المثقف - قضايا

وليد خالد احمد: ازمة الثقافة العراقية واشكاليات المثقف العراقي (6)

فئة التزمت بتبرير سياسة السلطة: هذه الفئة التي يسميها بعض المفكرين (وعاظ السلاطين)، تسخر معرفتها وامكانياتها العلمية لخدمة السلطة المسيطرة، وتقديم المشورة لها، تؤطر لايديولوجيتها او سياستها، وترسخ مفاهيمها، وتشرف على تنفيذ خططها، وتحاول اضفاء الشرعية على نظامها. هدفها الرئيسي خدمة مصالحها، وكسب رضاء السلطان ورجال دولته البارزين، تأتمر بأوامرهم وتبرز نواهيهم. وتسعى هذه الفئة بكل جهودها وبشتى الطرق الى المحافظة على النظام القائم مهما كان نوعه، لان مكانتها الاجتماعية،ـ ومكاسبها الاقتصادية، وامتيازاتها السياسية مرتبطة بالنظام السياسي المنخرطة فيه.

وبحكم هذه الوضعية لا يجرؤ افراد هذه الفئة على النظر الى مجريات الامور نظرة موضوعية غير متحيزة، ولا تحليل اوضاع النظام تحليلاً علمياً سليماً لانهم جزء متحيز منه. ولا تروق لهم انتقاد النظام حتى ولو كانت من اجل تطويره لا تغييره. لان مثل هذه المحاولات تقلق راحتهم وتثير غضب السلطان، الذي يعتقد انه بفضل حكمته ومشورة هؤلاء من حوله قد توصل الى وضع مثالي لا يقبل اي انتقاد او تعديل او تغيير.

ويتنافس هؤلاء على اسماع السلطان ما يجب ان يسمع. ولا يتورع بعضهم، في سبيل التقرب الى السلطان، عن تشوية سمعة بعض زملائهم لديه، وكتابة التقارير السرية ضدهم، لانهم يخالفونهم الرأي، ويرون في السجود لغير الله مذلة، او لانهم ملتزمون بواجبهم الانتقادي العلمي تجاه مجتمعهم من اجل تقدمه، ومؤمنون بان حرية الانسان وحفظ كرامته فوق كل اعتبار. حرية الانسان التي هي معيار مدى صلاحية اي نظام سياسي، مصدر الابداع الفكري والتطور الثقافي.

وفي غياب السلطة الفعلية لمؤسسات الدولة وانفراد السلطة العليا باتخاذ القرارات الهامة وانخفاض مستوى وعي غالبية افراد شعبنا العراقي، يتحول هذا النوع من المثقفين من معبرين عن آمال وطموحات الشعب خارج السلطة في بداية تكوين النظام السياسي الى ناطقين رسميين باسم السلطة الحاكمة، ومدافعين عنها بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة لمجرد حصولهم على مراكز عليا في الدولة، حتى لو تحول النظام الى وسيلة قهر وظلم للجماهير ونقد مصداقية وشرعية وجوده.

وفي سبيل المحافظة على اوضاعهم لا يتردد هؤلاء الوعاظ في تغيير آرائهم ومواقفهم بين عشية وضحاها وفق التغيرات التي تطرأ على الخطاب السياسي المتقلب المتناقض. فإذا نادى السلطان بالوحدة الوطنية مثلا سارع هؤلاء الى تدبيج المقالات وتأليف الكتب مكبرين ومهللين لهذه الوحدة، واذا نأى بوجهه عنها اطلقوا ألسنتهم وسخروا أقلامهم للعن المنادين بها، وارتدوا الى طائفية مقيتة حتى العظم، وهلم جرا...

وعندما يحاول مثقفوا هذه الفئة معالجة مشكلة من مشكلات المجتمع التي تثير اهتمام رجال السلطة، فانهم يتعاملون معها من زاوية العمل على استقرار النظام والمحافظة عليه، وليس من وجهة نظر الشعب الذي ينتظر منهم حلولاً مما يعاني من ويلات.

وتشمل هذه الفئة ايضاً اولئك الذين ينسلون الى موائد السلاطين من كل حدب وصوب ويسخرون ألسنتهم واقلامهم لمدح كل نظام يجزل لهم العطاء يظهرون الباطل حقاً، والظلم والجبروت عدلاً، كذباً ونفاقاً وتزلفاً. يقولون ما لا يفعلون، ويظهرون ما لا يبطنون. لا يعرفون الثبات على مبدأ، ولا يعبرون القيم الاخلاقية واظهار الحقيقة اي اهتمام.

ان هذه الفئة من المثقفين في العراق، رغم الامكانات المتوفرة لديها، والفرص المتاحة لها لاصلاح بعض ما فسد على الاقل، وتوجيه المسؤولين الوجهة الصحيحة، والرفع من شأن العلم والعلماء،ـ والمساهمة في تحسين الاوضاع المتردية في بلدهم العراق، او على الاقل نقل الحقائق الى من بيده الامر والنهي، انغمست كاملاً في محاولة تبرير الاوضاع الراهنة، واضفاء الشرعية على قرارات وانظمة معظمها استبدادية، قهرية.. هدفها الرئيسي الحفاظ على استمرار سلاطينها وسدنتهم في مؤسسات السلطة حتى الممات. فابتعدوا بذلك عن النظرة العلمية الى الامور، وفقدوا التزامهم بالتحليل الموضوعي وكشف الحقائق.

