المثقف - قضايا

جوتيار تمر: دار الكفر ودار الخليفة

juotyar tamerتتباين الرؤية حول المسميات التي يطلقها اغلب التيارات الدينية  - الاسلامية – على الاخر الذي لاينتمي اليها، سواء أكانت تلك التيارات معتدلة ظاهرياً ام هي باطنيا وظاهرياً متشددة – ارهابية -، ومن خلال تلك التسميات يمكن النظر الى جوهر العقيدة التي تتبناها تلك التيارات بالاخص التي مع الفكر تستخدم السلاح والقوة والترهيب كي تثبت وجودها من جهة، وكي تقيم حدود ما تؤمن به من جهة اخرى، ولعل اثبات الوجود لايحتاج الى الكثير من الجهد في هذا الوقت لاسيما ان العنصر الميديائي بكل فروعه وتخصصاته يخدم وجود غير الطبيعي على الخراب المسمى الارض، فضلاً عن كون هذا العنصر  لا عقيدة له كما يظهر للجميع ولا انتماء له الا للمال والاقتصاد وكسب المشاهدة الاعلى ضمن هيكلة مدعومة من اللوبيات وجماعات الضغط العالمية التي لاتتوانى على فعل اي شيء من اجل تحقيق مصالحها ومكاسبها ولو على حساب الاخر الذي هو في الاصل بنظره وسيلة لتحقيق المزيد والافضل.

اذا فاثبات الوجود لم يعد مشكلة حقيقية لهذه التيارات العنفية فبمجرد ان يفجر احدهم في سوق او في شارع او في مكان ترفيهي او حتى مدرسة ومسجد وكنيسة حتى تجد المئات من القنوات الاعلامية تقوم بتغطية شاملة لكل شاردة وواردة ضمن سياق الحدث مع تحليلات تضيف الى الحدث المزيد من التكهنات والتخوفات والتهويلات، وبالتالي يصبح الشخص الذي قام بتلك العملية نجم الشباك الاول خلال تلك الفترة وبالطبع مع الجهة التي تتبنى العملية.. وبالتالي تعلن تلك التيارات بشكل رسمي ومعتمد لدى الاجهزة الامنية والاستخباراتية والمدنية والدولية نفسها كتيار ارهابي موجود.

وحين يتم لها ذلك بوضوح تام ومؤكد وغير قابل للنقض والنقاش والتكهن تبدأ المرحلة الاهم في تاريخ تلك التيارات الارهابية وهي مرحلة التبشير بما تؤمن به.. اي اعتماد النهج العقائدي الذي تعتمده في ادارة شؤونها وتعاملاتها الداخلية والخارجية وفق منطق الأنا والاخر، بحيث تصبح ألأنا هي القاعدة الاساس لكل انطلاقة والاخر هو الهدف، وبذلك تحاول ان تجعل من الاخر اما على طريقته ونهجه وعقيدته او يتحول الاخر الى الضد، وحين يتحول الاخر الى الضد فهذا يعني ضرورة التعامل معه وفق المعتقدات السائدة او التشريعات التي يؤمن بها، وهذا يعني العودة الى النصوص الاصلية التي تفسر التعاملات هذه وفق قواعدها وايديولوجيتها، وحين يتعمق في الماورائيات يجد بالطبع الكثير من التساؤلات والتأويلات والاحداث التلازمية الترافقية تاريخياً كي يتخد من احد تلك المسالك ممراً له لتحقيق غايته التشريعية او لنقل اقامة الحد وفق منطق التشريع والفقه، واقامة الحد بالتالي توجب عليه اتباع وسائل معينة يمكن تطوريها حسب الوقت والعصر دون المس في الثوابت كما هو معلن لديهم، وهنا يأتي دور ايجاد مصطلح فقهي يناسب الحدث والقضية، وبالطبع لن يخفى على احد دور دعاة الفتنة والتعصب الديني والتزمت الفقهي وانكار الاخر بل اتباع قاعدة الاستقصاء التي تتبناها اغلب هذه التيارات من اجل تحقيق مآربها وغاياتها، وهذا يعني التصريح بتكفير الاخر، وبالتالي يتحول الاخر من الهدف التبشيري الدعوي الى هدف اخر يجب اقصائه لكونه عائق ومنحرف عن الطريق القويم.

