هكذا يكون تجديد الخطاب الديني

الكل يتكلم عن تجديد الخطاب الديني، الكل يدعو إلى تجديد الخطاب الديني، الكل يوصي بتجديد الخطاب الديني؛ ابتداء ممن لا علاقة لهم بهذا الخطاب علمياً، أو مؤسسياً، أو حتى إيديولوجياً، إلى المرجعيات المسئولة عن المؤسسات الدينية الكبرى كالأزهر، والأوقاق، والإفتاء، الكل يدعو ويوصي ولكن للأسف لم يقدم أحدٌ نموذجاً لكيفية تجديد الخطاب الديني، وماهية المناهج التي ينبغي اتباعها، والموضوعات التي يتم البدء بدراستها، وإعادة النظر فيها، لم نزل جميعا نقف عند حدود التوصية بالتجديد، أو الدعوة الى التجديد .. حالة من الفكر الإيصائي الذي يستبطن الوصاية على الآخرين فيدعوهم للقيام بما لم يقم هو به، الفكر الإيصائي الوصائي، يا سادتي، لا يجدد خطاباً ولا يصلح فكراً، ولا يحدث تغييراً في الواقع، فقط لأنه لا يفعل شيئاً، ولا يضرب مثلاً، ولا يقدم نموذجاً.

تجديد الأفكار والثقافات، وتغييرها عملية معقدة جداً؛ لها وسائلها وأدواتها، سواء أكانت هذه الثقافات دينية، أو غير دينية، من أهم هذه الوسائل المجلات الثقافية والفكرية التي تقدم عبر عشرات السنين رسالة ثقافية تجديدية معينة، فالتجديد عملية تاريخية لا تتم بخطبة جمعة، أو قرار وزاري، أو تغيير منهج دراسي فحسب، ولكن لابد من عملية فكرية ثقافية مستدامة ومستمرة، تعالج مختلف جوانب الثقافة، وعملية التفكير، بصورة زمنية تتناول في كل فترة جانباً أو بعداً معيناً، ولكي نفهم التغيير الثقافي الذي حدث في مصر والشام في بداية القرن العشرين نتيجة للحركة التجديدية التي قادها جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده وتلاميذهما، لكي نفهم هذا التغيير لابد أن نرصد المجلات الثقافية والفكرية والعلمية التي ظهرت في بداية القرن العشرين، حيث كان لكل تيار فكري مجلاته الخاصة التي تحمل رسالته، وفي النهاية حققت أهدافها واقعاً ملموساً لم نزل نعيشه حتى اليوم.

وللاسف في مطلع القرن الحادي والعشرين لا يوجد من هذه المجلات الثقافية إلا القليل، إذ إن الغالبية العظمى من المجلات الفكرية الرصينة مخصصة لنشر أبحاث الترقية لأساتذة الجامعات، وغالبا هذه الأبحاث لا علاقة لها بالتجديد، أو الفكر أو الواقع، إذا غالبها صناعة لغوية دائرية لا يخرج منها شيء، أما المجلات الفكرية الرصينة فعددها قليل جداً، والمتخصص منها في الفكر الديني نادر جداً، لعل منها مجلة تكاد تكون وحيدة في مجالها هي “قضايا إسلامية معاصرة” التي يصدرها ويترأس تحريرها الدكتور عبد الجبار الرفاعي المفكر العراقي صاحب الرؤية التجديدية المتجاوزة لكل حمولات التراث السلبية من تقليد، وانغلاق، وطائفية، هذه المجلة تحمل على عاتقها الفعل التجديدي بمنهجية رصينة تقوم أولاً، على تقدير التراث، والتعامل الجدي معه من خلال البحث، والتحقيق، والتدقيق، والتحليل، والاستنطاق الذي يسهم في فهم مشاكل العصر، وليس إسقاط أفكار الماضي على مشاكل العصر كما يفعل الكثيرون من المتخصصين في الفكر الديني فيزيدون الأمور تعقيداً؛ لانهم يتوقعون من مفكري الإسلام الذين ماتوا من مئات السنين أن يقدموا لنا حلولا وإجابات عن مشاكل واقعنا المعاصر.

وتقوم منهجية “قضايا إسلامية معاصرة” ثانيا على ربط قضايا الدين بالواقع المعاصر وقضاياه وإشكالياته، وتعيد قراءة النص الديني في ضوء معطيات العصر، باحثة عن رؤية تصلح الواقع وترتقي به إلى مستوى يتناسب مع مقاصد النص الديني وغاياته وقيمه، بحيث تكون عملية التجديد هي عبارة عن جدلية مستمرة بين النص والواقع، صعودا من الواقع إلى النص، ونزولا من النص للواقع؛ وهنا يدخل العنصر الثالث الذي تعتمده هذه المجلة في منهجيتها وهو الانفتاح على العلوم الإنسانية والاجتماعية المعاصرة والاستفادة من مناهجها، وما تقدمه من أدوات في فهم الواقع، وتحليل النص، من خلال هذه المنهجية الثلاثية: المزج بين التراث والواقع والعلوم الاجتماعية والإنسانية استطاعت هذه المجلة عبر ما يقارب عقدين من الزمان أن تقدم نموذجاً تجديدياً يصلح أن يكون قياسياً لأي محاولات قادمة.

