المثقف - قضايا

رحمن خضير عباس : إيگودار

rahman khodairabasوفق اللغة ألأمازيغية فان إيكودار هو جمع لأكادير، التي تعني المخزن او المستودع. ومن الطريف ان كلمة مخزن بحد ذاتها تعني الحكومة او النخبة الحاكمة. وقد أُستخدم هذا المصطلح في عهد السعديين والذي يتكون من السلاطين والأعيان وزعماء القبائل حتى سميت المناطق ببلاد المخزن. ومن المرجح انه معنى زحف من الاستعارة اللغوية التي تعني ان البضائع التي تتكدس في مخازن الحكومة من خلال الضريبة المفروضة على المزارعين والرعاة وسكّان الارياف، هي السلطة بحد ذاتها. وقد اكتسبت مدينة اكادير هذا الاسم لانها كانت مستودعا يلوذ بالجبل الذي عصف بها أثناء زلزال 1960 والذي أطاح بالمدينة وغيّر ملامحها.

لكن اكادير ( أيكنكا) التي زرناها فلها قصة اخرى.

تبدأ من فكرة إقامة احدى جلسات صالون سانتا كروز الادبي أحدى دوراته في ذلكم المكان / الرمز.

قلت لمحمد إدسان وهو أديب مغربي ومثقف ورئيس صالون سانتا كروز

- لماذا أقمتم إحتفالكم الادبي في مخزن إيكنكا ؟

أجابني وإبتسامة عريضة تغمر وسامته

- سنراه معا، حالما تهيء نفسك. عنذاك ستحكم بنفسك على أهليته لكي يحتضن أنشطة ثقافية.

كنتُ لا اعلم ان سانت كروز هو الاسم الذي أطلقه البرتغاليون على هذه المنطقة في غابر الازمان وحالما رحل البرتغاليون حتى عاد لأكادير اسمها الامازيغي الجميل.

سانت كروز الادبي هو اكادير

والمستودع الذي نحن بصدد زيارته هو اكادير ايضا

اي شغف يربط هؤلاء المبدعون بمشيمة أمهم، أعني المدينة. ومع أنهم أمازيغيون حتى النخاع ولكنهم يبدعون في لغةعربية نقية فصيحة، وكأنهم يمزجون بين لغتين تجاورتا منذ الازل لتصنع مجتمعا مغربيا يفخر بتماسكه.

اللغة وطن، والثقافة إمتداد.

وهكذا وصلنا انا والأديب الصحفي العراقي طالب عبد الامير الى مدينة (ابويرة) للانضمام الى فريق السفر، والذي ضم صديقنا جواد داوودي بسيارته والشاعر موليد إلّيش والقاصة الواعدة فاطمة الزهراء المنصوري. لكن سيارة جواد الصغيرة الحجم استبعدت محمد ادسان،والذي ظل ينتقل بواسطة سيارات الأجرة من مكان الى آخر، مضحيا براحته في سبيلنا.

في آيت باها كان الفضاء فسيحا. مدينة على حافة الجبل. بعد صعود حاد وهبوط لمرتفعات طافحة بشجر الأركان دخلنا فضاء المدينة. شارع فاره يميل الى الصمت ومتاجر خاوية. وسابلة لايجدون سوى التسكع والتمعن في الغرباء . عبرنا الجسر الذي يطل على واد غير ذي ماء. فقط صخور متناثرة. بحثنا عن جدة حسن وهو شاعر مغربي مولع بجدته التي تسكن هذه المدينة. لذا فهو يحدثنا عن حكاياتها بإفراط حتى اصبحت ملهمته في الشعر الذي ينظمه باللغة الفرنسية.

غرقنا في ضحك ونحن نلتقط من التبن الملقى على حافة النهر صدى الثيمة التي استخدمت في قاعة المحاضرات احتفاءً ببعض الأدباء والكتاب المغاربة، لقد زينت القاعة بالتبن، وحتى الطاولات قد صنعت منه مما أضفى على القاعة الادبية نوعا من الشعور بعمق الطبيعة البكر وأجوائها التي لوثها الانسان في بحثه المسعور عن تدمير الحياة الريفية.