ومما لاشك فيه انه ليس هناك ما هو اسهل لهذه للتيارات ان تطلق على الاخر بانه كافر، والكافر ضمن تشريعات وآيات السيف التي يتخدها هولاء كدرع وقائي تشريعي تبيح لهم ابادتهم وقتلهم.. ولانهم يتطورون فقط في الوسائل الاستقصائية وليس في المسائل العقيدية فانهم يسخرون كل طاقاتهم التفخيخية والتفجيرية والانتحارية والتشويهية والغوغائية من اجل الوصول الى مبتغاهم..دون الاخذ بنظر الاعتبار اية احكام تشبيهية او اية اراء تحرم قتل الطفل او الشيخ وتحرم اغتصاب الفتيات والنساء وتحرم بيعهن في اسواق النخاسة.. لانهم باختصار يعيشون في دار الكفر.. ولاينتمون الى دار التيار ذاك – دار الخليفة – او دار الامامة.

وحين ننظر الى اسباب تحويل البيئات التي يقطنها الاخرون الى دار للكفر فاننا سنجد بعض التبريرات التي لاتتوافق مع العقل اولاً ولا مع اي منطق ايماني اخر، لكون احدى اهم الاسباب التي تحول الاخر الى دار كفر كونه يعيش تحت ظل الحكومات التي تتعامل بدورها مع الحكومات غير الاسلامية اي غير التي تقيم شرائع وحدود الله على الخراب الارضي.. وهنا تكمن الغرابة في التصور الديني لهولاء، وكذلك الغرابة في الكيفيات التي ينظرون بها الى الاخرين، لانه ببساطة ليست هناك اية حكومة تقيم شرائع وحدود الله حسب رؤيتهم ومعتقدهم، ومما يعني حتى الحكومات التي هي في دساتيرها قد اقرت بان الدين هو التشريع الاساس لكل المعاملات ولكل التعاملات الداخلية والخارجية هي بنظرها كافرة خارجة ولاتقيم حدود الله.. لانها تتعامل مع حكومات اخرى كافرة لاتدين بدين هولاء.. وهنا المنطق اللاواعي منهم يجعلنا نؤمن على انهم فقط يبحثون عن مبرر يمكنهم به اتهام الاخرين الخارجين عن ملتهم بالكفر.. وهذا هو منطق الاسقتصاء الفعال ضمن منظومات الارهاب الحالية.

لان النظرة القائمة لدى هولاء لاتتجاوز الملة او الانتماء التياري، فحتى التيارات الاخرى تحمل نفس الراية ونفس الغاية ونفس الهدف طالما لاتدين للخليفة بالولاء فهي كافرة بنظرهم ويجوز قتلهم وسبي نسائهم ويحلل اموالهم وديارهم لانها دار كفر في كل الاحوال.. ولاشك ان من يقرأ لهولاء ويشاهد افعالهم سيدرك تماماً انهم لايملكون اية مقومات وجودية للبقاء طويلاً بل هي في الغالب تيارات زائلة وان ظهرت في كل فترة بمسميات مختلفة لكن لايمكن لها البقاء كمنظومة " دولة " طويلاً ليس لكونها قائمة على العنف والاستقصاء فقط، انما لانها لاتعتمد على الرؤية الشمولية في التعاملات مع الاخرين، فاية حكومة دينية قائمة خارج حدودها تتبنى فقه المعاملات وفق حاجاتها لسد الفراغات التي يتسببها النواقص الداخلية سواء أكانت خامة او مواد اولية او حتى العملة والى غير ذلك من الحاجات الاخرى، اذا فهي تتعامل مع الحكومات الاخرى لانها لاتمتلك المقومات الداخلية الاساسية التي تجعلها توفر الامن والاستقرار والغذاء والمال والدواء بشكل يتناسب وحجم سكانها، ومما يعني ان تعاملاتها الخارجية مع الاخرين هي تعاملات على اسس المصلحة المتبادلة، وهذه المصلحة المتبادلة هي التي تبقي على افرادها يعيشون ويستمرون في حياتهم اليومية دون قلق على القوت.. واي قطع لهذه التعاملات يعني تجويع الناس.. ومن ينظر الى حجم التعاملات او لنقل السلع التعاملية بين الحكومات في الدول الاسلامية بصورة خاصة وبين الدول الاخرى التي لاتدين بالاسلام سنجدها تعاملات اقتصادية بحتة بالدرجة الاساس.. ولكن هذا لايشفع لها بان تبقى ضمن منظومة الاسلام بنظر التيارات الارهابية بالعكس تماما فهي طالما تتعامل مع تلك الدول فهي تقويها اقتصاديا وتجعلها متحكمة ومتجبرة والى غير ذلك من المصطلحات الشعاراتية والفقهية التي تتبناها هذه التيارات.. اذا فهي لاتقيم حدود الله وما يعني جواز استقصائها ومحاربتها.

