المثقف - قضايا

هاشم عبود الموسوي: الفيس بوك والتوتير ما لهما وما عليهما

hashem mosawiبنظرة أولية مسرعة الى موضوع بحثنا، استطيع أن أجزم وبلا تردد، بأنه قبل أن يتحول إستخدام مواقع التواصل الإجتماعي، وخصوصاً الموقعين  الأشهر " الفيس بوك " و"التويتر " الى ظاهرة تستغرق اليوم زمناً كبيراً من وقت البشر، وخصوصاً في عالمنا العربي كان الإهتمام منصباً بشكل كبير على المواقع الألكترونية، بكل ما تضمنته من الوان الكتابة، سواء كانت خواطر ويوميات أو تأملات وأفكاراً خاصة وذاتية أو ملاحظات إجتماعية وسياسية أو فرصة للتعبير عن المحظور أو المسكوت عنه في وسطاء النشر الورقية والنمطية وصولاً للأدب والفن.

ولكن من السهل ملاحظة مدى الشعبية التي تتمتع بها المواقع الإلكترونية، من خلال العدد الكبير من التعليقات التي تتذيل تدوينات المدونين في المواقع المختلفة. ومن خلال رصد أرقام المتصفحين للمدونات، عبر خدمة توفرها شركات الانترنيت ويبثها المدونون في صفحاتهم، لتأكيد مدى شعبية مدوناتهم أو مقروئيتها، وصولاً الى مسابقات المواقع الإلكترونية العالمية، وأشهرها جائزة "بويس" التي كانت تقام بالتعاون مع منظمة "مراسلون بلا حدود" وإذاعة "دويتشة فيلا".

لكن بعد إتساع رقعة الثورات أو الإنتفاضات الشعبية ضد أنظمة الحكم في كل من تونس ومصر وسوريا وليبيا واليمن، وانتقال الحراك الإجتماعي والسياسي الى مستوى غير مسبوق في أغلب الدول العربية، تحولت جميع تقريباً من التدوين الى مساحات التواصل الإجتماعي "الفيسبوك" باعتبارها الوسائل الأفتراضية الأكثر تأثيراً والأوسع إنتشاراً، مع تردد المستخدمين عليها بشكل يكاد أن يكون مستمراً طوال اليوم،حيث يتم لفت الأنتباه فيها الى مواعيد التظاهرات، أو تأييد الفكرة أو مرشح أو اعلان وقفة إحتجاجية، وغير ذلك من الأنشطة الاحتجاجية المرتبطة بأجواء التمرد والعصيان الجماهيري على الحكومات الإنتقالية التي أعقبت سقوط الأنظمة الدكتاتورية التي سقطت في كل من تونس ومصر وليبيا، وإحتجاجاً على أنظمة أخرى في بقع مختلفة من العالم العربي.

بريق المدونات يخبو:

في ذروة الحراك السياسي، تمتعت المواقع الإلكترونية ببعض البريق، لكن بالتدريج ومع المسارات المختلفة التي اتخذتها حركات الإحتجاج السياسي في كل من مصر وتونس، حيث وصلت السلطة الدينية للحكم بأسم الثورة، وحتى إسقاط نظام الأخوان في مصر، وارتفاع مواجهة التيار المدني للحكومة الأسلامية في تونس، مع ما صاحب ذلك من صراعات أو توافقات بين الأطراف المختلفة من خارج الدولتين، بدأ الاهتمام بالمواقع يقل كثيراً، وظلت التعليقات المبتسرة على ما يحدث من خلال الوسائط الإجتماعية تأخذ في الإتساع، ولكن حتى على حساب الأفكار الموسعة للأفكار.

هنالك عدد من النقاط التي يمكن تأملها بخصوص ظاهرة الانسحاب من المدونات الى الوسائط الإجتماعية، من بينها:

أولاً: أن تراجع الاهتمام بالمدونات هو في الحقيقة تراجع أيضاً في عملية "القراءة"، أذ إن تصفح المدونات في جوهره عملية قراءة الأفكار أو معرفة أو أدب .. ألخ. وهذا التراجع غالباً ما يكون في مصلحة مساحة جديدة، تبتغي التصفح اللاهث السريع لما يقوم الآخرين في قائمة الأصدقاء في ال"فيسبوك" أو "تويتر" ببثه، وجلة التعليقات مُبتسرة سريعة، بعضها ساخر وبعضها شخصي وعائلي، وأحياناً قد يكون محتوى البث صوراً أو ربما إشارة الى مثال أو فكرة في صحيفة أو لقطة فيديو، بل أن الأمر أخذ بعداً آخر أيضاً بعد تحول الساحة السياسية من إرادة جماعية مع التغيير ضد نظام حكم فاسد الى إستقطابات عديدة.