- فئة التزمت الموضوعية العلمية

تنظر هذه الفئة الى المعرفة العلمية بوصفها معرفة محايدة تنطلق اساساً من الواقع الموضوعي. معتقدة بأن مناهج البحث العلمي المحايد تبعدها عن تأثير العوامل الذاتية والتحيز، وتحميها من مغبة الانزلاق في الصراعات السياسية والايديولوجية. فالابحاث المتعمقة التي يقوم بها بعض الملتزمين بالموضوعية والحياد تدفع المعرفة العلمية الى مستويات افضل، وتساعد على التراكم المعرفي الذي هو اساس تطور المجتمع الانساني. كما ان الدراسات العلمية المكثفة لبعض المشكلات الاجتماعية مثلاً قد تساعد فعلاً النظام القائم (السلطة) على تلافي بعض نواحي قصوره، والاطالة في عمره، ولكنها في نفس الوقت ايضاً تلفت الانتباه الى المشكلات التي يعاني منها الشعب، وتظهر بكل وضوح – عن قصد او غير قصد- عدم صلاحية النظام السياسي، وتكشف عن اسباب فشله في مواجهة المشكلات اليومية التي يعانيها الشعب.

اما السبب الرئيسي الذي يكمن خلف التزام كثير من مثقفي هذه الفئة في العراق بالموضوعية والحياد العلمي، واتخاذ موقف الحياد من النظام السياسي والايديولوجيات المتصارعة على الساحة العراقية، هو محاولة لابتعاد عن المحظور وتجنب مغبة التعرض لأي تهم سياسية قد تؤدي بحياتهم، خاصة وان بعض التيارات والايديولوجيات الدينية والسياسية متناقضة، متعصبة، لا تحترم حرية الفكر، ولا تقبل اي رأي مخالف لما تدعو اليه. وفي مثل هذه الظروف غير الملائمة لتحليل الخطاب السياسي والديني تحليلاً علمياً دقيقاً وممارسة الانتقاد العلمي للنظام (السلطة)، يصبح الالتزام بالموضوعية والحياد العلمي، والابتعاد عن السياسية والصراعات الايديولوجية، وتجنب اتخاذ المواقف ازاءها، ولو من الناحية الشكلية، افضل طريقة مأمونة العواقب، في نظر اصحاب هذا الاتجاه، تضمن لهم لقمة العيش، واستمرارية رواج انتاجهم في ظل اي نظام سياسي، مهما كان نوعه، ومهما كانت توجهاته الايديولوجية.

وامعاناً في الحيطة والحذر من سوء فهم وتأؤيل مراهقي السياسة لمضامين الابحاث العلمية، يلجأ معظم الملتزمين بمبدأ الحياد العلمي في العراق الى البحوث المحدودة النطاق المركزة على طرق البحث وتقنياتها التي تلقى قبولاً وتشجيعاً من قبل السلطة الحاكمة ومؤسساتها. وحتى في هذا النوع من البحوث لا يكاد معظم هؤلاء الباحثين يرتقون عن ادنى مستويات البحث العلمي، وهو مستوى وصف الظاهرة او الواقعة وتصنيف بياناتها، مركزين كل اهتماماتهم على تقصي صفات المبحوثين وبيئتهم الاجتماعية، وقياس اتجاهاتهم في قضايا جانبية، متجاهلين تجاهلاً يكاد يكون كاملاً لأي اسباب تتعلق بالنظام الحاكم الذي قد يكون في واقع الامر المتسبب الرئيسي في ظهور المشكلة او الظاهرة المطروحة للبحث ومعاناة المبحوثين من جرائها. ومع كل ذلك، فأن هذا النوع من البحوث والدراسات الوصفية –رغم نواقصه المتعددة- افضل وأجدى بكثير، في ظل الظروف العراقية الراهنة، من الدراسات العامة.

- فئة التزمت النقد العلمي

ان هذه الفئة من المثقفين تدعى بالانتلجنسيا، هي اهم الفئات واكثرها قدرة على التأثير في المجتمع، اذا توفرت لها الظروف المناسبة. وتتميز هذه الفئة بصفات متعددة لا يجمعها تعريف واحد، من اهمها: التعليم الرفيع المستوى، والتعامل بعمق مع الافكار المجردة وتوليدها والتوليف بينها، والحياد الاجتماعي، والابداع، وفهم مختلف وجهات النظر، والالتزام بالقيم الرفيعة، وتبني المواقف الانتقادية تجاه افكارها وافكار مختلف الجماعات في المجتمع من اجل تحقيق المثل العليا والكشف عن مدى تحقيق المجتمع لحرية الانسان. ويختلف المثقفون في تأكيداتهم على بعض هذه الصفات دون الاخرى في تعريفاتهم للانتلجنسيا وفق اوضاعهم وآرائهم ومواقفهم الشخصية، باعتبارهم المعنيين بها ايضاً في المقام الاول.

ان امكانية تطبيق مواصفات الانتلجنسيا في العراق بعيدة جداً. لأن الانتلجنسيا في العراق لا تشكل بأية حال من الاحوال طبقة بالمعنى السوسيولوجي لهذا المفهوم، ولا تكون حتى مجرد فئة واحدة مثقفة ومنسجمة، لاسباب متعددة لعل من اهمها تخلف الواقع العراقي على مختلف المستويات، وغياب التربية الانتقادية لذا اغفلنا تناول هذه الفئة لانعدام وجودها ضمن الواقع الثقافي العراقي.

ان مجتمعنا العراقي اليوم يعاني القحط الثقافي خصوصاً في مجال المضمون الواعي والهادف، فقد تحولت منابر الاعلام وخطب المسؤولين في الكثير منها الى المدح الممجوج والاغنية الهابطة والمقالة الارتزاقية. فحتى منابر المساجد تحولت فيها خطب ايام الجمع والاعياد الى مجرد بيانات كلامية فضفاضة غافلة او متغافلة عن طرح مضامين تعالج المشاكل الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع العراقي. فحتى المسائل العبادية لفقه النفس والمعاملات من تقوى وتوبة واستقامة وطمأنينة وتعامل يفضي الى حسن المعاملة وقضاء حوائج افراد المسلمين من قبل الموظف العام في المجتمع ظلت غائبة فضلاً عن تناول القضايا السياسية وفضح ممارسة المكلفين في الادارة البيروقراطية. وهذا ما دفع الى تجريد هذه الخطب الوعظية من مظمونها، فغدا ذلك قناعة لدى كل الافراد.

