المثقف - قضايا

عز الدين مزوز: اقتراحات في إصلاح المنظومة التربوية في الجزائر

ezaldeen mzawzمد خل: إن التربية التي يُعول عليها المجتمع في تنشئة جيل متعلم، هذا الجيل الشاب الذي  يمتلك من الإمكانات والكفاءات ما يؤهله للاضطلاع بالمهام الجسام في النهوض بالأمة، وجعلها في مصاف الأمم الكبيرة من العلم والحضارة والتمدن. قُلتُ: إن هذه التربية هي حجر الزاوية في أي مجتمع يمتلك نظرة استشرافية مستقبلية تكون دافعا أساسيا في تقدم المجتمع وازدهاره. ولذلك رأيت من واجبي، وأنا أنتمي إلى الجامعة وهي مؤسسة علمية تضطلع بجملة من المهام ذات الدور الفعال في حركية المجتمع ونهضته. ومن هذه المهام إنتاج المعرفة، وتكوين الأطر في شتى مجالات الحياة، والمساهمة في تقديم حلول لمشكلات المجتمع التربوية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، أن أُقدم جملة مُقترحات تنبثق من تصور خاص للمنظومة التربوية الجزائرية علها تُسهم ولو بجزء بسيط في تصحيح المسار، ووضع لبنة في الصرح التربوي الذي نرُوم تشييده ونأمل من خلاله في التأسيس لرؤية تربوية علمية تكون منطلقا لنهضتنا المنشودة.

وفي ما يلي بعض الاقتراحات التي أقدمها على شكل نقاط عمل قد تُسهم في إصلاح بعض جوانب المنظومة التربوية  في الجزائر وتُعيد قطارها إلى سكته الصحيحة:

1- إشراك كل المتعاملين والعاملين في القطاع من معلمين ومديري المؤسسات التربوية ومفتشين ومستشاري التربية وإذا لزم الأمر الاستعانة بمتـــقاعدي سلك التربية (لإشراك القاعدة) لخبرتهم، وكذلك أولياء التلاميذ، في أيام دراسية للنظر في إصلاح المنظومة التربوية ويكون ذلك تحت إشراف متخصصين في الميدان، هذه الأيام تنطلق على مستوى محلي ثم جهوي ثم تُختتم بلقاء وطني يُتوج بتوصيات إلزامية التطبيق.

2- ضرورة إعادة فتح المعاهد التكنولوجية المتخصصة التي كانت متواجدة في جل ولايات الوطن ، لأن دورها في تخريج الإطار الكفء لا يُنكر، وبغلقها أنحط التعليم إلى مستويات متدنية، فهي كونت جيل من المعلمين والأساتذة في كل الاختصاصات طبقا لبرنامج تعليمي معين، وأتت بثمارها بشهادة الجميع، فأغلب إطارات الدولة الحاليين هم من خريجي المدرسة الجزائرية. وكذلك بِتغير برامج التكوين التي لا أطعن فيها، أصبح هؤلاء الأساتذة غير قادرين على مسايرة والتكيف مع مُتطلباته البيداغوجية.

3- يعتبر كثير من الأشخاص سواء أكانوا من المتخصصين أم من السياسيين أن سبب ضعف المنظومة التربوية يرجع إلى التعريب، غير أن اللغة لم تكن في يوم من الأيام عائقا أمام التطور والتطوير، بل تُعتبر من العوامل المساعدة في التعليم ، ثم إن التعريب لم يُطبق أصلا على مستوى واسع، بدليل أن التلميذ يدرس باللغة العربية، ويتعامل مع المجتمع الخارجي باللهجة العامية وربما حتى اللغة الامازيغية، ثم الوسط المحيط به والمتمثل في بعض الإدارات، فهي تتعامل باللغة الفرنسية تماما. وعليه ولكي نحل هذا الأشكال يجب أن تكون اللغة التي نُفكر بها واللغة التي نحلم بها في يقظتنا وفي  منامنا، واللغة التي نتعامل بها في أسواقنا ومؤسساتنا وإداراتنا هي اللغة  نفسها التي نتعلم بها، لا يهم ماهيتها،  فالاختيار في ذلك يعود إلى الشعب في استفتاء وطني تنظمه الدولة، أي يجب أن تسود لغة واحدة في كل مكان،  في البيت، في المدرسة، وفي كل المجالات، فاليابانيون أو الصينيون مثلا لغتهم من أصعب اللغات كتابة ونطقا، إلا أنهم استطاعوا أن يُطوروا لغتهم ومن ثم مجتمعهم. إن إشكالية اللغة تتمثل في التعدد اللغوي، وحل هذه الإشكالية في تصوري، يتمثل في التعامل في كل مجالات الحياة بلغة واحدة مُوحدة.

