المثقف - قراءات نقدية

رثاء النفس في القصيدة العربية / صبيحة شبر

sabiha shobarالرثاء في الأدب العربي غرض معروف من أغراض الشعر العربي، المتعددة،

مثل الفخر والمدح والوصف والهجاء،ويهتم الرثاء بتعداد صفات الميت الحسنة، وتعداد  مناقبه، والترحم عليه، وإظهار عاطفة الحزن الشديدة، لأن أحد الأشخاص الذين نعتز بهم، ونقدرهم لصفاتهم الجميلة، قد غادر هذه الحياة  إلى غير رجعة.

ورثاء النفس من أصدق أنواع الرثاء، لأنه يصدر عن عاطفة كبيرة،  صقلها الحزن الشفيف،الذي يعتري المرء حين يشعر انه سيفارق الدنيا، وهو لم يعش حياته بالصورة التي  يحبها، ويدرك أن أحلامه العريضة، في عيشة رغيدة سعيدة قد خابت، وأمله في تحقيق التغيير إلى واقع أجمل، تصبو إليه النفس قد فشل، وان كانت الأغراض الفنية التي يتطرق إليها الشاعر العربي، قد يلجأ إليها  أحيانا رغبه في النوال، والحصول على عطايا الممدوح أو  قريب المرثي، أو قصد التمتع برضا الناس وحصد إعجابهم،  فالشاعرية كانت منذ عصر ما قبل الإسلام وحتى عصرنا الحالي،يتمتع صاحبها بالمنزلة الرفيعة والسمعة الحسنة في مجتمعه العربي، أكثر من تمتع أصحاب المواهب الأخرى،فان رثاء النفس يظل الغرض الأسمى، فهو يعتبر بحق من أصدق الفنون الشعرية، لصدوره عن نفس حساسة، أمضها  الحرمان الطويل من آمالها،  وأضنتها خيبة الأمل في تحقيق المراد،فالشعور صادق والنفس حزينة، لهذا نجد القراء والسامعين العرب ومتذوقي الشعر، يسارعون إلى تلقي هذا النوع من الرثاء، بقلوب ملؤها الإعجاب، وعقول صقلتها التجارب، وذهن متوقد يعرف أين تكمن مواضع الثناء .

أنشد  االشعراء المجيدون  قصائد الرثاء الجميلة، فنالوا كلمات الاستحسان،من المعجبين وسارت بالقصائد الركبان، وامتلأت المحافل الأدبية   بحضور عشاق  رثاء النفس، وتسابقت الكتب الأدبية على تزيين صفحاتها  بهذه الدرر الرائعة، واللآليء الفريدة، لأنها صادرة عن نفس وهاجة،أتعبها طول النضال، ولم تحقق مرادا، أو يصل جهادها إلى هدف منشود، وقد وصلت إلينا نماذج  رائعة،من هذا الفن  في عصور الأدب المختلفة منذ عصر ما قبل الإسلام وحتى عصرنا الحاضر..

 

امرؤ القيس يموت بالحلة المسمومة

امرؤ القيس الملك الضليل، له قصائد جميلة في  رثاء نفسه، حين  علم أن الموت مدركه، فقد ألبسه ملك الروم حلة مسمومة، حين ذهب مستنجدا به، لأخذ الثأر من قاتل أبيه، ووصلت الوشاية بالشاعر الى ملك الروم، فألبسه تلك الحلة، لستُ أدري  لماذا غضب عليه ملك الروم، وألبسه تلك الحلة المسمومة، وهو قد لجأ إليه للاستنجاد به لأخذ الثأر ؟ هناك حلقة مفقودة في هذه القصة، وصل أنقرة، وأحس بدنو الأجل، وان الموت قريب من روحه، وكان حينذاك قرب جبل عسيب، حيث دفنت امرأة، فانشد قصيدته البائية :

 

أجارتنا إن الخطوب تنوب

وإنى مقيم ما أقام عسيب

أجارتنا إنا غريبان ههنا

وكل غريب للغريب نسيب

فإن تصلينا فالقرابة بيننا

وإن تصرمينا فالغريب غريب

أجارتنا ما فات ليس بؤوب

وما هو آت فى الزمان قريب

وليس غريبا من تناءت دياره

ولكن من وارى الترابُ غريب

 