ان المثقف سابقاً وراهناً، انشغل وما زال ينشغل بالاطروحات النظرية اكثر من العملية، وترديد مقولات تراثية او احياء افكار استنفذها التاريخ. فهو (يجتر) مقولات سبق ان قيلت في بقية المجتمعات العربية او المجتمعات الليبرالية الاخرى دون ابتكار او تجديد. فلم تنشغل المؤسسة الدينية لاستنباط حلول للمستجدات المتزامنة والمستحدثات القادمة، ولا الانتلجنسيا لابداع الرؤى الفكرية الموجهة او تحديد المسارات نحو اهداف واضحة.

كل ذلك كان يدفعنا الى الاعتقاد في تقصير المثقف العراقي في تلمس القضايا الاجتماعية والاقتصادية والادارية والسياسية لمجتمعه، واستبصار احتياجات الوطن حتى في ابسط الخدمات الإنسانية والاجتماعية، فخلت الساحة من صحافة وإعلام وتأليف ومؤسسات معنية بالأدب والفن من اي مضمون جاد، مما ادى الى تكريس تلك المنابر للاعلام الرياضي المقتصر على كرة القدم والشعر الشعبي والاغنية الغزلية المبتذلة الركيكة والمسرح البائس، دون ان ننسى الاستثناءات النادرة التي جلت بوضوح صبر المثقف العراقي وهدئه في زمن التشنج والتوتر. والامثلة كثيرة بدأت تتنامى وتهمس من حين الى آخر فيسمع صوتها.

ان اغلب مثقفينا للأسف لم يؤدوا دورهم الحقيقي كاملاً في توضيح الصورة الحقيقية للأوضاع التي جرت في عراقنا العزيز لاسباب عديدة، كحالة الجزر التي يعيشها الوعي العراقي، وقصور نظرة بعض المثقفين لهوية هذه الاوضاع، اذ نظروا اليها على انها مجرد صراعات دولية ونزاعات ايديولوجية ظرفية، في حين انها قضايا وطنية.

ان اشد ما يتطلبه الواقع العراقي الآن، هو دور المثقف فيه، هذا الدور النهضوي المؤثر الذي ينبغي له ان يتأكد ويستمر ليشمل كل ما تشهده الساحة العراقية، فلا ينبغي للمثقف العراقي اليوم ان يكون محايداً فيما يشهده العراق بل تقع على عاتقه تحمل مسؤولية تاريخية خطيرة.

التضحية اذن مطلوبة، وعلى المثقف العراقي اعادة حساباته وتأمل مواضيع قدمه وطبيعة علاقاته بما يحيط به ويتقاطع معه ويصوغ مكونات خطابه وملامح تجربته الفكرية والفنية ليستطيع بعدها ان يحدد وظيفته الجديدة في ضوء المتغيرات الواقعية المحيطة به والمتقاطعة معه في آن واحد. اذ ليس من الطبيعي ولا المعقول ان يتماثل دور هذا المثقف وتتخذ وظيفته شكلاً واحداً وثابتاً في اوقات متباينة ومراحل متناقضة، كما في الحرب والسلام او الازمات والانفراجات.

انها بالتأكيد ليست مهمة سهلة ولكنها مطلوبة الآن اكثر من اي وقت مضى، والمطالبة بها ليست وليدة حاجة آنية وظرفية بل هي مشروع وطني مرتبط بالعراق في صيرورته وفي امتثالها لقيم التحرر والدفاع عن التراب الوطني.

ان المثقف العراقي الفعال يتحدد حسب قدرته الفكرية والابداعية على المساهمة في خلق ثقافة عراقية متميزة جديدة ترتكز على العقلانية والعلمية والحرية واحترام حقوق الاختلاف والابتكار والابداع، فالثقافة العراقية كانت مقيدة بكثير من الممنوعات والمحرمات التي تفقدها القدرة على المغامرة واقتحام الجديد، وهذا ما ولد المثقف المدجن او الخائف. فوجد الحواجز الكثيرة التي علمت المثقف الحذر والشك، وفي بعض الاحيان الانتهازية والنفاق، لكي يتماشى مع الواقع عوضاً عن تغييره. فالمثقف الذي يمكن ان يقوم بدور فعال لا بد ان يكون قادراً على تحمل الصعاب والتضحيات او ما يمكن ان يسمى "المثقف الشهيد" فهو يناضل على جبهات عديدة على مستوى الدولة والمجتمع والافراد، وبالتالي اكثر من دور في الواقع، نظراً لعدم وجود تقسيم عمل واضح في مجتمعه التقليدي او الانتقالي. وعليه، فانه لا ينبغي ان يكون المثقف المعني محايداً فيما يشهده العراق الان. ان عليه دوراً كبيراً يستطيع من خلاله نقل الفكر الى الحياة، وان يحدد معالم المستقبل العراقي انطلاقاً من حاجة وطنه على كل الصعد، وهو بذلك يشكل النواة التي تدور حولها معطيات الحاضر والمستقبل.

لقد مرت بالعراق ازمات عديدة، والذين استطاعوا ان يحفظوا توازنهم من مثقفيه هم قلة، والذين في هوة عميقة هم بالعشرات، وانا ارى ان بعض المثقفين الان يخونون عراقيتهم ورسالتهم بارادتهم، فعندما نقارن بين ادوارهم في الخمسينيات والستينيات وما بعد 17/ تموز/ 1968، حتى بعد 9/ نيسان/ 2003، نجد ان الفترة الاخيرة شهدت سقوط اكثر، وهذا لا يحزننا كثيراً، فالفرد ينتهي ولكن الفكر الاصيل باق. لكننا عند استقراء التاريخ نجد كل شيء واضح في تشخيص ظاهرة ان المثقف هو الخط المعارض، فاذا تحول الى خط التبرير وخلط بين كونه مفكراً سياسياً يقيم حساب التوازنات، سنجد هناك الذين التزموا بقيم ومعايير ومبادى ثابتة، وهناك الذين سقطوا مرغمين او طائعين او اعتقدوا ان تلك عقلانية.

