المثقف - قراءات نقدية

النقد الادبي: حافات قلقة لماجد الغرباوي .. بين نقطة الواقع ونقطة الوهم / دينا نبيل

mothaqaf-w1مقدمة: كانت الرواية والقصة الكلاسيكية تأخذ المنحى الواقعي متكأ أساسيًا لها، حتى صار للقصة نموذج تقليدي تسير عليه

 ولا شك أن للكلاسيكيات موقعها من الأدب العربي والذي لا يختلف أحد على أصالته وإبداعه، إلا أنّ ظهور النظريات الحديثة والتي لم يفلت منها الأدب شأنه كشأن أي موضوع آخر، فقد تعرض الأدب لما يعرف بــ "العلمنة"، فخضع للاستقراءات والاستنباطات بشكل أشبه ما يكون بالبحث العلمي، فكان على القصة مواجهة هذه التيارات النقدية المحدثة بالتحديث في تقنياتها وأدبيتها، بحيث صار الاهتمام منصبًّا على العمل الأدبي نفسه مستبعدًا المؤلف، وركّز على دور القارئ كمنتج أكثر منه كمستهلك. ويعد الحدث من المنظور السردي من أكثر ما اشتغل عليه، فهو ليس منفصلاً عن بقية أجزاء العمل الأدبي (فإنه في القصة الجديدة، لم يعد مفصولاً عن البنية الفنية التي تسهم في الهرم الجمالي للخطاب القصصي بحيث غدا الحدث يتفاعل بشكل انزياحي مع بقية العناصر الفنية التي تشكل فضاء النص)[1]، فصار التركيز على تقنيات السرد والتقنيات الزمانية المختلفة والمكانية ودورها في الحد ث كجزء لا يتجزأ عنها وإنما تربطها به علاقات لا تفتأ تتحرك ديناميكياً مما يدخل القارئ في جدلية التأويل، (فقارئ هذه القصص لا يتمكن بسهولة من الوقوف على مضمونها إلا بعد جهد فكري وتأويلي)[2]، وهنا تكمن لذة القراءة، فالحدث في النهاية لا يفصح عن ذاته بل يدع القارئ أمام نهاية ذات فضاء جمالي مفتوح، قابلة لتأويلات عدة تنشد الاختزال .

و(حافات قلقة) للكاتب ماجد الغرباوي، رغم يسر اللغة وسهولة تناول الأسطر بشكل أشبه ما يكون بالالتهام في سرعة قراءتها، إلا أنّ النص موغلٌ في رمزيته وحداثته، فالحدث الرئيس يتراوح بين نقطتين رئيستين: الواقع والوهم، إلا أنّ المتلقي تجذبه كثرة وتلاحق الأحداث بالنص والتي يظن للوهلة الأولى أنها واقعية رغم مفارقاتها ليكتشف عند (القفلة) أنّ النصف الثاني من القصة كان واقعاً في نقطة الوهم والحلم، ليفتح التأويلات المختلفة على مصراعيها أمام المتلقي، وهذا ما سيتم تناوله في هذا المقال .

 

على حافة قلقة:

يعتمد الخطاب الروائي خاصة والخطاب الأدبي عامة على الواقع كمرجعية أساسية، إلا أنه يتفاوت من كاتب لآخر حسب رؤيته التي ينسج بها عمله الأدبي، فيتراوح الخطاب الروائي بين الواقع والمتخيل، إذ (يفترض في العمل الأدبي الذي يطرح رؤية أيديولوجية أن يظل متسقاً مع رؤيته بطرح متخيله الروائي ممكن الحدوث بمعنى أن يطرح متخيلاً واقعياً)[3]، فكما قال الفلاسفة قديما أنّ الفن ينبغي أن يصور ما هو ممكن الوقوع لا ما هو واقع، وذلك لأن جُل الأعمال الأدبية غالبا ما تحمل مرامي وظيفية متفاوتة، (ودائماً تغلب الصبغة الأيديولوجية وتسيطر على وظيفة الأدبي، ولكن دون إغفال الوظائف الأخرى التي تعتني بالنزوع نحو فنية الإبداع)[4]، والنزوع إلى تخليق واقع تخييلي إلى جانب الواقعي بل والبحث عن وسائل الخروج من مآزق العالم الواقعي .