هذا الجهد الفكري المتميز انتظمت في إطاره عقول شابة، وخبرات رصينة من أساتذة مخضرمين منذ ١٩٩٤ حتى اليوم لم تزل تمثل نافذة فكرية تطل من خلالها أفكار أصيلة وجديدة، دينية ومعاصرة، إسلامية وفي نفس الوقت متفاعلة مع العلوم الإنسانية والاجتماعية، هذا النموذج نقدمه للمؤسسة الدينية الرصينة في مصر، إلى الأزهر الشريف ليعيد النظر فيما لديه من مجلات قائمة، ولعله يبادر إلى تجاوز الماضي، وإنشاء من المجلات الفكرية والثقافية ما يستطيع أن يحقق هدف التجديد وغاياته.

 

د. نصر محمد عارف

مفكر وأكاديمي مصري

              

تعليقات (3)

في راي لا يمكن تجديد الخطاب الديني لسببين رئيسيين،اما كون فاقد الشيء لا يعطيه ،بمعنى ان رجالات الدين جلها ببغائية التكوين لا تقدر على الابداع و التجديد،و انها فقط متخصصة في خدمة جهات معينة عن طريق افيونية الشعوب ،واما ان اصحاب قرارات اقتصاد الريع و خدامهم الفسادون السياسيون ليس في مصلحتهم تجديد الحطاب الديني ادا كان في عمقه يصب الى رفع معنويات الشعوب على حساب الاقليات المستعمرة الغربية و المتسلطة العربية و الدكتاتورية و اباطرة الاسلحة و المخدرات و ما شبه.

 
  1. ابن الحشد

بسم الله الرحمن الرحيم ---- الى ألأخ ماجد الغرباوي المحترم و الى كل كادر صحيفة المثقف ---
نعم لقد اخترتم لنا -- موضوع تجديد الخطاب الديني --- ونحن نختار لكم --- نعم ان تعليق الحسن لشهاب --- جيد وموضوعي حقيقي --- ولكن فاقد الشيء لايعطيه نعم ولايريد ان يقول اني لااملك مستحقات ارتقاء هذا المنبر --- ولايوجد شيء حقيقي في هذا الزمان لمستحقات هذا المنبر --- لأن صاحبه ألأصلي الشرعي قد رحل منذ ( 1180 ) عام واستصحب معه كل الكتب الرسمية والعلوم الحقيقية التي تبيح استلام الحقوق العبادية وتسليمها للباريء تبارك وتعالى كي تبرأ ذمتهم وذلك عندما بايعت ألأمة الباطل وقتلت صاحبها الشرعي عاقبها الله سبحانه وتعالى بسحب هذا الخليفة وهم لاتوجد عندهم علوم حقيقية الا ماقد قيل وقال وقلت وورد عن فلان وفلان وقال فلان والسب والشم وقذف عرض رسول الله وهذا لايغني من الحق شيئا لذلك لايوجد تجديد لأن التجديد يحتاج موافقة صاحب الحقوق انه من كتبه الرسمية يعرف ماهو المقبول وماهو المرفوض وهم لايعلمون شيئا ً عن هذا الموضوع فمن اين يخترعون هذا الجديد كي يكون مقبول ولهم به علمية ولايسمحون لأهل هذا المنبر ان ترتقيه او تجادلهم في شيء يخالف اجتهادهم الظني وليس المنصوص عليه فمن يتطاول على هذه العمائم فستقتله السفهاء من اتباعهم قبل ان لايأمرون هم بقتلهم بحجة التفسيق واذا كان المعارض مرجعا ً وله اتباع او حتى اذا خرج لهم صاحب ألأمر بإذن وليس بامر فسيخرجون عليه اعظم اسلحتهم المتطورة لإخماد هذه المعارضة في مهدها لتكون رسالته في وقتها غير ناجحة --- نعم التغيير والتجديد يكون وان كان جزئي كما جاء ألإمام الخميني (ع ) وغير بلد كامل بأكمله رغم ان معول الشيرازيين موجود في هذا البلد وهو حاضر للتهديم -- وسلام -- 0

 
  1. إبن الحشد

بسم الله الرحمن الرحيم ---- تحية طيبة وإحترام -- من إبن الحشد --- الى صحيفة المثقف وكل كادرها المحترمين ---- اقدم فائق شكري وتقدير للصحيفة وللأستاذ ماجد الغرباوي المحترم لالشيء وإنما على فقرة المشاركة في التعليقات بتصميمها الحالي والذي طالما طالبت الطبيبة ماجدة المشلب بإلغائها --- نعم إن هذه الفقرة هي سهلة وهي رمز ثقافي مهم جدا ً تتميز به بعض الصحف وبعض المواقع الشجاعة ---- والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته --- وسلامنا الى الطبيبة ماجدة المشلب ولنا معها موضوع جديد ولطيف وشيق عن قريب جدا ً لم يكن مطروق على مسامع العالم باكمله 0

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

.2015-02-17 21:28:57.