المثقف - قضايا

عبد الرحمان الطبيب: مكانة الدراسات المستقبلية في الفكر العربي

abdulrahman altabibلا شك أن الفكر بصفة عامة هو بوصلة تقدم الأمم ونهضتها ثقافيا وفكريا واجتماعيا وسياسيا..لكن يتبادر إلى القارئ سؤال محير يفرض نفسه كلما عمقنا النظر في بطون كتب المفكرين – العرب- بحيث نجدها حبلى بالمناهج والنظريات الفكرية خاصة إدا ما كانت من النوع التي تتناول موضوع النهضة والتقدم، غير أن المتتبع لهدا النوع من الخطاب الفكري يجده يجتر نفس القضايا وهي"النهضة-التقدم-التحرر-محاربة التخلف-اللحاق بالغرب..." وأحيانا نفس الإشكالية تتكرر عند جميع المهتمين بقضايا الفكر العربي، لمادا تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟ وهي في جوهرها إشكالية تسعى سواء بطريقة مباشرة أو عكسها للإجابة على السؤال الكبير أي دور للفكر العربي بمستقبل الأمة الإسلامية؟ فإذا استثنينا الجانب العقدي والخلقي من اهتمامات الفكر الإسلامي، نجده يبحث دائما أو بصيغة أخرى يحاول الوصول إلى مستقبل عربي إسلامي متقدم دينيا اقتصاديا سياسيا ثقافيا علميا.

قبل الحديث عن هدا النوع من الدراسات في الفكر العربي لابد من الإشارة ولو بعجالة إلى مفهوم هدا العلم وإن كان بطريقة مقتضبة ووجيزة غير ما ألف في كتب الاختصاص.

مفهوم علم المستقبل Futurologieأو الدراسات المستقبلية إن صح التعبير، هي عبارة عن حقول معرفية حديثة العهد، نشأت وتربت في رحم الحضارة الغربية  ولقيت قبولا وانتشارا أوسع خاصة في اليابان أمريكا الشمالية مرورا بأوربا، ويعتبر هدا العلم علما تنبئيا بناء على معايير علمية دقيقة تحوي جميع المجالات سياسية كانت أو اقتصادية فكرية ثقافية اجتماعية...وقد جاء هدا العلم المستقبلي أيضا كثورة على الزمن الدي غدا يمر بسرعة فائقة مما جعل كثيرا من العلوم تفتقد الى أصالتها على حساب التطور الآلي الميكانيكي، غير ان الغرب ورغم التقدم التكنولوجي وعصر المعلومات السريعة يرى إن المستقبل المثالي الذي يطمح إليه ليس حكرا على التطور التكنولوجي فقط بل يبقى دلك غير مكتمل البناء إذا لم يكن الزمن أو المستقبل خاضع إلى لمجالات وأدوات أخرى مثل المخيال L’Imaginaire والرمز والتأويل ...والحفريات في المعرفة كما أشار دلك ميشيل فوكو في كتابه l’archéologie de savoir .

من هنا نتساءل إذا كان الغرب بغطرسته التكنولوجية التي حلت محل الفكر - على حد الشائع عندنا نحن- قد جعل من الفكر بأنواعه حلقة أساسية في استشراف المستقبل، فما مدى حضور هدا العلم في الفكر الإسلامي؟

دراسات المستقبليات في الفكر العربي:

إن الحديث عن دراسة المستقبل، أو الدراسات المستقبلية في الفكر العربي والاسلامي عامة يقتضي التاريخ إلى بداية نشوء مفهوم "المستقبل" في الفكر الإسلامي ومدى علاقته بالزمن والتاريخ والتطور الذي نحن بصدد دراسته في هدا الموضوع.

فمفهوم"المستقبل" كان ضمنيا موجودا عند العرب ضمن معجم عربي معقد ضم كلمات:"الأيام"و"الدهر"و"الحال"و"الزمن"و"الغد"و"الغيب"..الخ

غير أن الثابت عند العرب أنداك إن تفكيرهم المستقبلي قد اتخذ أشكالا بعيدة كل البعد عن العلمية من قبيل دلك نجد:"قراءة الطالع"و"التنجيم"و"العرافة" وهي أشكال موجودة حضارات أخرى. لكن بالرغم من عدم احتلال هده الدراسات موقعا مميزا في الفكر الإسلامي والعربي، كانت هناك بعض الإسهامات المحتشمة التي كانت عبارة عن تساؤلات ملحة وإجابات مختلفة مدارها حول: كيف ينظر الفكر العربي الى المستقبل ويعالجه؟ وبالرغم من محدودية هده الدراسات وقلتها في الفكر العربي الإسلامي يفقد جاءت مركزة على قضايا أساسية من قبيل: الحداثة والعقل والتنمية والفلسفة والدولة والمؤسسات والثورة العلمية والأنساق الاقتصادية والتبعية والأزمة..الخ

من هنا يمكن القول إن الدراسات الإستشرافية للمستقبل في الفكر العربي و الإسلامي ظلت مركزة على مشاريع نهضوية أو بدائل محلية ...لم تتحدد بعد ملامحها وشروط واليات انجازها.

مجمل القول:آن الأوان لكي ينخرط الفكر العربي والإسلامي بكل آلياته وتصوراته لكي يلج عالم الاستراق المستقبلي ليبحث عن موطئ قدم مميز فيه ولن يتحقق دلك طبعا إلا في إطار احتوائه لباقي المجالات الأخرى من سياسة واقتصاد واجتماع.

 

كاتب صحفي باحث في الفكر الإسلامي وحوار الحضارات - الرباط

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3710 المصادف: 2016-11-01 00:50:31