وفي (حافات قلقة) يتناول الكاتب إحدى المشكلات الاجتماعية والتي قد تظهر للعيان منذ الوهلة الأولى على اعتبار كونها عدم التقدير اللائق لأصحاب المواهب المتمثلة في البطلة، فكان اضطرارها إلى سلوك الدروب الملتوية أوتكتل أصحاب المكائد ومجابهتهم للمؤسسات المنظمة، إلا أنني أرى أن أهم ما يناقشه النص هي تلك (الحافات القلقة) في النفس الإنسانية والتي تؤدي لقلقلة الإنسان وتخبطه بين الواقع والوهم في محاولة للتخلص من وطأة الكبت الذي تعرضت إليه البطلة والشعور بالنقص فلجأت لما يشبه التعويض في عالم خيالها، وهذا ما يشير إليه إدلر بما يسميه ("القوّة الخلاقة" Creative Power وهو يعني بذلك أنّ البشر قادرون على صنع مصائرهم وتحديد معالم شخصياتهم)[5]، وهذا يظهر جليّاً في قول البطلة: "هذه هي الخطوة الأولى في معركتي معه. أن أعثر على رجل يجعل عميد القرية يغيّر قناعته .. لكن هل بمقدورنا ان نصنع انسانا كما نريد؟؟ .. لنجرب .."

رغم عدم الرضا عن الحل الذي لجأت إليه البطلة، إلا أنّ أحداً لا ينكر أنّها قامت بإبداع شيء جديد والمتمثل في صنعها التمثال " فصيّرت منها تمثالا جميلا، قصير القامة، دعج العينين، ينظر شزرا، ولحية طويلة. وشقت في داخله قناة، تعلوها ثقوب اربعة، يمكنها التحكّم بها... ما علينا الا ان نصّدق اوهامنا .. أليس أصدق الحقائق أكذبها؟؟"

هناك حافة أشبه بحد السيف بين الخير والشر وانقلاب الإنسان من الضد إلى الضد الآخر، فالنفس الإنسانية تحمل الأضداد في دواخلها وقد عزز الكاتب هذه النقطة بالتحديد بحيث لا يدفع المتلقي إلى الحكم على البطلة حكمًا فاصلاً، وإنما يقع في جدلية هذه التناقضات ليجد نفسه في النهاية عاجزاً عن البت فيها بصورة نهائية وهذا يحسب للكاتب إذ ترك المجال منفتحاً للتأويلات، وكذلك الحد الفاصل بين الواقع والوهم أشبه ما يكون بالشعرة الدقيقة والذي أوضحه الكاتب من خلال اللعب على نقطتي الواقع والوهم المكاني في النص .

 

بين نقطتين وكوّة صغيرة:

يسير الحدث الرئيس بالنص بين نقطتين: إحداهما في أول النص "وقفت في ساحة العرض، اختارت نقطة الوسط تماما، نظرت الى جميع الاتجاهات"، والثانية في آخر النص: "ثم أفاقت فجأة، وماذا لو انكشفت اللعبة؟؟ .. نظرت الى نقطة بعيدة، تطوي الافق في عينيها"

ويلاحظ المتلقي من هذين المكانين البون الشاسع بينهما، فالنقطة الأولى تقف فيها البطلة، قد اختارت مركز الدائرة "ساحة العرض" مستشرفة حصدها المركز الأول ونوالها الجائزة الأولى . إنّ هذه النقطة، هي نقطة واقعية حقيقية الوجود تلمسها بقدميها تجعلها في بؤرة الاهتمام، حيث تنكشف لها جميع الأركان والخفايا، تشبه في دورانها حول نفسها، كالكاميرا السريعة التي تدور تلتقط صور الزوايا .. إلا أنّ هذا المكان على ما يمثل للبطلة من مكان أحلامها حيث الفوز والنجاح ومكان تحقيق الذات ونيل الإطراء بلا حدود بل وغيظ الحاقدين عليها وأعدائها إلا أنّه محدود مهما اتسع !، فتحدّه زوايا الساحة وجدرانها والتي يستدل عليها المتلقي بذكر الكاتب "الكوّة الصغيرة" التي على بعد نصف قطر من البطلة .

