المثقف - قضايا

قاسم حسين صالح محنة الأطفال أوجع محن العراق واخطرها .. لمناسبة يوم الطفل العالمي

qassim salihyكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة اوصت في العام 1954 بالقرار 836 بأن تقيم جميع البلدان يوما عالميا للطفل، وفي العشرين من تشرين الثاني 1989، اعتمدت الجمعية العامة هذا اليوم يوما عالميا لاعلان حقوق الطفل، وقدّم العالم، بضمنه العراق، تعهدا للأطفال (بان نبذل قصارى جهدنا من اجل حقوقهم في البقاء والنماء وفي التعلم والتحرر من العنف وسوء المعاملة .. ).

 والمفارقة، أن الذي حذّر منه الأعلان تجسّد في اطفال العراق بأبشع صوره .صحيح ان اطفال العالم لاسيما في البلدان النامية يتعرضون الى العنف والتشريد وسوء المعاملة والحرمان .. غير ان ما تعرّض ويتعرّض له اطفال العراق ما حصل في تاريخ الطفولة في العالم .. ولنا على ما نقوله اكثر من شاهد.فاطفال العراق هم الوحيدون في العالم الذين استلبت منهم حقوقهم وحياة الطفولة بمرحها وبهجتها والعابها واغانيها على مدى 36 عاما متواصلة!

 وكان اخطر خلل سيكولوجي حدث لأطفال العراق المولودين عام 1980 وما بعده ان تشكلت لدى هذا الجيل (يؤلف حاليا بحدود 70% من المجتمع العراقي) صور ذهنية ومعتقدات ومدركات مشوهة بخصوص نفسه والآخرين والعالم والحياة. ففي السنوات الثمان للحرب العراقية الايرانية تشكّل لدى الأطفال مفهوم ان العالم عدائي وان الآخرين يريدون افناءه، ليعزز لديه ثقافة الخوف في زمن (جمهورية الخوف).وبمشاهدته لجثث قتلى الحرب بدءا من برنامج (صور من المعركة) في الثمانينات، الى مشاهد التفجيرات اليومية في المدن العراقية التي تستهدف المدنيين، الى بشاعة جرائم قطع الرؤوس .. كان نتيجتها ان تراجعت (قيمة الحياة) التي كانت مقدسة.

 وكنّا نأمل أن تنتهي استلابات الطفولة بسقوط الدكتاتورية ويعود للطفولة عالمها الذي يشبه عالم العصافير، لكن ما حصل لهم في الزمن الديمقراطي كان افضع وأبشع.ففي مقالة سابقة لنا، وثقنا فيها ان وزارة العمل افادت بوجود اربعة ونصف مليون طفل فقدوا والديهم او احدهما، فيما اضافت السنوات الست الأخيرة ما لا يقل عن مليوني طفل يتيم او يزيد حين تكتمل معركة تحرير الموصل.وما لا يدركه كثيرون ان الطفل يتيم الحرب لا يعرف من قتل أباه فيما يتيم الأحتراب الطائفي يعرفه .. ما يعني انه نشأ فعلا عند اكثر من مليون طفل دافع الأخذ بالثأر ولن يخف دافع الانتقام لدى هؤلاء اليتامى ما داموا أحياء.

 

شهادات عالمية

 افاد السيد مارزيو بابيل، ممثل اليونيسف في العراق من دهوك ان الأطفال الذين نجوا من النزاعات ووصلوا بر الأمان " يواجهون الآن تحديات جديدة، وان اليونسيف لا تستطيع أن تتقبل معدلات الوفيات المرتفعة بسبب ظروف البرد القاسية، ولذا هناك حاجة لتجنيد المزيد من الموارد، وإيجاد استجابة أسرع، وذات أهداف واضحة للوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة لإنقاذ حياة هؤلاء الأطفال". وذكر جيفيري بايتس "ان المساعدات الخاصة بتوفير ملابس الشتاء للأطفال لا تكفي، وانه لن يحصل قرابة 250,000 طفل مهجّر على ملابس الشتاء هذا العام ما لم يتم تأمين أموال أضافية".

