التحوّل في تيار الشيرازي مؤسّس على منهجية قديمة، لكن جرى تفعيلها في السنوات الأخيرة (أرشيف)

لم تتسنَ لي متابعة كل الردود على مقالة «الشيرازيون و«طقسنة» التشيّع»، رغم الحرص على عدم تجاهل «العلمي» منها، وهو قليل على كل حال، ولعل أهمه كان رد الشيخ عبد العظيم المهتدي من البحرين (وكيل مرجعية الشيرازي)، ومقالة إبراهيم جواد المنشورة في «الأخبار» في 13 كانون الأول 2014 بعنوان «الشيرازيون بين المطرقة والسندان!».

في المبدأ، تمثّل ظاهرة «النقد» علامة حيوية في أية مدرسة فكرية، فيما تواجه المدارس المغلقة التي تحرم أتباعها من ممارسة حقهم في التفكير الحر والمساءلة والنقد خطر الزوال أو العزلة والجمود، والأخطر النزوع نحو التطرّف والعنف... وعليه، فإن النقد حياة الفكر، فلا يتجدد الا به، وإن أولئك الذين استسلموا لوهم «سلامة المعتقد» توقّف بهم الزمن، وتعطّلت الدورة المعرفية في حياتهم، وراحوا يلوكون أفكاراً بالية منفصلة عن سياقها التاريخي والإنساني.

في الشكل، لست منحازاً ضد شخص أو تيار فكري أو سياسي أو حزبي ما، وليس بمقاربة كهذه يمكن لأي فعل نقدي على المستوى الفكري ان يؤتي ثماره. وإن الحديث عن «التيار الشيرازي» ليس عن شخص ولا عائلة ولا جماعة، وإنما هي هوية عرف بها التيار منذ نشأته، فلو اخترنا اسماً آخر لجهله الناس، وفي كل الأحوال لا مشّاحة في الأسماء.

ولإعادة تصويب مواضع الجدال، فإن من الأفكار التأسيسية التي تصلح كمنطلق ومدخل هي: أن التشيّع يمثّل في صيرورته التاريخية ثورة في الاسلام، ليس على قاعدة الانشقاق عن الشريك السنّي، ولكن على قاعدة التكامل في إدارة حركة الإسلام عبر التاريخ. نعم، هناك من أراد تصويره على أنه ثورة على الإسلام، وبذلك «خسر» الاسلام قوة ثورية كانت دائماً تلعب دور الحارس على حركته، تماماً كما هو الدور الذي لعبه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب منذ اختار الصحابة غيره لتولي منصب الخلافة... وما مقولات الخليفة عمر بن الخطاب «لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبا الحسن»، و "لولا علي لهلك عمر» الا دليل على محورية الدور الذي لعبه علي في تسديد موقع الخلافة. نذكر على سبيل المثال، مشورته الحاسمة للخليفة عمر عندما تجمّع الفرس بنهاوند لحرب المسلمين، فكان رأي الناس له هو «النفير إليهم»، فيما كان رأي الإمام علي خلاف ذلك، فقال له: «... إنك إن أشخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها حتى يكون ما تدع وراءك أهم إليك مما بين يديك من العورات والعيالات...»، فعدل عمر عن قرار الذهاب بنفسه للحرب، وقال: «هذا هو الرأي كنت أحب أن أتابع عليه».

التجارب اللاحقة تؤكّد هذه الحقيقة أيضاً، منذ تولي ابنه الحسن الخلافة ثم تنازله عنها لاحقاً دفعاً للفتنة ثم ثورة الحسين في كربلاء على خلافة يزيد لتصحيح الانحراف في حركة الإسلام (إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدي...)، وصولاً الى تجارب باقي الأئمة وتالياً الفقهاء. في الخلاصة، كان يمثّل التشيّع دور الضابط الإيماني والتنظيمي الذي يحول دون خروج الإسلام عن المسار الذي رسمه رسول الله (ص). ولذلك، كان التشيّع يحضر حيث تكون الحواضر الكبرى للإسلام. وإن تحوّل التشيّع الى مذهب للسلطة كان يعني تعطيل ديناميته وروح الثورية، هذا ما جرى في عهد البويهيين، ثم الصفويين وبدايات القاجاريين، وحين تحرّر الفقهاء من قيود السلطة التي تحالفوا معها في وقت سابق أو خضعوا لها قهراً حوّلوا التشيّع الى طاقة ثورية تغييرية منذ ثورة التنباك في ايران في عهد ناصر الدين شاه في نهاية القرن التاسع عشر، ومروراً بالثورة الدستورية بقيادة الملا محمد كاظم الخراساني والشيخ محمد حسين النائيني وآخرين في مطلع القرن العشرين ولاحقاً ثورة العشرين في العراق بقيادة الشيخ محمد تقي الشيرازي، وثورة تأميم النفط في ايران بقيادة الشيخ الكاشاني وصولاً الى الثورة الاسلامية في ايران بقيادة الامام الخميني. وفي الخلاصات، أمكن القول إن النهوض الاسلامي في العقود الثلاثة الأخيرة تأثر على مستوى الأفعال أو ردود الفعل بالثورة الإسلامية في إيران التي تأسست على ثورة شيعية في الإسلام.

وبالعودة الى الردود على مقالتي حول الشيرازيين، أبدأ من دعوى التعريض بمعتقدات المذهب، لا سيما الغيب والشفاعة.

هناك مشتركات منهجية بين التفكيكية والوهابية من ناحية العودة الى النص الديني

وحقيقة الأمر أن التعريض ليس بالمفاهيم ولكن بالأفهام، فلا بد من الفصل بين ما هو متعالٍ/ إلهي وما هو بشري، فالكلام ليس عن الغيب كمفهوم ديني وإنما عن الفهم البشري له وتداعياته على السلوك الفردي والجماعي، وكذلك الشفاعة، والتوسّل، والنذر، والحزن... وحين نتحدث عن ثورية التشيّع إنما نعني بذلك فهماً ثورياً للمفاهيم الدينية (الشيعية على وجه الخصوص).

كان التيار الشيرازي يشتغل في بدايات تشكّله وقبل نزوعه نحو الطقسنة المستقيلة على تعميم خطاب ثوري مؤسس على فهم متطوّر للمفاهيم الشيعية. ونذكر على سببيل المثال، كتاب «الثورة الرسالية» للمرجع الحالي في كربلاء محمد تقي المدرسي حين وجّه نقداً شاملاً للمفاهيم المسؤولة عن «تخلّف الشيعة» بحسب وصفه، وشخّص أهم معالم هذا التخلّف من أجل إعادة تظهير الصورة الثورية للتشيّع. تحدّث عمّا أسماه «الطلاق بين الشيعة والتشيّع»، وأعاد تفسير الولاية والامامة والعصمة والغيبة «أي غياب الامام المهدي»، والشفاعة وغيرها. فقال بأن العصمة ليست ذاتية «وانما هي تأييد من الله للإنسان الذي يتجاوز ذاته وواقعه بعد أن يرتفع بارداته الحرة الى مستوى تلقي هذا التأييد»، وتحدّث عن غيبة الامام المهدي وقال: «ليست الغيبة انتظاراً سلبياً لواقع معسول يأتي في آخر الزمان، كما أنها ليست (فراغاً) في قيادة الأمة... إنما هي عملية فصل بين الأشخاص والقيم لكيلا يصبح الأشخاص هم القيم...». وفي هذا كلام كبير وخطير جداً لأنه يشي بانقشاع القداسة عن شخص الامام.

وفي حديثه عن الشفاعة يؤكد السيد المدرسي أن عمل الانسان هو شفيع له يوم القيامة «وحيث تتجسد الولاية في شخص الامام تكون الشفاعة للإمام، والواقع إنها ليست للإمام، وإنما هي لعمل الانسان وتحمله لمسؤولية الانتماء الى الإمام وحبه وطاعته له وتضحيته في سبيل الله تحت لوائه». ويخلص: «وليست الشفاعة بديلاً من الايمان بالله، إذ الشفاعة تكون عند الله، ولا تكون سلطة على الله، بل دعاء إليه، فإن شاء استجاب وإن شاء لم يستجب».

وعلى خطى القراءة الإيديولوجية والثورية التي قدّمها علي شريعتي، يتحدث المدرسي عن تشيّع المسؤولية، ويؤكد في السياق ذاته الاتباع المسؤول لا التقليد الأعمى «الذي يريح الانسان من تبعات التفكير، وحرية الرأي، ومسؤولية الاختيار». يؤكد دائماً المسؤولية، وأن الانسان مسؤول عن تاريخه وصلاحه وفساده.

ينقد المدرسي الثقافة الشيعية السائدة حينذاك والتي جرى إحياؤها مجدداً، وقال بأن ما تبقى من هذه الثقافة الشيعية هو القشرة القائمة على اجترار وتكرار الجدليات والاستمرار في خط العداء ضد كل الفئات الأخرى ومن ذلك «اجترار المآسي والدموع اللامسؤولة» في إشارة الى ذرف الدموع أيام عاشوراء والاكتفاء بها عن العمل. يقول المدرسي في توصيف حاد (ماذا بقيت من الدموع الشيعية؟ بقيت قطرات ماء رخيصة تتساقط على أحضاننا المليئة بالجريمة والفساد لتغسلها ـ كما نزعم ـ ولنقوم من مجلس العزاء محصّنين ضد عذاب الله، وضد محاسبة التاريخ... تماماً كبكاء أهل الكوفة بعد مقتل سيد الشهداء». ويخلص: «أصبحت الدموع وسيلة للتحلل من المسؤولية، بدل أن تكون وسيلة لتكريس المسؤولية، وتعميق الشعور بها». وعلى هذا المنوال قارب المدرسي الفرائض الدينية التي فقدت معانيها وتحوّلت الى مجرد طقوس فارغة المعنى، وانتقل منها الى الطقوس الشيعية: «فأصبحنا نزعم أن لمجرد قراءة الأدعية والزيارات تأثيراً غيبياً في أوضاعنا في الدنيا او في الآخرة... فمن قرأ زيارة عاشوراء أربعين يوماً فسوف تقضي حاجاته في الدنيا والآخرة...». أليس هذا ما يشاع اليوم وما سوف نأتي عليه هنا.

حديث المدرسي عن الغيب له مدلول خاص ويقوم على المقابلة، أي الشهود «وكلما ازداد وعي الانسان كلما استطاع أن يؤمن بالغيب من خلال إيمانه بالشهود. ان يؤمن بالصانع من خلال ما صانع، والزارع من خلال ما زرعه...»، وهكذا هي رسالات الانبياء.

ونسف المدرسي فكرة التمايز على أساس الانتساب للنبي صلى الله عليه وآله، وقال: «إن الذي يزعم أن الله خلق الناس درجات، ثم رفع بعضهم على بعض عبثاً، وأعطى أناساً ما لم يعط آخرين، إنه ينسب الى الله الظلم والجهل والعجز، تعالى ربنا عنه»، بل رفع الاسلام شعار «العمل الصالح» كقيمة أساسية عند الله، وخلص الى أن «التشيع هو العمل الصالح» على أساس أن العمل هو «الطريق الوحيدة لنجاة الانسان».

وانتقد أولئك الذي رفعوا الأنبياء والائمة عن مقام البشر وخاطب من قال بأنهم خلقوا من نور «إذا كان النبي وأوصياؤه من نور، وليسوا من تراب، إذن فما هو فضلهم على الناس؟ كلا... إن الرسول بشر... وأوصياؤهم بالطبع من البشر». ويواصل نقده الى من أضفى قداسة خاصة على سلالة الرسول (ص)، وقال: «زعموا أن أبناء الرسول مكرّمون الى يوم القيامة، حتى ولو خالفوا الله واتبعوا شهوات السلاطين» ورد عليهم قائلاً: «عجباً الرسول لا ينجيه إلا عمله، بينما أبناؤه يدخلون الجنة حبوة؟». وعنّف أولئك الذين يوالون أجساد الانبياء والائمة وليس قيمهم «فإذا بنا نزعم انتماءنا للرسول وإلى الأوصياء، بمجرد حبنا لهم، وتعظيمنا لأجسادهم، ألا تعساً لأمة حوّرت مفاهيمها وبدّلتها من بعد علم».

هذا هو الخطاب الذي كان يعتنقه التيار الشيرازي في مرحلته الثورية، ما وهبه شعبية في الوسط الشيعي، وجعله متميّزاً بحضوره الشعبي ومواكبته لحركة الأفكار الاسلامية عموماً.

التحوّل في تيار الشيرازي مؤسس على منهجية (مستمدة من المدرسة التفكيكية) وهي قديمة ولكن جرى تفعيلها في السنوات الأخيرة لتصبح النجم الهادي للتيار في نزعته الطقوسية.

إن المشكلة اليوم ليست في مجرد رأي في كتاب بل تحويل الرأي الى اتجاه شعبي عام

لا بد من الإشارة إلى أن المنهجية التفكيكية (لا علاقة لها بتفكيكية جاك دريدا)، ليست ابتكاراً شيرازياً، وقد أسبغ الشيخ محمد رضا حكيمي عليها هذا الاسم ولكن جذور تشكّلها تعود الى ثلاثينيات القرن الماضي في خراسان (مشهد) الايرانية.

والمدرسة التكفيكية تتلخص في «تمحيص معارف الوحي من تأثيرات المنطق والفلسفة اليونانية والتأويلية للفلاسفة والمتصوفة والعرفاء»، أي عملية فصل بين العقل والنقل في إطار تحرير النص من آليات فهمه المستمدة من خارج مجاله، أي وفق المناهج العقلية المعتمدة... وهذه المدرسة، في جوهرها، محاولة لفهم المعارف القرآنية بعيداً من مناهج التأويل، أي فصل المعرفة القرآنية عما لحق بها من التأثيرات الكلامية والصوفية والفلسفية، وكذلك الحال بالنسبة للسنّة (الحديث النبوي وروايات الأئمة)، وهي عودة الى العقيدة التقليدية أي فهم القرآن والسنّة بآليات مستمدة منهما (على غرار المقولة الشائعة تفسير القرآن بالقرآن). في الخلاصات، تقدّم المدرسة التفكيكية رؤية منهجية خاصة تقوم على الفصل ما بين الأفهام البشرية والمفاهيم الالهية، ما يعيد الإشكالية مجدداً الى النزعة السلفية التي ترى بأن فهمها الخاص للنص هو نهائي، رغم أنها تبقى في نهاية المطاف مجرد فهم (أنظر: محمد رضا حكيمي، المدرسة التفكيكية، ترجمة عبد الحسن سلمان وخليل العصمامي، دار الهادي، بيروت الطبعة الأولى 2000).

تفريق الحكيمي بين مدرسة الوحي (الدين ـ القرآن)، ومدرسة العقل (الفلسفة ـ البرهان)، ومدرسة الكشف (الرياض ـ العرفان)، لا يغيّر من حقيقة أن «المدرسة التفكيكية» تندرج هي الأخرى في خانة الأفهام البشرية للنص الديني، بل هناك ما هو أخطر من ذلك، إن عزل العقل عن عملية فهم النص سمح لعناصر غير عقلية مثل «الذوق» و«الاستحسان» و«الانكشاف» بالتدخّل لجهة إرساء «صلاحية» مفتوحة لمئات إن لم يكن آلاف الرويات من دون التحقّق في صحة وسقم الكثير منها... الطريف أن الحكيمي في تأكيد نقاوة النص الديني بمعزل عن المؤثرات الخارجية لا ينكر وجود الفلسفة الإسلامية باتجاهاتها المتباينة: المشائية والاشراقية والاسكندرانية.

إذن، الكلام ليس مجرداً عن «نص» مقابل «نص» كما توحي جداليات «التفكيك» بل هو في الحقيقة «نص» مقابل أفهام متعدّدة، وهنا مكمن الخلاف الحقيقي. لأن العودة الى «القرآن والسنة» بحسب الاتجاهات النقلية (الحنبلية السلفية/ الشيعية الاخبارية) في التاريخ الاسلامي كانت دائماً محفوفة بخطر الحشوية والاختراق، بمعنى التساهل في التعامل مع الروايات ما يجعل إمكانية اندماجها في البنية الدينية راجحة. وبعيداً من البحوث اللفظية لفهم النص الديني لناحية فهم دلالاته وأحكامه، ومشتقات الألفاظ وما تحمله من مداليل، إلا أن العودة الى النص ذاته لفهمه بنص مماثل من سنخه أو من ظاهر النص نفسه يعود بنا الى الحقيقة ذاتها أن النص يفقد استقلاله وتجرّده في اللحظة الذي يصبح في متناول عقول البشر، وبالتالي فإن التمايز عن مؤثرات خارجية أو استقلال ذاتي للنص مجرد جدل في مناهج فهم النص. وإن القول بأن لا جامع مطلقاً بين العلوم البشرية والعلوم الالهية يزيد في تعقيد فهم النص الديني ولا ينقذه من المؤثرات الخارجية (الفلسفية والصوفية...)، لأن الفصل بين البشري والالهي ليس واقعياً، وإن مرجعية النص حتى وإن توسّلت النص الديني نفسه تبقى بشرية على مستوى الاختيار في الحد الأدنى. ما يبعث على الغرابة، أن الذين يشرحون مدرسة التفكيك يتوسّلون لغة فلسفية ليست مستمدة من النص الديني!

تعريف المدرسة التفكيكية للعقل يختلف تماماً عن تعريفه في المدارس العقلية الأخرى. فالعقل هنا بحسب ما تكشف عنه الروايات الشيعية المبكرة (الكافي للكليني مثالاً)، تضع أربعة أبعاد للعقل: الأول، البعد الكوني، حيث العقل، المتنزّل من نور الله، فكان المخلوق الالهي الاول، الثاني البعد الاخلاقي ـ المعرفي، حيث تكون للعقل قابلية أو قوة فطرية للمعرفة العلوية أو المتعالية، الثالث، البعد الروحي، حيث يكون العقل مصدر الايمان، أو «الحجّة الباطنة»، والرابع، البعد الخلاصي الانقاذي في عملية الحساب يوم القيامة، حيث يخضع بنو البشر للحساب على قدر عقولهم. فالعقل هنا ليس منفصلاً عن فضاء النص، بل هو جزء من مجاله الحيوي، وهو مصمّم للحصول على الحقائق النورانية لاندماجه في فضاء النص وحركته. ولذلك يعرّف الأصفهاني العقل بحسب العلوم الالهية «النور الظاهر بذاته لكل من هو واجد له». في حقيقة الأمر، هذا التعريف المحدّد للعقل ليس عقلاً مجرّداً ولا حرّاً ولا تمكن ممارسة عملية عقلية مستقلة بل هو أداة تظهير النص وفق فهم محدّد، وهذا الفهم بحد ذاته عملية عقلية، وهذه العملية بالقطع ليست نهائية ولا جزءاً حميمياً من النص الديني. بالمناسبة، هناك مشتركات منهجية بين التفكيكية والوهابية من ناحية العودة الى النص الديني (الكتاب والسنة) على أساس دعوى أن فهمهما ليس بحاجة الى أدوات أخرى منطقية وأصولية ولغوية، على أساس أن النص واضح وجلي!

تيار التفكيكية (ومثاله الأبرز الشيرازية) جمع بين سيئات الخطّين: الأخباري والشيخي. وبالرغم من أن المدرسة الأخبارية شهّدت تطوّراً جوهرياً على مستوى المنهج، أي طرق التحقيق في صحة الرواية ووضعها أو ضعفها، الا أن المرجعيات الشيرازية (ونخّص بالذكر السيد محمد الشيرازي، والسيد صادق الشيرازي والسيد محمد تقي المدرسي) من بين مرجعيات أخرى خارج التيار أيضاً، اعتمدت منهجية الميرزا مهدي الأصفهاني (ت 1946) في فهم النص الديني (الشيعي هنا) كما هو بمعزل عن أدوات أخرى فلسفية ومنطقية وأصولية. في آليات فهم النص الديني يضع الأصفهاني الإمام المعصوم كمرجعية وحيدة في فهم القرآن، ولكن السؤال: ومن يثبت ان رواية ما بحد ذاتها صادرة عن الإمام من دون الرجوع الى مناهج التحقيق اللغوية والأصولية والتاريخية وغيرها.

وبحسب التحقيق الذي قام به الشيخ محمد باقر المجلسي مؤلف «بحار الأنوار» في كتاب «الكافي» للكليني فإن من أصل 16.199 رواية هناك 9.485 رواية ضعيفة أو مجهولة. وإذا أضفنا الى ذلك أن ثلاثة أرباع الروايات الشيعية الواردة في الكافي منسوبة الى الامامين الباقر والصادق عليهما السلام يكون كثير مما يروى عنهما يقع في خانة الروايات الضعيفة أو المجهولة.

ما يعتقده البعض بأن المدرسة التفكيكية هي أقرب الى أهل البيت عليهم السلام على مستوى التعامل مع الرواية الدينية من دون إعمال العقل ومناهج التحقيق، هو ما فتح الباب على مصراعية أمام اعتناق الشيء ونقيضه، لأن المجاميع الروائية الشيعية خضعت لعملية دس واسعة النطاق من قبل أناس مقرّبين من الائمة ومن رواة كبار يحيطون بهم ولاتزال آثارهم باقية.

إن أولئك الذين دافعوا عن المدرسة التفكيكية إزاء تهمة «الاخبارية» أخفقوا في تقديم فروقات جوهرية بينهما. وحتى على مستوى العقل الذي يحتج به التفكيك كفارق عن الاخبارية ما هو في الواقع سوى العقل المندمج في سلطة النص، وجزء من فضائه، وإن الأخبارية خصوصاً في مرحلتها المتطوّرة (الفرقة الوسطى) بدت أقرب الى الاتجاه الأصولي في إعمال العقل في فهم وتحقيق النص. وإن مجرد اعتراف المدرسة التفكيكية بالمنهج الأصولي في فهم النص الديني عنى التناقض في دعوى المدرسة التي تراهن على النص الديني في تظهير معناه، بينما المنهج الأصولي المستمد من خارج النص مصمّم لفهمه.

كل ما سبق يبقى في إطاره النظري، والعبرة في الآثار العملية. فحين نقول بأن النقلة الانقلابية في تيار الشيرازي من الثورية الى التقليدية الطقوسية لم نقصد انتقالاً ثقافياً بل منهجياً. وحين نتحدث عن النزوع الحشوي في التيار والجمع بين سيئات الأخبارية والشيخية، هناك من الأدلة ما يكفي (ومن شاء فليرجع الى موسوعة الفقه للسيد محمد الشيرازي التي بلغ عدد أجزائها المئة والخمسين وفيها يظهر الحشد الروائي غير المحقق).

وسوف نتوقف عند مثالين لبيان النزعة الطقوسية المتعاظمة لدى تيار الشيرازي والمتناقضة مع الرؤية الثورية للتشيّع كما صاغها رموز التيار في مرحلة سابقة.

المثال الأول: كتيب للسيد محمد الشيرازي بعنوان «السيدة أم البنين» في الطبعة الثانية سنة 2000. وأم البنين هي فاطمة الكلابية زوج الامام علي بن أبي طالب وأم لأبنائه الأربعة العباس وجعفر، وعثمان، وعبد الله وقد استشهدوا جميعاً في كربلاء مع أخيهم الامام الحسين.

طبّق السيد الشيرازي الرواية المنسوبة الى الامام الرضا عليه السلام في حق أخته فاطمة المدفونة في قم «أن من زارها عارفاً بحقها وجبت له الجنة» (ونقلها عن كتاب عيون أخبار الرضا وبحار الانوار وسفينة البحار)، فطبّق الرواية على أم البنين، من دون تحقيق في أصل الرواية سنداً ومتناً وشرعاً وعقلاً، وقال في ص 18: «وهكذا بالنسبة الى ما للسيدة الجليلة أم البنين من المعنوية العالية والمقام العظيم... حيث يمكننا أن نحس بشيء من ذلك عبر ما نراه من الآثار المترتبة على التوصل بها وجعلها شفيعة عند الله عزوجل في قضاء الحوائج...». وزاد على ذلك «فإن النذر لها يحل المشاكل الكبيرة التي هي بحاجة الى الإمداد الغيبي من الله سبحانه، كشفاء المرضى الذين لا شفاء لهم بحسب الظاهر، وإعطاء الأولاد لمن لم يرزق ولداً، ودفع البلايا وغير ذلك...»، ويعلّق «وهذا مما عليه ألوف القصص من المشاهدات والمنقولات...». وحتى يخلي المسؤولية يحيل الأمر على القصور الذهني (وهذا شيء لا تصل الى معرفة كنهه عقولنا).

وخصّص باباً بعنوان «إحياء الذكرى» واعتبرها «من أهم ما يلزم» (ص 31). وفي باب «الكرامة الالهية» يقول: «وأم البنين صاحبة الكرامات الكثيرة التي نقلت عنها متواتراً وشوهدت كذلك، وذلك بالنذر أو التوسل بها لتشفع عند الله...». ويعلّق: «وقد سمعت طيلة حياتي كثيراً من كراماتها المتواترة...» (ص38). وفي باب «زيارة قبرها» يقول: «ومن الاصح أن تراب قبرها الطاهر له الأثر الخاص...»، ثم يقول: «ولا يبعد بقاء جسدها في القبر... وإن لم أجد لذلك نصّاً...» (ص 42).

حين المقارنة بين هذه القراءة للتاريخ بتلك التي عرضناها في «الثقافة الرسالية»، ألا يظهر الفارق جليّاً بين تشيّع المسؤولية وتشيّع الاستقالة، بل بين تشيّع «العمل الصالح» وتشيّع «التحلل»، ومن ثم تشيّع الثورة وتشيّع السكون.

المثال الآخر، ولكن عن عقيدة التفويض التي بدت راسخة في التيار الشيرازي في السنوات الأخيرة. في كتاب السيد محمد الشيرازي «فاطمة الزهراء عليها السلام (ط 1999)» وكتاب «فاطمة الزهراء امتداد النبوة» ينطلق من حديث قدسي مزعوم يخاطب فيه الله نبيّه المصطفى (صلى الله عليه وآله) قائلاً: «لولاك لما خلقت الأفلاك، ولولا علي لما خلقتك، ولولا فاطمة ما خلقتكما»، ثم يشرح الحديث «فالمحقق للغرض من الخلقة هو وجود الرسول وفاطمة الزهراء والائمة الأطهار...». ويضيف: «فلولاهم لكانت خلقة العالم ناقصة...». وراح يسهب في شرح هذا الحديث وأحاديث أخرى ضعيفة تنتهي للقول بأن النبي والائمة مع فاطمة الزهراء هم «أساس خلق الكون، وقد جعلهم الله الوسائط في خلق العالم والعلّة الغائية له... فلولاهم لساخت الأرض، ولهم بما فيهم السيدة فاطمة الزهراء الولاية التكوينية إضافة الى التشريعية... ومعناها أن زمام العالم بأيديهم حسب جعل الله سبحانه، كما ان زمام الاماتة بيد عزرائيل فلهم التصرف فيها إيجاداً وإعداماً» (ص 110). والكتاب كله تقريباً ينتصر لعقيدة المفوّضة ويتطابق في مضمونه مع كتاب الشيخ أحمد زين الدين الاحسائي «شرح زيارة الجامعة». والسؤال: أين هذا الحديث من مرجعية القرآن ومعارفه، وأين هو من آية «وما خلقت الجن والإنس الا ليعبدون».

إن مجرّد تبني غير الشيرازية لهذا الرأي لا يعني تبرئة سواهم، بل يزيد الحاجة الى فصل ما هو تشيّع خالص ونقي وما هو غلو ومدسوس. ولا بد من توضيح نقطة جوهرية: إن الثورية لا تتموضع في مقابل الغلو وإنما في مقابل التقليدية، ومن الناحية التاريخية فإن الكثير من الفرق الثورية الشيعية كانت تعتنق معتقدات غلوائية بدءاً من حركة التوابين بقياد سليمان بن صرد الخزاعي، والمختار بن عبيد الله الثقفي، وبيان بن سمعان، وعبد الله بن معاوية، والمغيرة بن سعيد، والصائد النهدي، والحارس الشامي، وعبد اللّه بن حارث، وحمزة بن عمار البربري ومحمد بن أبي زينب واسمه مقلاص بن الخطاب ويعرّف أبو الخطاب. فهؤلاء كانوا ثوّاراً في زمن الأمويين ولكنَّ الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام ذاقا الأمرّين منهم لكثرة ما دسّوا من روايات في كتب أهل البيت، وتسلّل كثير منها الى المصادر الروائية الشيعية.