وصلنا الى نصب شهداء الاستقلال ضد المستعمر الفرنسي. فكانت فرصة لنا لتأمل التأريخ غير البعيد من شرفة الحاضر. من خلال المقارنات حول كفاح الأسلاف سواءً في العراق او المغرب، وماذا كسبنا بعد ان رحل الاستعمار؟

كان الاتاي الممزوج بالشيبة يرطب حلوقنا في مقهى مطلة على منخفض مزدان بالنخل الغارق بالعتمة. تحدثنا عن عناصر القوة والضعف فينا كبشر. عن الانسان الذي يصارع الطبيعة في هذه السهوب المتطاولة والعسيرة في العطاء والتي تميزت بالأضداد : القسوة الحادة والرحمة الفسيحة في تناوب عصيّ على الفهم.

غادرنا ايت باها نحو دوار أزيلال الهاديءوالذي ينزوي عند المنعطف. البيوت الطينية تلوذ ببعضها وتستظل بالشجر المتناثر. ترتفع الارض تدريجيا ليبدو لنا بناء غريب من الحجر العتيق، محاطا بأشجار الصبير التي تستلقي بامتداد البيوت وكأنها أسلاك شائكة. بعض الاطفال يشرئبون إلينا، من بين أغصان الأكمات القريبة. الدوّار غير قريب عن الطريق العام وكأنه استأنس العزلة.

. كنّا على موعد مع المرشد الاستاذ حسن آيت اللوزي الذي انتظرنا طويلا بينما كنّا نقتبس مما يحيط بِنَا عمق الدهشة. فتح لنا باب المخزن. باب قديم من خشب الأركان. فاحت رائحة متوحشة موغلة في اعماق اللحظة الجنوبية المشحونة بالغناء. الدهليز واطيء السقف، قادنا الى باحة مستطيلة تتوسطها الأعشاب البرية التي نفذت عبر مسامات الصخور. أشعة الشمس تتغلغل في الجدار الشرقي لتعكس عُتمة شفافة في الجدار المقابل.

. كان الاستاذ اللوزي وديعا هادئا. حدثنا بمودة عن الأبعاد التأريخية للمخازن وعلة بنائها وتأريخها. ورغم ضغط الوقت فقد كان لديه فيض من المعلومات والمعارف التي أثرت حوارنا ونحن نقف مبهورين إزاء مافعله الاجداد من البشر، بغض النظر عن جنسهم سواءً كانوا أمازيغ او غيرهم انطلاقا بان اللبنات الحضارية يصنعها الانسان ويساهم في ارساء ترسانة من المعرفة يرثها لغيره. لذا فان المخازن( الايگودار) مفخرة لنا ايضا. نحن العراقيين الذين نحمل بعضا من دفيء النخل الجنوبي الحزين.

حينما تدخل الى الفضاء المغلق، فأنت تتوغل في الماضي القديم دون ان تعي. فأنت إزاء إرث ثقافي ومعرفي يرتبط بحقب تأريخية تعود حسب البعض من الباحثين الى القرن الخامس عشر الميلادي. يتكون البناء من الصخور الملتصقة ببعضها بواسطة القار وكأنها تعيدنا الى سحر الزقورة حيث بنى السومريون آور واستخدموا مواد مماثلة ليؤسسوا حضارة زاهية بقيمها المعرفية والأخلاقية.

المخزن على شكل مستطيل وكأنه سفينة ضخمة من الصخور. هذه الصخور التي إكتسبت سحنة الطبقات الجبلية يشكل بؤرة للمكان الذي يحيط به وعلة لوجوده . يتكون من ثلاثة طوابق غير عالية الارتفاع : الطابق الأرضي والطابق الأوسط والطابق الأعلى. وهذه التراتبية في البناء الهندسي تعكس تراتبية قانونية فمالك الطابق العلوي مسؤول عن الأضرار التي قد تتسبب في الطابق التحتي وهكذا يسري الامر على الأوسط الذي يكون مسؤولا عن الأرضي. ويكون الصعود والهبوط بين هذه الطوابق من خلال ألواح صخرية تدخل في عمق الجدار، تساعد المالك في نقل بضاعته او حفظها بشكل لايؤثر على أملاك الجوار.