 وفي تقرير جديد اصدرته منظمة الطفولة التابعة للأمم المتحدة (اليونيسيف) ان" 3,6 ملايين من اطفال العراق - اي طفل من كل خمسة اطفال في البلاد - معرضون لمخاطر الموت والاصابة والعنف الجنسي والاختطاف والتجنيد القسري في صفوف المجموعات المسلحة".

وكشف التقرير الذي صدر تحت عنوان "ثمن باهظ للاطفال" ان عدد الاطفال المعرضين لهذه المخاطر ارتفع في الاشهر الـ 18 الاخيرة بـ 1,3 ملايين طفل."

وتظهر النتائج التي تمخض عنها التقرير ان 4,7 ملايين من هؤلاء الاطفال - ثلث اطفال العراق - باتوا بحاجة الى معونات انسانية فيما تواجه الأسر ظروفا حياتية متدهورة نتيجة العمليات العسكرية التي جرت في الفلوجة والجارية الآن في الموصل.

 وينبّه بيتر هوكنز، ممثل يونيسيف الاقليمي في العراق، الى ان "اطفال العراق وضعوا في خط النار، وهم يستهدفون بشكل متكرر وبلا رحمة"، مناشدا الاطراف كافة توخي ضبط النفس واحترام وحماية الاطفال"، وداعيا الى "المساعدة في منح الاطفال الدعم الذي يحتاجونه لكي يتماثلوا من اهوال الحروب ولكي يتمكنوا من المساهمة في بناء عراق يسوده الرخاء والسلام."

 ويقول تقرير عالمي إن 1496 طفلا اختطفوا في العراق في الاشهر الـ 36 الاخيرة، اي بمعدل 50 طفلا في الشهر الواحد، وانه اجبر الكثيرون منهم على القتال او تعرضوا للاعتداء الجنسي، و"ان 10 بالمئة تقريبا من اطفال العراق - اي اكثر من 1,5 مليون طفل - قد اجبروا على الفرار من مساكنهم نتيجة العنف منذ بداية عام 2014 ولمرات متكررة في بعض الاحيان، وان الحروب تسببت في اعطاب واحدة من كل 5 مدارس، مما ادى الى فقدان 3,5 ملايين طفل تقريبا لفرص التعليم".والى ذلك يذكر هوكنز "إن اختطاف الاطفال من بيوتهم ومدارسهم ومن الشوارع اصبح ظاهرة مخيفة، وان هؤلاء الاطفال يجري انتزاعهم من اسرهم ويتعرضون لابشع اشكال الاعتداء والاستغلال."

 ألم نقل ان محنة اطفالنا لا تشبهها محنة!، وانها أوجع محن العراق وأخطرها.والمفارقة التي هي من نوع شرّ البلية ما يضحك ان رئيس مجلس النواب العراقي دعا بمناسبة يوم الطفل العالمي قائلا:(إن أطفال العراق تعرضوا لشتى أنواع الظلم والقهر وغياب الحقوق، مؤكدا أن مجلس النواب داعم لكل التوجهات التي تسعى الى منح اطفال العراق حقوقهم، وحريصون على استكمال كافة التشريعات التي يمكن أن تتيح الفرص لإعادة تأهيلهم عبر النظم والمناهج التي تعزز حقوق الاطفال وتغير واقعهم الحالي). والواقع ان ما قاله هو مجرّد كلام واسقاط فرض، فحقيقة مجلس النواب هو انه منشغل بمصالحه وخلق الأزمات، والانغماس بحياة مرفّهة في عمان وبيروت ولندن، وجميعهم لا يندى لهم جبين ولا يخجلون ان تساعد منظمات عالمية اطفال العراق، فيما لم يتبرع أحد منهم ولو براتب شهر واحد .. بل ان بينهم من دنت نفسه على سرقة ما جاد به ضمير العالم لأطفال العراق!.

 نعيد نفس خاتمة ما كنّا كتبناه قبل عام:

 اللعنة منّا عليكم .. مباشرة وبالوجه .. وأخرى مؤجلة .. تأتيكم من جيل الأطفال هذا يوم تغادرون السلطة والدنيا.

 

أ.د.قاسم حسين صالح - مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3735 المصادف: 2016-11-26 02:16:40