المثقف العراقي اليوم يبحث عن دوره الضائع او المنحسر ضمن ظروف صعبة وشديدة التعقيد والحساسية، ولا نستطيع ان نقول ان هذا المثقف فاعل في التحولات او منفعل بها، لانه ذو نظرة جزئية وانتقائية تعمل في عالم يتجه صوب كونية شاملة تسقط كثيراً من الحدود والحواجز الروحية والثقافية.

وهنا يبرز سؤال: هل ينتج المجتمع مثقفه المتخلف؟ اي بمعنى انه محكوم بشروط مراحل تطور المجتمع وبالتالي تصعب ان لم تكن مستحيلة مهمة المثقف كأداة للتغيير. وهنا ستظهر معضلات عديدة في دور المثقف العراقي الذي قد يكون تقدمياً او اصلاحياً على مستوى الافكار، وتبقى الممارسة متخلفة.

شخصيــــــــــاً، لا اختلف حـــــــــــــــول الوضع الهش للمثقف العراقي داخل محيطه الاجتماعي وحتى المهني -خاصة المثقف الفعال الحقيقي- الذي ما زال ينظر اليه نظرة الريبة والحذر ويحتاط منه ويتعامل معه على انه نوع من الخطر القائم الذي يهدد بعض الاشياء التي ينبغي لها ان تكرس داخل اي مجتمع ما زال لم يستوعب بعد الشروط الاساسية لتوظيف الثقافة والفن داخل قنواتها الصحيحة. وهذا المفهوم الخاطئ هو الذي جعل ويجعل العديد من المثقفين الملتزمين يعيشون حالة من الحصار المضروب عليهم، ومن التهميش الذي يفقد المجتمع او المؤسسة الثقافية نفسها في كل ما يمكن ان يستفاد منه لو وضع هذا المثقف في محله الصحيح.

بينما في الثورات الاوربية النهضوية على سبيل المثال، كان للمثقفين الدور الاساس في انبعاثها واستشراق مستقبلها. فقدم المثقفون تضحيات عظيمة، حتى الذين يحلمون فقد كانوا يضحون من اجل هذا الحلم، وفي ثورات النهضة العراقية، كان المثقفون هم الذين يضعون ايديهم على الصواب ويبعثون الحلم في المجتمع.

انه التزام بقضية وبمثل عليا وبقيم، فمثل هذا الالتزام يحرر المثقف من الاوهام والقيود في آن معاً، ويطلق الابداع كعملية نابعة من قلب المعاناة وموجهة لمعالجة اسبابها وجذرها، ولا يحده اي اعتبار الا اعتبار الصدق والذي هو اساسا شرط رئيس من شروط الابداع.

ان السبيل الى ان يأخذ المثقف العراقي دوره، هو تحريك الوضع الثقافي للمجتمع في مراجعة كل تصوراته اولا عن الثقافة، وعن الدور الذي يفترض ان تلعبه الثقافة في التوجه، ويوم يستطيع هذا المجتمع ان يصل الى التصور الصحيح الذي ينبغي له حمله عن الثقافة فسيتقدم حتماً.

 

* السياسي/ المثقف

جدلية التقريب والاستبعاد

تميل البيروقراطية عادة الى قتل المواهب الصاعدة في المجتمع والى اعتراض طريق الناجحين منهم لانها لا تقبل بحكم موقعها دخول العناصر المثقفة الواعية في المجتمع داخل صفوفها وحتى اذا ما حصل ذلك فانها لا تضعها في مكانها الصحيح والملائم لمؤهلاتها وطاقاتها.

وفي مقابل هذا الاستبعاد والاقصاء الممارس من طرف السلطة السياسية تجاه الصفوة المثقفة، كانت ممانعة هذه الاخيرة عن تبرير ممارسات النظام الحاكم الاجرائية والقيمية (ماضياً وراهناً) فكانت الهجرة الداخلية والانغلاق على الذات من طرف المثقفين فهم موجودون في بلادهم وغير موجودين، بأجسامهم وبعملهم الروتيني ومشاكل حياتهم اليومية الصغيرة ولكنهم غير موجودين بعقولهم ولا بقدرتهم وطاقاتهم الحقيقية. فهم متفرجون سلبيون، يشاهدون الاحداث تجري امامهم ولا يساهمون فيها، وربما رأوا بلادهم كلها تتعثر امامهم، ولكنهم عاجزون عن المحاولة او إبداء الرأي او مشيحون بوجوههم عن الامر كله، يعيشون في مجردات ومطلقات لا صلة لها بضجيج الحياة من حولهم.

لقد مثلت نهاية القرن العشرين ولادة جديدة للعالم، حيث ان قيما كبرى اجبرت على الانسحاب من التداول، في حين بدأت قواعد جديدة تفرض نفسها على التواصل، ومع ذلك، وعلى الرغم من الانعكاسات والتأثيرات الكبيرة والحاسمة لهذا التجديد في القضايا الوطنية فان الاعتزاز بالمصلحة الخاصة وعلو الشأن الشخصي والفردي على التقدير الوطني قد بلغ شأوا اصبحت معه المواطنة معيارا شكليا يستثمر في اطار اداري خالص يؤمن لصاحبه شروط الفائدة والمصلحة الفردية.

لذلك فالشك والتناقض اللذان ميزا العلاقة بين السلطة السياسية والصفوة المثقفة لا يزالان قائمين في مسارات الحياة السياسية للبلدان التي لا تعرف تقاليد ديمقراطية ولا تعترف بمكانة المثقف ودوره في حياتها العامة.

