المثقف - قضايا

احمد الياسري: الحسين صندوق النبوة

ahmad alyasiri- لا يمكن ان تفهم الدين الاسلامي  ومختلف تحولاته العقدية والسياسية في التاريخ دون معرفة تشخيصية لكربلاء .. كل طرق البحث في التاريخ الاسلامي تمر على كربلاء !

- مصطلح صندوق النبوة هو مصطلح افتراضي لفهم واقع النبوة ودلالاته المعرفية (النبوة ذلك الصندوق الذي شكل نبي الاسلام ضلعه الاول وامام الاسلام ضلعه الثاني وسيدة نساء الاسلام ضلعه الثالث وسبط الاسلام الضلع الرابع وذبيح الاسلام مفتاح مربع الوحي والصندوق الذي أودع به سر النبوة)..

- تشكل مربع الوحي في عصر النبوة من قبل النبي الباعث القيادي للفكرة والمستمك بعروة إنجاحها وتحصينها بقيم البقاء .

- الغدير كان المسرح الاخير لفصل النبوة والمسرح الاول لأحداث مرحلة الخلافة او مرحلة فصل الدين عن الوحي السماوي كدستور تشريعي، وبرزت ملامح الوجه الاخر للمشروع النبوي ككتلة مصطدمة بواقع  متشابك ومعقدٍ من التناقضات الفكرية والاجتماعية فرضت نفسها على مشروع الخلافة او الإمامة وعطلت ديناميكية حركته المفترضة وارتباطه النوعي بمشروع النبوة  .

تداعيات الواقع الجديد غيبت المنهجية القيادية  التي انطلقت من الغدير وفرضت تجربة جديدة بهيئة واساليب وقيادات مختلفة، تحول مربع الوحي الى دائرة مفتوحة بعد غياب ضلعه الأساس( النبي)  ودخلت ثورة التناقضات الجديدة الى محيط أضلاعه المتبقية ، فصل الخلافة الروحية للامام علي عن الخلافة السياسية كان له تداعيات مستقبلية على وريثه القادم في كربلاء، تقويض السلطة العاطفية لفاطمة الزهراء على المسلمين بوصفها بضعة النبي وافتعال قضية فدك لتغليف الخلاف المركزي بخلاف جانبي كان له الأثر على تحديات ثورة الحسين، الخلافة العلوية الثانية للامام الحسن  واتفاقية وقف القتال مع الأمويين فرضت على الحسين دافعاً أخلاقياً أضيف الى الدوافع السياسية والمنهجية لتحقيق فكرة النبوة وامتداد  مشروعيتها الدينية ...

- تحول الحسين وفق كل هذه المعطيات الى شخصية مطالبة بمنتج ثوري جديد يعيد تنشيط الفكرة ويخرج السر الذي أودعه السياق الزمني للاحداث فيه كمخلص مطالب بأحداث تغيير صادمٍ في البنية السياسية والاجتماعية والدينية للواقع الاسلامي بوصفه صندوق النبوة وكلمة سر الانعطافة التاريخية الأسطورية القادمة .

- ان ثورة الحسين لا تختلف عن ثورة جده وأبيه على قريش فقد حافظت على التسلسل المنطقي للأدوار والشخصيات المتصارعة في الثورتين، كربلاء لم تكن ثورة لاسترداد الارث العلوي في الكوفة كما يصور المؤرخون لكنها كانت ثورة لاسترداد الارث النبوي من قريش،

(ياعلي: انا قاتلتهم على تنزيله وانت ستقاتلهم على تأويله)

- النبي كان يعلم ان معركة التأويل قادمة لذلك هيأ أضلاع مربع الوحي للاستعداد  لخوضها ..جسدت شعارات ثورة الحسين هذا المعنى (أمة جدي،دين محمد ) هذا الشعارات  التي أطلقها الحسين في كربلاء لم يقل (مدينة ابي، او خلافة اخي) كما فعل بنو العباس في خراسان مثلاً او بنو أمية في المغرب العربي .. حين ادعو بأرث الحاكمية السياسية وليس إرث الحاكمية الفكرية والعقدية التي طالب بها الحسين .

 في المقابل حاول الحزب الأموي المناهض محاكاة اطر الصراع القرشي الهاشمي السابق  لتحجيم الخطاب التعبوي الذي أطلقه الحسين، وجعل ثورته صراعاً  قبلياً لايقل نمطية عن صراعات القبائل العربية في الجاهلية:

 (ليت اشياخي ببدر شهدوا) ..

هذا هو خطاب الحزب الأموي المضاد لثورة الحسين .. معركة كربلاء اختزلت كل صور الصراع النبوي مع قريش لم يكن ينقصها الا الأصنام والدفوف لتتحول الى أحدٍ ثانية يمتزج بها كبد حمزة مع كبد الحسين في مشهدٍ دموي مشتركٍ .

- ان دخول الحسين في الفضاء الأسطوري كشخصية عابرة للنسق الزمني للتاريخ  وتحوله الى مسيح جديدٍ  يصلب على خشبة مشروع جده النبوي دون ان يغسل يزيد يده بالماء ويتبرأ من دم ابن عمه،  كشف الوجه القبلي للتدين الاسلامي ومنح الامة فرصة نفسية لقراءة التاريخ الاسلامي بشكل مغاير واخرج سلطة الخطاب السياسي من دائرة المقدس وأعاد الخطاب الديني الذي طرُح على  لسان جده الى موضعه المنطقي في فكر وتاريخ الامة الاسلامية

- اكمل الحسين الدور النبوي لبقاء وتمدد الاسلام بطريقة مختلفة، الدين المضطهد المقتول وليس الدين المستبسل القاتل  أضفت ثورة الحسين المشروعية الاخلاقية على صلاحية هذا الدين للتعاطي مع التحولات التاريخية بوصف الحسين  الضحية الانسانية القائدة والمحرضة على التغيير لذلك كانت اسطرة هذه الشخصية واكتسابها الرمزية العاطفية امراً طبيعياً جداً انفصلت هذه الشخصية عن واقعها الزماني والبيئي ودخلت في  عوالم التصور الميثولوجي بمختلف ابعاده الانسانية.

- الحسين اول ضحية مؤثرة للارهاب الديني في تاريخنا الاسلامي، وثاني أسطورة انسانيةٌ للخلود والموت في الحضارة  العراقية بعد أسطورة گلگامش، العراقيون هم الذين اسقطوا تصوراتهم الحضارية على واقعة كربلاء واكسبوها البعد الرمزي الأسطوري،

لو قدر للحسين ان يقتل في المدينة او مكة مثلاً لتحول لشخصية لا تختلف عن شخصية ابن الزبير في تاريخنا الاسلامي لكن الحسين منح ارض العراق جسده فمنحته تربة العراق الخلود الحضاري المتجدد. وحافظت عليه كوارث شرعي لمربع الوحي  وصندوق لأسرار النبوة المحمدية .

 

 

احمد الياسري

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3688 المصادف: 2016-10-10 05:20:41