وبهذا فان ثمة مايوحي الى الناظر، بان الغرف العديدة الموجودة كأنها خلية النحل التي تحفظ الحبوب والزيوت وأنواع الغلال في وقت قطافها للاحتفاظ بها لايام القحط والجفاف او حفظها من السرقة.

يتخصص بعض الناس بمهمة الحراسة. هذا الحارس ينبغي ان يدفعوا له رأتبا . هو عبارة عن أربعة أمداد عن كل غرفة، والمد هو ملئ كفي الرجل من الغلة . كما ان المخزن يتحول الى مايشبه الملاجئ ايام الحرب لحماية الناس وماشيتهم. وهو كيان متكامل يضم مسجدا للصلاة إضافة الى خزان للماء.

لم يكن (الاكادير) مجرد بناء وانما هو منظومة اقتصادية متكاملة، حتى انها تمثل البدايات الاولى للمؤسسات المصرفية والابناك، من حيث الادخار والفائدة والتوزيع. كما انه يمثل نوعا من المشاعيات (الشماعية) الاقتصادية التي تعتمد على روح التبادل لقيم السوق وقيم القرابة والحس المشترك. لذا فان هذا البناء يشكل حجر الزاوية للتماسك القبلي وشده الى بعضه.

ولم تأت أفكارهؤلاء الناس في هذا البناء عبثا وانما من خلال صياغات متقدمة للقوانين التي تنظم الامور الاجتماعية والاقتصادية، من خلال مجلس منتخب يُطلق عليه باللغة ألأمازيغية (إنفلاس) وقد وضع قوانينه من خلا ل ألواح مكتوبة وتناول فيها الكثير من الأسس والتنظيمات التي يجب اتباعها في تفريغ الغلة او حفظها في الغرف المخصصة لها، وكيفية رش الارضيّة بسوائل مطهرة للقضاء على الحشرات الضارة وهم يستخدمون مادة (تيكيوت) المستخرجة من نفس شجرة الزقوم. كما وضع هذا المجلس جملة من القوانين ومنها مايتميز بالطرافة مثل ان دخول دجاجة غريبة الى المخزن ستكون وجبة لمجلس انفلاس!

وهناك قوانين لمساعدة الحيوانات والقطط. اما السارق فيعاقب بالسجن من قبل المجلس باستثناء الاطفال القاصرين.

التقطنا انفاسنا ونحن نستمع الى الشرح الوافي من استاذنا الجميل حسن ايت اللوزي، الذي حلقنا وإياه في سموات وآفاق لحقبة منسية من تأريخ المغرب والتي حاول ابناؤها نفض الغبار عنها، لجعلها ناصعة متألقة، تحتضن المهرجانات الثقافية.

قلت له ضاحكا : هل أتى اي عراقي الى هذه المخازن من قَبْلُ؟

قال لي وهو يشير الى الاديب طال عبد الامير

- ساكتب في سجل الزيارات أنكما اول عراقيين قدما الى هنا.

. كانت بيوكره باهتة الملامح، لكن صديقنا محمد أدسان أكسبها مذاقا لا ينسى. ليلة من الحوار الادبي والقراءات القصصية والشعرية. بينما المطر يهطل بغزارة.

أدركت المعاني العميقة التي تختزنها (الايكودار). انها ليست حاجة عابرة لسد الحاجات اليومية.

إنها مشروع حياتي يبدأ عند الأسلاف، ويستمر عند الأبناء الذين يحاولون بناء الجسور مابين الماضي والحاضر. جسور استطاع صالون سانت كروز ان يترجمها من خلال إقامته للنشاط في ذلك المخزن وذلك لاحياء الذاكرة المغربية ألأمازيغية.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3745 المصادف: 2016-12-06 22:07:18