4- نشر روح المنافسة في كل الأطوار التعليمية وتشجيع الكفاءات، وفي هذه النقطة بالذات لا بد من عودة المنافسة في المؤسسات التربوية بمختلف أطوارها، لأن طبيعة البشر هي هكذا فالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان  وأمره بتطبيق شريعته مقابل فوزه بالجنة كما قال سبحانه وتعالى "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون"، لذلك تشجيع  التلميذ المتميز يخلق جوا من المثابرة المستمرة، والتشجيع يكون معتبرا وذا قيمة، فمثلا في بعض الدول الأوروبية يُشجع الطلبة الأوائل المتفوقون بمكافأتهم بمنحهم منحة شهرية معتبرة تكاد تكون أجرة عامل متوسط.

5-الإبقاء على مكسب مجانية التعليم، إذ الجميع يعلم أن المجتمع الجزائري لا يزال أغلب أفراده متوسط الدخل، إن لم نقل ضعيف الدخل، أضف إلى ذلك أن نسبة النمو الديموغرافي المرتفعة،  فمتوسط ألأبناء في العائلة الجزائرية يتراوح في حدود 4 إلى 5 أبناء، وعليه فإن رب العائلة الجزائرية قد يجد صعوبة في التكفل بكل أبنائه حتى في ظل مجانية التعليم، ثم هذا المكسب ضحى من أجله شهداء الثورة التحريرية لا يمكن التراجع عنه، فهو من أدوات التنمية ووسيلة لمحاربة الفقر والأمية في المجتمع.

6- المراقبة والمتابعة البيداغوجية والتقويمية للمدارس الخصوصية وذلك من قبل مفتشي التربية والتعليم الوطنيين، لأن هدف بعضها تجاري بحت، ولا يهمها إلا الربح السريع، ولا بد إذا من متابعتها بيداغوجيا وإداريا، كما يجب أن يكون التقويم تحت إشراف مديريات التربية، عن طريق تقديم تقرير سنوي تحت إشراف مفتشي الطور في المقاطعة، إلى مديريات التربية للولايات التابعة لها، ومعاقبة هذه المؤسسات الخصوصية التي لا تلتزم بدفتر الشروط المُعد مسبقا.

7- إنشاء أقسام للكفاءات داخل المؤسسة نفسها وذلك بغرض حث التلميذ المتوسط والضعيف على الاقتداء، ومن الضروري فصل هذه الكفاءات والعناية بها وذلك بإنشاء أقسام تكون تحت إشراف أساتذة ذوي.كفاءات عالية داخل المؤسسة نفسها، وإن أقتضى الأمر لا بد من فتح مؤسسات خاصة بكامل طواقمها للكفاءات، تكون تحت إشراف الوزير مباشرة، وتسمى بمدارس الموهوبين، وهي فكرة معمول بها حتى في بعض الدول العربية كمصر.

8- مراجعة شاملة للبرامج وتنقيحها، لأن البرامج الحالية لا تتماشى مع الحاضر، كمثال: يُدرس التلميذ في مرحلة من مراحل التعليم كيفية ملء صك بريدي ونحن نعلم أنه حين يكبر هذا التلميذ تندثر المعاملة بالصكوك، فما الفائدة إذا من هذا الدرس؟ !!. كما أن بعض من محتويات البرامج لا يتماشى أصلا مع معتقدات وقيم مجتمعنا وبعض عاداته، وبعضها لا يستوعبها حتى المعلم نفسه، كمثال: سألني ابني وهو يدرس في السنة الرابعة ابتدائي سؤالا لم أستطيع أن أجيبه لأن الإجابة فوق طاقته الإستعابية، والسؤال كان ما معنى التسيير المركزي للدولة؟. ومثال آخر يتعلق بالتربية التكنولوجية في الطور المتوسط، حيث أن كثيرا من المفاهيم والمصطلحات المُقدمة في هذا المنهاج يصعب إستعابها وفهمها على المتعلمين في هذا الطور، وربما صعُب إدراك حقيقتها حتى على المعلمين أنفسهم.

9- يجب رسكلة إطارات التعليم بمختلف مراحله بصفة دورية حتى تتماشى مستوياتهم مع المستجدات، فالعلم يتطور بوتيرة متسارعة، والرسكلة تكون على شكل ملتقيات محلية أو جهوية وإن أقتضى الأمر تُبرمج ملتقيات وطنية، حتى يُصبح المُكون على دراية تامة بما يحدث على المستوى العالمي، خاصة في ميدان وسائل التعليم والتواصل التكنولوجي.