ثانياً: لا يتعلق الأمر هنا، كما قد يبدو بطبيعة الوسيط، أي صفحات التواصل الاجتماعي التي قد يعتبر البعض انها لا تعد وسيلة للتثقيف أو القراءة. أبان الفترة التي أعقبت بدء الحراك السياسي، شهدت لوناً من الحوارات العميقة عن العديد من القضايا للسياسة مثل الدستور وفكرة مدنية الدولة، ومدى أهمية فكرة وجود وزارة الثقافة أو وزارة للإعلام في بعض الدول العربية ومنها مصر. وكان العديد من مستخدمي ال"فيسبوك" يكتبون تدوينات مطولة ويبحثون فيها هذه القضايا بالتفصيل، وعبر نماذج تاريخية وأفكار فلسفية وسياسية.

 

هل مثل "الفيسبوك" إنعكاساً للفشل؟   

يعني ذلك في تقديرنا أن ظواهر "الخفة" الشديدة الطافية الآن على سطح مساحات التواصل الاجتماعي، وسيادة منطق السخرية نكاية في السلطة أو وسيلة النقد السياسي، وغياب الأفكار تعكس فشل الانتفاظات الشعبية في تعميق الأفكار، وتحويلها الى خطط عمل، كما تعكس فشل إستعيبات الحركات المدنية، لأن الثورة ليست مجرد الإعتصام في الساحات والميادين، بل هي خطة طويلة الأجل، تُبنى وتتطور بإنشاء مؤسسات مدنية سياسية وإجتماعية تمتلك خطط عمل شاملة لرفع الوعي السياسي للمجتمع، والتأثير في الجمهور لإكتساب أرضية وشعبية تمكنها من تحقيق وسائل ضغط على فلول النظم القديمة ومؤسساتها التي يضرب فيها الفساد، ثم ت

قديم البديل المؤسسي المتخلص من آفات الفساد وسوء التنظيم واللاكفاءة. 

 

التنوير الإفتراضي:

أقول حتى أصل الى النقطة الخاصة بظاهرة تراجع تصفح " المدونات" (المواقع الألكترونية)، التي كان لها بديل إيجابي مهم على صفحات ال"الفيس بوك"، يتمثل في الدور الذي لعبه عدد من من المفكرين والمثقفين الذين يحسبون على على النخبة المثقفة بشكل أو بآخر، سواء كانوا أكاديميين أو إعلاميين   وكتابا أو نشطاء سياسيين، والذين رأوا في هذا الوسيط الذي يلقى شعبية كبيرة في التصفح  فرصة لنشر الأفكار، يمكن إعتبارها في تقديري أفكارا تنويرية . وأظن أن هذا الدور البديهي والطبيعي للتنظير في فكرة الثورة والتغيير، من خلال توضيح مواقفهم من الأحداث المختلة، وذلك منذ وصول الأخوان للحكم في مصر، وصولا بخروجهم من السلطة وحتى اليوم .

وتتنوع أفكار هؤلاء الأفراد بين التعريف بالفكر المدني العلماني، وبين الإعتماد على نقد الفكر الرأسمالي من خلال التعليق على الأحداث المختلفة . بينما يتبنى البعض التغيير الإجتماعي وربطه بظواهر التاريخ السياسي والإقتصادي في المجتمع.

وهناك من يحاول تأمل العديد من الأحداث والظواهر  الإعلامية والتعليق عليها بتحليلها من أكثر من جانب، بما يجعل فحص وتفنيد وجمع هذه الآراء، لو تم بشكل تراكمي فإنه يقدم ما يشبه سجلا إفتراضيا لنوع من العقلانية وافكار التنوير والتنوير، لأنها .

وقد برزت أسماء العديد من من الرجال والنساء في الوطن العربي، الذين تمثل كتاباتهم لونا من العقلانية والتنوير، لأنها تحاول أن تقدم شكلا من أشكال النقد المشفوع بالتحليل .تقدم رؤى مختلفة وإضاءات لمن يهتم، سواء من الجمهور العادي أو لقوى المدنية والمثقفين، كأنهم يحاولون تقديم للحد الأدنى من المساهمة ة التي سادت بفضل الفراغ السياسي والفكري الذي في إضاءة طريق طويل قد ينتهي يوما بالحرية والديمقراطية والعدالة .

وأهمية هذه الطروحات في تقديري أنها تؤسس للتغيير، أو تفتح الطريق لأسس الحوار العقلاني . ومناقشة جميع الثوابت السياسية والإجتماعية التي إستمرت أو إمتدت على مدى عقود طويلة .

 وأعتقد أن مثل هذه الأفكار رغم أهميتها اليوم بإعتبارها وسيلة لمناوشة إهتمامات أفكار وجمهور مختلف المشارب على ال" الفيس بوك " لكنها ربما ستختمر أكثر، وربما تتطور أو تلهم آخرين، ولتكون أفكارا مهمة في ترسيخ وتجذير مفاهيم العقلانية والتفكير بالمستقبل .

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3745 المصادف: 2016-12-06 22:05:36