وقد لجأ الكاتب للانزياح بفنية عالية، فتلك الكوّة الصغيرة تكشف عن الفضاء الروائي للنص والذي (يشير إلى المسرح الرّوائي بأكمله، ويكون المكان داخله جزءاً منه)[6]، فالفضاء النصي هو القرية، تلك التي أشار إليها الكاتب عابرا في غير موضع "اذن هنا سيعلن عميد القرية عن اسماء المتفوقين .. ماذا لو كنت الثالثة او الرابعة في قائمة الفائزين؟ ماذا سيقول عني ابناء القرية؟"

رغم واقعية الأحداث في النصف الأول من النص إلا أنّ المتلقي يلاحظ بعض المفارقات، بدءاً من استغرابه لنوعية تلك المنافسة بين هذه البطلة الأنثى و(أبناء القرية)، كذلك يلاحظ تلك الشخصية العجيبة للبطلة والتي قد تحدت العادات والتقاليد الريفية وأرادت المنافسة في الإبداع أمام الرجال واثقة من نفسها، تلك البطلة المتمردة والتي لم تحدها فقط جدران الساحة وإنما كذلك الفضاء الروائي (القرية) الذي تراءى من (الكوّة الصغيرة) متحدياً طموحات تلك البطلة في صراعها مع مجتمعها الذكوري (البطريركي)، فقد تعرضت البطلة إلى ما يعرف بالأنوثة المصادرة، و(تقترن هذه المسألة دائماً بالمباح الذكوري، فكل ما يباح للذكر يُصادر وتُمنع الأنثى منه، وتصور الرواية الذكورة (فعلاً) والأنوثة (قولاً) وهنا تظهر قوة الواقع على بطلة الرواية) [7] " عادت .. منكسرة، مذهولة .. تحاصرها نظرات الشامتين، وتطاردها كلمات المستهزئين، فودّت لو انها توارت، او ابتلعتها الارض. كان موقفا صعبا .. محرجا، لم يكن متوقعا مطلقا."، فمثّل ذلك انكسار الحلم الواقعي (الطموح) لدى البطلة وانهيار أحلامها بالفوز رغم ظهور بوادر هذا الانهيار منذ الأسطر الأولى: "لكنه صارم، لا يجامل .. أعرفه جيدا، هذا ما اخشاه، حقا سيسحق غروري اذا تجاهلني."

الكوة الصغيرة ذلك الواقع بشخوصه في تصويره المختزل المتقازم ليقهر ساحات من حلم البطلة بل ويقهرها بناره، ففي النصف الأول يسود ذلك التراوح بين (طرفين .. الطرف الأول الحُلم والطرف الثاني الواقع الذي يعني الانكسار- الحلم - الانكسار (الواقع). إذ يتحول العالم الذي يصوغه الحلم من ارتباط وثيق وعلاقة شبق وشغف بالعالم إلى انفصال كلي عنه وتذوب جميع الصلات القديمة بين الذات والعالم)[8]، " تحاصرها نظرات الشامتين، وتطاردها كلمات المستهزئين، فودّت لو انها توارت، او ابتلعتها الارض. كان موقفا صعبا .. محرجا، لم يكن متوقعا مطلقا."، فكان لجوء الشخصية إلى التقوقع والانفصال عن العالم حولها واللجوء إلى بيتها بغية تحقيق الانتقام من أجل حلمها المفقود (عادت الى بيتها منكسرة، مذهولة .. تحاصرها نظرات الشامتين... آفاقت من هول الصدمة، وقالت بغضب: سانتقم .. سانتقم ..)

فدخلت البطلة في طور أشبه ما يكون بالاغتراب (إن المقولات السابقة هي مقدمات طبيعية للوصول إلى حالة الغربة، أولاً عن المجتمع بقيمه ورؤاه ومن ثم الوصول إلى الاغتراب الداخلي ونفي العالم كله وفصله والتعامل معه ومع مكوناته كحالة غير منتمية، وكمصدر للخوف والقتل والموت)[9] فكان العزم على الانتقام والتفكير بالحيل المختلفة لها كامرأة (لذا ارتدت أفخر ثيابها، ووضعت أبهى زينتها، ثم اشارت لبعض صعاليك الرجال بكلمات منمقة، واغراءات ساحرة، فجاءوا يتهافتون، رجالا لبقين)

وأيضا كمبدعة فنانة لا يمكن التهاون بموهبتها وقدراتها (فجمعت قطعا من حديد ونحاس.. أوقدت عليها نار غضبها، وصهرتها بجمر احشائها، واضافت لها رماد حقدها الدفين، حتى لانت لها، فصيّرت منها تمثالا جميلا، قصير القامة، دعج العينين، ينظر شزرا، ولحية طويلة. وشقت في داخله قناة، تعلوها ثقوب اربعة، يمكنها التحكّم بها.)