إن المشكلة اليوم ليست في مجرد رأي في كتاب، بل في «جمهرته» أي تحويل الرأي الى اتجاه شعبي عام، وهنا مكمن الخطورة. وقد لحظنا كيف تحوّلت القنوات الفضائية التي يموّلها ويشرف عليها الشيرازيون الى أدوات لترويج أفكار الغلو التي تنتهي الى تخدير الوعي الديني، فكل من أراد التحرر من المسؤولية وجد في تلك القنوات بلسماً زائفاً. وإن الكلام ليس عن شخص نكرة ومشبوه في لندن، فماذا عن شقيق المرجع، مجتبى الشيرازي المفتون بكل ما هو بذيء من اللفظ ضد رموز المسلمين السنّة والشيعة على السواء... فهل صدرت فتوى من المرجعية الشيرازية السابقة واللاحقة تتبرأ من أفعاله؟ وليس الأمر مقتصراً على شقيق المرجع بل هناك من أبناء المرجعين محمد الشيرازي وصادق الشيرازي من يدير قنوات فضائية فتنوية ويدعو الأتباع للتبرّع لها. وفي مثل هذه الأجواء الموبوءة أعيد إحياء موبقة السب واللعن لرموز المسلمين، وهل غير تلك القنوات من سنّ تلك السنّة السيئة؟!

ما يفعله التيار الشيرازي على مستوى الرموز هو عملية إحياء روائي منفلت، تقوم على مزاعم متهافتة كالقول بنهاية زمن التقيّة، وإحياء ما اندرس من علوم آل محمد. في واقع الأمر، هو عملية إحياء لتراث فرق الغلو وطقوسها ومعتقداتها التي أوقفت شعر الامام الصادق عليه السلام حين سأله يحيى بن عبد الله: إنهم يزعمون أنك تعلم الغيب، قال: سبحان الله، ضع يدك على رأسي، فوالله ما بقيت شعرة في جسدي إلا قامت. ثم قال: لا والله إلا رواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله (أنظر: رجال الكشي والأمالي وبحار الأنوار).

صحيفة الرأي اللبنانية

العدد ٢٤٨٦ الثلاثاء ٦ كانون الثاني ٢٠١٥

 

عبد الله العلوي

* أستاذ حوزوي ـ العراق

..................................

للاطلاع

الشيرازيون و«طقسنة» التشيّع / عبد الله العلوي

عندما أرادت أنجليكا نويفرت الدارسة الألمانية البارزة في مجال البحوث القرآنية قبل عشر سنوات، التعبير عن انزعاجها مما آلت إليه البحوث حول القرآن في الغرب، قالت إن هناك «حالة فوضى عارمة في تأمل النص القرآني، وما عادت هناك مقاييس أو معايير يمكن الاحتكام إليها»..

إنّ مناسبة هذا الحديث اليوم عن الدراسات القرآنية في الغربين الأوروبي والأميركي هو «الكشف» الذي أُعلن عنه في مدينة برمنغهام البريطانية. فضمن مجموعٍ يحتوي على أوراق متناثرة من مخطوطاتٍ قرآنية متأخرة، جرى العثور على خمسة رقوق (جلد جمل) مكتوب عليها سُوَر قرآنية أو الأدق أقسام من السُوَر (من السورة 18 إلى السورة 20). وسرُّ الاحتفاء بهذه الرقوق ما ذكره ديفيد توماس الخبير الذي كتب تقريرًا عن الرقوق المكتشفة بالمصادفة أنّ الرق مبكِّر جدًا يعود إلى ما بين 600 و645م، أي إلى اثني عشر عامًا بعد وفاة رسول الله صلواتُ الله وسلامُهُ عليه في الحد الأقصى. والخط - كما قال الخبير - حجازي، وهو الخط السابق على الخط الكوفي، الذي اشتهر أنّ أمير المؤمنين عثمان بن عفان كتب به النُسَخ الست الأولى من المصاحف، التي أرسلها إلى الأمصار. وهذا يعني بالنظر إلى قِدَمِ الرقّ أنّ أجزاء النسْخة المكتشفة سابقة على الجمع العثماني. وهي تُظهر وضوحًا وانتظامًا وفيها خط تزييني بين السُورَ، كما أنّ فيها نقطًا أو إعجامًا. وهو أمرٌ ما كان معروفًا أو منتظمًا في الخط الحجازي والخط الكوفي المبكر. وهذا يعني أيضًا وأيضًا أنّ الكاتب عاش في زمن النبي صلّى الله عليه وسلم وربما كان من أصحابه. والسردية أو الرواية الإسلامية الكلاسيكية (التي رفضها سائر المستشرقين خلال المائة والخمسين سنة الأخيرة) أنه كان هناك جمعان للقرآن بطريقة رسمية: الأول زمن أبي بكر بإلحاحٍ من عمر بعد استحرار القتل بقراء القرآن في وقعة اليمامة ضد مسيلمة. وقد ظلَّ هذا الجمع نسخة واحدة (وما تحول إلى مصحفٍ بين دفتين)، أودعت في بيت أمّ المؤمنين حفصة بنت عمر. والثاني زمن عثمان، الذي استعان بنسخة حفصة، وبحفظ المسلمين الأوائل، وبالنُسَخ الخاصة لعددٍ من الصحابة الذين كانت لدى بعضهم نُسَخ أو أجزاء مكتوبة على العُسُب واللخاف والأكتاف.. والرقوق. كان الجديد في الجمع العثماني ليس الجمع بين الدفتين فقط؛ بل وإعدام أو إحراق المكتوبات الخاصة الأُخرى.

ومنذ نولدكه، بل قبل ذلك منذ أبراهام غايغر (في ثلاثينات القرن التاسع عشر)، سلك المستشرقون مع القرآن ما سلكوه في دراسات العهدين القديم والجديد، وهو ما عُرف بالطريقة أو المنهج الفيلولوجي التاريخي. فالنص يُحسَبُ عُمُرُه بحساب أقدم المخطوطات المعثور عليها منه. ولأنّ الإنجيل ما عُرف من مخطوطاته غير نسخة باليونانية تعود لعام 225 للميلاد؛ فإنّ البحوث حتى اليوم ما استقرت لديهم بشأن اللغة الأولى التي كُتبت بها وهل هي الآرامية أو العبرية، ومتى كُتبت الأناجيل الأُولى، وهل هي صحيحة النسبة إلى مَنْ نُسبت إليهم وبخاصة الأناجيل الأربعة المنسوبة لحواريي المسيح الأربعة - فضلاً عن وجود أكثر من سبعين إنجيلاً اعتبرت كلها منحولة أو مزوَّرة بحسب ما ارتأته المجامع الكنسية في القرنين الرابع والخامس للميلاد! وعندما نقول إنهم سلكوا مع «قدم» القرآن مسلكهم مع نصوص «العهدين» فإنّ ذلك يبدو منصفًا. بيد أنّ أحدًا منهم ما أصغى لحُجج المسلمين وقتها وملخصها أنّ تلقي المسلمين للقرآن مختلفٌ عن طرائق تلقي أهل الديانتين الأُخريين لنصوصهم المقدسة. فالمسلمون يعتمدون على الحفظ والتلاوة والتواتر من جانب الجمع الكثير إلى الجمع الكثير. وهذا معنى ظهور القراء (أي الحفاظ) في زمن النبي صلى الله عليه وسلّم. على مدى قرنٍ وأكثر ظل الدارسون يقولون إن الجمع العثماني أسطورة، لأن المصاحف المنسوبة لعثمان على الرقوق والمنتشرة في عدة مكتبات يعود أقدمها للقرنين الثاني والثالث للهجرة. وعندما تنبهوا إلى نقش آياتٍ كثيرة من القرآن من سورة مريم على مسجد قبة الصخرة المنسوب بناؤه ونقشه إلى عبد الملك بن مروان (مات سنة 86هـ)، قال معظمهم: هذا جزء بسيط، وربما اخترعه الأُمويون، لكنْ حتى لو كان أصيلاً، فما الدليل على وجود الأقسام الأُخرى في هذا الوقت المبكّر؟! وعندما جادلْتُ وانسبورو (الذي صدر له كتاب عام 1977 قال فيه إنّ القرآن كما نعرفه اليوم اكتمل ظهوره في القرن الثالث الهجري!) قال في النهاية: ما لم تظهر مخطوطة كاملة من القرآن من زمن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) فسأظل ثابتًا على رأيي! وزادت باتريشيا كرون (توفيت في 12 يوليو/ تموز 2015 ولها ولزميلها مايكل كوك دراسة بنفس المعنى، صدرت عام 1977 أيضًا): ولا بد أن تكون بخط النبي نفسه! ثم تكاثرت الكشوف ليس لمصاحف كاملة، بل لآياتٍ وسُوَرٍ تعود لستينات القرن الهجري الأول. لكنْ عندما تزايد عليهم الأمر انصرفوا عن تتبع قدم مخطوطات النصّ إلى البحث في أُصول القرآن باعتباره نصًا مترجمًا عن السريانية! ولا أُبالغُ إذا قلتُ إنّ بين أيدينا الآن نحو المائتي كتاب، والألف مقال، تبحث جميعها في الأصول السريانية للقرآن، وكلها ظهرت في العقود الثلاثة الأخيرة!

لقد رأيتُ صُوَر رقوق برمنغهام. ولا شكّ في عمرها بحسب الفحص الكيماوي. لكننا نعرف أنّ الرق كان يكتب عليه أكثر من مرة بعد محو السابق. ثم إنّ الخط ليس حجازيًا تمامًا بل فيه أمارات الكوفي. إنما المشكلة مع الانتظام والتزيين والإعجام والوضوح والجمال في الخط، والذي لا يبدو مثله حتى في رقوق مصاحف صنعاء! فهل صورتنا عن تاريخ الخط العربي، والخط القرآني تحتاج لتعديل؟ أم أنّ الرقّ قديم، لكن الكتابة متأخرة وتعود لما بعد الجمع العثماني؟

في كل عقدٍ أو عقدين، وعلى مدى أكثر من قرن، بحسب تطور المصالح والرؤى للإسلام والمسلمين، كانت كل خنزوانة بشأن القرآن تعتبر نفسَها العلمَ ذاته. ويأتي عربٌ ومسلمون فيقلِّدون ويؤولون ويحاولون التوافق مع آخر منتجات «العلم الحديث». ثم تمضي الموجة، وتظهر خنزوانة أُخرى فتتكرر السيرة ذاتها. بعد التدوينيات والسريانيات، ظهرت في السنوات العشر الأخيرة مقولة أنّ القرآن يمثل «روح الحقبة الكلاسيكية المتأخرة» (ما بين القرنين الثالث والسابع للميلاد)، وقد «حبكت» النكتة مع الأستاذ الألماني غريغور شولر (ترجمتُ له مقالة عن تدوين المصحف في العدد الثاني من مجلة التأويل المغربية) فكتب: كنا نقول إنّ القرآن ظهر بعد النبي بمائتي عام، ومع مقولة الكلاسيكيات، أخشى الآن أننا ذاهبون للقول إنّ القرآن ظهر قبل النبي بمائة عامٍ مثلاً!

 

د. رضوان السيد

عن صحيفة الشرق الاوسط اللندنية

31 – 7 - 2015

الكل يتكلم عن تجديد الخطاب الديني، الكل يدعو إلى تجديد الخطاب الديني، الكل يوصي بتجديد الخطاب الديني؛ ابتداء ممن لا علاقة لهم بهذا الخطاب علمياً، أو مؤسسياً، أو حتى إيديولوجياً، إلى المرجعيات المسئولة عن المؤسسات الدينية الكبرى كالأزهر، والأوقاق، والإفتاء، الكل يدعو ويوصي ولكن للأسف لم يقدم أحدٌ نموذجاً لكيفية تجديد الخطاب الديني، وماهية المناهج التي ينبغي اتباعها، والموضوعات التي يتم البدء بدراستها، وإعادة النظر فيها، لم نزل جميعا نقف عند حدود التوصية بالتجديد، أو الدعوة الى التجديد .. حالة من الفكر الإيصائي الذي يستبطن الوصاية على الآخرين فيدعوهم للقيام بما لم يقم هو به، الفكر الإيصائي الوصائي، يا سادتي، لا يجدد خطاباً ولا يصلح فكراً، ولا يحدث تغييراً في الواقع، فقط لأنه لا يفعل شيئاً، ولا يضرب مثلاً، ولا يقدم نموذجاً.

تجديد الأفكار والثقافات، وتغييرها عملية معقدة جداً؛ لها وسائلها وأدواتها، سواء أكانت هذه الثقافات دينية، أو غير دينية، من أهم هذه الوسائل المجلات الثقافية والفكرية التي تقدم عبر عشرات السنين رسالة ثقافية تجديدية معينة، فالتجديد عملية تاريخية لا تتم بخطبة جمعة، أو قرار وزاري، أو تغيير منهج دراسي فحسب، ولكن لابد من عملية فكرية ثقافية مستدامة ومستمرة، تعالج مختلف جوانب الثقافة، وعملية التفكير، بصورة زمنية تتناول في كل فترة جانباً أو بعداً معيناً، ولكي نفهم التغيير الثقافي الذي حدث في مصر والشام في بداية القرن العشرين نتيجة للحركة التجديدية التي قادها جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده وتلاميذهما، لكي نفهم هذا التغيير لابد أن نرصد المجلات الثقافية والفكرية والعلمية التي ظهرت في بداية القرن العشرين، حيث كان لكل تيار فكري مجلاته الخاصة التي تحمل رسالته، وفي النهاية حققت أهدافها واقعاً ملموساً لم نزل نعيشه حتى اليوم.

وللاسف في مطلع القرن الحادي والعشرين لا يوجد من هذه المجلات الثقافية إلا القليل، إذ إن الغالبية العظمى من المجلات الفكرية الرصينة مخصصة لنشر أبحاث الترقية لأساتذة الجامعات، وغالبا هذه الأبحاث لا علاقة لها بالتجديد، أو الفكر أو الواقع، إذا غالبها صناعة لغوية دائرية لا يخرج منها شيء، أما المجلات الفكرية الرصينة فعددها قليل جداً، والمتخصص منها في الفكر الديني نادر جداً، لعل منها مجلة تكاد تكون وحيدة في مجالها هي “قضايا إسلامية معاصرة” التي يصدرها ويترأس تحريرها الدكتور عبد الجبار الرفاعي المفكر العراقي صاحب الرؤية التجديدية المتجاوزة لكل حمولات التراث السلبية من تقليد، وانغلاق، وطائفية، هذه المجلة تحمل على عاتقها الفعل التجديدي بمنهجية رصينة تقوم أولاً، على تقدير التراث، والتعامل الجدي معه من خلال البحث، والتحقيق، والتدقيق، والتحليل، والاستنطاق الذي يسهم في فهم مشاكل العصر، وليس إسقاط أفكار الماضي على مشاكل العصر كما يفعل الكثيرون من المتخصصين في الفكر الديني فيزيدون الأمور تعقيداً؛ لانهم يتوقعون من مفكري الإسلام الذين ماتوا من مئات السنين أن يقدموا لنا حلولا وإجابات عن مشاكل واقعنا المعاصر.

وتقوم منهجية “قضايا إسلامية معاصرة” ثانيا على ربط قضايا الدين بالواقع المعاصر وقضاياه وإشكالياته، وتعيد قراءة النص الديني في ضوء معطيات العصر، باحثة عن رؤية تصلح الواقع وترتقي به إلى مستوى يتناسب مع مقاصد النص الديني وغاياته وقيمه، بحيث تكون عملية التجديد هي عبارة عن جدلية مستمرة بين النص والواقع، صعودا من الواقع إلى النص، ونزولا من النص للواقع؛ وهنا يدخل العنصر الثالث الذي تعتمده هذه المجلة في منهجيتها وهو الانفتاح على العلوم الإنسانية والاجتماعية المعاصرة والاستفادة من مناهجها، وما تقدمه من أدوات في فهم الواقع، وتحليل النص، من خلال هذه المنهجية الثلاثية: المزج بين التراث والواقع والعلوم الاجتماعية والإنسانية استطاعت هذه المجلة عبر ما يقارب عقدين من الزمان أن تقدم نموذجاً تجديدياً يصلح أن يكون قياسياً لأي محاولات قادمة.

هذا الجهد الفكري المتميز انتظمت في إطاره عقول شابة، وخبرات رصينة من أساتذة مخضرمين منذ ١٩٩٤ حتى اليوم لم تزل تمثل نافذة فكرية تطل من خلالها أفكار أصيلة وجديدة، دينية ومعاصرة، إسلامية وفي نفس الوقت متفاعلة مع العلوم الإنسانية والاجتماعية، هذا النموذج نقدمه للمؤسسة الدينية الرصينة في مصر، إلى الأزهر الشريف ليعيد النظر فيما لديه من مجلات قائمة، ولعله يبادر إلى تجاوز الماضي، وإنشاء من المجلات الفكرية والثقافية ما يستطيع أن يحقق هدف التجديد وغاياته.

 

د. نصر محمد عارف

مفكر وأكاديمي مصري

              

نظرا لأهمية هذا المقال نعيد نشره عن صحيفة الشرق الأوسط اللندنية

في الكتاب الأخير للتنافسية الدولية الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية بسويسرا تم تصنيف حكومة الإمارات الحكومة الأكثر كفاءة عالميا، ولا أذيع سرا عندما أقول بأن السبب الرئيسي لتفوق أدائنا الحكومي هو أننا خلال سنوات طويلة لم نتعامل مع مؤسساتنا الحكومية على أنّها جهات حكومية بل على أنّها مؤسسات خاصة تنافس القطاع الخاص وتعمل بنفس عقليته، وتتبنى أفضل ممارساته، وتقاس أعمالها وخدماتها بنفس معاييره، بل ذهبنا أبعد من ذلك وبدأنا نقيس سعادة متعاملينا ونصنف مراكز خدماتنا وفق أنظمة النجوم الفندقية المتعارف عليها عالميا. وأثبتت التجربة نجاحها حيث ارتفع أداء مؤسساتنا وحققنا الكثير من أهدافنا، ولعلنا نناقش ذلك بشيء من التوسع في القمة الحكومية القادمة.

ولكن شركات القطاع الخاص تمر بدورات في أعمالها، فهي تبدأ صغيرة ثم تنمو وتنطلق وتكبر، ثم يأتي من ينافسها ويطلق منتجات أفضل من منتجاتها، فيتراجع نموها ويتضاءل حجمها وتقل أهميتها ويضعف تأثيرها وقد تخرج من دائرة المنافسة. وهذا ما تثبته الكثير من الدراسات، فأكبر 500 شركة عالميا في عام 1955 لم يبق منها اليوم إلا 11 في المائة فقط، أمّا الـ89 في المائة الباقية فقد خرجت تماما من دورة الحياة والتأثير، بل الأكثر إدهاشا في الموضوع أن متوسط عمر الشركات في تلك القائمة سابقا كان 75 عاما، أما اليوم وفي عالم سريع التغير والتفاعل، فإن متوسط أعمار الشركات في هذه القائمة هو 15 عاما فقط، لأن المنافسة اشتدت، والمنتجات تغيرت، والمجتمعات تطورت.

السؤال هو: هل يمكن تطبيق نفس التفكير على الحكومات؟ هل تشيخ الحكومات والدول وتتأخر مع مرور الزمن؟ هل تبدأ قوية وتكبر ثم يأتي من يزيحها من مراكزها فتتراجع ويقل نموها حتى تخرج من دائرة المنافسة؟ لا أعتقد أن أحدا يمكن أن يختلف معي على الإجابة: نعم الحكومات تشيخ، وتشيخ معها دولها وشعوبها أيضا، وتتراجع أهميتها، ويقل تأثيرها، فتصبح خارج دائرة المنافسة والاعتبار، أو لنقل بعبارة أخرى خارج دائرة التاريخ.

ولكن لنكن إيجابيين - مع الاستمرار في تطبيق نظريتنا في التعامل مع الحكومات كشركات - ولنركز على الـ11 في المائة من الشركات التي بقيت في القائمة، ولنسأل أنفسنا كيف استطاعت البقاء في المنافسة؟ وما هو السر في طول شبابها وتجدد طاقاتها؟ نسأل هذا السؤال حتى تبقى دولنا وشعوبنا أيضا ضمن سباق التنافس الدولي، أو لنقل لتبقى في سباق الحضارة الإنسانية وضمن تاريخ الأمم والشعوب التي تشكل العالم اليوم وتصوغ مستقبله.

لا أشك لحظة واحدة في قدرات عقولنا البشرية، فقد خلقنا الله لعمارة هذه الأرض، نحن خلفاء الله في أرضه، وركّب فينا سبحانه من الذكاء والقدرات الذهنية والدوافع النفسية ما يجعلنا صالحين ومؤهلين لهذه المهمة العظيمة، مهمة تحتاج عقولا متطورة ومتعلمة ومتجددة ومبدعة ومبتكرة.

لو لم يبتكر الإنسان الزراعة لما قامت حضارة، ولو لم يكتشف فوائد النار لما تطورت تلك الحضارة، ولو لم يبتكر العجلة أو الكهرباء أو الإضاءة أو المحركات أو غيرها لما تقدمت الإنسانية، ولو لم يبتكر الإنسان الإنترنت أو الهاتف الذكي لما وصلنا إلى ما نحن فيه اليوم. سر تجدد الحياة وتطور الحضارة وتقدم البشرية هو في كلمة واحدة: الابتكار! وأستغرب من بعض الحكومات التي تعتقد أنها استثناء من هذه القاعدة. الابتكار في الحكومات ليس ترفا فكريا، أو تحسينا إداريا، أو شيئا دعائيا؛ الابتكار في الحكومات هو سر بقائها وتجددها، وهو سر نهضة شعوبها وتقدم دولها.

إذا لم تبتكر الحكومات في طرائق التعليم مثلا، وتعدّ جيلا جديدا لزمان غير زمانها فحتما ستشيخ تلك الحكومات وحتما ستتأخر شعوبها. في دراسة حكومية أميركية أجريت مؤخرا تبين أن 65 في المائة من الطلاب في مرحلة رياض الأطفال سيعملون في وظائف غير موجودة حاليا بل سيتم استحداثها. وفي دراسة لجامعة أكسفورد تبيّن أن 47 في المائة من الوظائف الحالية في جميع المجالات الرئيسية ستختفي بسبب التقدم التقني والتكنولوجي، حيث ستحل الأجهزة محل البشر وذلك خلال عقد من الآن فقط! والسؤال هو: كيف نجهّز أجيالنا وأبناءنا لذلك الوقت؟ وكيف نعد دولنا للمنافسة ليس الآن ولكن بعد عقد أو اثنين من اليوم؟ الإجابة تكمن في الابتكار، وأن نعلّم أجيالنا مهارات التفكير الإبداعي ومهارات التحليل والابتكار ومهارات التواصل والتفاعل، وإلا فإننا نخاطر كحكومات بأن تتأخر شعوبنا وتتأخر نهضتنا، أو بكلمة أخرى أن تشيخ دولنا.

إذا أردنا أن نكون حكومات مبتكرة فلا بد أن نفكر كشركات مبتكرة. وهنا سؤال لا بد أن نطرحه على أنفسنا أيضا: ما هو الأهم للحكومات؟ أن تستمر في الصرف بشكل مكثف على البنية التحتية من شوارع وطرقات وأنفاق وجسور وغيرها؟ أم أن تهتم بالصرف على البنية التحتية غير المرئية من تغيير في الأنظمة وتطوير في التعليم والمهارات وبناء للتطبيقات وإجراء الأبحاث والدراسات ودعم الابتكارات؟

تخبرنا الدراسات بأن أكبر 500 شركة عالمية قبل 40 عاما كانت أصولها المرئية تمثل 80 في المائة من إجمالي الأصول، لكن اليوم أصبحت الأصول غير المرئية كالأبحاث والدراسات والاختراعات تمثل أكثر من 80 في المائة من إجمالي الأصول في قائمة الشركات الـ500 الأولى عالميا. وأنا أقول: إذا أرادت الحكومات أن تبقى في دائرة المنافسة العالمية وألا تشيخ فلا بد أيضا أن تحذو حذو تلك الشركات، وأن تبدأ بإعادة التفكير في ميزانياتها وأين تصرف أموالها؛ فتقليد القطاع الخاص لا يكون فقط في الخدمات بل حتى في طرائق صرف الميزانيات وأولوياتها. وليس سرا أن حكومات أميركا وأوروبا تصرف مجتمعة سنويا أكثر من 250 مليار دولار من الأموال الحكومية على الأبحاث والتطوير لتبقى في مواقع الريادة العالمية، وليس خافيا على أحد أيضا أن سر تطور دول مثل سنغافورة وماليزيا وكوريا الجنوبية خلال فترة قصيرة هو تأجيل الصرف على البنية التحتية وتركيزها الكبير على تطوير التعليم وبناء مهارات ومعارف شعوبها، أي البنية غير المرئية. بل إن دولة مثل بريطانيا تصرف من ميزانيتها سنويا على البنية التحتية غير المرئية كاستحداث الأنظمة والتدريب والأبحاث والتطوير أكثر مما تصرفه على البنية التحتية المرئية من شوارع وأنفاق ومبانٍ وغيرها (124 مليار جنيه مقارنة بـ93 مليار جنيه حسب أرقام 2009).

عندما تكون الحكومات مبتكرة فإن بيئة الدولة تكون كلها مبتكرة، وعندما تشجع البيئة على الإبداع والابتكار تنطلق طاقات الناس نحو آفاق جديدة، وتتفتق مواهبهم، ويصبح تحقيق أحلامهم وطموحاتهم ممكنا، وهذا أحد أسرار نجاح الدول التي تشجع شعوبها على الابتكار. وفي العالم الذي نعيش فيه اليوم والذي أصبحت فيه حركة العقول والمواهب والمعلومات مفتوحة كما لم يحدث في تاريخ البشرية من قبل، أصبحت مدن العالم المختلفة تتنافس لتوفير البيئة الأذكى والأكثر إبداعا لاستقطاب هذه المواهب والاستفادة منها لبناء قوتها وتميّزها وزيادة تنافسيتها.

الحكومات المبتكرة هي حكومات جاذبة للمواهب، فعّالة في الأداء، متجددة في الأنظمة والسياسات والخدمات. الحكومات المبتكرة هي القاطرة الأساسية لنهضة الشعوب وتقدّم الدول وارتفاع شأنها. الحكومات المبتكرة تطلق طاقات الشعوب، وترفع من قيمة عقل الإنسان، وتحقق الحكمة الربانية في أن نكون خلفاء الله في أرضه.

الابتكار هو أن تكون أو لا تكون: أنا حكومة مبتكرة، إذن أنا حكومة موجودة.

 

الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم

صحيفة الشرق الاوسط اللندنية

4-2-2015

http://aawsat.com/home/article/281386/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%AE-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A8%D9%86-%D8%B1%D8%A7%D8%B4%D8%AF-%D8%A2%D9%84-%D9%85%D9%83%D8%AA%D9%88%D9%85/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%A8%D8%AA%D9%83%D8%A7%D8%B1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AF%D8%AB%D8%A7%D8%B1

 

حين برز تيار الشيرازي (نسبة الى المرجع الراحل السيد محمد مهدي الشيرازي) في كربلاء ثم في الكويت وحتى نهاية السبعينيات من القرن الماضي، صُنّف بوصفه تياراً فكرياً تقدّمياً داخل المجال الشيعي. فكانت كتابات الشيرازي وإخوته (حسن الشيرازي اغتيل في بيروت في 1981) وصادق الشيرازي (المرجع الحالي في قم) وأبناء أخته (محمد تقي المدرسي وهادي المدرسي)، ومجموعة كبيرة من مثقفي التيار (وهم في الغالب من رجال الدين)، تتّجه ناحية الاجابة على الأسئلة الكبرى في سبعينيات القرن الماضي: هل الإسلام صالح لكل زمان ومكان؟ هل يمتلك الإسلام إجابات على كل الأسئلة، وهل في الاسلام نظام سياسي وآخر اقتصادي وثالث اجتماعي، وهل لديه رؤى في الفن، والصعود الى القمر، ومواكبة العصر بكل تعقيداته، وقوانين الطبيعة، ونظرية الكون...؟

حينذاك، انخرط التيار في تزويد الساحة الشيعية على وجه الخصوص والإسلامية عموماً بفيض من الكتابات الثقافية المتقدّمة، وبرز في التيار من اشتغل على صوغ خطاب شيعي ثوري ومفاهيم إصلاحية تنقل التشيّع من وضع «الاستقالة التاريخية» الى وضع «النضالية الثورية»... وكان لمؤلفات الشيرازي وابن أخته محمد تقي المدرسي، المرجع الديني الحالي في كربلاء، دور محوري في التأسيس لحركة شيعية متطوّرة في المجال العربي، رغم التأثيرات الواضحة لأفكار اليسار الشيعي الإيراني ممثلاً في المفكّرين الثوريين أمثال جلال آل أحمد وعلي شريعتي. وقد عالج المدرسي، على سبيل المثال، وبصورة نقدّية مفاهيم راسخة في العقل القدري الشيعي مثل التوكّل والشفاعة والانتظار والتقيّة والايمان السلبي بالغيب...