10- رسم خطة على المدى البعيد ولا يجب إعادة جدولتها حتى ننظر في نتائجها، هذه النقطة تدخل في إطار الاستشراف المستقبلي للدولة، وهذا نجده في البرنامج المسطر لرئيس الجمهورية المنتخب،  وتنفذه الحكومة،  لحد الساعة لم يُقدم أي مرشح لرئاسة الجمهورية أي مشروع استشرافي على مدى نصف قرن مثلا. فكل المرشحين كلامهم عام مجرد مقالات صحفية، أو تشريح لوضعية التعليم في بلادنا، ومن هذا المنطلق لا بد من دراسة شاملة للأهداف الأساسية من التعليم لبناء الدولة على المدى البعيد والمتوسط ، ونُكوِن نظرة علمية للأهداف التي من خلالها سنؤسس مجتمعا تُسيره هذه المنظومة.

11- الاستغلال الأمثل للوسائل التعليمية أو التي تدخل في التعليم، في رأي توفير الوسائل لا يتطلب ميزانية كبيرة، بل أستطيع أن أقول أن أغلب الوسائل متوفرة حاليا وبشكل كاف إلا أنها غير مُستغلة بشكل عقلاني وعلمي، كمثال أجهزة الإعلام الآلي فهي تُستغل في رصد نقاط التلاميذ أو تُستعمل من طرف الغير في معالجة النصوص وتطبيقات أخرى كاللعب ...الخ ، ولم يُتح للمتعلم التعامل معها بصورة سلسة ومرنة.

12- الاهتمام بوضعية المُكونين من معلمين وأساتذة وكل الأسلاك التربوية، سواء من الناحية المادية أم من الناحية المعنوية، فالمُثقف عادة يرضى بالقليل الذي يضمن له كرامته والعيش الكريم، والمثقف يُريد أن تكون له مكانة اجتماعية مرموقة، وقد يحصِل على ذلك إذا توفرت الإرادة السياسية للدولة، فببساطة يمكن الاستعانة بمختلف المنابر الإعلامية والثقافية والدينية لإعادة الاعتبار للمعلم.

13- توفير وتفعيل وسائل الترفيه بمختلف مكوناتها للمتعلمين وتحت إشراف المُكونين، من رحلات سياحية تثقيفية،  مسرحيات، حفلات ونشاطات رياضية، كما تُنظم زيارات ميدانية للمؤسسات والإدارات العمومية من ولاية ودائرة وبلدية إلى غير ذلك من المرافق العمومية ، ليكتسب المتعلم معلومات وخبرات ومعارف قد تساعده في حياته اليومية مستقبلا وكذلك الهدف منها اكتشاف المواهب والإبداع لدى المتكونين في مختلف النشاطات سواء كانت رياضية أم ثقافية أم علمية إلى غير ذلك، ثم برمجة حصص للترفيه إلزامية للتلاميذ تكون مشابهة لحصة مادة الأنشطة الثقافية وتكون غير خاضعة للتقويم، فالتلميذ في مختلف مراحل التعليم يمتلك طاقة هائلة لا يجد المكان ولا الزمان لتفريغ مخزونه الطاقوي، وقد  يلجأ للشارع من أجل تفجير مواهبه في أشياء قد تعود عليه بالسلب.

14- الرجوع إلى التحية الأسبوعية للعلم الوطني، لأن غرس روح الوطنية وتعزيزها تكون بدراسة التاريخ الوطني والوقوف عند البطولات النادرة لشهداء الوطن ومجاهديه في مختلف الحقب التاريخية.

أخيرا قد تكون هذه الاقتراحات غير مرتبة من ناحية الأولوية في تطبيقها، غير أنها في رأي مجرد نظرة شاملة متواضعة لحل مشكلة التعليم في الجزائر، وقد تكون لبِنة إضافية أردت أن أُسهم بها في توسيع دائرة مناقشة إصلاح المنظومة التربوية التي هي فعلا تُعاني في كل جوانبها، الكل ينتقد، والكل يشتكي معلمون، تلاميذ، أولياء. أما الإدارة التي تسير مؤسسة التعليم فحدث عنها ولا حرج، والمجتمع واقف يتفرج لا يُحرك ساكنا، ومن هذا المنطلق كان لزاما علي أن أُقدم مساهمة متواضعة، قد تأتي بالجديد.

 

بقلم الدكتور: مزوز عزالدين

أستاذ بقسم الفيزياء كلية العلوم

جامعة الحاج لخضر باتنة 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3691 المصادف: 2016-10-13 02:10:26