ففي كلمات أمريء القيس حزن شديد، ولوعة كبيرة، فهو مدرك انه ميت، وأنه مقضي عليه، دون ذنب، اقترفته يداه،وانه سيبقى في المكان الذي فيه جبل عسيب، و  يخاطب جارته المتوفاة  قائلا لها: أنهما غريبان وان كل غريب  للغريب نسيب، فان رغيت بوصلنا  فالقرابة تربط بيننا، وان قطعتِ وصلنا، فالغريب يظل غريبا،وان الغربة ليست في بعد المكان ولكن من دفن تحت الثرى هو الغريب..

 

طرفة بن العبد يقتل غدرا

  للشاعر الشاب طرفة بن العبد أبيات جميلة في رثاء نفسه، فقد قتل هذا الهجّاء غدرا، بعد ان هجا ملك الحيرة بما أثار غضبه  عليه، وأراد الانتقام منه بان أمر والي البحرين بقتل الشاعر طرفة بن العبد  والشاعر المتلمس  بكتاب يرسله إليه مع الشاعرين، لكن المتلمس، تصرف بذكاء، بعد أن أدرك الخدعة، فطلب قراءة كتابه ونجا، أما الشاعر طرفة فلم يعلم  أنه يحمل حتفه بيده، فوصل إلى والي البحرين وبيده أمر بالقتل، فسجنه الوالي، وحين أدرك أن الموت قريب منه، أنشد هذه الأبيات :

 

ألا اعتزليني اليوم خولة أو غضي فقد نزلت حدباء محكمة القبض

 أزالت فؤادي عن مقر مكانه×× وأضحى جناحي اليوم  ليس بذي نهض

فقد كنت ُ جلدا في الحياة مدرّنا×× وقد كنت لباس الرجال على البغض

 واني لحلو للخليل وأنني ×× لمرٌ لذي الأضغان أبدي له بغضي

 

فالشاعر طرفة بن العبد الذي عشقنا ما وصلنا من شعره،كان عاشقا  الحرية متغنيا بها، نال عداء الحام  من أجلها، وهجا من وجده يستحق الهجاء، كانت نتيجته الحبس في سجن محكم الإغلاق، وتوديع حياة لاهية، منتظرا  إزهاق الروح..

 

يائية مالك بن الريب

  ولمالك بن الريب قصيدة، من أروع ما قيل في رثاء النفس، فهذا الشاعر الوسيم  الأنيق، الذي عرف بقطع الطريق، حثه سعيد بن عثمان بن عفان على تغيير حياة العبث واللهو إلى حياة أجمل عاقبة، بان يذهب إلى الجهاد، وينال ثواب الله ويتجنب عقابه،فلبى الدعوة، وفي طريق عودته إلى وادي الغضا في نجد، حيث  تستقر أسرته، أناخ الركب، ونزل مالك ينشد القيلولة، وحين  نهض وارد أن يلبس خفّه، لسعته أفعى، فأحس بالموت، متربصا به،فاغرا فاه، وأنشد رائعته اليائية التي أثارت إعجاب كل من سمعها، وبقي الناس يرددون هذه القصيدة الجميلة، ويستذكرون حياة شاعرها، حتى يومنا هذا، فحين يدلهم الخطب، وتظلم الأيام، تجد النفس الحزينة متنفسا لها، عما استبد بها،  من شعور بالإخفاق، فتردد هذه الأبيات، وتستحضر ذلك  الحرمان ودنو الأجل،وان الإنسان ان لم يكن فعالا  مقداما، فإن حياته وموته سيان :

 

أَلا لَيتَ شِعري هَل أَبيتَنَّ لَيلَةً

بِجَنبِ الغَضا أُزجي القَلاصَ النَواجِيا

فَلَيتَ الغَضا لَم يَقطَعِ الرَكبُ عرضه

وَلَيتَ الغَضا ماشى الرِّكابَ لَيالِيا

وَلَيتَ الغَضا يَومَ اِرتَحلنا تَقاصَرَت

بِطولِ الغَضا حَتّى أَرى مَن وَرائِيا

لَقَد كانَ في أَهلِ الغَضا لَو دَنا الغَضا

مَزارٌ وَلَكِنَّ الغَضا لَيسَ دانِيا

أَلَم تَرَني بِعتُ الضَلالَةَ بِالهُدى

وَأَصبَحتُ في جَيشِ اِبنِ عَفّانَ غازِيا

وَأَصبَحتُ في أَرضِ الأَعاديِّ بَعدَما

أرانِيَ عَن أَرضِ الأَعادِيِّ نائِيا

 