ونجح الشيرازيون في تعميم خطاب شيعي حركي في منطقة الخليج في منتصف السبعينيات، ثم جاءت الثورة الإسلامية الإيرانية كرافعة نموذجية لتزخم الخطاب الجديد وتزيد في ترسيخه وصولاً الى تقويض أسس الموروث الشيعي الغيبوي الذي أسبغ عليه علي شريعتي دمغة «التشيع الصفوي»، أي تشيع السلطة، والشفاعة، والتقيّة، والانتظار، والخرافة، والدعاء من دون العمل، وزيارة الأضرحة من دون التزام قيم أصحابها...

وأمكن القول بأن الشيرازيين كانوا في عقد الثمانينيات روّاداً في تأصيل خطاب ثوري بمواصفات شيعية عربية جنباً الى جانب الخطاب الثوري الايراني، وساعدت الأصول الإيرانية لقادة التيار في «استعارة» و«تعريب» الأفكار الثورية الإيرانية التي كانت تُنتَج على امتداد القرن العشرين، والتي لم يكن بإمكان الأحزاب الشيعية العربية (العراقية على وجه الخصوص مثل حزب الدعوة) القيام بهذه المهمة.

ولكن التشيّع الغيبوي القدري الذي اعتقد المناضلون الشيعة بأنه ولّى الى غير رجعة، عاد للانبعاث مجدّداً بعد أن كان الخط التقليدي داخل تيار الشيرازيين يصارع من أجل البقاء خلال عقد الثمانينيات، عبر مشاغبات عابرة كرد فعل على تشريعات فقهية صدرت عن المرجعية الدينية للجمهورية الاسلامية الايرانية ممثلة في الامام الخميني، مثل حظر طباعة أجزاء من كتاب «بحار الأنوار» للشيخ محمد تقي المجلسي التي تشتمل على كلمات مسيئة للخلفاء الراشدين. وكذلك حظر بعض الممارسات الطقسية من قبيل «التطبير» أي ضرب مقدّمة الرأس بالسيف حد الإدماء، أو حتى إباحة لعبة الشطرنج غير المصحوبة بالقمار كونها تمريناً ذهنياً.

وكرد فعل على «عشرة الفجر» (أي الفترة الواقعة ما بين وصول الامام الخميني من باريس الى طهران وحتى سقوط الشاه) والتي يحتفل فيها الايرانيون بذكرى انتصار الثورة الاسلامية، ابتدع الشيرازيون عشريات متعاقبة أطلقوا عليها مسمّيات لها وقعها في الوجدان الشيعي مثل العشر الفاطميات، والعشر الزينبيات. وبعد أن كانت مناسبة عاشوراء مقتصرة على عشرة أيام يضاف اليها يومان آخران الثالث عشر من محرم المخصص لدفن أجساد شهداء كربلاء، والاربعين المخصص لعودة سبايا عائلة الحسين عليه السلام من الشام الى كربلاء وزيارة الصحابي جابر بن عبد الله الانصاري لقبور الشهداء فإنّ ثمّة استحداثات طرأت لاحقاً وخصوصاً في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي وكرد فعل على التدابير الايرانية الدينية والرسمية التي تمنع التمادي في المناسبة العاشورائية شكلاً ومضموناً. وسّع الشيرازيون من المدى الزمني للمناسبة وكذلك بعدها الطقسي، فوضعوا تورخة جديدة للمناسبة تبدأ من ذي الحجة حيث قطع الحسين بن علي حجّه وقرّر التوجّه مع عائلته الى كربلاء وانتهاءً بشهر صفر، حيث يختتم لمناسبة فرح بمقتل الخليفة الثاني عمر بن الخطاب وتقام في أماكن مغلقة كون الحكومة الإيرانية تمنع هذه الممارسات وتعاقب عليها. نشير الى أن تيار الشيرازي وفي رد فعل على إعلان «اسبوع الوحدة» في إيران في عهد الامام الخميني والمخصّص لتعميم ثقافة الوحدة بين المسلمين، أعلن هو «اسبوع البراءة» الذي يدعو للبراءة من الخلفاء الثلاثة.

وفي السياق الشيعي، لم يقتصر الإحياء على عاشوراء بل صار لكل إمام مناسبة إحيائية خاصة وكذلك لفاطمة الزهراء وزينب بنت علي وفاطمة بنت حزام زوج علي بن أبي طالب المعروفة بأم البنين (والدة العباس بن علي أخ الحسين)، وتستغرق كل مناسبة أياماً عدّة، ثم توسّعت ظاهرة الاحياء لتشمل الصحابة مثل وفاة سلمان الفارسي وعمار بن ياسر والقائمة مفتوحة على احياءات أخرى.

لقد لعبت المناكفة والنكاية بإيران دوراً محورياً في نزعة الطقسنة التي غلبت على مجمل أنشطة الشيرازيين بعد وقف الحرب العراقية الإيرانية في آب عام 1988، ثم ما لبث أن انفجرت ثورة طقوسية بعد سقوط النظام العراقي في نيسان/ إبريل 2003، باستغلال حرمان العراقيين الشيعة من مزاولة الحريّات الدينية في العهود السابقة وتوظيفه لناحية الذهاب إلى أقصى ما يمكن أن يصل إليه «الشغف» الطقسي لدى الفرد الشيعي.

وبدأت النزعة الخرافية تطغى على تيار الشيرازي حتى فرضت نفسها على حركته الدعوية على المستوى الاجتماعي، وصار مصنّعاً عالي الكفاءة لممارسات طقسية جديدة، واستعاد الخط التقليدي في تيار الشيرازي زمام المبادرة، وأرغم الخط الثوري فيه على مجاراته بل والمزايدة على أشد الخطوط الشيعية تقليدية. وما كان بالأمس مسؤولاً عن إنتاج تشيّع إصلاحي على المستوى الفكري وثوري على المستوى السياسي، بات هو نفسه منغمساً في تطوير خطاب شيعي مفعم بكل أشكال الطقوسية والغيبوية.

الانفجار الطقوسي في العراق كان يعني عهداً شيرازياً جديداً، جرى استغلاله لناحية زيادة الرصيد الشعبي للتيار على حساب العقيدة الشيعية التي تعرّضت لعملية «طقسنة» واسعة النطاق الى القدر الذي أضفى على التشيع طابعاً غنوصياً أقعده عن إنتاج الأفكار الثورية الخلاّقة، وراح الشيرازيون يوغلون في استدراج الشيعة نحو المزيد من «الممارسات الطقسية» التي وضعت تحت عنون «إحياء الشعائر»!

وفي أجواء مؤاتية كهذه، أدخل الشيرازيون ممارسات طقسية في إطار الإحياء العاشورائي لم تخطر على بال أشد الجماعات الشيعية غلوّاً عبر التاريخ، فلم يتوقف الطقس عند التطبير والمشي على الجمر، أو حتى الزحف على البطن وتمريغ وجنات الخد على الأرض الملساء حد الإدماء، ولكن جرى استحداث طقوس أخرى مثل المشي على الزجاج، وتطبير الذراعين (أسوة بقطع ذراعي العباس بن علي، أخ الحسين بن علي في كربلاء)، والتوسّع في تمثيل واقعة كربلاء في المجالس بارتداء أزياء غريبة بلوني الأخضر والأسود، وحمل أخشاب تعلوها أضواء وشموع بأشكال مثيرة، واستخدام الدفوف والرقص بضرب الأرجل على الأرض، وتقمّص شكل الامام علي في هيئة أسد يحضر الى كربلاء لانقاذ ابنه الحسين وعشرات الاستحداثات غير المسبوقة المستمدة من تراث فرق الغلو والتي يخرجها فقهاء الشيعة من دائرة التشيّع. وعليه، تحوّل تيّار الشيرازي الى مضخّة فعّالة تتدفق منها مشاريع طقسية متناسلة وكان أمام التنويريين الشيعة خيارات مصيرية: إما التماهي مع التيار أو اعتزاله أو المصادمة معه. وقد اختار قسم وازن من التنويريين الشيعة التماهي بعناوين مواربة «المسايرة، المواكبة، المجاراة وأضرابها»، تفادياً لوقوع الانقسام الداخلي، الذريعة المعلّبة التي تحضر دائماً حين يراد تسويغ التخاذل.

وبلغ من قدرة الشيرازيين على احتكار التراث الطقسي الشيعي تمهيداً لوضع اليد على «التشيّع» نفسه، أنهم أرغموا المجاميع الشيعية الأخرى على مجاراتهم. وحتى حزب الدعوة الاسلامية في العراق وحزب الله في لبنان، رغم كونهما تنظيمين طليعيين في المجال الشيعي العربي، دخلا المعترك الطقسي وراح كل منهما «يثقفن» الممارسات المستحدثة في المجال الشيعي، فأصبح الغيبي والخرافي والخيالي بضاعات رائجة في الساحة الشيعية، وبات مطلوباً من عَالِم الدين الشيعي إما الصمّت أو استخدام وسائل مواربة من أجل إقناع الطقوسيين الشيعة بأن ليس كل ما يتمّ باسم الحزن على الحسين هو دين أو يحقق غايات دينية.

وقد لعبت المواجهات المسلّحة على الساحة السورية بين حزب الله وفصائل شيعية عراقية من جهة والجماعات السلفيّة من جهة أخرى، والتهديدات التي يشكّلها «داعش» ضد المقامات الشيعية في العراق وسوريا، في تعزيز الميول التقليدية لدى الشيعة، كما تعبّر عن نزوع جمعي نحو تأكيد الهوية الشيعية في شكلها التقليدي، الأمر الذي سمح بإحياء منظومة المفاهيم الشيعية كاملة بما فيها تلك المفاهيم المصنّفة بكونها من «تراث الغلو». تفسّر العودة الى تلك المنظومة بوصفها ضرورة تعبوية، لمواجهة خطر «التكفيريين». ولا يخلو الأمر من صحة على مستوى المواجهة، ولكن ثمة ارتدادات خطيرة على المستويين الاعتقادي والاجتماعي.

ولأن «الطقسنة» تندرج في إطار «المقدّس» فقد وُضِعَ الجميع أمام اختبار الايمان والولاء لأهل البيت، وإن أولئك الذين يعارضون «إحياء الشعائر» بحسب اصطلاح الطقوسيين الشيعة، سوف تلاحقهم تهمة «عدم الولاء» و»ضعف التدين»، و»معاداة أهل البيت». والحال أن النزاع داخل المقدّس لا يراد منه سوى إضفاء المشروعية الدينية على ممارسات ليست دينية بالضرورة.

إن النزوع المتعاظم نحو «طقسنة» التشيّع من قبل الشيرازيين ينطوي على تهديد جدّي للهوية الثورية والديناميكية للتشيع. وإن نجاح هذا التيار في دفع الشيعة نحو الاغراق في المأثور الغيبوي والسرديات الشعبوية المرسلة يرتد بالتشيّع الى قرون الاستقالة حين كان علماء المذهب يؤصّلون لأفكار الانتظار والتقية وحرمة السعي الى كسر تابوات السلطة بأشكالها كافة، وعليه تحويل التشيّع الى مجرد عاطفة دينية غيبوية منفصلة عن العقل والواقع.

إن الثورة الطقوسية في المجال الشيعي بقيادة تيار الشيرازي يضعنا مجدّداً أمام حقيقة منشأ ظاهرة الغلو في التاريخ الشيعي، إذ يجمع الباحثون على أن الغلو، كما التشيّع، نبتة عربية أصيلة، وأن العراق كان عبر التاريخ الشيعي مرتعاً لحركات الغلو التي أدغمت في التيار العام ونقلت إليه تراثها الميتافيزيقي الغنوصي المستورد من العقائد الماندائية.

في ضوء هذه الحقيقة التاريخية يمكن القول بأن الشيرازيين استعاروا من التشيّع الايراني فكرة الثورة، ونقلوا الى التشيّع العراقي الخرافة. ورغم الأصول الايرانية لقادة التيار، إلا أنّهم ولدوا وعاشوا ودرسوا في العراق وتأثروا به وأثّروا فيه، لا على سبيل تحميل التشيّع العراقي تبعات هذا الانفجار الطقوسي، ولكن لأن المعنيين بالتوجيه الديني جنحوا الى توظيف حرمان الشيعة العراقيين بما يبقي منسوب الوعي منخفضاً الى القدر الذي يسمح باستغلاله على الدوام.

إن الرأسمال الطقسي الذي تجمّع لدى الشيرازيين بفعل امتلاكهم شبكة فضائيات (تصل الى 15 قناة)، وهي بحسب المرجع الشيعي الراحل محمد حسين فضل الله «حسينيات فضائية»، جعلهم قادرين على احتواء الشيعة عموماً داخل مجال عاطفي على مدى شهرين كاملين (محرم وصفر)، حيث ينكبّ المنشدون الشيعة العراقيون والخليجيون واللبنانيون على تقديم إصدارات عاشورائية بأصوات عذبة وبكلمات ولائية (مع أنها تمثّل بؤس الشعر الولائي على الإطلاق بالمقارنة مع عيون الشعر الولائي الشيعي). وإذ تكاد تخلو الفضائيات الشيرازية من فقرة خاصة بتلاوة القرآن الكريم، فضلاً عن التدبّر في آياته أو أحكامه، أو فقرة خاصة بالحثّ على التزام الفرائض الدينية (الصلاة والزكاة والحج والصوم) والامتثال لقيم الدين (الصدق والأمانة والاخلاص وحفظ العهود والمواثيق...) تنصرف الفضايات تلك إلى حشد «كليبات» الرواديد الذين يستنسخون أساليب المغنيين بترديد أبيات عاشورائية على أنغام مصنّعة عبر تقنية صوتية خاصة، الى جانب نقل المجالس الحسينية التي تروى فيها مأساة عاشوراء بأسلوب حزين، وتمرّر عبرها العشرات من الروايات الضعيفة والموضوعة حول «خوارق» المعركة التي تنزع الى «أسطرة» كربلاء وتحويلها الى حادث غيبي ليس للبشر فيه دخل.

حول الشيرازيون التشيّع الى مأوى لكل الخرافيين والمهووسين بحياكة قصص الكرامات التي تتحدث عن «حضور الزهراء في هذا المجلس»، و»مشاركة المهدي في العزاء»، و»خروج الدم في صخرة» أو تبدّل لون التربة الى الأحمر كلون الدم ليلة العاشر من محرم.

إن اللجوء الى تراث روائي كان مهملاً في المذهب الشيعي أعاد معه إحياء تراث المغيبات والخوارق والكرامات كونه يتناسب والعاطفة الشيعية الشعبية، فبات كل ما يروى عن واقعة كربلاء مقبولاً، وإن كان المخيال الطقوسي لدى الشيرازيين مصدره الوحيد. وعادت كثير من الأفكار الغنوصية التي حاربها المفكّرون الشيعة في الخمسينيات والستينيات والمسؤولة عن عطالة الدور الثوري للتشيع. وفي نهاية الأمر، بتنا أمام تيار شيعي يعيد إنتاج وإدماج الأفكار الحلولية في البناء العقدي الشيعي، وبدأت مجدداً تنتعش عقيدة التفويض التي تكل إدارة الكون الى أهل الكساء الخمسة (محمد وعلي وابناه الحسن والحسين وأمهما فاطمة الزهراء)، وانتشرت معها قصص الخوارق المفبركة من «الموالين»، كما نشطت فكرة «الانتظار» وقرب خروج الإمام المهدي. وبات المناخ مؤاتياً لانبعاث المفاهيم الاسكاتولوجية والميتافيزيقية وأصبحت جزءاً من الثقافة الشعبية والتداول اليومي بين عموم الشيعة العرب. أمام ذلك كله، فضّلت المرجعيات الدينية الشيعية في العراق الصمت حيال الظاهرة، وإن كانت لديها ملاحظات فتحتفظ بها لنفسها تفادياً لثورة «العوام» عليها.

لا ريب في أن النموذج الشيعي الذي يجرى تعميمه حالياً ليس هو المسؤول عن صنع الثورة، بل على النقيض تماماً هو نفسه الذي حاربه منظّرو الثوّرة في المجال الشيعي أمثال محمد حسين النائيني ومهدي الخالصي وعلي شريعتي وروح الله الخميني، ومرتضى مطهري، ومحمد باقر الصدر، ومحمد حسين فضل الله.

أخيراً، فإن تحويل التشيّع من فكرة ثورية الى ممارسة طقسية يجعله عرضة لاختراق واسع من أفكار الغلو والتراث الحشوي الذي اشتغل محقّقو الشيعة على الحد من تأثيراته على الحركة الفكرية الشيعية، ويخشى أن تؤسس النزعة الطقوسية الى خروج التشيّع من التاريخ بعد أن دخل إليه بطريقة ثورية.

 

عبد الله العلوي

* أستاذ حوزوي ـ العراق

 

عن صحيفة الاخبار اللبنانية

العدد ٢٤٦٢ الجمعة ٥ كانون الأول ٢٠١٤

 

خلال الأشهر الماضية، عاش العالم لحظات مروعة وهو يتابع المشاهد الفظيعة لاستعباد الآلاف من اليزيديين الأبرياء ومن أبناء الأقليات الدينية الأخرى على يد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" في العراق وسوريا.،

وعبر مقالات نشرها التنظيم في مجلته الإلكترونية الناطقة بالإنجليزية "دابق" دافع التنظيم عن أيديولوجيته مقدما تبريرات قانونية لعمليات "استعباد غير المسلمين حتى العاجزين عن القتال" عبر القول بأن "استعباد عائلات الكفار وأخذ نسائهم سبايا من بين الممارسات التي لا خلاف حولها في الشريعة الإسلامية."،

ويشرح المقال –استنادا إلى مرتكزات فقهية معينة، أن على عناصر داعش واجب شرعي لاستعباد وقتل الأيزيديين في سياق الصراع "الجهاد" ضد الأعداء. لكنني أقول إن هذا الرأي خاطئ تماما، وهو يعبر عن وجهة نظر منافقة وغير علمية بشكل واضح ولا تستند إلا إلى القصص الخاصة بالأحلام الذكورية المتخيلة التي تعود إلى قصص من أيام الإمبراطوريات الإسلامية.،

كما أن هذه الممارسات تشكل صدمة فكرية مرفوضة لدى المسلمين حول العالم، بل إنها تعتبر جريمة وفق الأصول الشرعية الإسلامية الأساسية، وأعني بذلك القرآن الكريم.،

الحقوقيون حول العالم يقرون بوجود إجماع عالمي اليوم بأن الحرية حق إنساني مكرس، وأن الإنسان لا يجب أن يباع في أسواق النخاسة. هذا الحق البشري، مثل حق عدم التعرض للإبادة أو التعذيب أو التمييز العرقي، بان ركنا أساسيا في الحقوق العالمية، ولكن داعش يرغب في انتزاع الآيات القرآنية من سياقها التاريخي والفقهي ليعيد إحياء العبودية.،

ويبدو للناظرين من الوهلة الأولى أن الآيات التي يستخدمها التنظيم تصب في إطار يؤكد وجهة نظره، فالقرآن، كسائر الكتب المقدسة، يقر بوجود العبودية كواقع تاريخي كان قائما في فترة نزوله، ولكن الحقيقة هي أن القرآن يؤسس لنظرية أخلاقية جديدة على صعيد العبودية، وهو ما يتجاهله تنظيم داعش تماما.،

القرآن يتناول ظاهرة الرق والعبودية، وإنما من باب الدعوة إلى عتق العبيد، وليس إلى أسرهم أو إلى تقنين مؤسسة العبودية، وهذا ما تشهد عليه الآيات المتعلقة بهذا الموضوع، فهي تحض على تحرير الرقاب لتكفير الذنوب، بل ليس هناك من آية واحدة تنص على وجوب استمرار هذا الإجراء أو يذكر بأي طريقة أسواق النخاسة أو بيع العبيد.،

وقد اتبع النبي محمد هذه التعاليم بحذافيرها، وأظهر النبي الكثير من التعاطف مع الأوضاع المعيشية والنفسية التي كان العبيد يعيشونها في المجتمع من حوله، وقد سار صحابته على المثال الذي وضعه وقاموا بإعتاق آلاف العبيد، وقد أكد النبي في حديث قدسي على أن الله سيكون خصما لمن "باع حرا وأكل ثمنه" يوم القيامة. وفي الواقع، لا يوجد أصرح من هذا الحديث لإدانة الاتجار بالبشر.،

صحيح أن هناك أمثلة من حياة النبي تشير إلى أن قدم عبيدا إلى آخرين أو حصل على عبيد من آخرين، وحتى أنه استخدم العبودية كطريقة من طرق الغزو في الحروب، ولكنه حرر كل عبيده في نهاية المطاف، كما أن عمليات الاستعباد التي جرت عبر الغزو كانت نادرة واقتصرت على حالات فردية لأشخاص بعينهم كانوا يعادون الإسلام أو يحاربونه.،

هناك آية واحدة في القرآن تشير إلى إمكانية أسر الأعداء، وهي الآية الرابعة في سورة محمد التي جاء فيها " فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ" ولكنه لا تدعو إلى استعباد الأسرى، بل تخيّر قادة الجيوش بين تحرير السجناء أو أخذ الفدى.،

هذه الأيام بمجملها تدلنا على أن أسرى الحرب لا يمكن قانونيا استعبادهم، واستطرادا لا يمكن بالتالي استعباد غير المحارب.،

البعض ينسى بأن الغزاة المسلمين وتجار الرقيق قاموا على مدار قرون بغارات ضد قرى مسالمة في شرق أوروبا وغرب وشرق أفريقيا، وكذلك في الهند وجنوب شرق آسيا، وقاموا بالاستيلاء على ممتلكات سكان تلك القرى وقبضوا على النساء والأطفال معتبرين أنهم يتمتعون بالحصانة باعتبار أنهم من "المجاهدين"، ويبدو أن أيديولوجية داعش ترغب بإعادة إحياء هذا الإرث المخجل.،

لقد استنتج الفقهاء المسلمون التقليديون بأن الرق مباح في الإسلام لمجرد أن هناك أمور تنظمه في القرآن، وافترضوا بالتالي أن تطبيقه مسموح، ولكن حتى أولئك الفقهاء عليهم أن يقروا بأن الآيات القرآنية الخاصة بالعبودية موجودة في إطار عام يشجع على تحرير العبيد والأرقاء، لماذا؟ لأن القرآن يحضر الأرضية للاختفاء التدريجي للعبودية.،

هذا بالضبط ما حصل عبر التاريخ، ولكن داعش صورت قضية الرق والعبودية وكأنها ركن مفقود من أركان الشريعة، وهذا أمر خاطئ تماما، فالآيات القرآنية تحض على خلق مجتمع خال من العبودية من خلال آلية "تحرير الرقاب".،

بل إن بعض المفسرين اعتبروا أن الاستعباد والرق قد يكون محرما بالكليّة، وذلك بناء على الآية 64 من سورية "آل عمران" التي جاء فيها " قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ" والتي تنص صراحة على حرمة اتخاذ أرباب من دون الله، وقد وفر سيد قطب، أحد أبرز المفكرين الإسلاميين المعاصرين الذين تحترمهم المدارس السلفية، تفسيرا وافيا لهذه الآية في عمله المعروف "في ظلال القرآن."،

ويقول قطب في تفسير الآية إن استعباد الإنسان لأخيه الإنسان كما فعل الفراعنة مع اليهود هو "أسوأ أنواع الفساد"، مؤكدا أن الهدف من الآية هو تأكيد حرمة أن يرتفع مخلوق على حساب آخر وألا تستعبد المخلوقات بعضها، وهو يؤكد على أن الإسلام "إعلان عام لتحرير الإنسان في الأرض من العبودية للعباد" وهذا الرأي موضع تأييد من العديد من المفسرين البارزين والفقهاء المعروفين.،

مؤخرا، قام عدد من رجال الدين والمثقفين المسلمين بإرسال رسالة مفتوحة إلى زعيم داعش، أبوبكر البغدادي، تناولوا فيها عدة قضايا، وفي الشق المتعلق بالرق والعبودية، أشاروا إلى أنه ما من عالم مسلم يرفض الإقرار بأن الإسلام يهدف إلى إنهاء العبودية، مشددين على أن المسلمين كانوا قد أجموا طوال القرن الماضي على حظر العبودية ورفضها.،

هذه الآراء تعزز الخلاصات السابقة بأن تنظيم داعش قد ارتكب خطأ دينيا باستعباد اليزيديين وسواهم، وبالتالي، على جميع المسلمين العقلاء إدانة هذا العمل والسعي لتحرير جميع الذين استعبدوا.،

 

6-11-2014

البروفيسور بيرنارد فريمون، أستاذ مادة العبودية الحديثة والاتجار بالبشر في جامعة سيتون هول للقانون في نيوجيرسي ومتخصص في التاريخ التشريعي الإسلامي، وهو يعمل حاليا على إعداد كتاب تحت عنوان "الإسلام والعبودية والإمبراطورية في المحيط الهندي" .

عن سي ان ان – الولايات المتحدة الامريكية،

 

517-michaelفي الأسبوع الماضي قال وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند إن الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية "هي بالفعل فرصة العراق الأخيرة كدولة قومية."

وجاء هذا التقييم الكئيب في أعقاب زيارة هاموند إلى العراق قبل أيام قليلة حيث استخدم تعبير "الفرصة الأخيرة" لوصف مأزق العراق الرهيب.

فالعراق -مثل سوريا- نتاج للحرب العالمية الأولى ولاتفاقية سيئة السمعة في أعين العرب بين السير مارك سايكس وفرانسوا-جورج بيكو أدت إلى تقسيم ممتلكات تركيا العثمانية بين بريطانيا وفرنسا القوتين الأوروبيتين البارزتين.

هذه الاتفاقية التي مر عليها 100 عام تقريبا تترنح اليوم على ما يبدو إذ أن الدولتين -العراق وسوريا- تتفككان وأنهكتهما سنوات من الحرب والانقسام الطائفي اللتين لا يوجد إصلاح سهل لهما.

وفي هذا الصدد قد ننظر إلى شرق أوروبا بعد عام 1989 بحثا عن سوابق.

فبعد انهيار جدار برلين انتقلت جميع بلدان أوروبا الشرقية تقريبا باستثناء دولتين للانضمام تدريجيا إلى الاتحاد الأوروبي وإلى حلف شمال الأطلسي دون مشكلات. وتفككت دولة تشيكوسلوفاكيا السابقة إلى دولتين هما جمهورية التشيك وسلوفاكيا فيما عرف باسم "الانفصال المخملي". لكن مصير يوغوسلافيا يقدم مثالا أكثر مأسوية. وتفككت هذه الدولة عبر سلسلة من الحروب المتتالية في كرواتيا والبوسنة وأخيرا في كوسوفو استمرت عبر التسعينات.

وظهرت تشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا كدولتين -مثلما ظهرت سوريا والعراق- في أعقاب الحرب العالمية الأولى في مؤتمر للسلام عقد بعد الحرب في فرساي في عام 1919. ربما كانت يوغوسلافيا -بمزيجها الذي جمع السلوفينيين والكروات الكاثوليك مع الصرب الأرثوذكس والمسلمين أكثر شبها بالتنوع العرقي والديني في سوريا والعراق.

