المثقف - قضايا

رائد عبيس: الفلسفة تتجرع كأس سقراط بعد إن لعنت يومها عربياً

raed obayisالفلسفة موقف تريده أن يتجسد بكل أبعاده القولية والفعلية والكتابية،  بحركة ثائرة بوجه اللاموقف الفلسفي الذي لا يعبر عن الفلسفة بل عن خذلان الفلسفة،   ومتى تخذل الفلسفة ؟ تخذل عندما نجد أنفسنا بعيدين عنها،  ونقصد نحن اللذين لا يعيشون لها بل يعتاشون عليها .كان لسقراط موقف تجسد ثائراً على قيم الخذلان والذي عبر عنه أجمل تعبير وترجمه بكل صلابة وإيمان وهو يتجرع ذلك الكأس التي حسمت موقفه إزاء ما يعتقد،  لم يخذل نفسه !! ولم يخذل الفلسفة !! ولعل كل رهانات الواقع السياسي والقيمي والتربوي كانت تعول على اللاموقف؛ لأن المعركة معه تحسم كيفما يريد المحارب.وبما أن المعركة مستمرة،  فالكؤوس حاضرة على الدوام !ولكن تريد من يستبدل موقفه به في ما إذا خير أو أجبر على ذلك .

وهذا يمثل الصراع بين الفلسفة والسلطة الذي ما فتئت عن مضايقة الفلسفة والمشتغلين بها ؛لأن الفلسفة غير متصالحة مع الواقع الذي هو غير واقعها المتمنى .فأمنيت الفلسفة هي أن تحيا في عقول ناقدة ومتمردة ومشاكسة من أجل أثبات أحقيتها في توفير مساحة لها من الوعي البشري الذي ضيقته الإيديولوجيا والسياسة والدين والعلم. فمساحة التفلسف هي ليست مساحة تجاوز على ثوابت الدين وأسس العلم،  على العكس من ذلك تماماً بل هي داعمة لكل مقومات العقلانية فيهما،   وهذا ما تحاول فيه الفلسفة على الدوام أن تؤكده مع العقلانيين من رجال الدين وعلماء الطبيعة. أما علاقتها مع السياسية فهي علاقة توتر منذ أن عرف الإنسان السلطة وكيفية التشبث بها والدفاع عنها وشرعنتها بالطرق الشرعية وغير الشرعية،  وبلا الشرعية تقف الفلسفة لتقول كلمتها الفصل عقلانياً.ولكن ما مختلف مع العقلانية هو دور الفلسفة وعبر المساحة التي تتوفر لها أن ترسخ الوعي العقلاني عند الناس،  حتى تعول عليهم في طروحاتها النقدية ومشاريعها المعارضة . ولكن السؤال الذي يجب أن يقال هنا هو  كيف ومن ومتى سمح للفلسفة أن تمارس دورها التوعوي لإشاعة روح الحكمة والعقلانية والقبول بالآخر على أساس التفاهم ؟ الإجابة عن هذا السؤال يستتبعها الجواب على سؤال إمكانية الفلسفة في التأثر على الواقع ؟

نقول مع الأسف ! مشاريع الفلسفة الواعية ذات البعد العقلاني لم تنفذ للواقع ولم تحكم المشهد بعد .وذلك لاعتبارات مختلفة سياسية ودينية وعلمية بالدرجة الأساس .في أوروبا الاعتبارات العلمية واضحة وإلى حد كبير وذلك بفضل التطور المادي والصناعي والتكنولوجي الذي شهدته .ولعل الميل والتفاعل الكبير الذي تحقق بين الناس والتكنولوجيا أضعف دور العقل الفلسفي لإثبات حضوره في مصدر القرار وتحقيق جزء من حلم المشاركة.فالفلسفة ليس ثقافة فحسب بل هي علم وحكمة،  تريد إن تعقلن كل مفاصل حياة الإنسان حتى يتحقق له حلم السعادة ودولة الرفاه الذي ينافسها عليه العلم نفسه ولكن بنظرة أحادية قاصرة عن تأدية أدوار الفيلسوف.هذا حال الفلسفة في بيئة قد نشأت بها والتي لم تسلم من مضايقات على مستوى مشاكل التدريس والحضور والتفاعل للقول الفلسفي في تلك الأوساط والتي اقتصرت بها ربما على ذكر بسيطة لها في داخل أروقة مغلقة،   وإن كانت هناك محاولات فهي محاولات بسيطة وخجولة ومتواضعة وهذا ما تجسد حتى في كلمة الأمم المتحدة في اليوم العالمي للفلسفة.الذي تحقق بؤسه رسميا وواقعيا بذلك .