اللوعة الكبيرة التي يحس بها الشاعر، وقد فارق المكان الذي أحبه كثيرا وعاش مع أهله فيه، تمنى ان يتمكن من البقاء حيا  في المكان، فبعد أن ودع الشاعر حياة الضلالة، وأصبح غازيا في جيش عثمان جاءت الأفعى وقضمت حياته، فضاعت الأحلام العريضة،وماتت الآمال قبل ولادتها..

 

أبو فراس الحمداني يرثي نفسه

والشاعر الجميل والشجاع أبو فراس الحمداني، صاحب الأبيات الرقيقة، ناضل بصلابة  ضد الروم، وكانت حياته زاخرة بالمتاعب الجسام، تعرض للسجن وغنى للحرية، ونلمس في شعره ذلك الحزن الشفيف، الذي يسيطر على ذوي النفوس الأبية، التي تأبى  حياة الضيم، ولا ترضى بالخنوع، يطلب من ابنته ألا يدركها الخوف، فالموت حق على البشر وكل الأحياء، فان  نادت البنت أباها وعجز عن تلبية النداء،  فلتعلم أن زين الشباب أباها لم تسمح له الأيام أن يتمتع بالشباب..وأنه ذهب الى حتفه

 

أبنيتى لا تجزعى

 

كل الأنام إلى ذهاب

نوحى علي بحسرة

من خلف سترك والحجاب

قولى إذا ناديتنى

وعييت عن رد الجواب

زين الشباب أبو فراس

لم يمتع بالشباب

مسيرة المتنبي الشاقة تخيبُ

 

 أبو الطيب المتنبي مالئ الدنيا وشاغل الناس، والذي لم يحقق الزمن طموحاته الكبيرة، في الثروة والسلطان، وكان يريد من زمنه، أن يبلغه مالا يدركه الزمن نفسه، مات مقتولا بسبب قوة هجائه وسلاطة قلمه،بيد أحد من هجاهم، قد وجد هذا الشاعر الكبير نفسه غريبا في دنيا، لا ينجح فيها الا صغار النفوس، اضطر هذا الشاعر الى مدح من لا يراه أهلا للمديح، بسبب تضافر الحساد على محاربته،وتأليب سيف الدولة عليه،  كان وحيدا بلا أصدقاء، ووجد في الموت  دواء،  يشفي مما به من أوجاع القلب وأسقام الروح، ويكفي المنايا ان تكون  موضع الآمال، ويخاطب الشاعر الكبير نفسه انه تمنى الموت حين تطلع إلى وجود الصديق الصدوق بجانبه، فخاب مطلبه:

 

كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ×× وحسب المنايا أن يكن أمانيا

تمنيتها لما تمنيت أن ترى صديقا ×× فأعيا أو عدوا مداجيا

 

وتبلغ خيبة الأمل أوجها، حين تسيطر على  أبي الطيب مشاعر بالغربة وانعدام الأهل والوطن:

 

بـم التعـلل لا أهل ولا وطـن

ولا نديـم ولا كاس ولا سكن

 

فهو الشاعر الكبير، الذي تنقل في بلدان كثيرة، ومدح ورثى وهجا، ولكن اعتزازه بنفسه وعدم تمكنه من تحقيق أحلامه الكثيرة، جعلت  نفسه حزينة وقلبه مفجوعا، أينما حل كثر من حوله الواشون، حتى العيد الذي يترقبه الناس بشوق،لأنه يحمل إليهم الفرح ـ فيجتمعون به مع أحبابهم،كان المتنبي يجد أيام العيد كئيبة لا تأتيه بالحبور والراحة اللذين يطمح إليهما، فالأعياد تمر حزينة، لا تبعث على البهجة، والأحباب بعيدون، ونفسه الكبيرة رغم خيباتها المتعددة، ما زالت تتطلع الى العلى، لكن الأيام غدارة، لم تترك في القلب والكبد،مكانا لم تناله سهام الحساد، التي لكثرتها حولت الشاعر الى مخلوق لا تؤثر فيه زغاريد الأفراح ولا خمرتها:

 

عيـد بأية حال عـدت يا عيـد

بـما مضى أم بأمر فيك تـجديد

 

أما الأحـبة فالبيـداء دونـهـم

فليـت دونك بيدا دونـها بيـد

 

لولا العلى لم تجب بي ما أجوب بها

وجـناء حرف ولا جرداء قيـدود

 

لم يتـرك الدهر من قلبي ولا كبدي

شـيء تتيمـه عيـن ولا جيــد

 

يا ساقيـي أخـمر في كؤوسكمـا

أم في كؤوسكمـا هـم وتسهيـد

 

أصخـرة أنـا مالـي لا تحركنـي

هذي الـمدام ولا هذي الأغاريـد

 

 رثاء النفس عند السياب

 و رائد  التجديد في حركة الشعر العربي، الشاعر الكبير بدر شاكر السياب، الذي حاربته الأيام فعاش يتيما محروما من الحنان، فقيرا مريضا،يتطلع الى الصدر الحنون واليد الرفيقة، يتوق إلى أشياء عديدة، وجد انه قد حرم منها، الحرية والحب والصحة، وبعد أن أعياه المرض، ولم يجد العافية التي تطلع إليها، في مستشفيات لندن وباريس، والكويت،وأخبره الأطباء انه مغادر هذه الدنيا، وان قبرا باردا سوف يضمه بعد هذه الرحلة المضنية، فنادى أمه ان تكون معه، وتوسل إليها ان تلمس ساقه المتيبسة،فتشفي ما يعاني بها  من شلل وعجز، فلماذا يذكر السياب أمه بعد هذه السنين ؟ انه رغبة في رثاء نفسه الغريبة التي سوف تسكن القبر، فلا تجد من يسمع قصائدها ويثني عليها كما اعتاد السياب، ان يجد في قلوب معجبيه ومتابعي شعره

 

نسيم الليل كالآهات من جيكورَ يأتيني

فيبكيني

بما نفثَتْهُ أمي فيه من وجدٍ وأشواقِ

تنفس قبرُها المهجور عنها، قبرُها الباقي

على الأيام يهمس بي: " تراب في شراييني

ودودٌ حيث كان دمي، وأعراقي

هباءٌ من خيوط العنكبوت؛ وأدمع الموتى

إذا ادكروا خطايا في ظلام الموت.. ترويني

مضى أبَدٌ وما لمحتْك عيني! ليت لي صوتا

كنفخ الصُّورِ يسمع وقعَه الموتى، هو المرضُ

تفكك منه جسمي وانحنتْ ساقي

فما أمشي، ولم أهجرك إني أعشق الموتا

لأنك منه بعض، أنت ماضيَّ الذي يمِضُ

إذا ما اربدَّتِ الآفاق في يومي فيهديني!

أما رنَّ الصدى في قبركِ المنهار، من دهليز مستشفى

صدايَ، أصيحُ من غيبوبة التخدير، أنتفضُ

على وَمْض المشارط حين سفتْ من دمي سفّا

ومن لحمي؟ أما رنّ الصدى في قبرك المنهارْ؟

وكم ناديتُ في أيام سهدي أو لياليه:

"أيا أمي، تعالي فالمسي ساقيَّ واشفيني"

 

ونجد رثاء السياب لنفسه واضحا بينا، في الأبيات التي قالها في رثاء صديقه (حميد) الذي عانى من نفس المرض، وتخيل الشاعر  نفسه في القبر، ورجلاه مطويتان

 

حميد أخي في البلاء الكبير - فقد كان مثلي كسيحا

يدب بكرسيّه مستريحا

تساءلت عنه فقالوا : "يسير

على قدميه فقد عاد روحا

لقد مات" يا ويلنا للمصير!!