فالدولتان الشرق أوسطيتان -إلى جانب لبنان الدولة الصغيرة- أكثر دول المنطقة تنوعا. فالدولتان فيهما جماعات سنية وشيعية ومسيحية (من جميع الطوائف) وأعداد أقل من الدروز واليزيديين والعلويين. ويعيش في البلدين أيضا ما يقدر بنحو 30 مليون كردي يشير كثيرون إلى أنهم أكبر جماعة عرقية في العالم بلا دولة قومية.

وتحكم الدولتان منذ استقلالهما عن بريطانيا وفرنسا بقبضة حديدية ولا تعترف الروايات السياسية عن الدولتين العربيتين الرئيسيتين بأي مضمون ديمقراطي على مدى عقود من الحكم الاستبدادي شديد المركزية.

وانهار ذلك الحكم الآن وعلى نحو يتعذر استرجاعه على الأرجح. ولن يعني ذلك أن سوريا والعراق ستختفيان. ولكن من المرجح أن تتعثران لسنوات لكن مضمون الدولتين وقوتهما استنزفا. ولا تعدو أي منهما سوى جيوب محصنة وتتمتع بحكم ذاتي يقوم رعاة خارجيون من بينهم إيران والسعودية وتركيا والولايات المتحدة بتغذيتها.

ولم تخرج في أي من البلدين على الأرجح أي جماعة متماسكة منتصرة بعد سنوات من سفك الدماء.

ففي العراق دفعت إراقة الدماء الطائفية التي أعقبت الغزو الأنجلو أمريكي في عام 2003 الجماعات الرئيسية الثلاث -السنة والشيعة والأكراد- لأن يمضي كل في طريقه. وأدت الحكومات المتعاقبة في بغداد التي يهيمن عليها الشيعة والتي عززت السيطرة الضمنية لإيران إلى تفاقم هذا الوضع. ولهذا السبب حصل تنظيم الدولة الإسلامية على قدر كبير من الدعم المالي وعلى أشكال الدعم الأخرى من داعمين أفراد في السعودية وفي بلدان عربية أخرى في الخليج.

وما كان لهذا كله أن يعني شيئا لولا حقيقة أن تنظيم الدولة الإسلامية حدد كهدف له تدمير إملاءات سايكس بيكو الاستعمارية وإقامة خلافة إسلامية تمتد من الخليج إلى البحر المتوسط على أنقاضها.

دولة كهذه لا مكان فيها للشيعة ولا الأكراد ولا المسيحيين ولا أي من الأقليات الأخرى في الشرق الأوسط.

وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن اتفاق سايكس بيكو نفسه لم يعط الجماعات العرقية أو الدينية اهتماما كبيرا وهو ما غيره على أي حال الفرنسيون والبريطانيون على مدى سنوات. وطبقا للخرائط الأصلية التي وضعها الدبلوماسيان لم يخصص لفرنسا سوريا ولبنان فقط وإنما خصص لها أيضا شمال العراق ومدينة الموصل العاصمة الحالية للدولة الإسلامية. وضم القطاع الفرنسي كذلك معظم إقليم كردستان. وكان من المقرر أن تحصل بريطانيا على جنوب العراق وما أصبح الآن الأردن.

وجرى تعديل هذه الخرائط في مباحثات لاحقة بين رئيس الوزراء الفرنسي جورج كلمنصو ونظيره البريطاني ديفيد لويد جورج بالتنازل عن العراق كله لبريطانيا. وتأكد هذا في المؤتمر الدولي الذي عقد في سان ريمو في عام 1920 الذي منح بريطانيا حق الانتداب على الدولتين من عصبة الأمم التي أنشئت حديثا.

والتغييرات التي أدخلت على اتفاقية سايكس بيكو تبرز إلى أي مدى كان المشروع الإمبريالي مصطنعا بطبيعته ولم يراع اعتبارات الجغرافيا أو التضاريس أو العرق.

ولم تكن سوريا والعراق المعاصرتان وحيدتين في هذا المصير.

ففي معظم الفترة التي لحقت الحرب العالمية الثانية تطابقت الدولة والنظام في العالم العربي. ودمرت إطاحة الولايات المتحدة بنظام صدام حسين الاستبدادي الوحشي في عام 2003 هذا الارتباط بين الدولة والنظام وأدى ذلك إلى التآكل المستمر للعراق كدولة قومية.

وكثيرا ما تكون الحرب قابلة لميلاد الدول الجديدة. ففي أوروبا المعاصرة أصبحت كرواتيا والبوسنة والهرسك وكوسوفو دولا بسبب الحروب في التسعينات.

وحديثا جدا نشأت تيمور الشرقية وجنوب السودان من الصراع على الأقاليم التي شكلتها القوى الاستعمارية السابقة. والخطر الحقيقي أن سوريا والعراق قد لا يفسحا الطريق أمام دول جديدة. لكن من المؤكد أن العودة إلى دولة سورية أو عراقية قوية كما تخيلتهما اتفاقية سايكس بيكو أمر مستبعد إلى حد كبير

 

مايكل وليامز

دبلوماسي بريطاني سابق ودبلوماسي سابق في الأمم المتحدة وله خبرة في الشرق الأوسط والبلقان وجنوب شرق آسيا. والآراء الواردة في هذا المقال هي آراؤه الشخصية .. (رويترز)

ali harbثمة جدال يحتدم في الأوساط الفكرية والسياسية حول هوية الإسلام: هل هو دين متطرّف أم معتدل؟ اذا كان معتدلاً فأين هم أهل الاعتدال؟ وما الذي يفعلونه في مواجهة الإسلام المتطرّف، بمنظماته التكفيرية وأنشطته الارهابية التي يقودها أمراء الجهاد ونجومه، لكي يزرعوا الرعب ويسفكوا الدماء مخلِّفين، حيث حلّوا أو سيطروا، الخرائب والمقابر؟

طُرح هذا السؤال، في الآونة الأخيرة، بعدما صُدِم المسلمون والعالم أجمع بالتصرفات الهمجية للحركات الجهادية، كما جسّدها تنظيم "داعش"، في ما أقدم عليه، بعد سيطرته على أراضٍ واسعة في سوريا والعراق وإعلانه قيام "دولته الإسلامية"، من أعمال السبي والإغتصاب والتنكيل والقتل، أو التهجير والتطهير الطائفي والمذهبي في حقّ المسلمين وغير المسلمين.

لمعالجة المسألة، تحسن مقاربة مصطلح الإسلام مقاربةً مركّبة، وعلى غير مستوى أو وجه، حضاري ومدني، علمي ومعرفي، عقائدي وثقافي.

 

الفضاء الحضاري

الأول هو المستوى الحضاري، حيث تشكّل الإسلام كعالم واسع متعدّد البعد، متنوّع العنصر والفئة والتيّار؛ إذ تعايشت في فضائه ديانات وطوائف وأمم ولغات شتى، وإن حصل ذلك في ظلّ هيمنة اللغة العربية والعقيدة الإسلامية.

على هذا المستوى، تكوّنت وازدهرت حضارة اسلامية استوعبت خلاصة الثقافات والديانات، القديمة والسابقة، لكي تضيف الجديد والثمين إلى سجلّ الحضارة والمدنية، سواء على مستوى الفلسفة والعلوم أو الآداب والفنون أو الشرائع والقوانين.

مثل هذا الفضاء الحضاري هو الذي أتاح ممارسة حرية الفكر التنويري، النقدي والعقلاني، تجاه الدين، وكما تمثّل ذلك لدى العديد من أعلام الفكر والفلسفة، كالفارابي والنظّام والمعرّي وابن الراوندي وابن رشد وابن عربي، وسواهم من الذين أخضعوا الإسلام لنقد عقلي يقصّر عنه اليوم كثيرون ممّن يدّعون الحداثة والعلمانية.

ما كان للإسلام أن يصبح عنواناً لحضارة مزدهرة، لولا أن بعض مكوّناته الحيّة وقواه الديناميكية، من حكّام وعلماء وتجّار ومغامرين وبناة مبدعين، قد اشتغلوا بمنطق الانفتاح والتعدّد والتبادل، أو بلغة الخلق والابتكار والتجديد، في مواجهة القوى المحافظة والتيارات الاصولية، أي ما كان يسمّى يومئذٍ أهل النقل والنص والحديث. معنى ذلك، عند مَن يقرأ ما حدث، ولا يسدل الستار على عقله، أن هوية المسلم قد تشكّلت وتخلّقت وتركّبت، بل أعيد بناؤها وتركيبها وتغييرها باستمرار، حدثاً بعد حدث، وتجربةً بعد أخرى، وطوراً بعد طور، في ضوء المستجدّات والتحوّلات، وعلى وقع الخلافات والصراعات على السلطة والثروة والمعرفة وسائر مصادر القوة، بقدر ما كانت تتغذّى من الثقافات المحلية والوطنية للشعوب والأقوام التي انخرطت في مشروع الدين الجديد.

لذا، فإن هذه الهوية كانت تغتني بقدر ما تتنوّع وتتهجّن أو تتكيّف وتتعدّل، بحسب البيئات والثقافات والعصور، وذلك في غير وجه أو بعد، من مفهوم الذات الالهية إلى المذاهب الفقهية، ومن كيفية أداء الصلاة إلى أسلوب عمارة المساجد، ومن عادات الزواج إلى أعراف الاجتماع.

أما اعتقاد المسلم بأن له هوية صافية، ثابتة، هبطت عليه من سماء متعالية، هي التي يجدر التشبث بها والمحافظة عليها، فمعناه جهله بالكيفية التي تُصنع بها الأشياء وتُبنى الحياة ويسير العالم، ومآله كل هذا الحمق والجنون أو العمى والعبث بالمصائر، كما يُترجم الإسلام على يد الاصوليات الجهادية، وسط ذهول المسلمين الذين اكتشفوا، بعد فوات الأوان، كيف أن إسلامهم الحنيف والسمح يختزن كلّ هذا العنف الفاحش والمدمّر.

لنقرأ ما جرى، بإزالة الغشاوة عن أبصارنا، فإذا كانت الجماعة أو الأمة الإسلامية احتاجت لكي تلتئم وتتوحّد إلى مبدأ غَيْبي أو رمز قدسي، فإن الاجتماع الإسلامي لم يكن مملكةً للفضيلة، بقدر ما كان يُنسَج من شبكة المصالح وعلاقات القوة. والمسلمون، وإن آمنوا أو صدّقوا أو خضعوا، فإنهم لم يكونوا ملائكة، بل كسواهم من البشر، قد تحرّكهم مبادئ الشريعة وقواعد الفضيلة، بقدر ما تحرّكهم الأهواء والمطامع أو الأحقاد والعداوات. هذا ما شهدت به الحوادث في زمن النبي العربي، صاحب المشروع ومؤسّس الشريعة، وهذا ما حدث خاصةً بعد وفاته، حيث الصراعات والحروب بين خلفائه على المشروعية أفضت إلى حروب سالت فيها أنهار من الدماء، شاهدةً بذلك على أن الكلام على عصر ذهبي أو فردوسي، هو خرافة صنعتها النرجسية الثقافية لأصحاب الدين الغالب.

 

الاصطفاء والاستثناء

هذا ما ينقلنا إلى المستوى الثاني، وهو بيت القصيد، وأعني به النظر إلى الإسلام على المستوى اللاهوتي، بوصفه منظومة عقائدية قوامها جملة تعاليم وأحكام يعدّها المسلم بمثابة حقائق مطلقة ونهائية، غير قابلة للمساءلة والمناقشة، بل يجب العمل بها وتطبيقها، لأنه يؤمن بأنها وحي إلهي لا نتاج بشري. نحن هنا إزاء معتقد اصطفائي يصنع لأتباعه هوية نرجسية استثنائية، بين البشر، بوصفهم الأمة التي اختارها الله لتبليغ آخر رسائله ومقرراته إلى عباده.

من شأن هذه الهوية المغلقة على ثوابتها ومحرماتها، أن تقولب العقول وتختم على الأجساد، لكي تصنع من وجه الأول النموذج المثالي للمسلم كما يتمثل في تقديس النصوص وتقليد السلف تقليداً أعمى؛ ولكي تقيم من وجه آخر جدراناً عازلة بين المسلم وسواه، بل بين الناس عامةً، من خلال ثنائيات تفصل على نحو حاسم بين الايمان والكفر أو الطهر والرجس أو الطاعة والخروج، أي بين العبودية المقنّعة بتأليه بشري لسواه وبين استقلالية الشخص البشري وحريته في التفكير.

على هذا المستوى من السذاجة والتبسيط، أن نتحدث عن إسلام معتدل أو وسطي. فالاسلام شأنه بذلك شأن سائر المعتقدات. كلها تعمل بمنطق الإصطفاء والإقصاء. ولا غرابة، فمسوّغ كل معتقد جديد هو إلغاء القديم. ومشروعية كل دين يظهر، نسخ ما سبقه والحلول مكانه. لذا تعمل كلّها بلغة التهمة والإدانة لتدمير جسور التواصل بين الناس، كلها مصانع لإنتاج العنف الكامن في مبنى العقائد وشيفرات الثقافة.

فاليهودية التي تأسست على منطق الإصطفاء لبني إسرائيل، من ربّ العالمين الذي فضّلهم على سواهم، على زعمهم، قد أقصت كل ما عداها من العقائد والأقوام، وتلك هي النسخة الأولى من العقيدة التوحيدية التي أسّست للأحقاد والعداوات بين الناس. والمسيحية قد ارتدّت على اليهودية وانشقّت عليها بتخطئتها وتجاوزها، وبعكس ما يظنّ الذين صنعوا في الغرب التلفيقة العقائدية التي تجمع اليهودية والمسيحية تحت اسم واحد Judéo/ Christianisme. هذا مع أن الإسلام هو أقرب إلى اليهودية من المسيحية، من حيث منطق الاصطفاء. في كلّ حال، الإسلام وإن كان ثمرة لليهودية، أو نسخة جديدة عن المسيحية، كانت علّة ظهوره نسخ الاثنتين ونقضهما، باتهامهما بالتحريف أو الشرك.

منطق الاصطفاء والإقصاء هو الذي ساد ويسود العلاقات داخل كل ديانة بين طوائفها. فالواحدة منها تفترق عن الأخرى وتنشقّ عنها أو عليها، لكي تقوم بإقصائها، بذريعة أنها وحدها تجسّد المشروعية الايمانية، وأنها وحدها، دون سواها، هي الأحقّ والأصدق من حيث مطابقتها للأصول والسير على الصراط المستقيم، أو الأرثوذكسي، إذا شئنا إستخدام لغة المسيحية المشرقية.

هذا المنطق نفسه هو الذي اشتغلت به العقائد والمذاهب الحديثة، كما جسدت نموذجها الماركسية، وكما شهدت الانشقاقات العنيفة والتهم المتبادلة بالتحريف بين المعسكرات والأنظمة أو بين الأحزاب والمنظمات التي اعتنقت الإيديولوجيا الماركسية وتشكّلت على أساسها كمشروع خلاص. وهذا شأن الرأسمالية في موقفها من الماركسية، فكلاهما تسوّغ مشروعيتها بنفي الأخرى.

هذا مآل كل مذهب أو معتقد يفكّر أهله في عقل أحادي، دغمائي، تبسيطي، لاحتكار الحقيقة ومصادرة حرية التفكير والتعبير، أكان دينياً أم فلسفياً: إقصاء الآخر واتهامه أو استئصاله، على المستوى الرمزي أو الجسدي، كما شهدت حروب التطهير الدينية، أو معسكرات الاعتقال والإبادة الستالينية.

طبعاً لا أعمّم. لذا أراني أستثني الليبيرالية، كموقف فلسفي وجودي، وأعني بها، كما أعرفها، احتفاظ المرء بحريته، بعيداً من أي وصاية، بحيث لا يستعبده اسم أو أصل، ولا يستعمره مذهب أو نموذج، لكي يجعل منه عبداً لشخص أو عميلاً لفكرة أو خادماً لعقيدة. وفي هذا شاهد على أن علاقتنا بالحقيقة هي محلّ التباس وازدواج أو تعارض وتناقض. وتلك هي المفارقة.

 

الجهل المركّب

في ضوء هذا الفهم لمنطق الدين، فإن غير المسلمين الذين يبحثون عن اسلام معتدل، إنما يشهدون على جهلهم بحقيقة الأديان وهوياتهم. فالمسيحية، التي صنعت "محاكم التفتيش"، لم تمارس التسامح إلا بعد انتصار الثورة في عصر الأنوار. كذلك فإن المسلم المدافع عن وجود اسلام معتدل، إنما يشهد على جهله بمبنى عقائده وأصول ديانته، أو على أنه منافق وغير صادق في ما يقول، تماماً كما أنه يشهد على جهله بالتاريخ الإسلامي على مستواه العقائدي، حيث العلاقات بين الفرق والمذاهب المختلفة، لم تُبنَ بحسب منطق التعارف والتواصل، بل بحسب منطق التنابذ والتنازع والتقاتل، على ما شهدت ولا تزال تشهد الحروب والانشقاقات التي أفضت إلى إحداث شرخ عميق، بين المسلمين، عقائدي وثقافي ومجتمعي، تحولت معه أو بعده المذاهب إلى هويات فرعية هي أشبه بديانات جديدة، لا تقلّ العداوة بينها، المضمرة أو المعلنة، عن العداوة بينها وبين الطوائف غير الإسلامية. هذا ما يحملني على تكرار قولي بأن الله والنبي والقرآن باتوا، من حيث الأولوية، من الدرجة الثانية أو الثالثة، لدى كل فرقة اسلامية، قياساً على نصوصها ورموزها الخاصة بها.

الأمر الذي يفضح عقيدة التوحيد لدى الاسلاميين العاجزين عن توحيد حيّ في مدينة، كما يفضح عقيدة الوحدة لدى القوميين الذين لم يحسنوا سوى تدمير الفكرة العربية. لذا، ما صنعته المشاريع العروبية والاسلامية، هو إنتاج مجتمعات ملغمة انفجرت قبائل وطوائف، كما تجري الحروب بين الأخوة في الدين أو الأشقاء في الوطن، في العراق وسوريا، أو في اليمين وليبيا.

 

الخداع والزيف

من آليات المدافعة عن المعتقد لدى الإسلاميين، أنهم في تفسيرهم لكل عنف يمارسه مسلم ضد الغير، أو لكل اقتتال بين المسلمين، يقولون لك بأن ذلك مخالف لمبادئ الدين وقيمه. حجتهم على ذلك أن هناك آيات قرآنية تحض على "التعارف" بين الناس، او تتيح حرية التفكير والإعتقاد (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر).

هذا واحد من أساليب الخداع والزيف التي يُتقنها الإسلاميون. ذلك أن القرآن ليس مقالة كلامية مُحكَمة أو نظرية علمية متماسكة، إنما هو نصّ مفتوح على تعدّد الدلالة والتباس الرواية أو اشتباه الآية، فضلاً عن كونه محلاً للتردّد والتعارض في الأطروحة والمقولة. إذ هو يؤكد شيئاً في موضع، وينفيه في موضع آخر. إنه يمتدح الرهبان لكنه يهاجم الرهبانية، ويمجد المسيح وأمّه مريم، لكنه يتهم المسيحيين بالشرك، ويدعو إلى الوحدانية التي هي رأس الاعتقاد الإسلامي، لكنه ذو بنية تثليثية، إذ هناك ثلاث شخصيات مفهومية تتصارع وتلعب على مسرح الوجود: الله والإنسان والشيطان، مما يجعله يقبل ما اختلف أو تعارض من القراءات والتأويلات.

فلا جدوى اذاً من العودة إلى القرآن لدعم هذا الرأي أو نقض الآخر. مثل هذه العودة التي تطمس المشكلة، إنما تتم الآن بعد فوات الأوان، أي بعدما استحكم التعصّب والتحزّب وترسّخ الإنقسام والعِداء طوال قرونٍ. الأجدى والأولى الرجوع إلى كتب الفرق، فهي بيت الداء، هي الفيروس القاتل، إذ بموجبها تشكّلت الهويات الموتورة ومنها تنبع الاستراتيجيات القاتلة، كما نشهد ونعاني.

وإذا كان المسلمون قد انفتحوا بعضهم على البعض الآخر، وعلى غير المسلمين، وبالعكس، فقد انفتح غير المسلمين على المسلمين، فليس بسبب سماحة هذا الدين أو تسامح ذاك المعتقد. هذا مع أن التسامح لا يحلّ المشكلة، لأنه لا يبنى على الإعتراف بالآخر وبأن له قسطه من الحقيقة، بل مجرد تساهل تجاهه، مع الإعتقاد في قرارة النفس بأنه مخطئ أو آثم.

أياً يكن، فالقيم المتعلقة بالتسامح والاعتدال أو التعدد والتواصل، سواء منها ما اقتبس من أوروبا أو ما أخذ من كتب التراث الديني، قد تمّت استعادتها أو جرى استثمارها، بفضل الاندراج في عالم الحداثة بعناوينها وقيمها ونُظمها ومؤسساتها. لذا، عندما عاد المسلمون، عن مكتسبات الحداثة، كلٌّ إلى فقهه وعقائده، لم يكن أمامهم سوى الغرق في أتون الحرب الاهلية بأبشع أشكالها. تلك هي عاقبة الارتداد عن لغة العصر ومفاهيمه للعمل بصيغ ونماذج وأحكام استُهلكت وفات أوانها: أن تنتقم منهم الوقائع وترتدّ عليهم أعمالهم بتحويل الصحوة إلى عتمة، والشريعة إلى مشكلة، والهوية إلى مصيبة.

 

لبنان ومشكلته

ما دمت أتطرق إلى العلاقة بين المسلمين والمسيحيين، التي هي اليوم الشغل الشاغل للبنانيين والعرب والعالم، لا يفوتني القول بأن المسلمين قد نعموا بأجواء الحرية في لبنان، بسبب وجود المسيحيين الذي خلق نموذجاً للتعدد ومنبراً للحرية ومختبراً للتعايش. وقد أفاد الكثيرون من العرب، ساسةً ومثقفين، من هذه المزايا التي ساهم بعضهم في تدميرها، بالعمل على تعريب لبنان، التعريب الهدّام كما تُرجمَت المشاريع العروبية البائسة، أو أسلمته الأسلمة الارهابية كما تُترجَم الأصوليات المقدّسة والمجنونة على أرضه لتفكيك دولته وتمزيق مجتمعه. هنا أيضاً أجدني أكرر قولي: إذا تراجع المسيحيون في لبنان والشرق، أخشى على بلدي وعلى حريتي.

الأولى هنا أن نسمّي الأشياء بأسمائها، فلا نصف القوة الشيعية المهيمنة بوصفها "شيعية سياسية" على غرار المارونية السياسية، أو السنّية السياسية، أو حتى الطبقة السياسية الشيعية التي لم ترق يومئذِ إلى مدرسة سياسية، إذ كانت الأضعف في الترويكا الحاكمة.

أقول ذلك لأن المارونية السياسية قد جعلت من لبنان، مع شركائها في بقية الطوائف، مجتمعاً مزدهراً كان محطّ نظر العرب والعالم. وهي إن كانت مهيمنة، فإنها لم تقم بإدارة البلد بحسب الأصولية الدينية المسيحية، بل أدارته بالأدوات الحديثة المستفادة من أوروبا وبحسب الصيغة الديموقراطية على الطريقة اللبنانية، التي جسّدها خير تجسيد ريمون إده. فضلاً عن ذلك، فإن المارونية السياسية، وإن كان لها ولاؤها الثقافي يومئذ لفرنسا، فإنها لم تكن عميلة لها أو خادمة عنها.

أما الكتلة الشيعية المهيمنة، فتشكّلت بقرار من المحور الايراني/ السوري، وولاؤها الأول هو لمرجعها الديني في طهران. لذا، هي الوجه الآخر للجهادية السنّية. إذ كلتاهما لا تعترف بلبنان أصلاً، لأنها إما أن تتخذ منه أرضاً للجهاد، وإما ملعباً للصراعات، وإما ذريعة لممارسة الهيمنة، وإما أداةً لتنفيذ استراتيجيات قومية أو اسلامية، عربية أو غير عربية، مآلها أن يفقد لبنان ميزته الحضارية والمدنية، وأن يُدار أسوأ إدارة، كما تفعل الطبقة السياسية المهيمنة الآن، ولكن العاجزة عن التدبير ولا في شأن من الشؤون، لأنه لا أحد اليوم في لبنان سيدّ نفسه، بعدما خرج الأمر من يد الجميع وبات في قبضة قوى الخارج. زد على ذلك، أنه يوجد في كل طائفة لبنانية قطيع بشري يشتغل أصحابه بتأليه زعمائهم والتعصب لهم، لكي يزدادوا هيمنة وثراء، أو فحشاً وفساداً. لا أنسى إنقسام الموارنة بين المعسكرين الشيعي والسنّي، في ما يفترض بهم، بعد تراجعهم، أن يلعبوا، على الأقل، دور "وسيط الجمهورية". والأسوأ من ذلك أن لبنان يكاد يفقد ميزته الجغرافية، تحت العين "الساهرة" للحكّام، بعدما فقد ميزته الحضارية. ذلك كله ساهم في تخريب لبنان، بتشويه سمعته وطبيعته، وضرب صيغته الديموقراطية، بعدما بات يصدر هويات عابرة يجسدها الإرهاب الجهادي بنموذجيه الشيعي والسنّي المضادّ.

 

الإلتزام نقيض الإعتدال

لنعترف بالحقائق، كي نحسن معالجة المشكلة، في ما يخصّ الإسلام العقائدي: لا وجود لمسلم معتدل، كما لا وجود لمتديّن عاقل (المعري). إذ ما معنى أن يحتاج شعب إلى نبيّ، في ما وراء حكاية الاصطفاء؟ معناه أنه قاصر ومحتاج إلى وصيّ عليه يفكر عنه. معناه أن لا عقل له أو لا يحسن استخدامه. فلنحسن قراءة المصطلحات، وتأمل الآيات. ليس في وسع المسلم الملتزم والآخذ بالأصول، أن يقبل غير المسلم كما لا يَسَعَه أن يقبل المسلم المختلف. فذلك يقع خارج نطاق الممكن، لأن عقله مبرمج على نفي الآخر باتهامه بأنه مبتدع أو مشرك أو كافر أو آثم أو نجس أو غير إنسان، على ما قرر ذلك كبار العلماء والفقهاء كإبن تيمية وابن بابويه والشريف المرتضى. هذه الثقافة الإسلامية النرجسية والعدوانية، التي كانت نائمة، هي التي أيقظها وحاول إخراجها على المسرح تنظيم "داعش" وأشقاؤه وأبناء عمومته، لا فرق بين واحد وآخر، إلاّ بالتسابق على سفك الدماء، وبالاختلاف في الوسيلة على تنفيذه، قطعاً للرؤوس أمام الملأ، أو اغتيالاً مجهول الفاعل للأشخاص بتفجير السيارات المفخّخة التي تحيل الأجساد والأرزاق أشلاء وأنقاضاً.

 

العلماء أخطر من العامّة

من آليات الزيف الأخرى التي يتقنها الاسلامييون في الدفاع عما يستحيل الدفاع عنه، هو أنهم يعزون، عادة، ما يمارَس من تعصب وتطرف وعنف الى العامّة والجهلة، أو الى الدعاة من ذوي العلم القليل والثقافة الضحلة. ها هم اليوم، يتهمون السلفيين الجهاديين بأنهم هم الذين يسيئون الى الإسلام ويشوّهون تعاليمه بأعمالهم البربرية، هذا فيما الكل، عامة وسلفيين، قد تخرّجوا في مدارس العلماء والدعاة الكبار وعملوا بكتبهم وآرائهم. فهؤلاء هم أساس المشكلة ومصدر الخطر، إذ هم الذين شرّعوا للتكفير المتبادل بتصنيفاتهم العنصرية وأفكارهم الفاشية وأحكامهم الجائرة.