 وكان لابد من لجوء الكاتب لهذا المكان المنغلق (البيت)، حيث (يلعب البيت دوراً مهماً، وهو ظاهرة بارزة في تشكيل عالم الرواية، لذلك ركز الأدباء كثيراً على إنتاج هذا البيت، الذي يعد ركن الإنسان الأول في العالم، على حد تعبير باشلار)[10]، فالبيت رغم عدم التطرق لوصفه كمكان يعكس الكثير من شخصية صاحبته بدلالاته المحتملة، إلا أن صورة الانعزال والانفصال داخله وكأنه عالم البطلة الخاص حيث تبدع هي، مما يعطي للمتلقي ومضة غير مباشرة حول ماهية دور المرأة في مجتمعها، فكان العمل داخل البيت على هذا التمثال بشكله الغرائبي وطريقة صنعه ما يعكس حالة الحلم الذي لا يفتر عن مراودة صاحبته بل ودفعها إلى تجنيد كل وسيلة ممكنة لمساعدتها في مهمتها " ثم اشارت لبعض صعاليك الرجال بكلمات منمقة، واغراءات ساحرة، فجاءوا يتهافتون، رجالا لبقين، يرتلوّن كلاما منافقا، .. ثم طلبت منهم ان ينفخوا في قناة التمثال ويصفّقون له، فصدر منه صفير، راحت تتحكم به عبر الثقوب الأربعة. فاضفت على اصواتهم موسيقى باهتة.. "

إنه تمثال الخواء لا شيء داخله سوى الهواء، يوهم من يسمعه كأنه يتكلم ويغني، أشبه بعجل بني إسرائيل في صناعته وصوته وإغوائه، يتحرك الخواء في هذا الحلم والوهم ليلتقي عند آخر نقطة في النص (نقطة الوهم) "نظرت الى نقطة بعيدة، تطوي الافق في عينيها...ولما حان وقت التحدي، ارادت ان تحمله، لكن ... صعقها خواء حلمها."، تلك النقطة الأخيرة تختلف كثيرا عن النقطة الأولى والتي كانت هي مركزها وسط دائرة حلمها، أما هنا فالنظرة إلى اللاشيء، نظرة بعيدة تفقد مرماها وملامحها على عكس النظرة الأولى، إنه ذلك الوهم الذي تلهث وراءه روحها أشبه بالسراب .

ويتضح من النص دور (الواقع الاجتماعي بالسيطرة الكاملة ومدّ سلطته على آفاق المرأة جميعها، هذا في طرف أوّل، وفي طرف ثان قام الواقع بقدرة فائقة على تحويل هذه المرأة من الحلم إلى الانكسار.. من التمرد إلى اليأس والخضوع والخنوع)[11]، ربما كان حلماً بالشكل الحقيقي المعروف، وربما هو حلم يقظة يتراءى للبطلة، وإنما في كلتا الحالتين كان نصيب البطلة الانكسار والخسار وليس السعادة كمفارقة لاسمها (سعاد) تلك السعادة المتقطعة (قالت: انا، انا (س ع ا د).. لكنه وهم .. وهم)، فكانت سعادة لا تكتمل .

 

خاتمة:

رغم سهولة لغة النص وتلاحق الأحداث والتي يتتبعها المتلقي بلا مشقة إلا أنه مليء بالانزياحات والدلالات والتي تفتحه على تأويلات مختلفة، فتكون كل قراءة بمثابة إضافة قيّمة للنص، فكثرة القراءات دليل على غنى النص، وهذا قمة الإبداع ... تحياتي لصاحب اليراع .

 

 للاطلاع

حافات قلقة / ماجد الغرباوي

 

دينا نبيل

 24 - 1- 2012

..........................

المراجع:

1- مكونات السرد في النص القصصي الجزائري الجديد: عبد القادر بن سالم، اتحاد الكتاب العرب دمشق 2001 ص 66

2-المصدر ذاته ص 67

3- الطريق إلى النص مقالات في الرواية العربية: سليمان حسين، اتحاد الكتاب العرب، 1997 ص 98

4- المصدر ذاته ص 96

5- مناهج النقد الأدبي الحديث: أ.د. إبراهيم السعافين، د. خليل الشيخ، الشركة العربية المتحدة للتسويق والتوريدات، ط1 2010 ص 133

6- مكونات السرد في النص القصصي الجزائري الجديد ص 273

7- الطريق إلى النص ص 10

8- المصدر ذاته ص 11

9- المصدر ذاته ص 11

10- سيميائية البنية المكانية في رواية " كراف الخطايا ": د.صالح ولعة ـــ الجزائر – مجلة الموقف الأدبي عدد تموز-آب 447-448 اتحاد الكتاب العرب، دمشق

11- الطريق إلى النص ص 14

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2012الاربعاء 25 / 01 / 2012)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1968 المصادف: 2012-01-25 00:03:26