 فكيف بحال و واقع الفلسفة عربياً ؟! فهي تلعن يومها فينا ذلك اليوم البائس المظلم والملبد بغيوم التكفير والتفسيق والقمع والإرهاب والقتل على الهوية والإنتماء وغياب روح التسامح والتنافر القبلي والطائفي والديني الذي يتم برعاية سياسية لحكومات وغيرها،  بهذا الواقع لا تجد الفلسفة لها مساحة كافية للحركة ولا تسمع بهذا الضجيج كلمتها،  فحكمتها لا تدفع بحمل السلام ولا قولها قادر على تجاوز جدران الدوغمائيات العقائدية والسياسية،  ذلك كله ساعد على أن لا يكون للفلسفة حضور وحضورها أصبح يقتصر على عقول من ذهبت بهم اليوتوبيا مذهب المغادرة عن هذا العلم الذي يخطف حتى الحلم من متأملٍ عبر الموت المفاجئ الذي طال حتى الفلسفة نفسها،  فمحنة ابن رشد حاضرة في أذهاننا وحضرت بقوة عندما شاهدنا بؤس التعامل مع اليوم العالمي للفلسفة والنشاط الفلسفي عالميا وعربيا،  فعالمنا العربي أصبح كما أضحى وأمسى عالم يبحث عن "الخلاص من الموت " الممنهج والغير ممنهج من إرهاب الأنظمة الحاكمة إلى إرهاب الجماعات،  فالموت وترقب الموت هو مفهوم وهاجس من أكثر المفاهيم والأحداث التي تصيب الإنسان وتدعوه للتفلسف . إذن لماذا لم نتفلسف ؟ لماذا لا تكون فلسفة اللاموت هي الفلسفة المقاومة والحاضرة والشائعة في أوساط التحدي المعرفي والثقافي والعقلاني،  ليس بالضرورة إن نواجه التحدي بتحدي مثيل هذا طريق لا يمسك بعقول أبنائنا ولا يعلمهم طرق المقاومة الناعمة التي تتطلبه الحكمة على الدوام . تحدي الفلسفة في عالمنا تحدي عظيم تمثل بعدم إستيعاب الوعي الفلسفي ومتطلباته .

وكذلك الإستعارة المشوهة للفلسفة والتي لا تتفق مع توجهات الوعي العربي المكبل بقيود البداوة والقبلية والعشائرية ورداءة التعليم واستبداد الأنظمة .وما يتطلبه التفلسف في عالمنا هو "وعي عظيم في واقع بائس".لذلك بقيت الفلسفة في عالمنا العربي وفي جامعاتنا وكلياتنا وفي أقسام الفلسفة نفسها بلا يوم وحتى هذا اليوم بقدر ما هو إشارة مهمة عن اهتمام،  إلا إن الفلسفة ولأول مرة تستخدم فيه كلمة " لعن " تلعن فيه ذلك اليوم الذي لا يحتفى بها ولا بدورها في تغيير جزء من الواقع الخارج عن إطار العقل،  فالواقع اللاعقلاني لا يشجع الدرس الفلسفي ولا الفلسفة ولا المتفلسف على الخروج من صومعة التأمل والبحث عن الأطلال ومناشدة المثل والحلم بالخلاص وبجنة مجانية بدون كأس للتضحية كما فعل سقراط .

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3745 المصادف: 2016-12-06 22:30:26