هذا أيضاً شأن المثقفين الذين لبثوا طويلاً يدافعون عن محور الممانعة الذي يقوده نظام أصولي، إلى أن أيقظهم تنظيم "داعش" من غفلتهم، ليكتشفوا بعد خراب العمران أن الكل يشتغلون بالعملة الإرهابية، لأن الكل هم من العجينة والعقلية نفسيهما، لا تهمّهم قضايا الحقيقة والعدالة والحرية، بل السلطة والنفوذ والهيمنة.

لا أنسى في المقابل أن هناك رجال دين منفتحين، كانوا قبل عقود يمارسون علاقتهم بهويتهم بصورة ليبيرالية، بامتناعهم عن رفع سيف التكفير والتهديد وقولهم للناس: هذه هي الشريعة، ولربّ العالمين أن يحاسب العاصي، وليس نحن. واليوم، وعلى وقع الكوارث التي جلبتها الأصوليات الدينية، هناك رجال دين، هم قلة غير فاعلة، قد عادوا إلى صوابهم، بعدما اشتغلوا ردحاً من الزمن بالعملة الدينية الخاسرة، فصاروا من دعاة العلمانية، صراحةً أو مداورة، ولكن بعد فوات الأوان، أي بعد خراب الموصل وبقية المدن العربية.

أما ذروة الزيف والجهل والظلم، فهي أن نرمي مسؤولية أخطائنا وفشلنا ومصائبنا على الجاهلية، على ما يفعل الذين يحدّثوننا عن الجاهلية الجديدة. هذا في حين أن الجاهلية هي البداية العظيمة للعرب، لغة ومروءة. صحيح أن الجاهلي كان يقتتل مع نظيره على مرعى أو ناقة أو سلطة، لكنه كان يبكي عليه بعد قتله، أو كان ينصفه في القتال فينزل عن فرسه اذا كان خصمه راجلاً. الأهم أنه لم يكن يقتل نظيره على رأيه. مثل هذا السلوك البربري هو ماركة دينية مسجلة. هكذا كان الجاهلي يخضع في قتاله لقواعد المروءة والإنسانية، على عكس العقائدي المبرمج ضد الآخر، الذي نجد نموذجه اليوم ينسف كل التقاليد النبيلة والأعراف الجميلة والحقوق المشروعة. من هنا كان أهل الجاهلية مقتصدين في ممارسة العنف، قياساً على العنف الذي مارسه أهل الديانات، في الإسلام أو المسيحية أو في سواهما من العقائد.

 

الكابوس والحلم

لنستفق من غيبوبتنا ونكسر نرجسيتنا. فالعقائد لا تنتج إلاّ ما يصدمنا أو يفجعنا من التصرفات المستهجنة والأعمال البربرية، سواء اختُصّ الأمر بهذا الدين أو ذاك.

هذه حال الاسلام. لا فرق داخله بين مذهب ومذهب. يستوي الجميع في منطق التكفير البربري وأعمال العنف الهمجي. لأن ذلك كامن في الجينات الثقافية وفي العقليات المفخّخة التي تنفجر في الأماكن العامة وبين الناس، قتلاً للأبرياء وتدميراً للعمران. لا فرق بين طائفة وأخرى، إذ جميعها يمارس هويته كخندق عقائدي ينصبه بينه وبين مَن يفترض أن يكون شريكه في الوطن أو اللغة أو الانسانية. من هنا فإن الدعاة، سواء لدى هذه الطائفة أو تلك، قد اشتغلوا، ولا يزالون، على محورين، الكابوس والحلم. المحور الأول تجسّد في زرع المخاوف المتبادلة بين السنّة الشيعة، أو في استعداء العالم والآخر والحداثة؛ أما الثاني فتجسّد بوعد الإمارة أو الخلافة الإسلامية التي تستعيد المجد التليد والغابر لدى السنّة، أو التي تقيم الدولة الشيعية المنتظرة التي تبدأ في طهران وتنتهي عند شواطئ لبنان.

تلك هي مفاعيل نبش الذاكرة الموبوءة ونصب المتاريس العقائدية: أن ينقلب التعصّب ضد أهله، حروباً أهلية مدمّرة في سوريا والعراق واليمن ولبنان، أو استنجاداً بالغرب لكي يردع بعضنا عن بعض مرة، أو لكي يؤلّب بعضنا على بعض مرةً أخرى، من حيث نعلم أو لا نعلم، نشاء أو لا نشاء.

 

نحن ضحايا أفكارنا

لا يجدي التهرّب من حمل المسؤولية ورميها على الآخر. فالكل، سنّة وشيعة، ينحدرون من الشجرة الأصولية الاصطفائية، التكفيرية الإرهابية، وإن اختلفت الأسماء، وتفرّع الأبناء والأحفاد، ما بين "الأخوان المسلمين" و"حزب الدعوة"، أو بين "القاعدة" و"حزب الله"، أو بين "جبهة النصرة" و"أنصار الله"، أو بين تنظيم "داعش" و"جيش المهدي". نحن إزاء العقلية نفسها، ونمط التفكير نفسه، ونموذج الحياة نفسه، أي ما تفتح تطبيقاته على الأرض أبواب الجحيم قبل اليوم الموعود.

لنعترف بما تصنعه أفكارنا ودعواتنا. كلنا يستخدم الدين للهدم لا للبناء، للتفرقة لا للتواصل، للهيمنة لا للتدبير العاقل والإدارة الرشيدة. من المفارقات أن الإسلاميين، أي أصحاب مشاريع الخلافة الإسلامية والولاية الفقهية والحاكمية الإلهية، دولاً وحكومات أو احزاباً ومنظمات، لا يُقيمون وزناً للقيم التي هي أساس الشرائع والأحكام التي بها يكون الإنسان انساناً، كالتقى والتواضع والعفو والتعارف والتكافل والتراحم.. لأن هاجسهم هو الوصول إلى السلطة والقبض عليها بأي ثمن، أي بانتهاك كل ما يدّعون محاربته. هكذا، فالجميع سواء، إذ كلّهم يصنعون النماذج التي يدّعون محاربتها. لذا، نرى أن مَن يتهم غيره بممارسة التكفير والإرهاب، هو تكفيري أصلاً وفصلاً، وهو أول من صنّع الإرهاب وصدّره؛ كما نجد، من جهة أخرى، أن داعية الديموقراطية يدعم الأنظمة الإستبدادية، كما يمشي داعية العلمانية في ركاب الأنظمة الدينية.

في هذا المعنى كل مسلم أصولي، ملتزم أو متشدّد، يسكنه ويتحكّم بفكره وسلوكه، نموذج تكفيري إرهابي، سواء أكان عالماً قديماً أم داعية حديثاً، وإن كان "داعش" قد فاق بهمجيته وإجرامه كل من سبقه. لا غرابة، فالعمل السيئ يستجمع اليوم، كل ما سبق من مساوئ وكوارث.

تلك هي الثمرة السيئة لعبادة السلف والمماهاة المستحيلة مع الأصول: أن نسدل الستار على عقولنا ونشهد على قصورنا، لكن نتقهقر وننحدر على كل الصعد الحضارية، فيما شعوب الأرض وأممها تحاول صنع نفسها وإحراز تقدمها، بالإتيان بالجديد المثير والجذاب أو المبتكر والخارق.

 

التراث الحيّ

هذا النقد الذي لا يخلو من عنف، قد يصدم الكثيرين، لكن مسوّغه هو الواقع الذي فاق الخيال بمفاجآته وصدماته. لذا هو لا يرمي إلى إلغاء الإسلام أو الدين، إذ لا معنى لذلك، بل من السخف اعتقاد ذلك. إنه يرمي إلى تفكيك ما هو سلبي أو عدواني أو هدّام من المعتقدات والثوابت، أي كل ما يؤدي إلى ممارسة المسلم علاقته بالدين كعبء أو نفق أو عُصاب أو محكمة أو إرهاب، لكي نحصد كل هذه الدماء وكل هذا الدمار.

ثمة مستوى ثالث في مقاربة الإسلام: هو التعامل معه، لا كمنظومات عقائدية مغلقة، بل بوصفه تراثاً هائلاً وثرياً، من الخطابات والنصوص التي هي أوسع بكثير من أن تُختزل الى نظام فقهي أو تركيبة عقائدية. إذ هي أغنى مما تطرحه وتدعو إليه أو مما تنظّر له وتحاول البرهنة عليه. هذا شأن الروائع والآثار من المؤلفات والأعمال في مختلف الحقول والإختصاصات. إنها تشكل منجماً فكرياً عند من يحسن القراءة بعقل واسع ومركّب، يرى دوماً الوجه الآخر والبعد الآخر والمستوى الآخر، في كلّ عمل فكري.

ليس المطلوب تحرير الإسلام من إرهابييه وجلاّديه فحسب، بل التحرر من الإسلام العقائدي، الأصولي والاصطفائي، فهو المشكلة وليس الحلّ، بآلهته الجدد الذين تحوّلوا إلى جلاّدين وجزّارين. وهذا مآل كلّ شيء يُستعاد في غير زمنه، من غير عمل عليه وتحويله بصورة خلاّقة الى إنجاز حضاري في مجال من المجالات: أن يعود على شكل مَساخر، كما هي حال الفتاوى التي يتحفنا بها الأصوليون، أو على شكل مجازر تُرتكب في حق الناس من غير ذنب أو جريرة.

هذا هو التحدي أمام الاسلاميين وسواهم: الاشتغال على التراث الديني، لتحويله إلى عملة حضارية راهنة لكي يساهموا في صناعة الحياة ويشاركوا في بناء الحضارة القائمة. فالأديان والمعتقدات هي لخدمة الحياة، وليس العكس، كما يعتقد السلفيون والإسلاميون. نحن لا نعيش لكي نخدم الإسلام وسواه من العقائد والأفكار، بل لكي نتقن فن العيش، وبالأخص لكي نحسن العيش معاً. هذا يقتضي إجراء تغيير جذري يطال علاقة المسلم بهويته الدينية، على نحو تتغير معه أطر النظر ومناهج العمل، مباني العقيدة ومقاصد الشريعة

 

الهوية العابرة

أصل بذلك إلى المستوى الرابع، وإن لم يكن الأخير، في التعامل مع الإسلام، أعني مستواه الثقافي والإناسي. وإذا كان هناك مؤمنون يصرّون على انتمائهم إلى الإسلام كجماعة ثقافية، عابرة للقارات والمجتمعات والأوطان، فهذه الجماعة لم تعد، ولم تكن أصلاً، استثناءً بين البشر، لم تكن خير أمّة. وإنما هي جماعة بين جماعات أخرى عاشت الحياة بخيرها وشرّها، بإنجازاتها وإخفاقاتها، لا أكثر ولا أقلّ، لا أشرف ولا أدون. هذا هو المعقول والمشروع: أن تتعامل المجموعة الإسلامية مع نفسها كمجموعة بشرية تحسن التعامل مع بقية الجماعات بلغة التواصل والتحاور أو الشراكة والتبادل. وهذا ما يفعله من يحسن قراءة الصدمات والتراجعات والتحولات: أن يعيد النظر في هويته، لكي يعيد ترتيب العلاقة مع الآخر ومع العالم.

هذا على صعيد الخارج، كذلك الأمر على صعيد الداخل. لم يعد مجدياً تعريف العربي بهويته، أياً كان بلده، من خلال انتمائه الديني، بعد كل هذه المآسي والمصائب. الأجدى والأولى أن يعرف نفسه من خلال وطنه أولاً. ومن خلال مهنته ثانياً، أي ما يتقنه من العمل الصالح والخير أو المفيد والبناء، فذلك هو جواز مروره إلى الفاعلية والحضور في العالم. وهذه هي الحال اليوم لدى معظم البلدان والأمم، حيث التعريف بالهوية يتم من خلال الانتماء الوطني أو القومي أو اللغوي أو السياسي أو الجغرافي... وحدهم الإسلاميون يصرّون على استخدام العنوان الديني في تسمية الدول والجمهوريات والاحزاب السياسية.

فليترك رجال الدين، بعد كل الإخفاق الذريع، السياسة لرجالها، وليشتغلوا بالنقد والنصح والإرشاد، أي بخصوصيتهم الثقافية. وأما من أراد منهم أن يشتغل بالسياسة. فهذا حقّه، ولكنه عندئذٍ يفقد حصانته الرمزية، ولا يعود حُجّة أو آية، بل فاعل سياسي يقبل المساءلة والمناقشة العلنية، في الفضاء العمومي، كما يقبل النقد العقلي أو الفني والجمالي، ولو كان ساخراً. هل يغضب الساسة ورجال الدين من النقد الكاريكاتوري اللاذع في ما هم يتحكّمون بالمصائر لإنتاج كل هذه الأهوال والمصائب؟ ومن المضحكات المبكيات أن يغضب مسلمون في لبنان لحرق شعار إسلامي، فيما أصحاب الشعار يستخدمونه لقطع الرؤوس أو لحرق الأخضر واليابس!

 

سقوط المشروع الديني

لا نشتغلن بإرجاء المشكلة لكي تزداد تأزماً واستعصاء، فبعد كل هذا الإخفاق الذريع لم يعد يجدي لي التشبث بدعوات ومشاريع لا تنتج إلاّ عكس المطلوب فساداً أو خراباً وسفكاً للدماء. لنواجه حقيقتنا المرّة وواقعنا البشع: فالتنّين الإرهابي قد صنعه التعليم الديني الذي انتقل، بمعسكراته الإيديولوجية وحروبه الرمزية، من الغرف المعتمة لكي يعمل، بصورة سافرة وفاضحة، من على الشاشات على مرأى ومسمع من القادة من حكّام ودعاة.

تلك هي النهاية الطبيعية لازدهار مهنة رجال الدين على اختلاف مذاهبهم ومراتبهم وألقابهم. فبعدما قبضوا على الأمر وابتلعوا باقي السلطات، العائدة للأب والمعلم والشرطي والنقابي والمثقف والسياسي، ازداد الخراب والفساد في العالم العربي.

لربّ ضارّة نافعة، إذا شئنا قراءة الوجه الآخر للظاهرة: سقوط المشروع الديني، ومعه يسقط الشعار القائل: الإسلام هو الحل، كما رفعه الإسلاميون، بعد فشل المشاريع القومية واليسارية، بوصفه المنقذ للأمة مما تتردى فيه، فكانت النتيجة أن يترجم هذا الشعار في كل هذا الانهيار والانحطاط والافلاس.

لقد أخذ الاسلاميون الفرصة لكي يحكموا، لكنهم أخفقوا حيث سيطروا. هذا ما حدث في مصر مع سقوط جماعة "الأخوان المسلمين"، وهي المدرسة الأمّ التي تخرّجت فيها معظم الحركات والأحزاب والتنظيمات الإسلامية. وها هم أبناء الجماعة وحفدتها يسجلون نهاية المشروع الديني، أعني نهاية الفكرة الجهنمية القاضية بإقامة دولة إسلامية، إذ هو لا يُترجَم إلاّ على نحو ما يترجمه تنظيم "داعش" وأشقاؤه ونظراؤه وأضداده، بصورة كاريكاتورية هزلية على سبيل المسخ والتشويه، أو بصورةٍ تكفيرية إرهابية على سبيل القتل والتنكيل. لا عجب أن تكون النتيجة أن يولِّد ديناصوراً أو بُعبعاً أو جلاّداً، أي مما لا تُصنع به حياة أو ينهض مجتمع أو يُبنى مستقبل. وتلك هي حصيلة التعامل مع الدين كدولة أو نظام سياسي: فشل السياسة والدين معاً.

 

استحالة الإصلاح

ما يعنيه انهيار المشروع الإسلامي أننا تجاوزنا مسألة الاصلاح الديني. لقد فات أوان الإصلاح الذي طالب به الشيخ محمد عبده في زمنه ولم يحصل، وهو القائل: "ولكن ديناً قد أردت صلاحه أخاف أن تقضي عليه العمائم". هذا ما يحدث الآن، حيث التنّين التكفيري والوحش الإرهابي، قد تخرج في مدرسة أصحاب العمائم واللحى وذوي الطبعات على الجباه.

لنحسن القراءة: المشاريع الدينية، لإقامة الدولة الإسلامية، غير قابلة للاصلاح، تماماً كما هي حال الأنظمة الديكتاتورية. كلاهما وجهان للعملة نفسها. كلاهما متواطئان، لأن كلاً منهما عاجز عن أعمال الإصلاح والبناء، وقادر فقط على أعمال الهدم والفساد. لهذا لم تنفع المناشدات والرسائل المفتوحة، لا للطاغية ولا للمرشد أو لوكلائه، منذ الرسالة المفتوحة التي وجّهها كبير المثقفين العرب، الشاعر أدونيس، إلى رئيس النظام السوري. لذا، فإن ما يقبله النظامان، الديكتاتوري والأصولي، أو يستحقانه، هو الإنكسار والتصدُّع أو الإفلاس والانهيار كما يحدث في غير بلد.

هذا مآل احتكار الحقيقة كما يجسّدها الضدّان المتصارعان: من جهة أولى، الطغاة من ملاّك الأوطان الذين يحكمون بلدانهم كآلهة يتصرفون فيها كما يشاؤون، شعارهم "أنا أو لا أحد"، ومن جهة ثانية، ملاّك الله من رجال الدين الذين يسخّرون الاسم والرمز لأهوائهم وعصبياتهم وصراعاتهم وحروبهم البربرية، لكي يجتمع التشبيح العسكري في الميدان مع التشبيح الإيديولوجي من على الشاشات، والنتيجة هي التجبر والاستكبار أو الثأر والانتقام باقتلاع الناس وتهجيرهم أو بقتلهم وإبادتهم.

 

قلب الآية

لا يجدي الآن التفكير في الطريقة والعقلية نفسيهما. فبعد الحدث الرهيب، لا شيء يعود كما كان عليه. ما يحصل من كوارث يضع حداً لغطرسة رجال الدين ويكسر وصايتهم الفاشلة على الناس، بقدر ما يفتح الفرصة أمام صعود الكتلة المدنية التي يتعامل أصحابها مع هويتهم الدينية والثقافية، على سبيل التواصل والتوسط أو التعدد والإعتراف المتبادل.

بكلام أصرح: بعد النهاية البشعة والشنيعة لمشروع الإسلام السياسي على يد أهله وصنّاعه، لم يعد ينفع الكلام على الرجوع الى الكتاب والعمل بمنهاج النبوة. فالمهمة العاجلة أمام رجال الدين هي ممارسة التقى الفكري والتواضع الوجودي، للقيام بأعمال النقد والمراجعة والمحاسبة، والإعتذار من الناس، تكفيراً عن سيئات أعمالهم، وعما صنعوا بعربداتهم السلطوية وشعوذاتهم الفكرية وتهويماتهم النرجسية.

هذه المهمة النقدية تقتضي أن يعود الفاعل الديني إلى صوابه، لكي يعمل بخصوصيته، في مؤسساته وحوزاته، لإعادة بناء الحياة الدينية على أسس وقواعد جديدة:

- التعامل مع الدين، لا بوصفه مشروعية عليا، بل مجرد حقل مجتمعي يتفاعل مع سائر الحقول، بما يعود بالنهوض والنمو على المجتمع بأكمله.

- التخلّي عن مشروع إقامة الدول وإصلاح المجتمعات والأمم. فهذه مهمة قد تصدّوا لها وهم غير جديرين بها بنماذجهم البائدة ودعواتهم المستحيلة، ولا هم مؤهلون لها، لأنهم لا يملكون العدة والوسيلة من الأفكار الحية والرؤى المستقبلية والنماذج المبتكرة أو القيم البناءة.

- إلغاء قاعدة الإرتداد وإطلاق حرية الإعتقاد للجميع على اختلاف آرائهم ومعتقداتهم. فالمارقون والملحدون والخارجون، فضلاً عن غير المسلمين جميعهم، قد باتوا من ملائكة الرحمة قياساً على الجلاّدين الذين يصنع نماذجهم أصحاب المشاريع الدينية.

- وضع حد لشرطة العقائد وحرّاس الايمان الذين احتلوا الشاشات، منذ عقود، لكي ينشروا خرافاتهم وشعوذاتهم، أو لكي يضخّوا سموم الكره والعداوة، سواء بين المسلمين أو بينهم وبين الطوائف الاخرى.

- أن تُلغى من برامج التعليم، الديني والحكوميّ، الأهلي والرسمي، كل النصوص والأحكام المبنية على تكفير الآخر وإقصائه، باعتبارها عملة باطلة ولّى زمنها، بل صفحة سوداء في تاريخ البشرية.

- أن لا تكون شرعية لأحد فوق شرعية الدولة ودستورها. لقد ولّى زمن العصمة القدسية والحصانة الرمزية والغيتوات الدينية، بعد كل هذه الفشل الذريع لرجال الدين ومشاريعهم. بذلك تنقلب الآية، فتفقد المؤسسة الدينية وصايتها على الناس والمجتمع، على غرار ما حدث للكنيسة في أوروبا، بحيث تعمل هي نفسها تحت وصاية الدولة ووفقاً لقوانينها، وتخضع للنقد والمناقشة العلنية في الفضاء العمومي من جانب الرأي العام، بمختلف فاعلياته السياسية والمدنية والثقافية.

فهل يستخلص العبرة المعنيون، من حكّام ورجال دين، بمعالجة الأزمة التي تحوّلت إلى كارثة تحت رعايتهم؟!

 

العودة المرعبة

مختصر القول: تلك هي عودة الدين التي تنبأ بها البعض وهلّل لها البعض الآخر: إنها عودة مرعبة، كما تُرجمت مشاريع الإسلام السياسي على اختلاف نسخها.

ولا غرابة: فالمعتقد الإصطفائي لا يترجم إلاّ تعصباً وتطرفاً. والمشروع الأصولي مآله إستئصال الآخر. والتسامح هو مجرد هدنة بين فتنتين. والإستثناء الثقافي يحيل المسلم إلى ديناصور حضاري. والنص المقدس لا يترجم على الأرض إلا إنتهاكاً واستباحة. والمجتمع النقي الصافي الفردوسي مآله انفجار أحشائه إلى خليط من الكتل العمياء والعصبيات المتناحرة.

أما الهوية الثابتة فتسجن صاحبها في خانة ضيقة أو في قوقعة خانقة لتتحول الى عائق ومأزق في مواجهة التحولات والتحديات. الحقيقة المطلقة تنتج عجزاً وقصوراً بقدر ما تصنع أنظمة ديكتاتورية ومشاريع شمولية. أما الحقيقة النهائية، فمآلها شلّ الطاقة الحية والخلاّقة للوصول الى هذه النهائيات الفاجعة. باختصار، هذه هي عاقبة أسلمة الدولة والمجتمع على نحوٍ شمولي: تحويل الحياة إلى جحيم لا تُطاق. أما فضيحة الفضائح لدى المثقفين الإسلاميين فهي السعي إلى أسلمة العقول والفلسفات أو العلوم والمعارف، بما يُعَدُّ نكوصاً عمّا قاله الانبياء أو أنجزه العلماء.

هكذا، فمصدر العطب يكمن في نمط التفكير. هو ما نمارسه من تأله، لكي نحصد كل هذا التوحش، كما يتجسد ذلك في التعامل مع قضايا الحقيقة والعدالة والحرية والهوية أو الأمة بمفاهيم المطلق والمقدّس والواحد والثابت والكامل والنهائي والفردوسي. يتوقف الخروج من المأزق على ابتكار لغة جديدة في التعامل مع النفس والآخر والعالم، بحيث تدار الشؤون بمفردات النسبي والمتعدد والمتغير والعابر، كما تُساس الهويات والقضايا بلغة التحويل الخلاّق والتجاوز الفعّال أو التبادل المثمر والتركيب البنّاء.

مؤدى ذلك أن نقتنع بأن لا أحد يمكنه القبض على حقيقة الواقع الذي هو جملة إمكاناته الغنية والمفتوحة على تعدد القراءات والخيارات أو السيناريوهات والاستراتيجيات. فالممكن هو أن يصنع كلّ واحد حقيقته، كما تتجلى في ما يُتقنه أو يُنجزه في هذا المجال او ذاك، أي في قدرته على خلق الوقائع، وعلى نحو يتيح له ممارسة الفاعلية والحضور على سبيل الاستحقاق والاستمتاع والازدهار. مما يعني أن علاقاتنا بالحقيقة تتجاوز مفهومها الصنمي والأيقوني والإلهي، لكي تُمارَس كمغامرة خلاّقة أو تجربة فذّة، كرهان ينجح أو لعبة نتقنها على المسرح. أما التعامل مع الحقيقة كعقيدة منزلة لا يأتيها الباطل، فمعناه ومؤدّاه أن نتشبث بثقافة بائدة، هدّامة، عدوانية، تصنع الأبله الثقافي والقطيع البشري بقدر ما تصنع الداعية المشعوذ والمخرب الأممي.

 

"داعش" ابن العصر

أنهي بالعودة إلى تنظيم "داعش" الذي استدرجني إلى كتابة هذه المقالة. هذا التنظيم هو كسواه من المنظمات والحركات الجهادية، لم يأتِ فقط من أقاصي الذاكرة وترسباتها، على الرغم من ادعاءات العودة إلى الأصول والدفاع عن الهوية. فهو ابن شرعي للواقع الكوني الذي نندرج فيه، بقدر ما هو مرض من أمراض الاجتماع المعاصر. إذ لا مجال في هذا الزمن الرقمي، التواصلي، الفصل بين ما هو خصوصي وما هو عالمي، بعدما تشابكت المصالح، على نحوٍ لا فكاك منه ولا سابق له.

لذا نجد التنظيمات الجهادية تسخّر لأهدافها كل أدوات العصر ووسائله، من الأسلحة الفتّاكة إلى الشاشات ووسائل الاتصال الفائقة، تماماً كما أن الحكومات الإسلامية التي وصلت إلى السلطة، أقامت أنظمة شمولية بفكر تيوقراطي ديني، جامعةً بذلك بين أسوأ ما في الزمن القديم وأردأ ما في الزمن الحالي.

هكذا، فإن "داعش" كما هي حال أشقائه وأضداده، يعيش في قلب المشهد. انه لاعب فاعل على المسرح الاقليمي والدولي، لكنه لا يلعب وحده، إذ له تحالفاته أو ولاءاته مع هذه الدولة أو تلك، العربية أو غير العربية، بقدر ما له شبكة مصالحه التي تؤمّن له مصادر تمويله وأسلحته.

لا يكفي منطق التعصب والتطرف لتفسير وحشية "داعش". فالمنظمات الأصولية هي صاحبة مشروع يتعدّى موجات الحروب الأهلية المعروفة بغرائزها وفاشيتها وغزواتها البربرية.

هذا المشروع يرمي إلى "إقامة دولة الخلافة"، لإحلال الشريعة الإسلامية محلّ "نظام الكفر"، كما يدّعون. وبما أن إقامة نظام ديني إسلامي هو اليوم من المحالات كما أثبتت التجارب مرةً بعد مرة، فمن المنطقي أن ينتهي هذه النهاية الفظيعة: التدمير المنهجي للمجتمعات العربية، التي هي عاجزة بقدر ما هي مستهدفة بجميع مكوّناتها وطوائفها، من جانب كل اللاعبين، وعلى نحو يطيح ليس فقط مكتسبات الحداثة المنجزة منذ أكثر من قرنين، بل يرمي أيضاً إلى إطاحة المنجزات التي تحققت في عصر ازدهار الحضارة الإسلامية. نحن إزاء موجة ارتدادية هدفها الثأر والانتقام، من كل ما أنجز وتحقق أو صار مكسباً، ماضياً وحاضراً.

من هنا، فما تقوم به المنظمات الجهادية ليس مجرّد جهل أو تعصب أو تطرف. إنه تخريب مقصود ومنظّم للعالم العربي، على يد الحكومات والأحزاب والمنظمات الاسلامية، الدعوية والجهادية، على اختلاف مسمّياتها ومذاهبها، وذلك على مرأى ومسمع من العالم الذي هو ساكت وعاجز، سواء بدعمه للمنظمات الجهادية واستثمارها أو بادعائه محاربتها والعمل على دحرها.

لا أنسى الأنظمة الاستبدادية التي أمضت عقوداً تدّعي محاربة الامبريالية والولايات المتحدة، فإذا بها اليوم تقدّم شهادة حسن سلوك لأميركا لكي تشارك في محاربة الإرهاب الذي ساهم الطرفان في دعمه واستثماره وفي أن يستفحل شرّه وينتشر خطره.

