المثقف - قضايا

راغب الركابي: بدعة صيام عاشوراء

rakeb rekabiثمة شيء لا نعرفه نحن معشر المسلمين، عن ذلك التفنن المقصود في إثارة الفتنة وتنويع مصادرها، لكي لا يقر لنا قرار ونكون كما هو العالم المحترم، وهذه المرة وجدت الترويج قد فاق حده فرحاً بعاشوراء لا لشيء إلاَّ من أجل القول إنه يوم مقدس وحصلت فيه كل النواميس والمعجزات، وقد حاول بعض المرجفين تزويدنا ببعض الأخبار السُحت التي تُصدق مقولتهم وما حدث للأنبياء في مثل هذا اليوم، كما جهد البعض من وعاظ السلاطين لكي يُقعدوا لنا هذه البدعة، ويجعلوها لنا ويكأنها هي الإسلام وشرعه المطلوب، ونحن ومن باب الموضوعية نقول : بعد تتبعنا للأخبار والروايات وقصص القوم في ذلك، لم نجد لهذه البدعة أية حقيقة، هذا من جهة الزمان فلم ينتصر موسى النبي على فرعون الطاغية في هذا اليوم، إذ لم يكن هذا اليوم من أيام السنة اليهودية، أعني إنتصار موسى كان في زمنه هو وسنتهم هم،، وأما السنة الهجرية التي مبدئها بمحرم فهي مما سنه عمر بن الخطاب كما هو الرأي المشهور، ولا أدري إن كان موسى يستخدم السنة الهجرية العمرية أم لا؟، ثم من هو من المؤرخين من ضبط لنا وأشار إلى ذلك، وهل كان الأمر مجرد مصادفة مع يوم عاشوراء؟ ثم من من الرجال الثقات الذين جاؤوا بهذا الخبر؟، ومن من المؤورخين دقق وحقق في ذلك وقال لنا من غير شك إن يوم عاشوراء هو يوم يهودي؟

مشكلتنا أيها السادة ليست مع التاريخ ولا مع فقهاء التراث، بل مع المذهبية السلفية التي تُغطي على العقل وتُصادر الحرية وتفرض علينا القيود وكل ماهو غير معقول ومنطقي، المذهبية السلفية كما قال العلامة الشهيد البوطي رحمه الله هي بدعة سرت في عقل الأمة فخربته وإنتزعت منه كل ما هو صحيح ومعقول، إنها قد تسللت عبر الضرب على فعل السلف للفتك بكل ما هو عقلي وإنساني في الدين الإسلامي .

إن عاشوراء هو اليوم الذي حصلت فيه المجزرة بحق الإمام الحسين وأولاده وأصحابه، على يد حاكم طاغية موتور نزاَّع للشر والجريمة، عاشوراء ليست يوماً للفرح والعبادة حتى يؤمر المسلمون فيه بالصوم إتماماً لعهد الله التطوعي، بل هو يوم نتذكر فيه الشهيد الحسين المظلوم، ونتذكر فيه الجريمة التي أرتكبت بحق العدل والمنادين بالعدالة ، عاشوراء نتذكر فيها كيف تجمعت قوى الشر والإرهاب لقتل المبدأ الحر، ولكي لا نتذكر ذلك ولا نعيش معنى الدفاع عن العدل والحرية والسلام، صاغت لنا المذهبية السلفية هذه البدعة وركزتها في أذهان البسطاء مُدعيةً إن الرسول محمد قد طلب فيها منا الصوم إبتهاجاً بإنتصارات مزعومة .

ولم يدر في خُلد هؤلاء القتلة إن حبل الكذب قصير، وإن سنتنا الهجرية هي ليست السنة اليهودية ولا المصرية القديمة ولا أشهرها هي عينها ولا أسمائها كذلك، فالسنة اليهودية هي غير هذا ولا أظن إن اليهود كانوا في زمن موسى يسيرون وفقاً لسنتنا الهجرية هذه،

إن تجهيل الناس والتهويش بأخبار موضوعة كاذبة ونسبتها إلى الرسول محمد هي واحدة من أعظم البلاياء التي أبتلينا بها، ولكنها كانت هدفاً مقصوداً من الحكام والخلفاء الذين كانوا إمتداداً لخلافة يزيد بكل ما تحمل من عنف وجريمة وكراهية وعدوان، هؤلاء الخلفاء سخروا نفراً من بائعي الضمير والشرف من جوقة الوضاعيين لكي يقولوا لنا ويدسوا بين كتبنا أخبار ما أنزل الله بها من سلطان، نعم هي من البلايا التي أصابت عقولنا في الصميم، ولكنها لن تصمد وستزول بفعل عوامل التوعية والتثقيف، وإن صدق بعض الناس بها فيقيني إنها كانت تصدق نسبة الأخبار إلى الرسول، ولكن ذلك التصديق مع الأيام وإنكشاف المستور قد أصابه الوهن، فالناس تبحث عن الدليل وتريد الحجة ولا تريد الإنغماس بما يشتهيه السلطان ومايريده، وهذا يعني رفض هذه البدعة السمجة الفاسدة النتنة التي لا تدل على خير بقدر ما تدل على الفتنة والتظاهر بالعدوانية في يوم قُتل فيه الإمام الحسين على يد طاغية زمانه .

وستبقى عاشوراء عندنا ولدى الناس جميعاً يوماً للبطولة وإنتصاراً للدم على السيف، إنه يوم إنتصار الشهيد المظلوم على قوى الشر والعدوان والجريمة، وسلاماً على الحسين في يوم عاشوراء وعلى أبناء الحسين وعلى أصحاب الحسين، وليذهب إلى الجحيم كل أنصار الشر والإرهاب والجريمة ..

 

راغب الركابي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3691 المصادف: 2016-10-13 01:58:44