ينام ورجلاه مطويتان

شهوداً على الداء في قبره

 

وحين اشتدت عليه الآلام وكثرت جروح الجسد والروح تمنى الموت بحرارة:

ويا ليتني مت إن السعيدْ

من اطّرحَ العبء عن ظهرهِ

وسار إلى قبره

ليولد في موته من جديد!

 

 وقبل وفاته تكون قصيدته الأخيرة، يتبين فيها  شوقه إلى الأحبة والى أهلة وأسرته وزوجته الوفية والى العراق، وان الفراق وشيك، فقد ناحت الحمامة المطوقة مخبرة به،، والشاعر ملقى على السرير كالحجر الثقيل، يشعر انه في التابوت لولا بقية من دم ووجع يجعل الأنات تنطلق، هو ملقى في غرفة كالقبر، ويسأل  زوجته إقبال ألا توصد الباب دونه، هو ميت ما زال يحتضر

 

ما وجـــدُ ثكـلى مثلُ وجدي إذا الدجـى

تهاوينَ كالأمطار بالهـــمّ والســـــهـــدِ

 

أحـــــــن إلـــــــــى دارٍ بعيــدٍ مـــزارها

وزغبٍ جياعٍ يصـــــــرخون علــــى بُعْدِ

 

وأشــفقُ من صـــبح ســيأتي وأرتجــي

مجيئاً له يجلـــــو من اليأس والوجـــــدِ

 

يا ليل ضمَّخكَ العراقْ

بعبير تُربتهِ وهدأةِ مائهِ بين النخيلِ

إني أُحسُّك في الكويت وأنت تَثقُل بالأغاني والهديلِ

أغصانك الكسلى و "يا ليل " طويلِ

ناحت مطوَّقةٌ بباب الطاق في قلبي تذكّر بالفراقْ

في أي نجمٍ مطفأ الأنوار يخفق في المجرّةْ

ألقت بي الأقدار كالحجر الثقيل

فوق السرير كأنه التابوت لولا أنّةٌ ودمٌ يراقْ

في غرفة كالقبر في أحشاء مستشفى حواملَ بالأسرّة

يا ليلُ أين هو العراقْ؟

أين الأحبةُ ؟ أين أطفالي؟ وزوجي والرفاق؟

يا أمَّ غيلان الحبيبةَ صوّبي في الليل نظرةْ

نحو الخليج، تصوريني أقطع الظلماء وحدي

لولاكِ ما رمتُ الحياةَ ولا حننتُ إلى الديارْ

حببتِ لي سدف الحياة، مسحتها بسنا النهار

لمَ توصدين الباب دوني، يا لجوّاب القفارْ

وصل المدينة حين أطبقت الدجى ومضى النهار

والبابُ أغلق فهو يسعى في الظلام بدون قصدِ

أين الهوى مما ألاقي والأسى مما ألاقي؟

يا ليتني طفل يجوع، يئنّ في ليل العراقِ!

أنا ميّت ما زال يحتضر الحياةْ

ويخاف من غده المهدد بالمجاعة والفراقِ

إقبال مدّي لي يديك من الدجى ومن الفلاةْ

جسِّي جراحي وامسحيها بالمحبة والحنانْ

بك ما أفكر لا بنفسي: مات حبُّك في ضحاه

وطوى الزمان بساط عرسك والصبا في العنفوان

 

الحزن الذي نجده فيمن أدرك مفارقة الدنيا وهو لم يحيا  كما يتمنى ويريد،  كبيرا يثير الأسى، ويزيد من هموم النفس وجروح الروح، وهذه القصائد الخالدة بما تحمله من جمال قد تكون تعزية للنفس الحساسة من خيبة آمالها وعجزها الكبير عن تحقيق ما بقيت طول العمر تسعى إليه، فقد يجد من أعياه طول النضال عن تحقيق ما تصبو اليه النفس ويطلبه الفؤاد بعض العزاء، انها قصائد جميلة ذات عاطفة صادفة تنبعث عن نفس تواقة الى الخلاص من آلام الدنيا وخيباتها المتلاحقة

 

 صبيحة شبر

 

 

 

 

 العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2311 الخميس 27 / 12 / 2012)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2305 المصادف: 2012-12-27 13:21:02