ولكن هل من صنع الإرهاب ورعاه أو دعمه واستثمره، هو الذي سيقوم بمحاربته ودحره؟ أشكّ في ذلك، لأنه لا يمكن معالجة المشكلة بالأدوات التي تنتجها. بسؤال آخر: هل المهمة الآن هي أن يجتمع الكل، إرهابيين وديموقراطيين، لمحاربة الإرهاب الداعشي ودحره كما يقول الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظراؤه من قادة الدول؟ هذه قراءة ساذجة أو مغلوطة، إن لم تكن مشبوهة أو مفخخة.

مرة أخرى تلك هي حصيلة عودة الدين إلى المسرح. انها عودة مرعبة تخلّف كل هذه البربرية التي تجعلنا نترحم على عصور الظلمات وطغاتها. هكذا، فالبربرية لا تأتي من خارج المدينة، وإنما هي ما يسكننا من الميول النرجسية والغرائز الوحشية والمنازع الفاشية والمطامع الامبريالية. انها النفس الأمّارة والأنا النرجسية والهوية الموتورة والعقلية المفخخة. لنعترف بالداء لكي نحسن العلاج: الطاغية والفاسد والفاشي والبربري والوحشي يستوطن العقول والنفوس.

وما دامت المصائر باتت متشابكة، في هذا العصر الرقمي المعولم، فإن الكارثة ستطاول الجميع وترتدّ عليهم، المتفرجين والساكتين، وبالاخص اللاعبين المتواطئين، علناً أو من وراء الكواليس، من أميركا الى روسيا ومن إيران الى تركيا. فلا مجال، اليوم، لإصلاح في دولة من غير إصلاح يطال نظام العالم وعلاقات الدول، بكل مفاهيمه وقيمه ومعاييره ووسائله. من غير ذلك، لا يحصد العرب واللاعبون على مسرحهم سوى ما نحصده من التوتر والتمزّق أو العجز والتخبّط أو التورّط والتواطؤ.

 

علي حرب

20 أيلول 2014

صحيفة النهار اللبنانية

fouad alhashimليس لدينا نحن المسلمين السنة ما نقدمه للعالم وللإنسانية ولباقي الطوائف سوى القتل والدماء.

العالم شرقاً وغرباً يئن من الإرهاب الاسلامي السني وتطلب الامر قيام تحالف دولي لمحاربة هذا الارهاب.

راجعوا التاريخ وانظروا إلى أحوال العالم والطوائف، هل تجدون أتباع دين أو مذهب في كل العالم يعتقدون أنهم سيحصلون على النعيم والجنة إذا قتلوا العشرات من الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال، غير أهل السنة؟

هل سمعتم عن يهودي أو مسيحي أو بوذي أو هندوسي أو ملحد، أو غير ذلك من الأديان، قام بعملية تفجير انتحارية لقتل مصلين في مسجد أو كنيسة أو معبد؟

هل هناك طائفة في العالم غير الاسلام السني يؤمن ان قتل الناس بشكل جماعي من لفقراء وكسبة ونساء وأطفال هو فعل من يرجو تقرباً الى الله ورغبة في الجنة؟

هل هناك في هذا العالم من تتشابه أفعاله مع ما يفعله المسلمين السنة تقرباً إلى ربهم الظالم المجرم؟!!

رجاء لا تقولوا لي أن هؤلاء شواذ لا يمثلون الاسلام السني.

فالشواذ كلمة تطلق على ظاهرة خاصة لا على عشرات الآلاف من الانتحاريين، ومن ورائهم مئات الآلاف من الأعوان، ومن خلفهم ملايين المؤيدين والقائلين أنهم (مجاهدين) و(شهداء) وثوار وبعدهم عشرات الملايين من الراضين المبررين .

الشواذ في العادة يكونوا معزولين من مجتمعهم مرفوضين مطرودين في حين ما نلاحظه هو العكس تماماً فهم يتصدرون المشهد الحياتي بيننا، لذا فهؤلاء ليسوا شواذ بل ظاهرة عامة عند المسلمين السنة.

هل رأيتم تحركاً من زعماء او شيوخ من المسلمين السنة لمحاصرة هذه الظاهرة، والبحث في العيوب والخلل في الفكر الاسلامي السني الذي أوصل أبناء الطائفة الى هذا “الشذوذ”؟

على العكس التحركات التي نراها هي وضع التبريرات، على سبيل المثال العمل على نشر وترسيخ الكذبة: ان امريكا والغرب يقتلون السنة وان الشيعة يقتلون السنة وان الهنود يقتلون السنة والروس والبريطانيين والفرنسيين ووو حتى الصين في عرفهم تقتل السنة وكان السنة ابتكروا ما لم يسبقهم اليه احد لذا يتصورا ان الجميع متآمر عليهم لذلك يجب على السنة العمل على قتلهم وببشاعة وذلك للتغطية على جرائمهم المستمرة التي تستهدف جميع البشر.

العالم شرقاً وغرباً يئن من الإرهاب (السني) فمن قطع رؤوس القرويين المسيحيين في الفلبين الى قطع رؤوس طالبات المدارس بيد أتباع أبو سياف، الى قتل السياح في اندونيسيا الى تفجيرات الهند التي تستهدف الأبرياء الى تفجيرات المساجد الشيعية والحسينيات في باكستان، الى مذابح مزار الشريف وباميان في أفغانستان التي ذهب ضحيتها الآلاف الأبرياء الى تفجيرات شرم الشيخ وسيناء، الى مذابح الجزائر المروعة في التسعينات التي ذهب ضحيتها مئات الاف من الجزائريين العزل الى التفجيرات التي تستهدف المدنيين في مدن أوربا وأمريكا الى الهجوم الارهابي على نيويورك وواشنطن الى ذبح الصحفيين امام شاشات التلفزيون على وقع صيحات الله اكبر الى جرائم بوكو حرام التي يندى لها الجبين والقائمة تطول وتطول وليس آخرها المذبحة التي لا تتوقف منذ ١٢ سنة في العراق والتي تستهدف الجميع من شيعة وأكراد ومسيحيين والايزيديين والتركمان وحتى الطير والشجر والحجر.

القاعدة، بوكو حرام، داعش، عسكر طيبة، جماعة ابو سياف، حركة شباب المجاهدين، أنصار الاسلام، أنصار السنة، الحركة الاسلامية المسلحة في الجزائر، فتح الاسلام، حركة الجهاد الاسلامي المصرية، حزب التحرير، تنظيم القاعدة في المغرب العربي، الجيش الاسلامي، جيش محمد، التوحيد والهجرة وغيرها العشرات من المنظمات الإرهابية الاسلامية السنية التي قطعت الرؤوس وذبحت الأبرياء وفجرت الاسواق والمدارس بسيارات مفخخة وانتحاريين مصابين بهوس جنسي يسعون الى مضاجعة حور عين في جنة موعودة.

هناك مجتمعات تفتخر بعطائها العلمي وهناك من يعطي الإنجازات التقنية وهناك من يعطي الفن وهناك من يقدم الحوار الحضاري وهناك من يطرح الديمقراطية، وهناك من يسعى للحفاظ على البيئة.

أما الاسلام السني فقد أعلناها مدوية: ليس لدينا ما نقدمه للعالم وللإنسانية ولباقي الطوائف سوى الذبح والقتل والأشلاء وأنهار الدماء.

وإلان تطلب الامر تشكيل تحالف دولي لمكافحة الارهاب الاسلامي السني…. انه بحق زمن حزين

 

قلم: فؤاد الهاشم

كاتب وصحفي كويتي،

جريدة الوطن الكويتية - 10 سبتمبر 2014

أعلم أن العنوان قد يكون صادما لكثير من القراء، فالمفكر الإيطالي نيكولو ماكيافيلي Machiavelli إنما هو رمز لانعدام الأخلاق وإفساد الحكام على حساب الرعية، كما أنه يمثل سياسة الوصولية مبررة في مقولته الشهيرة «الغاية تبرر الوسيلة»، كما أنه صاحب فكرة كيفية قيام الأمير أو الملك بالسيطرة على الرعية دون أدنى مراعاة لأي مبادئ أو مُثل أو أخلاقيات.. ولكن حقيقة الأمر أن هناك وجها آخر يغيب عن كثيرين عندما يحكمون على تعبيرات ماكيافيلي أو حتى أفكاره الواردة في كتبه، فالحقيقة الثابتة أن كثيرين يفعلون ذلك وهم يبترونه عن الظروف التاريخية المحيطة به والتوجه العام في العالم في ذلك الوقت، وقبل أن ندخل في فكر هذا الرجل، وجب علينا أن نلقي نظرة على البيئة السياسية التي شكلت فكره والتي سرعان ما بدأت تتأثر بهذا الفكر تباعا.

بداية، فإن ماكيافيلي كان يعمل دبلوماسيا في دولة «فلورنس» الإيطالية، وهي دولة ضمن خمس دول أساسية كانت تسيطر على شبه الجزيرة الإيطالية وعلى رأسها ميلانو ونابولي والبندقية ودولة البابوية في الوسط، وقد أدت الثورة الداخلية في فلورنس إلى عزل الأمير الحاكم المنتمي لأسرة الميديتشيMedici العريقة، والثابت تاريخيا أن ماكيافيلي اتهم من قبل هذه الأسرة عندما عادت لسدة الحكم لأنه أبدى معارضة لها، مما أدى إلى سجنه، ثم جرى الإفراج عنه في إطار عفو عام للبابا الجديد الذي اعتلى العرش، وقد لجأ ماكيافيلي لمحاولة استمالة الأمير الجديد لورينزوا دي ميديتشي، فقدم له كتابه الشهير «الأمير» الذي يعد أكثر كتبه انتشارا، وكان الهدف منه مكتوبا من المقدمة، وهو كيفية استحواذ الأمير على السلطة ومقاليد الحكم وكيفية إدارتها والإبقاء عليها، وقد كتب هذا الكتاب منذ 501 عام بالتمام والكمال.

 

ولكن حقيقة الأمر أن الأغلبية لا تدرك أن هذا الكتاب لا يحتوي على الفكر الحقيقي لهذا الرجل، فلقد كان أفضل ما كتبه الرجل هو كتاب «مناقشات حول أول حقبة لتيتوس ليفي» Discourses on the first decade of Titus Levi، ففي هذا الكتاب وضع ماكيافيلي فكره الحقيقي الذي لا يرتقي بالضرورة للنظرية السياسية المتكاملة، وقد صدر أيضا في العام نفسه لكتاب «الأمير»، ولكننا لا يمكن أن نفهم الأخير ونحن نبتره عن قاعدته الفكرية ممثلة في الكتاب الأول، ففي هذا الكتاب أكد ماكيافيلي على عدد من النقاط الجوهرية لفكره السياسي التي يمكن أن نوردها فيما يلي:

 

أولا: أن الطبيعية البشرية سيئة وسلبية للغاية، بالتالي فإن الوسيلة الوحيدة للسيطرة على هذا الجموح الطبيعي للمواطنين البشري هي قوة الدولة ممثلة في الأمير أو الملك.

 

ثانيا: إن إيطاليا خرجت من عظمتها إلى حالة التفتت السياسي والاجتماعي والأخلاقي بسبب غياب الدولة والأمير القادر على توحيدها، وقد نظر الرجل إلى نماذج من الساسة الأوروبيين الذين استطاعوا أن يوحدوا بلدهم مثل فرديناند في إسبانيا وأسرة التيودور في إنجلترا وبعض الملوك الفرنسيين، وكانت عينه دائما على بلاده إيطاليا، التي كانت تستحق أكثر بكثير من حالة التفكك التي أصابتها من وجهة نظره.

 

ثالثا: إن كل أوروبا كانت تستعد لاعتناق عصر السلطة المطلقة Absolutism للملوك، التي سمحت لهذه الدول بأن تتوحد وتقوى تدريجيا من خلال دولة القانون، بالتالي أصبحت كتابات ماكيافيلي تصب في هذا الاتجاه بديلا للفوضى والتفتت خاصة تدخل الكنيسة في شؤون الدول والإمارات الإيطالية بعدما سيطرت على الدولة البابوية وبدأت تتلاعب بمستقبلها.

 

رابعا: إن الثابت في التاريخ الأوروبي أن ماكيافيلي جاء في مرحلة مفترق طرق أوروبية، فقد بدأ عصر النهضة في إيطاليا منذ عقود قليلة قبله، وبدأ الفكر القومي يظهر ومعه المتغيرات الاجتماعية وبدرجة أقل السياسية، فلقد أصبحت طبقة النبلاء والأرستقراطية تنحسر لصالح طبقة وسطى جديدة، مما دفع للاهتمام بتقوية دور الدولة حفاظا على المكتسبات الاجتماعية والاقتصادية الجديدة، وعلى رأسها هذه الطبقة، إلى جانب الطبقة البرجوازية التي ارتبطت بالوفرة الاقتصادية التي بدأت تظهر في إيطاليا بسبب الرواج التجاري لكثير من دويلاتها.

 

خامسا: لعل أهم التأثيرات السياسية التي عكست فكر ماكيافيلي كانت حالة الانحدار الأخلاقي في إيطاليا خاصة فلورنسا، فلقد رأى بلاده تفقد هويتها الأخلاقية مع انتشار الفساد وحالة عدم الاكتراث التي أصابت المواطن الإيطالي والدويلات على حد سواء، وما صاحبها من ضعف الحكومات وعدم قدرتها على تطبيق القوانين وغيرها من الأمور المختلفة.

 

لا خلاف على أن هذه الخلفية المهمة يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند تقييم الفكر الماكيافيلي ودوافعه، فلقد كتب كتابه «الأمير» من أجل من رأى فيه أمل فلورنسا وإيطاليا ككل، فهو الرجل القوي الذي يمكن أن يسيطر على مجريات الأمور فيها ثم يصبح بعد ذلك موحد إيطاليا كلها، وذلك على الرغم من أن ماكيافيلي لم تكن لديه خطة واضحة لكيفية تنفيذ هذا التوحد، ولكن الهدف كان واضحا، لذلك ركز على الإطار الجزئي ممثلا في فلورنسا وليس الكلي ممثلا في إيطاليا، فكان الهدف هو تقوية فلورنسا لتستطيع أن تقود هذه الحركة، فجاء كتاب «الأمير» من هذا المنطلق ليكون أداة عملية لهدف سام، فكل النصائح التي أسداها الرجل للقائد الجديد إنما كانت تُخدّم على هدف أسمي وهو إنقاذ فلورنسا من حالة الضياع السياسي والأخلاقي، لهدف أسمى وهو توحيد إيطاليا، وقد كتب ماكيافيلي ما يؤكد هذه الحقيقة في كتابه الثاني عندما أكد على أنه «عندما يكون أمن الوطن يعتمد على اتخاذ تدابير محددة فيجب عدم الاكتراث بالعدالة أو عدم العدالة، الإنسانية أو الوحشية، أو للعظمة أو الخزي، فلا مجال لأن يسود كل هذا، فلا بد من تنحية كل الأمور جانبا للحفاظ على الحياة والحرية في الدولة».

 

وإزاء هذا الفكر خرج كتاب «الأمير» ليتضمن النصائح اللازمة للسيطرة على مقاليد الأمور لأنها الوسيلة الوحيدة للحفاظ على الدولة التي هي أساس كل شيء؛ الضمانات والحريات والموطن الذي يعيش في المواطن، لهذا طلب ماكيافيلي من الأمير أن يكون مثل الثعلب وفي الوقت نفسه مثل الأسد.. ألا يكترث كثيرا بالمسائل الأخلاقية، ما دام الهدف يصب في مصلحة الدولة والرعية، كما أنه طالب الأمير بأن يكون خبيثا وفي الوقت نفسه حازما، وهنا صدرت عنه جملته الشهيرة بأن «الغاية تبرر الوسيلة»، والحقيقة هي أن مفهوم الفضيلة الجماعية كانت بالنسبة له أهم من الفضيلة الفردية، فالمصلحة الجمعية ممثلة في الدولة هي فضيلة جماعية وأهم من فردية المواطن، وهو عكس الفكر الذي يسود عالم اليوم الذي يرفع شأن الفرد على الجمع من خلال تسيد مفهوم حقوق الإنسان على حساب الدولة وسيادتها؛ فالأول حق فردي بينما الثاني حق جماعي، وحقيقة الأمر أن ماكيافيلي دق بكل قوة على عصب مهم للغاية يظل معنا إلى اليوم، فهل هيكل الدولة الجامع لكل الحقوق الفردية يسموا عليها أم إن الفردية تأتي في المقام الأول؟ وهنا تختلف الآراء والتحاليل كل وفق وضعيته وظروف دولته، بل إن مفكرين سياسيين يرون أن الإنسان لن يصل للخلاص السياسي أو الاجتماعي بعيدا عن وعاء الدولة، حتى وإن تجنت عليه أو انتقصت من حقوقه.

 

ولكن على كل الأحوال، تظل لماكيافيلي رؤية أعمق لأهمية الدولة، نوردها بالتفصيل في الأسبوع المقبلة.

 

د. محمد عبد الستار البدري

الشرق الاوسط 31-5-2014

كان محمد أركون قد أمضى حياته تقريبا في التحدث عن النزعة الإنسانية في الإسلام. كان ذلك شغله الشاغل منذ أن انهمك في تحضير «دكتوراه الدولة» في السوربون عن هذا الموضوع في بداية الستينات وحتى نهاية السبعينات. ومعلوم أن عنوانها بالضبط كان: «النزعة الإنسانية العربية في القرن الرابع الهجري.. مسكويه فيلسوفا ومؤرخا» (1970). ثم أصدر في أواخر حياته كتابا آخر عن الموضوع ذاته بعنوان: «النزعة الإنسانية والإسلام.. معارك فكرية ومقترحات»، (منشورات مكتبة فران الفلسفية عام 2006).

 

في الكتاب الأول أراد أركون أن يتحدى أقطاب الاستشراق عن طريق القول بأن الحضارة العربية الإسلامية عرفت النزعة الإنسانية قبل الغرب بزمن طويل. لقد عرفتها في القرنين الثالث والرابع للهجرة، أي التاسع والعاشر للميلاد. في تلك الفترة كانت أوروبا تغط في ظلام طائفي عميق، مثلنا نحن الآن. وكان من أقطابها الكبار الذين يفتخر بهم افتخارا شديدا والذين عاشر نصوصهم سنوات وسنوات: الجاحظ، والتوحيدي، ومسكويه ذاته، وأبو الحسن العامري، وبالطبع ابن سينا والفارابي وعشرات غيرهم. ويمكن أن نضيف المعري الذي كان يرأف حتى بالحيوان، فما بالك بالإنسان؟!

 

ولكن إذا كان موقع أركون قويا نسبيا إبان الستينات والسبعينات، إذ كان هجوميا تجاه الغرب، فإنه أصبح دفاعيا بعد «11 سبتمبر (أيلول)» وبقية التفجيرات الإجرامية الكبرى. عندئذ ألقى سلاحه وعرف أنه خسر المعركة ولن يسمع صوته أحد بعد اليوم. فكيف يمكن أن تقنع الناس بأن تراثك إنساني حضاري بعد كل ما حصل؟ كيف يمكن أن تدافع عنه في عصر الأصوليات المزمجرة الزاحفة من كل حدب وصوب؟ لم يعد أي مفكر عربي أو مسلم يتجرأ على أن يرفع صوته في الغرب ولا حتى في الشرق، وأصبحت كلمة «إسلام»، شئنا أم أبينا، مرادفة لدى البعض للتهديد المبطن والعنف والإرهاب، وبمجرد أن تذكرها أمام الآخرين، يتوجسون خيفة منك أو يرتعدون فزعا، وربما تصوروا أنك وضعت قنبلة في أقرب سوبر ماركت! هذه هي الحقيقة الجارحة أيها السادة. لن تستطيع بعد اليوم أن تقنع أحدا بأن لتراثنا أية علاقة بالنزعة الإنسانية أو بالرحمة والشفقة على العباد.. بعد «طالبان» وغير «طالبان» قضي الأمر.

 

انتهى الموضوع. كل ثقافتك أصبحت في قفص الاتهام. هذا هو الوضع الذي وصلنا إليه أيها السادة. وأتحداكم وأتحدى نفسي إذا كنا قادرين على أن ندافع عن هذا التراث في أي محفل عالمي شرقي أو غربي كما كان يفعل أركون بكل جرأة في الستينات والسبعينات، بل وحتى الثمانينات. ومع ذلك، فإنه لم يتراجع عن أطروحته الأساسية القائلة بأن الحضارة الإسلامية كانت ذات نزعة إنسانية في العصر الذهبي المجيد؛ ذلك أن الفلسفة استمرت قرنا آخر في الأندلس بعد انطفائها في المشرق. لكي يستعيد عالم الإسلام صورته المشرقة، لكي يسترد عافيته، ينبغي عليه أن يواجه هذه الأسئلة بكل صراحة ووضوح بدلا من تحاشيها أو القفز عليها. كلنا معنيون بالموضوع دون استثناء.. كلنا نسينا معنى النزعة الإنسانية، بل ومعنى العصر الذهبي، لأننا في تربيتنا ومدارسنا وبرامجنا نتاج مباشر لعصر الانحطاط. في إحدى المرات كنت جالسا معه في شقته الباريسية بشارع «ماجنتا» القريب من ساحة الجمهورية في قلب العاصمة الفرنسية، ثم جر الحديث الحديث حتى وصلنا إلى بن لادن.. كان ذلك بعد «11 سبتمبر» بقليل. قال لي بالحرف الواحد: «بن لادن ليس شخصا واحدا، وإلا لهان الأمر. بن لادن نتاج عصر بأسره. إنه نتاج تأويل متزمت جدا وتربية خاطئة مضادة لكل نزعة إنسانية أو حضارية». شعرت بشكل من الأشكال كأنه يوشك أن يشفق عليه! أنه يعتبره ضحية لكل عصور الانحطاط والانغلاق والظلام في تاريخنا.

 

ولهذا السبب، فإنه بلور مقترحات نظرية وعملية دقيقة لكيفية تجديد التعليم الديني في شتى أنحاء العالمين العربي والإسلامي. من هنا نبدأ! كان يعرف أن المشكلة أعمق مما نظن، وأنها تكمن في القاعدة.. في الأساس، لا في القمة فقط. كان متفقا مع الإخوان المسلمين على ضرورة تغيير المجتمع «من تحت» قبل التفكير في الوصول إلى السلطة. الفرق الوحيد بينه وبينهم هو أنه كان يريد تغييره في الاتجاه المعاكس تماما، فبقدر ما يركزون هم على آيات القتال وفتاوى التكفير والحرب والضرب، كان يركز هو على آيات التسامح والغفران وكل بذور النزعة الإنسانية الكامنة في التراث العربي الإسلامي الكبير.. بقدر ما ينبذون الفلاسفة والمعتزلة والمتصوفة وابن عربي كان يركز عليهم ويحبهم.. بقدر ما يكرهون (أو يجهلون) أقطاب التنوير الأوروبي من فولتير إلى كانط، كان يحترمهم ويعرف قيمتهم وضرورة إدخالهم في برامج التعليم.

 

كان يريد إضافة التنوير الأوروبي إلى التنوير العربي. كان يعتبر هذا من ذاك. في إحدى السهرات قال لنا مرة: الفارابي تقريبا كانط من حيث عقلنة الدين. ولكن لو لم تنقرض فرقة المعتزلة بعد حرق كتبهم وملاحقتهم في الأمصار، لربما كان معتزليا مثله في ذلك مثل أستاذه الكبير الجاحظ، أو صديقه العظيم الذي كان يحبه بشكل شخصي ويجد نفسه فيه: أبو حيان التوحيدي.

هاشم صالح

2-5-2014

فرنسا هي بلد الأنوار الفلسفية بامتياز. فمنها انتشرت في القرن الثامن عشر لكي تعم كل أنحاء أوروبا. ليس غريبا إذن أن يظهر فيها التأويل الجديد لتراثنا العربي الإسلامي العظيم. وهو الذي سيحل محل التأويل الأصولي الذي طغى علينا طيلة الأربعين سنة الماضية مع صعود موجة الإسلام السياسي الهادرة.

نقول ذلك وخاصة أن الإسلام أصبح يشكّل الدين الثاني في بلاد فولتير بعد المسيحية في مذهبها الكاثوليكي البابوي. عدد المسلمين لا يقل عن خمسة ملايين، وربما ستة. وبالتالي فهم خمسة أضعاف عدد اليهود أو البروتستانتيين. وبما أنهم على احتكاك يومي بالحداثة الفرنسية، فليس من المستغرب أن ينبثق من داخلهم إسلام الأنوار. وهو ذاته إسلام العصر الذهبي الذي أشع على العالم يوما ما من بغداد أو قرطبة، ولكن مضافا إليه هذه المرة كل الفتوحات العلمية والفلسفية للحداثة الأوروبية منذ عصر النهضة وحتى اليوم، وبالتالي فسوف يكون نورا على نور. هذا هو إسلام المستقبل. إنه على الأبواب.

كان الأب المسيحي كريستيان ديلورم قد نشر كتابا بعنوان «الإسلام الذي أحب، الإسلام الذي يقلقني». وفيه يعبر عن موقفه تجاه نوعين من فهم الإسلام وتفسيره: النوع الأول سمح متسامح تعبر عنه الآية الكريمة «لا إكراه في الدين». وهو الذي يحبه. والنوع الثاني خاطئ متطرف بنى وجوده على الإكراه في الدين ومخالفة القرآن الكريم وتكفير الآخرين والدعوة إلى استئصالهم. وهو الذي يقلقه.

تقول السيدة فيرجيني لاروس، رئيسة تحرير مجلة «عالم الأديان» الفرنسية ما معناه: لماذا ننكر الحقيقة نحن الفرنسيين؟ نعم يوجد تأويل متشدد للإسلام وهو يقلقنا ويخيفنا. إنه يشجع على العنف والتعصب والظلامية الفكرية. إنه يكفرنا ويحرمنا من نعمة الله غصبا عنا، وليس كرها في الإسلام ولا إسلاموفوبيا، إذ نقول ذلك. هذه هي الحقيقة أو قل هذه هي مشاعر أغلبية الفرنسيين والغربيين عموما. ولكن يوجد أيضا تأويل آخر للإسلام: إنه إسلام التسامح واحترام الآخر، إنه إسلام الانفتاح، إنه إسلام الرحمة والمغفرة. وهو قرآني بامتياز.

وتعترف الباحثة الفرنسية بأن معظم المسلمين - أي الأغلبية الصامتة - هم أشخاص طبيعيون مثلنا. إنهم يشاطروننا نفس المطامح والآمال في تحسن أمور معيشتهم وتوصل أطفالهم إلى أفضل مستوى تعليمي وثقافي. إنهم يحبون أطفالهم مثلنا. إنهم يصْبون إلى النور والسعادة والنجاح في الحياة مثلنا، وبالتالي كفانا اشتباها بالمسلمين وتخويفا منهم حتى لكأنهم خلقوا من غير طينة البشر! ينبغي الاعتراف بأن الكثيرين في فرنسا لا ينظرون إلى الإسلام إلا من خلال المتطرفين الذين يطلقون التصريحات النارية التكفيرية ويرعبون البشر، ولكن هؤلاء أقلية لدى المسلمين وليسوا أكثرية على عكس ما يزعم اليمين المتطرف.

ونلاحظ أن الفيلسوف الفرنسي كريستيان جامبيه يشاطرها الرأي. بالطبع، فكلامه يتخذ وزنا أكبر نظرا لتبحره في تراث الإسلام ومكانته العلمية والأكاديمية العالية، وهو من مواليد الجزائر عام 1949 عندما كانت لا تزال تحت الحكم الفرنسي، ثم انتخب مؤخرا بروفسورا لكي يحتل «كرسي الفلسفة الإسلامية» في الجامعة الفرنسية. وقد كرّس حياته لاستكشاف آثار فلاسفة الإغريق لدى فلاسفة العرب والمسلمين، ولكنه على عكس رينان والعرقية المركزية الأوروبية، لا يعتبر فلاسفة العرب مجرد نقلة أو مترجمين للفكر الإغريقي، فكر أفلاطون وأرسطو على وجه الخصوص، وإنما يعترف بالإبداع الغني الذي أضافه الإسلام إلى الفلسفة اليونانية. من أهم ما صدر له مؤخرا كتاب لقي ترحيب الأوساط الثقافية الفرنسية بعنوان «ما هي الفلسفة الإسلامية؟»، إنه كتاب مرجعي بالمعنى الحرفي للكلمة، كتاب كلاسيكي أو سيصبح كلاسيكيا بمرور الأزمان.