كما ان الاعتقاد السائد هو ان المواصفات التي تميز الحاكم او السياسي هي صفات خاصة لا تتوفر عادة للمفكر او المثقف او الفنان وان اعظم فيلسوف قد يعجز عن ادارة قوية صغيرة وبالتالي فليس من نواميس المنطق البرغماتي ان يتبادل الطرفان مكانيهما.

وازاء هذا الاختلاف بين طبيعتي المثقف والسياسي تتعمق روح المعاداة بين الاثنين وتزداد الفجوة بينهما اتساعاً حيث يزدري صاحب القرار السياسي حديث المفكرين والمختصين ويعاديهم بينما ينطوي اصحاب الفكر والعلم على انفسهم او يطلبون السلامة بالسكوت ويصبحون بذلك معارضين ايجابيين في منظور السلطة لانهم يقومون بما قام به مثقفو القرون الوسطى حيث يشترون سلامتهم في الاستسلام الفكري لغير ما يؤمنون به ويعتقدون فيه وبذلك يتم اغتيال العقل.

فرجال الثقافة والسياسة يحرص كلٌ منهم على ان يكون لهم رأي وحضور في قضايا الشأن العام وفي مجالاته الا ان السياسي ينكر كل الطاقات والفئات والطبقات الاجتماعية المختلفة حق وواجب بعث البلد. فالسياسي وحده يملك القوة التي لا غنى عنها لتجديد النهضة الوطنية.

وعليه فاستحواذ السياسي على قضايا الشأن العام كان وراء تعميق الفجوة وتباعد بين المثقفين والسلطة السياسية وحيازته تلك لأجهزة السلطة لا يمكن ان تتسع لكل ذلك الاختلاف والتنوع الداخلي في البلد.

وبصورة عامة لم تعد نظرة السلطة الرسمية المتمتعة بالسيادة والفعل الى المثقفين كطليعة المجتمع بل تنظر اليهم كأدوات للحكم في عمليات التبرير لممارساته اي ان يكونوا دعاة للنظام لاظفاء الشرعية على سياساته والترويج لها والبحث لها عن المبررات السياسية والتأصيلات الفكرية.

وكل نظام سياسي تنطبق عليه هذه المواصفات يعتبر نظاماً فريداً من نوعه فهو نظام يعلو على التاريخ العام وعلى تطور الحركة الوطنية والفكرية بل يعلو على المجتمع ككل وبذلك فهو نظام يرتفع فوق المصالح السياسية للطبقات الاجتماعية ويرتبط بمصالح الاوليغارشية المدنية والعسكرية.

ان الفئة المثقفة العراقية تقف اليوم حذرة منطوية على نفسها، مشتتة منعزلة عما يدور ويجري في الحياة السياسية، في شبه عجز عن بذل المجهود المطلوب للاستفادة من قيم ومنجزات العصرنة والحداثة في العالم المعاصر، وذلك من جراء ما يشوب العلاقة بين السلطة السياسية والمثقفين من مظاهر الشك وعدم الثقة، بل التناقض والعداء في الكثير من الاحيان. وهي من دون شك، علاقة تنطوي على خسارة كبيرة للبلد في انجاز المهام التاريخية، ومنها تأسيس الحرية على نحو جديد، وفي صيغها المختلفة، وتحقيق الديمقراطية التمثيلية، وكذلك المشاركة في جهود التنمية الشاملة والمستديمة باعمال الادوات العلمية والثقافية للتخفيف من عبء المكان والزمان.

اذن فأزمة المثقفين تتشكل في تمظهرات القطيعة السياسية والثقافية مع السلطة السياسية التي غالباً ما تلجأ في سعيها لتحقيق غاياتها الى اهل الثقة بدل اهل الخبرة والمعرفة وتعمل على تعيين اولئك في وظائف ومناصب لا يحتمل غير المتخصصين في اعمالها بل في المراكز الحساسة لصنع القرار على المستويات الوطني والاقليمي وحتى الدولي.

وفي سياق استراتيجية الاستبعاد ذاته، طغت على صورة العلاقات بين مجمع السلطة والصفوة الثقافية مظاهر عدم الثقة واستنكاف هذه الصفوة من المشاركة في استثمار العلم والثقافة للتفكير والتخطيط لقضايا الدولة والمجتمع.

ولكن مع التقدم السريع والهائل في كافة مجالات الحياة السياسية الداخلية والدولية صارت الامور المطروحة على السلطة كثيرة ومتنوعة الى ابعد الحدود فصار من المستحيل على صانعي القرار اتخاذ القرارات الملائمة في كل هذه المجالات دون الاستناد الى دراسات واراء الطبقة المثقفة والعالمة في تلك القضايا.

وبسبب تشعب وتعقد ما يواجه السلطة من نوازل فان حاجتها الى التخصصات المختلفة علمياً والخلفيات المتنوعة ثقافياً كان وراء استنجاد السلطة السياسية بالمثقفين وبخاصة بعد تيار العولمة الجارف من اجل مواجهة مجمل التحولات المتبادلة الحاصلة بين ما هو دولي وما هو وطني وتداخلهما. وليس معنى هذا تحويل المفكرين الى موظفين مستكنين في دواليب اجهزة الدولة بل الاستفادة من خبرتهم وعلمهم بواسطة اللجان المؤقتة التي تتشكل من اهل الفكر والخبرة في المجالات المختلفة لدراسة قضية معينة ثم تنتهي مهمتهم بانتهاء مهمة اللجنة واستنفاد موضوع تلك الدراسة.

وهذه الممارسات ذاتها هي التي تدفع بالمثقفين الى الاختلاط بمشاكل الحياة السياسية كما تدفع بأصحاب القرار السياسي ايضاً الى تنمية اهتماماتهم العلمية والثقافية وتكون السلطة السياسية بذلك قد عمدت الى آلية استقطاب المثقفين وادماجهم في انجاز المشروعات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والوطنية.

