمة ونجعلهم الوارثين " .

وعلى خطى حمدان قرمط، فإن أبا سعيد الجنابي لم يدع النسب العلوي، كما فعلت جميع الحركات الأسلامية قبله، ولم يعلن نفسه إماما، وعلى هديه سار أتباعه في نهج " ديمقراطي وسلوك في غاية التواضع " . وكان الجنابي يدير السلطة من خلال مجلس إستشاري (مجلس العقدانيين) مكون من ستة أشخاص، يساعدهم ستة وزراء، وبعد مداولتهم بالأمور يصدرون أوامرهم بالأتفاق. ولأن حركة القرامطة إصلاحية عقلانية، فإن حرية المعتقد مكفولة، وإن علاقة الأنسان بربه " دون وسيط سواء كان ذلك الوسيط إمام جامع أو حجرا مقدسا"، من هنا يمكن فهم سرقتهم للحجر الأسود، وإحتفاظهم به في دولتهم إثنتين وعشرين سنة .

في هذا الوضع، لم يبق للسلطة العباسية إلا أن تسخر جميع طاقاتها لمحاربة (أعداء الله والمسلمين)، فشحذت أقلام المؤرخين تهاجم القرامطة، لا بسبب معتقداتهم الدينية، بل لأنهم كانوا يهددون الخلافة وبلاط الحكم، ولأنهم تميزوا عن جميع الفرق الأخرى بنجاحهم في تأسيس دولة تتعايش فيها الأقوام والمذاهب المختلفة، وتقوم على أسس لاقت إستحسان ذلك الخليط من البشر، وأخذت تعاليمها من تراثهم وفلسفتهم، ولبت حاجاتهم اليومية للحياة الآمنة .

وإن كفرهم البعض بحجة الخروج عن التفسير الرسمي للقرآن الكريم، فإن أبا حنيفة (أحد أصحاب المذاهب الأربعة) قد أفتى بالقتال الى جانبهم، وبمساندتهم عسكريا، ويعني هذا - ضمن ما يعنيه - أن تأويلهم للدين لا يبعدهم عن حظيرة الأسلام .

لقد كانت حركة القرامطة حركة فكرية إجتماعية، لم تتاجر بالدين ولا بالطائفية، وكان هدفها إقامة مجتمع تسوده العدالة الأجتماعية والمساواة بين الأجناس والألوان والأعراق، وإن غايتهم في إقامة جنة على الأرض لايبعدهم عن إيمانهم في وجود جنة سماوية في الحياة الأخرى، وما تعطيلهم لدور المساجد الا بسبب أنها قد تحولت الى منبر للخليفة دون الملة، ومركز للدعاية له دون الأهتمام بأمور الرعية، ولا بالأحوال المتدهورة في مناطق الخلافة العباسية.

 

د.هاشم عبود الموسوي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3687 المصادف: 2016-10-09 11:55:07