كريستيان جامبيه يقول لنا إنه لا ينبغي أن نهتم فقط بالفلاسفة الكبار الذين مشوا على خط الإغريق كالكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد وابن باجة... إلخ، وإنما ينبغي أن نهتم أيضا بما يدعى في المصطلح العربي بـ«الحكماء»، وعندئذ يمكن أن نأخذ فكرة شمولية متكاملة عن الفلسفة الإسلامية. وبالنسبة للحكماء فلا توجد قطيعة بين العقل والوحي كما هو حاصل في الغرب حاليا. هؤلاء المفكرون الإسلاميون لا يقطعون أبدا مع الأفق الديني. يقول بالحرف الواحد: «هؤلاء الحكماء ما كانوا فلاسفة رغما عن الإسلام، وإنما انطلاقا من الإسلام، مع الإسلام، وبالإسلام».

يعلق روجيه بول دروا، المسؤول عن الصفحة الفلسفية في جريدة «لوموند» الفرنسية قائلا: «هذا الكتاب سوف يزعج الغرب أو قل القطاعات اليمينية منه. لماذا؟ لأنه يقدم صورة أخرى عن الإسلام، لأنه يكشف عن كنوز فكرية مجهولة في الإسلام. إنه يكشف عن كنوز روحانية أيضا وعن اشتقاق فلسفي وإبداع ميتافيزيقي قلّ نظيره. هذا في حين أن اليمين الغربي كان يتمنى لو يبقى الإسلام حكرا على بن لادن وبقية المتطرفين الظلاميين لكي تظل صورته مشوهة. فبعضهم لا يريد أن تكون للإسلام أي علاقة بالفكر أو العقل والفلسفة».

أخيرا، يرى الفيلسوف أندريه كونت سبونفيل، وهو من فلاسفة فرنسا المعدودين حاليا، أنه لزم على الكنيسة الكاثوليكية البابوية الرومانية ما يزيد على ألف سنة لكي تقبل بحرية الضمير والمعتقد، وبالديمقراطية والدولة المدنية. لقد قاومت روح الأزمنة الحديثة بكل ضراوة قبل أن تستسلم لها مؤخرا مع «الفاتيكان الثاني». من قال لكم إن الإسلام يستعصي على التقدم والشفافية والديمقراطية والحرية المسؤولة وحقوق الإنسان؟ هذه خرافة يروجها فقط منظرو صراع الحضارات. الإسلام سائر على طريق التقدم والاستنارة لا محالة، والكثير من المثقفين المسلمين يواجهون بكل شجاعة قوى الأصولية الظلامية التي تريد إسكاتهم وإخراس أصواتهم، ولكن حركة التاريخ معهم وسوف تمشي إلى مداها الأخير.

 

عن صحيفةالشرق الاوسط 4-4-2014

أبديت، قبل عدة سنوات، ملاحظة أحسب أنها لا تزال صالحة: فكر الإسلام السياسي (في تجلياته المتنوعة) قليل الغناء من الناحية المعرفية، هزيل من الناحية النظرية. وفي هذه الملاحظة جواب عن سؤال آخر في الواقع: لماذا كان اهتمام الفلاسفة ومؤرخي الفكر بالإسلام السياسي اهتماما قليلا - بل إنه يكاد يكون منعدما - في حين اهتم علماء السياسة والمنشغلون بعلم الاجتماع اهتماما شديدا، بل وربما كانت هذه الفئات، من الدارسين الذين نشير إليهم، هي الجهات العلمية التي تنكب على دراسته والتفكير فيه دون غيرها؟ وقد كان الجواب عندي (بل إنه لا يزال حتى اليوم لم يتغير، إن لم أقل إنني أزداد اقتناعا به): إن الأمر يتعلق في الإسلام السياسي بـ«ظاهرة» أكثر مما هو يرجع إلى الفكر والتفكير - ظاهرة تقل فيها الحاجة إلى النظرية والتفكير، أو لنقل إذا شئنا: إن مجال النظرية والتفكير يضيق فالقليل منه يكون كافيا، بل إن النجاعة التي يبتغيها دعاة الإسلام السياسي تكبر ويزداد حجمها كلما قل نصيب الفكر والنظر والتفكير. وحيث إنني أجد السؤال لا يزال حتى اليوم مطروحا (من حيث إن قضية الإسلام السياسي، ظاهرة ووجود معا) لا يزال سؤالا مطروحا، فإنني أود في حديثي اليوم أن أتلمس بعض جواب يتصل بالسؤالين اللذين طرحتهما أعلاه.

 ما الشأن الآن في الفكر بالنسبة للإسلام السياسي وقد تناولنا الإنتاج النظري لزعمائه ودعاته الكبار، من مختلف المشارب والاتجاهات؟

 كل تيارات الإسلام السياسي، بدءا من الإخوان المسلمين ممثلا في فكر الزعيم الروحي للحركة ومنظّرها الأول حسن البنا، وانتهاء بتيارات الجهاديين والسلفيين وجماعات التكفير والهجرة، ومرورا بالداعية الباكستاني أبي الأعلى المودودي، تلتقي عند فكرتين تتقاطعان وتتكاملان؛ الفكرة الأولى هي أن حال المسلمين اليوم يستوجب العمل على إقامة صرح الدولة الإسلامية الواحدة أو العظمى التي يجتمع حولها المسلمون جميعا، من كل أنحاء العالم. والثانية أن الصورة الوحيدة لهذه الدولة المأمولة هي «دولة الخلافة»، أو دولة «الخلافة الثانية»، أو «استعادة دولة الخلافة». وأيا كان النوع المختار من الأنواع الثلاثة المذكورة، فإنه يتحتم التسليم بأمرين اثنين؛ الأول: هو أن الخلافة ركن أصيل من أركان الدين، بل إن الخلافة (عند دعاة الإسلام السياسي على اختلاف مذاهبهم، وتباينهم بين الميل إلى الشدة والعنف أو إلى الحوار والسلم) من شروط تحقق الدين الإسلامي. والأمر الثاني - وهو صريح واضح عند المتشددين - هو أنه لا بأس من اللجوء إلى العنف إذا كان الأمر يستوجب ذلك، بل إن العنف هو السبيل الوحيد الممكن (والتكفيريون والسلفيون الجهاديون، بتياراتهم الكثيرة كلها، يذهبون هذا المذهب وهم يسمونه جهادا). هذا «الجهاد» هو «الفريضة الغائبة» التي تلزم استعادتها وإحياؤها عند جماعات التكفيريين والجهاديين.

 يعلم المشتغلون بالفكر الإسلامي عامة، وبالفكر السياسي الإسلامي خاصة، أنه يمكن الكلام في الفكر السياسي في الإسلام عن مرحلتين اثنتين كبيرتين، لكل منهما سمات تتصف بها وخصائص تميزها. وحيث إنه ليس من غرضنا أن نتوسع في القول في هذه المسألة، فضلا عن كون المقام لا يسمح به بل ولا يقتضيه، فنحن نقول إجمالا إن المرحلة الأولى، المقصودة بالإشارة، هي الفكر الإسلامي في مراحله الأولى، مراحل نشأته وتكونه في القرون الهجرية الأولى. والمرحلة الثانية، أبعد منها فهي التي ننعتها في المعتاد بعصر النهضة أو اليقظة العربية، هي تلك التي أعقبت حقبة طويلة من الركود لا نزال نتواضع على نعتها بعصور الانحطاط. والسؤال الذي يقتضي حديثنا عن فكر الإسلام السياسي، طرحه هو التالي: إلى أي واحدة من المرحلتين المذكورتين يمكن لنا أن ننسب فكر جماعات الإسلام السياسي؟ هل نقول عنه إنه يمت إلى فكر عصر النهضة بصلة، بالنظر إلى القرب الزمني النسبي، أم نقول، بالأحرى، إنه يرتبط بالفكر السياسي الإسلامي في مراحل النشأة الأولى بصلات كثيرة طالما يطرح قضية الخلافة (أو الخلافة الراشدة، الواجب إحياؤها من جديد من أجل النهوض بالإسلام والمسلمين)؟

 لا يجد الدارس والمهتم أمامهما سوى سبيل واحد من أجل الإجابة الشافية عن السؤال المطروح: إنه القيام بتصفح أو استعراض مجمل الأفكار والموجهات الأساسية في فكر كل من المرحلتين المشار إليهما. ولما كان من الصعب علينا القيام بذلك لداعي السببين اللذين ذكرنا أعلاه، وهما يرجعان إلى أن المقام لا يسمح بذلك، فنحن أمام ضرورة الاكتفاء بالخلاصات العامة التي توجد حيثياتها ودواعيها في غير هذا المكان وبعيدا عن مقام هذا الحديث وطبيعته. نقوم بذلك في فقرتين موجزتين غاية الإيجاز.

 إذا ما نظرنا في نتاج المرحلة الأولى (ولنقل في الحديث عنها إنها مرحلة الفكر السياسي الإسلامي في عصره الكلاسيكي)، فنحن نجد أن الفكرة السياسية جعلت مدارا لها مسألة الخلافة (= الإمامة العظمى أو الإمامة فقط). تناول هذه المسألة - كل من زاوية نظر مخالفة الآخر وحسب منهج مغاير، ومقتضيات مختلفة من الناحية النوعية - كلٌّ من المتكلمين (أو علماء أصول الدين)، ورجال أصول الفقه (علماء الأصول أو الأصوليون - في المعنى الدقيق للكلمة)، والمنسبون إلى الحكمة، والمفكرون المؤرخون (والمثال الأكبر هو ابن خلدون). نستعرض أقوالهم جميعا، على اختلاف الرؤى والمناهج، فلا نجد واحدا منهم - من الذين ينتمون إلى دائرة أهل السنة إجمالا - يقول إن الخلافة ركن من أركان الدين، بل إنهم يشتركون في التحفظ على القول إنها من المهمات في الدين. ولا شيء ألبتة يجعل صلة، من أي نوع كانت، بين مفكري الإسلام في الحقبة الأولى ودعاة الإسلام السياسي ومفكريه من كل الأصناف.

 كانت المسألة السياسية قضية محورية في الفكر العربي الإسلامي المعاصر (الطهطاوي، الكواكبي، محمد عبده.... والقائمة طويلة)، وهم جميعهم قد اتفقوا على أن الخلافة الراشدة، بل الخلافة مطلقا، لا مكان لها ولا إمكان لها في الحياة المعاصرة للإسلام والمسلمين. وإنما سبيل الإصلاح آخر، ومن مقتضياته التقرير بأن السياسة تمت إلى مجال التدبير البشري. وإذن، فهم يقفون من دعاوى الإسلام السياسي على الطرف المقابل النقيض. فأما معرفة أسباب النشأة والانتشار في فكر جماعات الإسلام السياسي، وأما تبين مناحي الهزال والتهافت في ذلك الفكر، فذاك حديث آخر.

 

سعيد بنسعيد العلوي

عن صحيفة الشرق الاوسط اللندنية 4-4-2014

يُفترض بالموت في سبيل قضية أن يكون استشهاداً، وأن يكون ذلك أرفع الأعمال نبلاً، لكن الانتحاري يربط فعلته بالدين ثم يقتل عشوائياً في سبيل المعتقد؛ مع تصاعد المعتقد يتدنى المستوى الأخلاقي، ويرتكب التكفيري الانتحاري ما تخجل الوحوش من ارتكابه.

لا بد أن البعض يتساءلون: هل هؤلاء منا؟ وهل نحن وإياهم مجتمع واحد؟ يجيب البعض إن لهم بيئة حاضنة. يجيب آخرون إنهم صنيعة أجهزة المخابرات العربية والدولية، مستشهدين بالدور الذي أنيط بهم في تشكيل المقاتلين «العرب الأفغان» في القتال ضد السوفيات؛ إلى أن تطورت الأمور فصاروا منخرطين في القتال ضد الأنظمة العربية، أريد لهم أن يندسوا في الثورة العربية مع الناس، وينتظموا في عداد العمليات الإرهابية التي صارت موضوعاً لحرب عالمية تتعاون فيها الإمبراطورية مع الأنظمة العربية التي لا خيار لها إلا الاستبداد في وجه الحرية، والتي تتحكّم بمصائر الشعوب العربية، والتي ترفضها هذه الشعوب؛ فكيف تكون هذه الشعوب بيئة حاضنة لمن جعلوا أنفسهم أداة بيد القوى التي لا همّ لها إلا تدجين المجتمع العربي الثائر؟

سواء كانوا قلة في المجتمع، خارجة عنه وعليه، أم كانوا تعبيراً عن جزء منه، إلا أنهم ظاهرة لانقلاب الدين على نفسه؛ وربما جاز القول فيهم إن التكفير يحمل منطق الدين إلى نهاياته في اليأس مما يجري على هذه الأرض، لذا فهم يطلبون الانتقال إلى السماء، علّهم يصيبون ما يشتهون. وهل جزاء القاتل، خاصة صاحب القتل العشوائي، إلا القصاص والعقاب في الدنيا والآخرة؟

لكن الخطاب التكفيري أيضاً يحمل المنطق السياسي للطغاة العرب إلى نهاياته. هؤلاء اقتلعوا المرجعية السياسية من المجتمع، سلخوها عن الناس؛ خافوا من الثورة ومن هذا البعبع الجديد (في نظرهم) الذي اسمه الشعب، فأحدثوا فصلاً تاماً بينه وبين السلطة، بينه وبين النظام السياسي. وضعوا السلطة والمرجعية في أنفسهم. اعتبروا ذواتهم مرجعية عليا متسامية. الوجه الآخر لذلك هو وضع السلطة السياسية لدى مرجعية السماء. خلط فادح بين الدين والسياسة، بين مرجعية الدين ومرجعية السياسة، بحيث لا يبقى أحد براء منهم. الخلط بين مرجعية الأرض ومرجعية السماء يبقى أساسياً في الإيديولوجيا السائدة عند العرب. وهو يبقى سائداً لأن أهل السياسة لا يرون سبيلاً للقبض على شعوبهم وإخضاعها إلا عن طريق القبض على السماء. تخالهم جميعهم ينطقون باسم السماء. سواء كانوا متدينين أو غير ذلك. يبقى الخطاب الديني هو السائد في السياسة، هو خطاب امتلاك الحق والحقيقة. والفرق ليس كبيراً بين فريق يعتبر نفسه حاملاً للحق والحقيقة وفريق آخر ينفي الحق والحقيقة عن الذين لا يوافقونه الرأي والموقف. إذا كانت الحقيقة إيجاباً والتكفير سلباً، فإنه يصعب أو يستحيل وجود أحدهما من دون الآخر.

بقي الخطاب الديني مسيطراً على عقل أهل السياسة عندنا، ولو بأشكال مختلفة. هو المكبوت والمضمر الذي لا نستطيع الحديث عنه. المحادثة الجدية تتطلب الجهر بالرأي ونقيضه؛ والحوار بينهما. أليس غريباً كثرة التكفيريين عندنا في حين أنه لا يجرؤ أحد على إعلان كفره؟ يتباهى الجميع بتبني مبدأ حرية المعتقد ولا يجرؤ أحد على تأييد مبدأ الحرية في المعتقد. منطلق الحرية هو كسر أغلال كل المعتقدات الموروثة. لا نصير أحراراً من دون تحطيم الأغلال الفكرية.

يتجرأ التكفيريون على مجتمعنا بأفعالهم الإجرامية لأننا سمحنا لهم قبل ذلك، وعلى مدى طويل، بالسيطرة على الخطاب السياسي والإيديولوجي. يصادرون المجتمع الآن لأننا نحن بقينا أسرى المنطق الذي تأسس عليه الإسلام السياسي؛ والتكفيريون هم أفراخ الإسلام السياسي. لا يتجرأون علينا إجرائياً إلا لأنهم تجرأوا علينا إيديولوجياً. تبنت النخب العربية خطابهم قبل أن يفرضوا عليها الرعب منهم. تبنت النخب العربية التراث؛ وعندما تحوّل التراث إلى سلفية مدعومة بالمال النفطي والمذهبية السلفية الوهابية، لم يبق أمام النخب العربية إلا أن تصمت أو تنضوي، في «المشروع» الجديد خوفاً أو حرصاً على مصلحة.

إن صمت النخب السياسية والثقافية على الخطاب التكفيري، لا بل تبني الخطاب السلفي الذي شكّل بؤرة تفريخ له، هذا الصمت بل التبني المضمر هو في أساس المشكلة الفاجعة التي نرى آثارها الظاهرة أعمالاً تفجيرية انتحارية وحشية.

عن السفير اللبنانية

21-2-2014

يُفترض بالموت في سبيل قضية أن يكون استشهاداً، وأن يكون ذلك أرفع الأعمال نبلاً، لكن الانتحاري يربط فعلته بالدين ثم يقتل عشوائياً في سبيل المعتقد؛ مع تصاعد المعتقد يتدنى المستوى الأخلاقي، ويرتكب التكفيري الانتحاري ما تخجل الوحوش من ارتكابه.

لا بد أن البعض يتساءلون: هل هؤلاء منا؟ وهل نحن وإياهم مجتمع واحد؟ يجيب البعض إن لهم بيئة حاضنة. يجيب آخرون إنهم صنيعة أجهزة المخابرات العربية والدولية، مستشهدين بالدور الذي أنيط بهم في تشكيل المقاتلين «العرب الأفغان» في القتال ضد السوفيات؛ إلى أن تطورت الأمور فصاروا منخرطين في القتال ضد الأنظمة العربية، أريد لهم أن يندسوا في الثورة العربية مع الناس، وينتظموا في عداد العمليات الإرهابية التي صارت موضوعاً لحرب عالمية تتعاون فيها الإمبراطورية مع الأنظمة العربية التي لا خيار لها إلا الاستبداد في وجه الحرية، والتي تتحكّم بمصائر الشعوب العربية، والتي ترفضها هذه الشعوب؛ فكيف تكون هذه الشعوب بيئة حاضنة لمن جعلوا أنفسهم أداة بيد القوى التي لا همّ لها إلا تدجين المجتمع العربي الثائر؟

سواء كانوا قلة في المجتمع، خارجة عنه وعليه، أم كانوا تعبيراً عن جزء منه، إلا أنهم ظاهرة لانقلاب الدين على نفسه؛ وربما جاز القول فيهم إن التكفير يحمل منطق الدين إلى نهاياته في اليأس مما يجري على هذه الأرض، لذا فهم يطلبون الانتقال إلى السماء، علّهم يصيبون ما يشتهون. وهل جزاء القاتل، خاصة صاحب القتل العشوائي، إلا القصاص والعقاب في الدنيا والآخرة؟

لكن الخطاب التكفيري أيضاً يحمل المنطق السياسي للطغاة العرب إلى نهاياته. هؤلاء اقتلعوا المرجعية السياسية من المجتمع، سلخوها عن الناس؛ خافوا من الثورة ومن هذا البعبع الجديد (في نظرهم) الذي اسمه الشعب، فأحدثوا فصلاً تاماً بينه وبين السلطة، بينه وبين النظام السياسي. وضعوا السلطة والمرجعية في أنفسهم. اعتبروا ذواتهم مرجعية عليا متسامية. الوجه الآخر لذلك هو وضع السلطة السياسية لدى مرجعية السماء. خلط فادح بين الدين والسياسة، بين مرجعية الدين ومرجعية السياسة، بحيث لا يبقى أحد براء منهم. الخلط بين مرجعية الأرض ومرجعية السماء يبقى أساسياً في الإيديولوجيا السائدة عند العرب. وهو يبقى سائداً لأن أهل السياسة لا يرون سبيلاً للقبض على شعوبهم وإخضاعها إلا عن طريق القبض على السماء. تخالهم جميعهم ينطقون باسم السماء. سواء كانوا متدينين أو غير ذلك. يبقى الخطاب الديني هو السائد في السياسة، هو خطاب امتلاك الحق والحقيقة. والفرق ليس كبيراً بين فريق يعتبر نفسه حاملاً للحق والحقيقة وفريق آخر ينفي الحق والحقيقة عن الذين لا يوافقونه الرأي والموقف. إذا كانت الحقيقة إيجاباً والتكفير سلباً، فإنه يصعب أو يستحيل وجود أحدهما من دون الآخر.

بقي الخطاب الديني مسيطراً على عقل أهل السياسة عندنا، ولو بأشكال مختلفة. هو المكبوت والمضمر الذي لا نستطيع الحديث عنه. المحادثة الجدية تتطلب الجهر بالرأي ونقيضه؛ والحوار بينهما. أليس غريباً كثرة التكفيريين عندنا في حين أنه لا يجرؤ أحد على إعلان كفره؟ يتباهى الجميع بتبني مبدأ حرية المعتقد ولا يجرؤ أحد على تأييد مبدأ الحرية في المعتقد. منطلق الحرية هو كسر أغلال كل المعتقدات الموروثة. لا نصير أحراراً من دون تحطيم الأغلال الفكرية.

يتجرأ التكفيريون على مجتمعنا بأفعالهم الإجرامية لأننا سمحنا لهم قبل ذلك، وعلى مدى طويل، بالسيطرة على الخطاب السياسي والإيديولوجي. يصادرون المجتمع الآن لأننا نحن بقينا أسرى المنطق الذي تأسس عليه الإسلام السياسي؛ والتكفيريون هم أفراخ الإسلام السياسي. لا يتجرأون علينا إجرائياً إلا لأنهم تجرأوا علينا إيديولوجياً. تبنت النخب العربية خطابهم قبل أن يفرضوا عليها الرعب منهم. تبنت النخب العربية التراث؛ وعندما تحوّل التراث إلى سلفية مدعومة بالمال النفطي والمذهبية السلفية الوهابية، لم يبق أمام النخب العربية إلا أن تصمت أو تنضوي، في «المشروع» الجديد خوفاً أو حرصاً على مصلحة.

إن صمت النخب السياسية والثقافية على الخطاب التكفيري، لا بل تبني الخطاب السلفي الذي شكّل بؤرة تفريخ له، هذا الصمت بل التبني المضمر هو في أساس المشكلة الفاجعة التي نرى آثارها الظاهرة أعمالاً تفجيرية انتحارية وحشية.

عن السفير اللبنانية

21-2-2014

أنسنة الفكر الإسلامي وخطابه بتضمينه القيم الإنسانية، اتجاه برز وتطور مؤخراً على أيدي نخبة فكرية مستنيرة، منها: الشيخ حسن الصفار في سلسلة مؤلفاته ومقالاته التي أبرزت الجانب الإنساني في الإسلام وبخاصة كتابه القيم "الخطاب الإسلامي وحقوق الإنسان". استمع إليه شارحاً قوله تعالى "ولقد كرمنا بني آدم" يقول "عندما خلق الله تعالى الإنسان أقام له مهرجاناً كونياً للاحتفاء به، وأمر الملائكة بأداء مراسيم التحية والإكرام له بالسجود، لقد ربط القرآن الكريم، التكريم ببني آدم، أي أن التكريم للإنسان لكونه إنساناً، فالإنسانية وحدها علة التكريم وليس الدين أو المذهب أو الجنس أو الجنسية أو اللغة أو اللون، وهو بهذه الصفة له حقوق كاملة، لا يجوز لأحد أن ينتهكها أو يمسها".

وينتقد الشيخ الخطاب الإسلامي، وضعف اهتمامه بحقوق الإنسان مقارنة باهتمامه بالقضايا العقدية والعبادية والسياسية، رغم أن القرآن الكريم أكد هذه الحقوق قبل مواثيق حقوق الإنسان بعشرة قرون، واعتبر الاعتداء على فرد عدواناً على البشرية جمعاء.

وللدكتور عبدالجبار الرفاعي، المفكر العراقي، كتابه المرجعي الهام "إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين". الإنسان عنده "كائن ديني" تكون ضميره الأخلاقي وعرف العدالة من الدين، لكن على مر العصور تراكم على جوهر الدين، موروثات فلسفية وأيديولوجية وفقهية ومذهبية حجبت الجوهر الأصيل للدين، والذي يتجسد في القيم الإنسانية والأخلاقية، ومن هنا علينا إنقاذ هذا الأصل المغيب بإعادة قراءة للقراءات المتعددة للدين، انطلاقاً من مبدأ المطابقة بين الدين ونزوعه الإنساني.

وللدكتور سعد الدين هلالي، أستاذ الفقه بالأزهر، كتاب نفيس "الإسلام وإنسانية الدولة" سعى فيه إلى إبراز الإسلام ديناً إنسانياً يعتمد العقلانية وحرية الاختيار، وأخيراً، للباحث المفكر زكي الميلاد، كتيب رائع "الإسلام والنزعة الإنسانية: كيف نعطي النزعة الإنسانية قوة المعنى؟"، أصّل فيه النزعة الإنسانية في المجال الإسلامي من مصادرها الشرعية، ساعياً إلى إحيائها وتفعيلها بهدف تغيير أوضاعنا العامة، والنزعة الإنسانية عند المؤلف، ذات 3 أبعاد هي: البعد القيمي المستند إلى وحدة الأصل، والبعد الحقوقي المستند إلى قاعدة المساواة بين البشر، والبعد الفكري المستند إلى أن الإنسان صاحب عقل وإرادة.

يتساءل الباحث: هل توجد نزعة إنسانية في القرآن الكريم؟ ويجيب بأن الكتابات في هذا الشأن قليلة، لكنه يثبت تفوق الموقف القرآني في نزوعه الإنساني، وينقل عن د. النجار قوله "إن المذهب الإنساني في القرآن رائع وأخاذ"، وعن هشام جعيط "أن الإنسان يحتل في القرآن مكانة مركزية" في إشارة إلى مقالته "النزعة الإنسانية والعقلانية في الإسلام"، ويستفيض في سرد الآيات القرآنية عن خلق الإنسان ونفخ الروح فيه وتعليمه الأسماء وسجود الملائكة له، وجعله خليفة في الأرض وتسخير الكون له، لينتهي إلى القول "بأن الإنسان ليس كائناً بيولوجيا فحسب، بل هو كائن فيه أيضاً نفخة من روح الله، تجعله يتطلع دوماً إلى السمو الروحي". ويعرج المؤلف على جهود المفكر محمد أركون في مجال الأنسنة، ليقدرها ويراها الأوسع والأضخم والأسبق في مجال المحاولات وأكثرها ثراءً، إذ ترجع إلى ستينيات القرن الماضي في رسالة أركون للدكتوراه 1969 ليتعرف العالم العربي إليها بعد ربع قرن في كتاب "نزعة الأنسنة في الفكر العربي.. جيل مسكويه والتوحيدي" 1997، ولاحقاً كتابه "معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلامية" 2001، يسلط الباحث الأضواء على جهود أركون، محللاً وناقداً، ويأخذ على منحاه "هو بخلاف نهج المفكرين الذين وجدوا في القرآن الكريم منبعاً ثرياً وصافياً ومتجددا لاكتشاف نزعة إنسانية إسلامية، مثل شريعتي وجعيط".

ما أهمية إبراز هذه الدراسات المعنية بالنزعة الإنسانية في الإسلام، في وقتنا؟ لا شك أن حاجتنا إلى إبراز هذه النزعة في ديننا، اليوم، هي بسبب "التوظيف المفرط" للدين في صراعاتنا السياسية وخلافاتنا الأيديولوجية والمذهبية، والتي يذهب ضحاياها آلاف البشر سنوياً، هذا التوظيف الذي يمارسه تياران:

1- تيار الإسلام القاعدي الذي تجاوز كل الثوابت، وداس كل المحرمات، وأهدر كل قيمة للإنسان، أين يحصل: انتحاري شاب يلبس حزاماً ناسفاً، يدخل مجلس عزاء فيفجر نفسه في المحزونين، ليتطايروا أشلاء؟! وأين يحصل: يقطعون رؤوس البشر ويفصلونها عن الأجساد ليتلاعبوا بها كالكرة؟!

2- تيار الإسلام السياسي الذي استرخص البشر في صراعات دموية على السلطة، انظر حولك على امتداد الساحة العربية: ما أرخص دم الإنسان العربي!