ان المراحل الانتقالية عادة ما تحفل بالعديد من العيوب والاخطاء لان كثيراً من احلام المثقفين لم تتحقق بل ان الكثير من مظاهر القديم الذي كان عليه ان يختفي ما زال مستمراً بالحيلة او بالقوة في حين لا يبدو الجديد واضحاً تماماً وهذا بالذات يصل الانفصام السياسي الى مداه حيث التمزق بين الواقع والمثال واذ ذاك تصبح السلطة هي الصواب المطلق والحقيقة الاجتماعية هي الخطأ المطلق.

وهكذا يتم الطلاق النهائي بين الفكر والسلوك حينما تغدو السلطة السياسية معياراً للحركة الاجتماعية والفكرية في خطأها وصوابها، مع كل ذلك فقد استطاعت الصفوة المثقفة ان تشب عن هذا الطوق وتؤثر في التفكير العام لبلادها متحدية مختلف الضغوط القديمة منها والجديدة.

وعندما تعلو اصوات بعض المثقفين فهم لا يدركون ان اصواتهم تلك تمثل صورة خطاب سياسي مسكون بنبرة انتقادية معارضة لواقع سياسي راكد وهي في الآن نفسه مهووسة بضرورة التحديث المؤسسي والفكري حيث تدعو هذه الاصوات الى طرح مفهوم النضال الثقافي/ السياسي في اطار رؤية مشتركة ذات حمولات اجتماعية يحددها الوعي بقيمة الوجود الانساني في مجتمع التمايز اولاً، ولانها اصوات مؤهلة لتنمية الوعي وتعميقه بمجمل المؤسسات التي يتشكل منها المجتمع، وبتحديد وظيفة كل مؤسسة بل بانشاء شبكة من العلاقات الجديدة في المجتمع ثانياً.

ان فعل وتأثير هذا المركب الثقافي/ السياسي بكل ابعاده مؤهل لكي يعيد ترميم وظائف ومؤسسات المجتمعين المدني والسياسي كما انه مؤهل ليرد الاعتبار لادوار المدرسة والجامعة والحزب السياسي والنقابة والاذاعة والتلفزة والصحف والمجلات والكتب في سياق العولمة الجارفة.. فكل هذه المستويات لها تأثيرها اليومي والتاريخي في الحياة السياسية، لذا فان غياب اي تخطيط علمي او تفكير منهجي يجعل آلية التغيير السياسي والمجتمعي تفقد طابعها الانتقالي ووجهتها السليمة فاسحة في المجال للتغيير العشوائي والفجائي. لذلك فحضور المثقف سيعمد الى ابتكار منظومة قيمية مركبة من الاخلاق والمنطق والعلم والفن لانها هي التي تحدد المجال والمناخ العام للانشطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لانه من الصعب تصور بناء اختبارات سياسية ذات بعد استراتيجي داخلياً او دولياً من دون امتلاك المجتمع لمنظومة فكرية وتاريخية تكون مرشداً للعمل وآلية لاضفاء الشرعية على الممارسات السياسية للنظام.

وهنا يثار التساؤل الجوهري عن العلاقة بين الثقافة والسياسة وهي مما لا شك فيه علاقة عضوية ولذلك فان انتماء المثقف سياسياً وسواء أكان مجرد محطة لفهم ما يجري ام مشاركة في تحمل المسؤولية السياسية في اطار التداول على السلطة فان المثقف وفعله الثقافي يظلان نبراساً للسبيل السياسي وآلية لمراقبة سير دواليب الدولة التي عادة ما تنزع بحكم تموقعها السلطوي الى ممارسة الهيمنة.

والمثقف وهو ينخرط في العمل السياسي عليه ان يختار موقع المعارضة السياسية وليس الممانعة الثقافية ويقوم بمراقبة الجهاز الذي ينتمي اليه او يشغل فيه كما ان عليه ان يتساءل في كل لحظة عن مدى فعالية ما يقوم به وما ينتجه وان يستوعب مجمل التحولات الوطنية والدولية ويسخرها لتحقيق اقصى قدر من التنمية الشاملة والمستديمة لبلده.

ومن البديهي ان الدولة والمجتمع في سعيها لتحقيق متطلب الرفاه الاقتصادي والنمو السياسي يفسحان في المجال في مؤسسات المجتمع المدني والسياسي لكل الطاقات العارفة والعالمة بغض النظر عن التنوع الفكري والانقسام السياسي لها، لما في ذلك من فوائد لتحسين اداء الوسيط السياسي (الحزب) بين الحاكم والمحكوم او لخلق المناخ الملائم والطبيعي للتنافس بين مختلف مكونات المجتمع، لئلا يفقد هذا الاخير قدرته على خلق القيم والمعايير المشتركة التي تعتبر قاعدة وحدته واتساقه.

كما يجب ربط كل ذلك بالاختيارات الاستراتيجية للمجتمع والقائمة على تدعيم الديمقراطية وتأسيس الحرية حيث يمكن للمثقف ان يساهم بفعالية في تجسيد هذه الاختيارات وتنمية الوعي بها في المجتمع وداخل الهيئات المدنية والسياسية والثقافية والمثل الاعلى للمثقف السياسي هو قيامه بابراز القيم المحورية والتعبير عنها ومواكبة تجسيدها. ولقد كان المثال المحتذى، المثقف في البلدان النامية متمثلاً في ملاحقة الفعل السياسي/ الليبرالي/ الاجتماعي والدستوري لسلطات الدولة ومؤسساتها.