في المقابل سنجد بان تلك التيارات حين تريد شراء شيء نجدها تلجأ الى البضاعة الاجنبية لانها اصلا جماعات استهلاكية غير منتجة، او بالاحرى هي لاتعرف الانتاجية الا  من خلال الفتك والقتل والسبي وانتهاك الحرمات وهذا جُلَّ ما تنتجه، ولكونها استهلاكية فهي تشتري ملابسها الداخلية من هذه الدول وهي تشتري قوتها من هذه الدول وهي تشتري ساعاتها من هذه الدول وهي تشتري اسلحتها او المواد الاولية لمتفجراتها من هذه الدول وتتبع التقنيات التي طورتها هذه الدول وتستخدم الاجهزة التي صنعتها هذه الدول وحتى الوسائل الاعلامية" قنوات فضائية – انترنيت – تويتر – وكل المواقع الاخرى سواء مواقع التواصل الاجتماعي او القنوات الاعلامية الاخرى "  التي تستخدمها للترويج عن مقاصدها هي من صنع تلك الدول – دار الكفر – ومع ذلك تنفي عن نفسها التعامل المباشر معها، وتتهم الحكومات الاسلامية بانها تتعامل مع دول كافرة.. وكأن التعامل الاقتصادي الذي يفتح المجال امام الدول الاسلامية كي تبرز وتقف على اقدامها وتمنح لسكانها الرخاء والامن الغذائي هي امور محرمة ولاتجوز وفق منطقها، ولكن ان يقوموا بشراء كل شيء اجنبي امر مباح.. انها بلاشك لعنة التناقضات ولعنة الاقصاء التي تتبناها هذه التيارات الارهابية الدينية وبدون ان يكون لها اية حجة شرعية فقهية نابعة من الاصوليات الصحيحة للدين، لانها اذا وجدت في الدين تلك الاقرارات التشريعية فبلاشك سيكون ذلك الدين وقتي زائل غير ملائم لمواكبة التطورات الحياتية والتعاملية والاقتصادية وحتى السياسية التي يفرضها الواقع بكل مستوياته.

من هنا كان لابد من الوقوف بدقة وبدون اية تعقيدات فقهية ولغوية واصطلاحية ولا حتى اعلامية على ماهية الرؤية التي تتبناها هذه الجماعات الارهابية فيما يخص الاخر بالاخص في قضايا تمس الوجود الانساني داخل المجتمعات الاسلامية نفسها التي لديها حكومات تقر بالاسلام كدين اساسي في التشريعات ولكنها في الوقت نفسه تحاول جهدها من اجل اكساب بلادها القوة الاقتصادية اللازمة للبقاء من خلال تعاملاتها مع الاخرين وفق منطق الربح والمصلحة المتبادلة، ومع ذلك فانها حكومات تبقى بنظر التيارات الاسلامية الارهابية مقيمة في دار الكفر لانها كما سبق وان اسلفنا لاتؤمن بدار الخليفة الذي يسمح له ما لايسمح لغيره.. لذا يستوجب على اتباع الخليفة ان يقوموا بمحاربة الفيئة الباغية الخارجة عن طوع الخليفة والشرع وهنا يتم استباحة دم من كان مسلماً مقيماً في دار الكفر او غير مسلم مقيم في دولته.. وحين تتبنى جماعة ما هذا الفكر فانها بلاشك ستبيح لنفسها اتباع كل السبل وتسخير كل الوسائل " ابادة جماعية – مقابر جماعية – قطع الرؤوس – حرق الاسرى – اغتصاب الفتيات  والنساء وبيعهن في اسواق النخاسة – التفجيرات والمفخخات في الاماكن العامة والاسواق – استغلال الاطفال عسكرياً من اجل القيام بعمليات انتحارية – اشاعة الفوضى – السيطرة على الاماكن- الاتجار بالدين – والى غير ذلك من الاعمال الوحشية التي يقمون بها ..."  من اجل تحقيق غاياتهم الاستقصائية والتي هي الاصل المحرك لكل فعل ارهابي من قبل هذه الجماعات.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3704 المصادف: 2016-10-26 02:17:45