 

كيف نرسخ "الأنسنة" في مجتمعاتنا؟

عبر استراتيجية وطنية تقوم على تفعيل المفاصل الرئيسية الحاكمة التي تصوغ وتوجه ثقافة المجتمع، وتشكل عقول أفراده ووجدانهم، ومنها:

1- المفصل التعليمي: بتضمين المناهج، قيم التسامح واحترام التعددية وحقوق الإنسان والمرأة ونقد الذات وقبول الآخر وثقافة الاختلاف، وتبني المنهج النقدي في تدريس التاريخ الإسلامي، وتدريس "تاريخ الأديان المقارن" طبقاً لمناهج البحث الحديثة لا كما يدرس اليوم للانتصار لمذهب ضد آخر، وتخصيب المناهج الدراسية بأفكار المجددين الإسلاميين، مثل الإمام محمد عبده والشيخ شلتوت.

2- المفصل التربوي: بتربية الناشئة على ثقافة الحوار والتسامح وقبول الآخر المختلف ديناً أو مذهباً.

3- المفصل الديني: بإحياء النزعة الإنسانية في الخطاب الديني، مصداقاً لقوله تعالى "ولقد كرمنا بني آدم" واحتضان الإنسان لكونه إنساناً بغض النظر عن معتقده أو مذهبه أو جنسه، وبتعظيم القواسم المشتركة بين الأديان والمذاهب، وتجريم استخدام المنابر الدينية في غير أهدافها الشرعية الجامعة للمسلمين والهادية للحق والخير، وهذا يستلزم ضبط الفتاوى التكفيرية والتشكيكية ومحاسبة أصحابها عبر قانون بتجريم التحريض على الكراهية.

4- المفصل الإعلامي: نريد إعلاماً مسؤولاً، متوازناً، ينمي القيم الإنسانية ويؤكد ما يجمع الشعوب المختلفة ويؤلف بين أبناء المجتمع الواحد، ويتجنب التحريض والإثارة، وينبذ التعصبات المذهبية والقبلية والطائفية، نريد إعلاماً إيجابياً يعزز قيم الاعتدال والتسامح والمحبة وقبول الآخر.

5- المفصل التشريعي: بإعلاء سيادة القانون على الجميع، وتحقيق المساواة بين الناس، وتجنب التمييز والإقصاء أو الانحياز لفئة أو طائفة أو جنس أو مذهب.

6- المفصل السياسي: إن "تسييس" الدين هو الآفة الكبرى التي ابتليت بها مجتمعاتنا وأنتجت آثاراً مرعبة، ومن هنا على السلطة السياسية العربية أن تنأى بنفسها عن الانحيازات المذهبية والدينية، وعلينا إخراج "الدين" من ساحة الصراعات السياسية، فالدين للجميع، ولا ينبغي احتكاره من أحد.

* كاتب قطري

الجريدة 27-1-2014

للأسف لا. يا ليت! كم أتمنى لو أغمض عيني وأفتحها فأرى سوريا وقد أصبحت مثل هولندا ازدهارا وسلاما، أو مصر مثل فرنسا، أو تونس الخضراء مثل سويسرا، الخ.. كنت سأقفز على ثلاثة قرون من الاستبداد السياسي والحروب الأهلية والمجازر الطائفية والأصولية الظلامية.. وكنت سأقفز أيضا على ثلاثة قرون من عناء البحث العلمي عن الحقيقة في كل المجالات! ينبغي العلم بأنه حصلت ثلاث ثورات فكرية تحررية في أوروبا قبل أن تتصالح المسيحية مع الحداثة، في حين أنه لم تحصل أي واحدة منها في العالم العربي أو الإسلامي كله. لهذا السبب يحدث ما يحدث الآن في مصر وغير مصر من صدامات مروعة حيث يعرقل «الإخوان» مسيرة الشعب نحو التقدم والتسامح والحرية.

كيف يمكن أن نتصالح مع أنفسنا إذن؟ كيف يمكن أن نحل مشكلة الصراعات المذهبية والطائفية ونحن لا نزال في المرحلة اللاهوتية التكفيرية التي تجاوزتها أوروبا منذ 150 سنة على الأقل؟ عندما يلتقي ألمانيان في الصين أو اليابان أو أقاصي الأرض هل تعتقدون أن أول سؤال يراودهما هو التالي: من أي مذهب هو يا ترى؟ هل هو بروتستانتي مثلي أم كاثوليكي مضاد؟ مستحيل. هذا شيء لا يخطر على بالهما على الإطلاق، في حين أنه أول تساؤل يخطر على بال السوري أو اللبناني أو العربي عموما عندما يلتقيان في باريس ولكن من دون أن يتجرأ أحدهما على البوح به بالطبع. والسبب هو أن ألمانيا حلت المسألة الطائفية فكريا أولا، على يد كانط وهيغل وفيخته وبقية التنويريين، ثم سياسيا ثانيا، على يد بسمارك ومن تلاه. هذه مسألة أصبحت محسومة ومهضومة تماما من قبل الشعب وبرامج التدريس ولم تعد تشكل أي عرقلة في ألمانيا. لقد أصبحت وراء ظهرهم. كلهم متساوون في المواطنة والحقوق والواجبات. كلهم ألمان بنفس الدرجة. لا يوجد ألماني درجة أولى وآخر درجة ثانية أو حتى ثالثة! والألماني المتفوق يكافئونه بدلا من أن يعاقبوه! ولذلك فإن الوحدة الوطنية الألمانية راسخة رسوخ الجبال. وقل الأمر ذاته عن الوحدة الوطنية الفرنسية، الخ.. ولكن يكفي أن نعود إلى القرن السابع عشر لكي نغطس في حمأة الحروب المذهبية الطاحنة حيث لم يكن البروتستانتي يطيق رؤية الكاثوليكي والعكس بالعكس. كانوا متناحرين يذبحون بعضهم بعضا على الهوية مثلنا الآن. بل واستمرت المشكلة تنغص عيشهم طيلة القرن الثامن عشر. ولولاها لما كانت هناك حاجة إلى التنوير أصلا. قد يقول قائل: ولكن هل سننتظر 200 سنة لكي نحل المشكلة الطائفية؟ والجواب لا لسببين؛ الأول، هو أننا نعيش في عصر الثورة المعلوماتية التي اختصرت الزمن والمسافات. وبالتالي فما كان يهضم في قرنين أصبح ممكنا هضمه في نصف قرن مثلا. والثاني هو أننا محاطون بالحداثة الكونية من كل الجهات وبالتالي فهناك تسريع إجباري للتطور. نحن مراقبون من قبل أمم كبرى في الغرب والشرق وما عدنا قادرين على أن نقول أي شيء أو نفعل أي شيء. حتى أمد قريب، أي حتى 11 سبتمبر تحديدا، كانت أصوات شيوخ الجوامع سلبية إزاء المعتقدات الأخرى بلا رقيب أو حسيب. أما الآن فقد أصبح ذلك صعبا جدا. الآن أصبحت تعقد مؤتمرات عالمية لحوار الأديان أو للتقريب بين المذاهب الإسلامية... الخ. وهناك سبب ثالث أيضا، وهو أن فتوحات الأمم المتقدمة ماثلة أمامنا. وهي تعفينا من اختراع كل شيء أو إعادة اختراعه من جديد. إنها ملك لنا أيضا بل وللبشرية بأسرها. فلسفة كانط أو هيغل أو هابرماس ليست فقط للألمان! فلسفة ابن رشد كانت يوما ما ملكا لكل الأوروبيين. ولكن هذا لا يعني أن المشكلة الطائفية التي تؤرقنا حاليا وتمزق وحدتنا الوطنية ستحل في سنتين أو ثلاث! هذه مشكلة مفصلية تاريخية ضخمة لا تحل بسهولة ولا من خلال جيل واحد أو جيلين. كم أتمنى أن أكون مخطئا! ولكن ما يزيد من تشاؤمي هو أن تطبيق منهج النقد التاريخي على الانغلاقات التراثية لا يزال ممنوعا في العالم الإسلامي حتى اللحظة. وحده الباكستاني فضل الرحمن والجزائري محمد أركون طبقاه ولكن خارج أرض الإسلام: الأول في جامعة شيكاغو، والثاني في جامعة السوربون. ولو بقيا في بلديهما لما استطاعا البحث بحرية في مجال حساس جدا. ولما استطاعا إتحافنا بكل هذه المؤلفات التدشينية الكبرى. أضف إليهما عبد الوهاب المؤدب ومؤلفاته التحريرية الرائعة. من دون تطبيق هذا المنهج التفكيكي – الأركيولوجي على التراث لا يمكن أن نتخلص من منظور القرون الوسطى التكفيري الإقصائي. عندما نخرج من هذا المنظور الإقصائي للدين يمكن أن نعترف بوجود عدة طرق إلى الله لا طريق واحد على عكس ما يزعم المتطرفون. والغريب العجيب أن القرآن الكريم يعترف بمشروعية التعددية الدينية «ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة» ولكن ليس فقهاء الفضائيات! فهل كلام البشر أعلى من كلام القرآن؟!

هذه الطفرة المعرفية الحاسمة استغرقت من الغرب المسيحي ثلاثمائة سنة حتى تجرأوا عليها وحققوها إبان انعقاد مجمع الفاتيكان الثاني عام 1962 - 1965. عندئذ تخلى الفاتيكان لأول مرة عن لاهوت التكفير واعتنق مكانه لاهوت التحرير والإيمان المستنير. وهو إيمان رحب واسع يتسع لكل خلق الله الصالحين أيا تكن أديانهم أو مذاهبهم. أما نحن فيمكن أن نحقق هذه القفزة خلال الثلاثين سنة المقبلة ولسنا بحاجة إلى ثلاثة قرون! هذا هو حرق المراحل أو تقليصها. ولكن هضم هذه الثورة الدينية الكبرى من قبل الجماهير الشعبية سوف يستغرق وقتا أطول بكثير. بل وحتى الكثير من المثقفين أو أشباه المثقفين والحركيين السياسيين الانتهازيين بحاجة إلى تحرير وليس فقط الجماهير! وبعضهم أخطر بكثير لأنهم يدعون الحداثة والديمقراطية ثم يلقون بأنفسهم في أقرب فرصة في أحضان شيوخ التكفير والظلام! أخيرا فإن التواريخ التي أقدمها عن آفاق التطور العربي تقريبية. أحيانا أقول ثلاثين سنة وأحيانا خمسين أو حتى سبعين سنة.. المقصود من كل ذلك أن شيئا ما سيحصل في عالم الإسلام لا محالة خلال السنوات القادمة. وهو شيء منتظر بفارغ الصبر من قبل العالم أجمع!

 

د. هاشم صالح، الشرق الاوسط 10-8-2013

الإسلاميون مثلنا، أهل دنيا، وها هي فتوى «نكاح الجهاد» تُبشر بالزمن الذي افتتحوه في أعقاب حركة التـغيـير التي شـهدهـا الـعالم العـربي، بـعد أن كانت بواكيرها فـتاوى إرضاع الـكبـير ومعاشرة الزوجـة بعد موتـها وقـتـل ميكي ماوس وغـيرها.

هم أهـل دنيا وأهـل آخرة، وفي هـذا طمـع لا يـستقيم معه الإيـمان الذي يـدّعونه. فالشراهة التي أبداها هؤلاء في الإقـبال على المـلذات تبدو مدهشة في تفوقها على ما نبديه من إقبال، ذاك أننا وفي سياق إقبالنا الخـجول والـمرتـبك على مـا نريد من مـتع، نـبدو غـير مـحـصنين بـغير شـطـطنا الذي أمـلته عـلينا حـداثة متـعثرة لم تجد لنفسها نصاً ولا أثراً في ما ورثناه وما تـعلمناه وما عـشـناه. أما هم فسائرون إلى المتع بتصميم لا يهزه خجل، ولا يعتريه تردد. فالفـتوى أقـوى وإن جـاءت من خارج الـثقافة ومن خارج القيم.

لقد سبق أن ذهبنا إلى حروب كثيرة محمَّلين بنزواتنا ورغباتنا، لكن واحداً منا لم يقوَ على طلب المتعة في الحرب. كثيرون منا مارسوا متعاً، لكنهم مارسوها في العراء غير محصنين بنصوص، وكانوا كمن يسرق شيئاً ثم يعيده. طلبوا متعاً من خارج قيم الحرب التي خاضوها. القيم البشعة للحرب لم تكن تحتمل طلباً معلناً للمتعة على رغم بشاعتها. اليوم يأتي من يقول إن من حق المقاتل البعيد عن أهله أن يفعلها.

والحال أننا في ارتباكنا بمتعنا وفي تبديدنا إياها في حروب أخرى، نشبه أنفسنا أكثر مما يشبه الإسلاميون طالبو المتعة ومُفتوها أنفسهم. وعلى الأرجح أننا في ارتباكنا وترددنا أصبنا منها أكثر مما أصابوا هم. فالفعلة بالنسبة إليهم ليست تبادلية، هي تنفيذ لمضمون فتوى، وإحقاق لحق المجاهد، وفي هذا حرمان لها وله من الكثير من أوجهها.

ثم إن هذيان الفتاوى وما رافقه من صور وفيديوات وسجالات، أنزل الإسلاميين إلى سوية لم يسبق أن بلغناها، نحن زعران الحروب العادية وغير «الجهادية» ممن قاتلوا في الحروب اللبنانية السابقة أو مثيلاتها في بلدان أخرى. فهم في تظهيرهم رغباتهم وفي شطط كلامهم تولوا تهشيم صورة الشيخ التي خرجوا منها أصلاً. إنهم طالبو متعة وطالبو جهاد في آن، بينما نحن ذهبنا إلى «الجهاد» مخبئين متعنا وخجلين منها وسارقينها، معتقدين أنها تخالف نصوص الحرب التي ذهبنا لخوضها.

والشيوخ على ما تُظهرهم فضائياتهم وفيديواتهم، فقيرو خيال ومعرفة في ما يتكلمون. هم تماماً كما موجات المغنين غير الأكفاء، وإذا كان بعضهم وصل إلى المجلس النيابي في بلده على نحو ما جرى للشيخ السلفي الذي أصلح أنفه في مصر، أو تمكن من حجز منبر في مسجد كبير على نحو ما فعل شيخ «نكاح الجهاد» في تونس، فإن المغنين غير الأكفاء لا يقلون تأثيراً في مجتمعاتهم. ذاك أن شعبان عبدالرحيم وإن شكل إهانة للوجدان الطربي المصري، إلا أنه صار على كل شفة ولسان في القاهرة.

ونزع شيوخ الفتاوى عن سياق صعود الإسلاميين في ظل «الربيع العربي»، وهي مهمة يحاول بعض مثقفي «الإخوان المسلمين» القيام بها، مهمة من المستحيل إنجازها. إنهم أبناء شرعيون لهذا الصعود، و «الإخوان» أنفسهم في سعيهم إلى طرد هؤلاء من موجة صعودهم، يعودون للتحالف معهم في أوقات الضيق. فالشيوخ السلفيون هم مَنْ يتولى الدفاع عن الرئيس المصري محمد مرسي في الفضائيات الدينية، ثم إن الأخير لا يخلو أداؤه من سقطات شيوخ الفتاوى، ذاك أن اللغة التي لا تسعفه في الكثير من خطبه، إنما تفعل ذلك بسبب انتمائها إلى قاموس شيوخ الفتاوى، وهي بذلك عاجزة عن تلبية مَنْ يرغب في مخاطبة المصريين وغير المصريين من غير جمهور الشيوخ. فالرجل تعثر باللغة الإنكليزية على رغم أنه درس في أميركا، وهو أتى بحركات لا يأتي بها الرئيس أثناء وقوفه إلى جانب رئيسة بلد آخر (انغيلا مركل) لأنه سليل بداهة في الأداء الجسماني، لا نص ولا فتوى تنزع عنها شرعيتها.

والفتاوى، سليلة صعود الإسلاميين، إنما أيضاً المؤشر الأبرز على صعوبة صمودهم في ما وصلوا إليه، ذاك أنها غريبة فعلاً عن الثقافة التي يدعون تمثيلها. ولا نعني هنا الثقافة الإسلامية، إنما ثقافة المجتمعات التي صدروا عنها. فـ «إرضاع الكبير» أصاب من الذهول في الوعي المحلي ما يفوق ما أصابه في الوعي العالمي، وها هو «جهاد النكاح» يترنح تحت وطأة السخرية التي خلفها. بل إن الاقتراب من نقاش تلك الفتوى بغير السخرية يعرّض المُقدم عليه لأن يصيبه شيء من السخرية، فها هو وزير الشؤون الدينية التونسي نور الدين الخاتمي عرضة لسهام الضحك الأسود نتيجة رده على مفتي «جهاد النكاح» بعبارة: «إن هذه الفتوى لا تُلزم غير مُطلِقها من الشعب التونسي ومن مؤسسات الدولة».

كم يبدو طلب المتعة في «بلاد الجهاد» صورة عن السلطة المرتجاة، وكم تبدو الفتوى مؤشراً إلى نوعها وإلى مضمونها، وكم يبدو ذلك غير شرعي إذا ما قسناه بقيم الثورات التي انطلقت طالبة شرعيتها من الحق في المساواة وفي التعبير، وفي كسر احتكار التمثيل وتزويره. فطلب المتعة ينطوي بصيغته هذه على مقدار من العسف والاحتكار والتسلط، ذاك أنه مطلب بحق بدهي يتمثل في «إمتاع المجاهد»، على ما يرمز الأخير من صُوَر للسلطة وللذكورة ولادعاء الحق، فيما تذهب السيدات من تونس إلى سورية بـ «إرادتهن» المزورة قاطعات الحدود وواصلات إلى مدن السكود... فقط من أجل «المجاهدين».

قد لا تكون هذه هي الحقيقة، إنما هي صورة عن الحقيقة المرتجاة كما يشتهيها شيوخ «الجهاد» ومفتوهم.

إنهم ذاهبون إلى الدنيا، وليسوا ذاهبين لملاقاة وجه ربهم. لكن دنياهم غير دنيانا، فهي واضحة وحادة وغير مترددة ومسنودة بنص يدعي الحق بكل شيء، فيما دنيانا عاثرة ومترددة، غير واثقة من حقها بشيء.

نحن زعران الحروب .. وهم مجاهدوها.

 

حازم الأمين

الأحد ٣١ مارس ٢٠١٣

عن صحيفة الحياة اللندنية

 

عرفت هذا الأسبوع خبر إستقالة بابا الفاتيكان وفي الحقيقة لم أهتم كثيرا بهذا الخبر، بل ورد في بالي رغبة وأمل في أن يحذو رجال الدين في العالم كله حذو بابا الفاتيكان ويستريحوا ويريحوا، وأخذت أتخيل وأحلم، مذا سيحدث للعالم لو إستقال كل رجال الدين في العالم؟:

• هل ستنهار البورصات العالمية؟ الإجابة: بالطبع لا

• هل ستتوقف حركة المطارات في العالم؟ الإجابة: بالطبع لا

• هل ستتوقف حركة البناء في العالم؟ ؟ الإجابة: بالطبع لا

• هل ستتوقف حركة البحث العلمي والإختراع في العالم؟ الإجابة: بالطبع لا

• هل ستتوقف حركة القطارات في العالم؟ ؟ الإجابة: بالطبع لا

• هل ستتوقف الإنترنت؟ الإجابة: بالطبع لا

• هل سيتوقف دوري الكرة الإنجليزي؟ الإجابة: بالطبع لا

• هل سيتوقف ميسي عن إحراز أهداف برشلونة؟ الإجابة: بالطبع لا

• هل ستتوقف المصانع عن العمل؟ الإجابة: بالطبع لا

• هل ستتوقف الصين عن غزو العالم بمنتجاتها؟ الإجابة: بالطبع لا

• هل ستتوقف أساطيل أمريكا عن الحركة في بحار ومحيطات العالم؟ الإجابة: بالطبع لا

• هل ستتوقف المزارع في العالم؟ الإجابة: بالطبع لا

• هل ستتوقف المدارس والجامعات عن تعليم الطلبة؟ الإجابة: بالطبع لا

• هل ستتوقف السيدات عن الإنجاب؟ الإجابة: بالطبع لا

• هل ستنتهي الأديان في العالم؟ الإجابة: بالطبع لا

• هل سيتوقف البشر المؤمنون عن الصلاة والدعاء لخالقهم؟ الإجابة: بالطبع لا

• وبدون لف ولا دوران هل سيتوقف أي نشاط مفيد للبشرية إذا إستقال كل رجال الدين في العالم؟ الإجابة: بالطبع لا

• وهل يحتاج البشر وسيط أو سمسار أو وكيل بينهم وبين خالقهم؟ الإجابة: بالطبع لا

إذن ما الذي سيتوقف إذا إستقال كل رجال الدين في العالم؟

• هل ستوقف القتل بإسم الدين؟ الإجابة: بالطبع نعم

• هل ستتوقف الكراهية بين الناس بسبب إختلاف الأديان؟ الإجابة: بالطبع نعم

• هل سيتوقف لابسي الأحزمة الناسفة عن قتل أنفسهم وقتل الآخرين؟ الإجابة: بالطبع نعم

• هل ستتوقف الفتاوي الهايفة من نوع: إرضاع الكبير وزواج الأطفال والزواج من الجن؟ الإجابة: بالطبع نعم

• هل سيتوقف أرزقية الأديان عن العمل؟ الإجابة: بالطبع نعم

• هل ستنتهي مافيا توزيع تذاكر دخول الجنة والنار؟ الإجابة: بالطبع نعم

• هل سيبدأ البشر في إستخدام عقولهم بشكل أكبر؟ الإجابة: بالطبع نعم

• هل سيتوقف البشرعن الحصول على الأجوبة الجاهزة والمعلبة؟ الإجابة: بالطبع نعم

• هل سيتوقف الخلط بين الدين والسياسة؟ الإجابة: بالطبع نعم

• هل سيتوقف بعض رجال الدين عن إستخدام الدين للوصول للسلطة؟ الإجابة: بالطبع نعم

• هل ستتحول دور العبادة إلي مراكز إشعاع علمي وإجتماعي بدلا من مراكز بث الكراهية وتخويف الناس من النار وعذاب القبر والثعبان الأقرع؟ الإجابة: بالطبع نعم

• هل سيتوقف تفسير أي كارثة طبيعية على أنه غضب من الله؟ وكأن الله خلق البشر لكي يعذبهم في الدنيا قبل الآخرة؟ الإجابة: بالطبع نعم

...

وأخيرا أقولها لرجال الدين: نحن لسنا في حاجة إلي وسيط ليقربنا إلي الله أو ليعرفنا بالله، الوسطاء يمتنعون!!

إستقيلوا يرحمكم الله!!

سامي البحيري

ايلاف

http://www.elaph.com/Web/opinion/2013/2/793206.html?entry=opinion

 

 فيما ترى التيارات الإسلامية السلفية والسياسية، وأهمها الإخوان المسلمون، أن ما تعانى منه مجتمعاتنا من انحطاط تام على كل المستويات هو شأن هين وسهل، وأن الحل عندهم وجاهز بأيديهم،

في الأمس رحل أبرز مفكر إسلامي حر وشجاع عرفته شخصياً، وهو محمد أركون. ويبدو أن عام 2010 هو عام الرحيل الجسدي عن هذا العالم، للمفكرين الإسلاميين الأحرار، الذين حطموا كثيراً من الطواطم السلفية والأصولية الدينية،

نعرض في هذه الورقة جولة في فكر الدكتور محمد أركون، صاحب أحد المشاريع الفكرية والمعرفية، الذي استهدف أساسا فتح آفاق واسعة للفكر العربي الإسلامي عبر تطبيقاها لمنجزات ومناهج العلوم الإنسانية الحديثة على دراسة الإسلام.

تأملوا معي هذا المشهد الرائع من سورة النساء الممتد من الآية 105 إلى الآية 113، يقول الله في إحدى آياته:"ومن يكسب خطيئةً أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً"..

سبق وكتبت مقالات عديدة عن العلمانية، وربما ستشتمل هذه المقالة على بعض الإعادات، ولو من حيث المضامين، ولكني سأبحث هنا بشكل خاص العلاقة بين العلمانية والدين، وإن كنت بكل

sayd_alqamaniمعاوية بن أي سفيان وولده يزيد لم يمنعهما اسلامهما من قتال آل بيت الرسول وجز رأس الحسين

الحجاج بن يوسف الثقفي اعدم من العراقيين مئة وعشرين ألفا واستباح نساء المسلمين

هل هي ثنائية حتمية إما كفار وإما مسلمون..وهل كل من ليس معنا فهو علينا بالضرورة.. هذه النظرة الحدية في التعامل مع الآخر بحاجة إلى مراجعة وتدقيق خاصةً في عصر تبرز فيه قيم التعايش والتسامح والتنوع الثقافي،

ما من بلد يطارده ماضيه كالعراق، وما من حضارة يهيمن فيها الماضي على الحاضر، كالحضارة العربية- الاسلامية. وحين يجتمع الاثنان، ماضي البلد وماضي الحضارة، ينزل الكل الى الهاوية،

تشكل الشريعة الاسلامية في معظمها قواعد عقابية تؤدي دورا وظيفيا رادعا لمرتكب الجريمة. فلم يخلو اي مجتمع ما من وضع ضوابطه وقواعده القانونية لضبط السلوك الاجتماعي داخله.

قلت أكثر من مرة، هنا وفي مواقع أخرى، إن حركات «التأسلم السياسي»، وبسبب تعسفها، تدفع الأفراد إلى أخذ اتجاهات مغايرة قد تصل أحيانا إلى درجة «الإلحاد»

يعتبر مقتل الامام الحسين في كربلاء في اليوم العاشر من شهر محرم عام 61 هجرية، المصادف العاشر من شهرتشرين الاول عام 680 ميلادية أول تراجيديا في الاسلام، التي بقيت في الذاكرة

ائذنوا لى أن أزف إلى أربعة.. بل إلى خمسة. أو تسعة إن أمكن.

فلتأذنوا لى بمحاكاتكم.

ائذنوا لى أن أختارهم كما يطيب لجموح خيالى الاختيار.

في محاولة للجواب على سؤال: ما هي الفلسفة؟

كتب هيغل مرة: " دائما، كل ما هو غير مفهوم لم يعد كذلك"

تجمع المعاجم العربية على أن البطولة هي الشجاعة الفائقة التي لا يتصف بها إلا قليل من البشر، ويقدم ابن منظور في "لسان العرب" أسباب هذه التسمية بقوله "سُمي بطلاً لأن الأشداء يبطلون عنه"،

هل قدر المثقف العربي أن يُوضع طوال الوقت في قفص الاتهام، ويُحاكم كمجرم مُحترف، مع المطالبة بوجوب تطبيق أقسى أنواع العقوبة عليه؟! هل محكوم على المفكر العربي أن يُرشق دون رحمة أو شفقة،

يقول الشاعر العربي:

"ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له *** إياك إياك أن تبتل بالماء"!

ليس من المبالغة القول إن الصورة التي يرسمها الأصوليّون الإسلاميّون للإسلام لا تفعل غير إخراجه من التاريخ. هكذا يقدّم الإسلام من دون مقدّمات، ومن دون تفاعل مع سواه، ومن ثمّ ذا

استشاط كثير من النساء في العالم الثالث غضبا ضد فكرة الحديث بالنيابة عنهن، ذلك الحديث الذي تبنته النسويات البيضاوات المنتميات إلي الثقافة الغربية، وتساءلن: كيف نتفادي استقطاب الجدل الدائر حول الاختلاف،

ماذا أصاب إيران؟ ما السبب الرئيس وراء الأزمة الإيرانية الراهنة؟ يبدو أن إيران باتت منقسمة في الوقت الحاضر بين معسكرين: (1) الحكومة (2) الأمة. والواضح أن أي حكومة لديها القدرة

بالكاد استطعت ان استمع حتي النهاية الي قصة تلك الفاجعة التي أودت بحياة الشهيدة مروة الشربيني في المانيا. 

احتفل الالمان في هذا الصيف بعيد ميلاد الفيلسوف وعالم الاجتماع يورغن هابرماس، الذي يعد واحداً من ألمع رواد مدرسة فرانكفورت في علم الاجتماع النقدي في المانيا، وآخر من بقي منهم على قيد الحياة.