ولتحقيق انخراط المثقف في استراتيجية التنمية الاقتصادية والسياسية بشكل مؤسسي، لا بد من ادخال بعض التغيرات البنيوية على الحياة العامة، ومنها تغير النظام الانتخابي واعتماد الانتخابات باللائحة، حتى يتسنى للوسط السياسي (الحزب) ان يعيد تنظيم نفسه اولاً، وان يدمج في لوائحه مثقفي الحزب او الثقافة ثانياً، وهذا ما سيخرج المثقف من براثن عزلته وانزوائه وادماجه في الحياة الحزبية والمؤسسية في سياق اختيارات الديمقراطية التمثيلية.

* اوهام المثقف العراقي

هناك اوهام عدة طالما وقع المثقف العراقي اسير احدها او اسيرها جميعاً، في مراحل متعاقبة، فتضاءل انفعاله بالتحولات وانعدام فعله او تلاشى ازاءها. وفي ضوء ذلك نشير الى وهمين، الاول: هو شعور هذا المثقف بضآلة التأثير وصولاً الى الاحساس بالعجز المطلق عن اي فعل في مجريات الامور التي تدور حوله، مما يقوده الى الانغلاق الكامل والتوقع في دوائر ضيقة، والتحول الى السلبية المطلقة المحفوفة بتشاؤمية مبالغ فيها في نظرته الى الامور. ووراء هذا الوهم دون شك جملة اسباب تتصل بالظروف الذاتية للمثقف ذاته واحياناً بالظروف الموضوعية او العامة المحيطة. والوهم الثاني: والذي كثير ما يتداخل في حياة المثقف مع الوهم الاول بل يقوده اليه في كثير من الاحيان، وهو ذلك الاحساس المبالغ فيه الذي يقع المثقف فريسة له، وهو انه قادر بكلمة او خطبة او موقف او اطلالة اعلامية او قصيدة ملتهبة ان يغير مجرى تاريخ في بلده، انه احساس بدور رسالي او تاريخي او استثنائي انتدبته العناية الالهية او القدر للاضطلاع به، انه تداخل الاسطورة بالبنية النفسية التي لم تحتك بالواقع الحقيقي فيصلها، وتدرك تعقيداته فتستمد من معالجتها خبرة، وقوة وتحيط بقوانينه وتتمرس بتحدياته فتصبح اكثر نضجاً.

ان المثقف العراقي للأسف يعيش على وهم انه ينتمي الى النخبة المستنيرة القادرة على قيادة المجتمع وتغيير البنيات والذهنيات الجامدة وبناء المجتمع الجديد، مجتمع العقلانية والحرية والعدل والديمقراطية والحداثة، بينما رجل السلطة الذي يحتكر القرار والسطوة، وبالتالي الديمقراطية، لا يهمه الا احتكار السلطة وجمع الثروة من اي وجه او مصدر كان.

وفي تقديري، ان اكثر مثقفينا يتصورون الامر على هذا الشكل او قريبا منه، ولكننا لم نصنع مثقفا واحداً ولا طبقة متجانسة فاعلة في الحياة السياسية والاجتماعية، متفاعلة مع العالم تمتلك من الجرأة العلمية، واستقالة الرأي، وسعة الافق، ورصانة المشروع الفكري ما يؤهلها لان تحدث تأثيرها المنشود في القرار السياسي.

ان هذين الوهمين اللذين تجاذبا العديد من المثقفين العراقيين، على رغم تناقضهما الظاهري يشتركان في كونهما نابعين من مصادر متقاربة الى حد كبير. فكلا الوهمين ناشئ عن ابتعاد هؤلاء المثقفين عن معايشة الواقع الحي بكل تعقيداته وتدخلاته، سواء المضيء منه الذي يبعث على الامل او الظلم الذي يقود الى القنوط. وكلا الوهمين ناشئ ايضاً عن ضعف فكرة الالتزام لدى هذا المثقف. والمقصود بالضعف هنا ليس قلة عدد الملتزمين من المثقفين بل المقصود به بالدرجة الاولى تلك التشويشات الشائعة العالقة بمفهوم الالتزام. فالمقصود ليس الالتزام العقائدي الضيق او السياسي المباشر، فيرتبط الالتزام بالتعصب والضيق بالرأي الآخر بل ويصبح مناقضاً للحرية التي هي اول شروط الابداع وانما المقصود هو الالتزام الحقيقي، فهو اوسع من تلك المفاهيم بكثير. انه التزام بقضية وبمثل عليا وبقيم، فمثل هذا الالتزام يحرر المثقف من الاوهام والقيود في ان معاً، ويطلق الابداع كعملية نابعة من قلب المعاناة، وموجهة لمعالجة اسبابها وجذورها ولا يحده اي اعتبار الا اعتبار الصدق الذي هو اساساً شرط رئيسي من شروط الابداع.

إن عرض هذه الاوهام بتجلياتها واسبابها ومصادرها الفكرية والاجتماعية يلخص في الوقت ذاته مظاهر ازمة الفعل لدى المثقف العراقي امام الهجمة الفكرية والاقتصادية المرافقة للغزو/ الاحتلال العسكري والسياسي،   وما اعقبه ... وبالتالي لا بد ان يكون فاعلاً ازاء التحولات القادمة المرتقبة، واحياناً يقلص مساحات انفعالاته بالتحولات، فيرى لفرط بأسه غير معني بها وغير آبه بانعكاساتها، والتحرر من هذه الاوهام بالخروج من ازمة الفعل والتأثير يتطلب تميزاً بين اصناف المثقفين العراقيين وبالتالي بين وسائل قدرتهم على التأثير والفعل ازاء التحولات..

كما ان هناك شأن آخر كان وما يزال اكثر ايلاما، هو طريقة تعامل مسؤولي مؤسساتنا الاعلامية والثقافية مع هذا المثقف، ولدت احباط له. فالعديد من هؤلاء كان ينظر اليه نظرة ملؤها الشك والحذر والريبة، اما بسبب مركبات النقص التي تلفهم تجاه مثل هكذا مثقف او بسبب الطبيعة التسلطية التي تجعلهم ينظرون الى المثقف الحر الفعال كمشروع معارض او متمرد او ثائر عليهم وعلى مؤسساتهم، فاما ان يخضعونه بالاغراء او يسعون الى شطبه بالتهديد والحجر. فمثل هكذا مثقف الذي غالباً ما يواجه من قبل هؤلاء بالازدراء او الحذر يشعر بالقلق والخوف والشعور بالعجز. فيسارع الى الانكفاء والانزواء والانصراف الى تدبير امور حياته اليومية خوفا من عواقب الالتزام المبدئي.

* مرتجيات مؤجلة

ان كان لا بد للمفكر/ المثقف العراقي من ان يعيش تحت وطأة نظام اجتماعي سياسي يسعى بكل السبل لتسخيره لخدمة اهدافه، سواء اشتغل في مؤسسة رسمية او في عمل حر، وان ايدي سلطة اي نظام سياسي يتعرض له بالانتقاد قادرة على ان تطاله في اي بقعة من هذه الارض، فان اعتماده على مجرد حسن نوايا السلطة وقدراته الفكرية للتأثير في احداث مجتمعه يبدو في الواقع قليل الجدوى في وسط تسوده الامية، ويغلب عليه التخلف وغياب الحوار الديمقراطي الحر والانتقاد البناء.

ولا يبدو ان الانتلجنسيا المنفصلة عن الواقع العلمي التي تتشكل من افراد مثقفين متقدمين حالياً قادرة هي ايضاً على تغيير الاوضاع المتردية في العراق. ولا المحاولات التلفيقية التي يتبناها مثقفو السلطة تحت شعار محاولة التكيف وتقديم الاستشارات لانقاذ ما يمكن انقاذه، ادت الى اي تحسن يذكر في الاوضاع الراهنة.

ولذلك يبقى الامل معقوداً على عمل قلة من المفكرين الانتقاديين الملتزمين الذين ينطلقون في تفكيرهم اساساً من دراسة وفهم واقع الجماهير المغلوبة على امرها، من اجل ايقاظ الجماهير المنومة التي ما زالت تغط في سبات عميق، رغم الاخطار المحدقة بها من كل جانب. وهذا يتطلب من هؤلاء المفكرين الاهتمام بالهموم اليومية لهذه الجماهير ومخاطبتها مباشرة فيما يكتبون وما يقولون. فالمثقفون بصورة عامة ما زالوا يكتبون لانفسهم ويخاطبون بعضهم بعضاً بلغة لا يفهمها الا القليلون غيرهم. يستوي في ذلك المهتمون بالقضايا الجزائية القطرية العراقية او القضايا الكلية العربية. ولذلك بقيت كتاباتهم ضرباً من الترف الفكري، لم تتأثر بها الجماهير، ومن ثم لم تثر اهتمام السلطة ايضاً ما دامت لم تحرك ساكناً. وبقي اصحابها وحدهم بما لديهم فرحون.

ان مهمة التغيير الى الافضل تتطلب تضافر جهود كل المفكرين/ المثقفين العراقيين، المؤمنين بفاعلية الفكر الخلاق والانتقاد البناء، سواء المتهمين بالواقع الخاص او بالتصورات المستقبلية العامة المكملة له. وانطلاق ابحاثهم من واقع مجتمعهم وتجاربه التاريخية، ودراسة تركيباته الاجتماعية والسياسية دراسة مكثفة وتحليل اوضاعه تحليلاً علمياً انتقادياً دقيقاً، وتفسير النتائج في اطار الثقافة العربية التي هي اهم اساس موحد للمجتمعات العربية كافة، التي تشكل منطقة ثقافية واحدة رغم ما بها من تنوع داخلي. والبحث المستمر عن الحقيقة بغض النظر عن طرق البحث التي تستعمل في سبيل الوصول اليها. لان البحث عن الحقيقة في حد ذاته يعتبر منطلقاً اساسياً للثورة المستمرة ضد الباطل. على ان يكون الهدف الاساسي من وراء كل ذلك هو تحرير الانسان الذي هو اساس كل ابداع وتقدم، والسعي الى تحقيق مجتمع عراقي افضل نحترم فيه شخصية الانسان، وتصان كرامته في ظل نظام ديمقراطي عادل يوفر له الحرية والامن والاطمئنان. ومجتمعنا العراقي لا تعوزه الامكانيات البشرية والمادية والفكرية لتحقيق ذلك.

 

.....................

التوثيق :

بعض المراجع التي استعنا بها اعتمدناها للمراجعة والتوكيد والاستقراء لما ورد في الدراسة .

1- احمد سالم الاحمر – المثقف العربي واقعه ودوره، مجلة دراسات عربية (بيروت/ باريس)، العدد 7، السنة 26 (ايار/ 1990).

2- افرام داود شبيرا –دور المثقفين في التحولات الاجتماعية، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية القانون والسياسة، جامعة بغداد، 1979.

3- أمين البرت الريحاني – اقاليم النفس المتمادية، في نقد الادب والثقافة، ط1، دار الجديد، بيروت، 1996.

4- عبد المالك ابراهيمي – قبل كل شيء.. الجزائر في حاجة الى الحوار، مجلة العربي (الكويت)، العدد 541 (كانون الاول/ 2003).

5- غالي شكري – لا مفر للأديب من المؤسسة، مجلة الوطن العربي (باريس)، العدد (؟).

6- محمد بن صينيان – النخب السعودية، دراسة التحولات والاخفاقات، ط1، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2004.

7- مجموعة من الباحثين – المثقف العربي.. همومه وعطاؤه، ط2، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2001.

8- مجموعة من الباحثين – الثقافة والمثقفين في الوطن العربي، ط2، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2002

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3731 المصادف: 2016-11-22 01:51:38