المثقف - قراءات نقدية

المركيز دي ساد ومنهج النزوع السادي في الرواية / عبد الباقي يوسف

abdulbaki yousifاستطاع المركيز دي ساد أن يترك بصمة النزعة السادية على مجمل

الأعمال الروائية التي كتبت بعده، وقد عبر ساد عن هذه النزعة من خلال غالبية أعماله الأدبية .

السادية نزعة سائدة في الإنسان، وقد اكتشفها المركيز دي ساد، وتوسع بالحديث عنها حتى عـُرفت باسمه، والحقيقة فإن الحديث عن هذا الرجل يحمل شيئا من الخصوصية والدهشة معا، وعندئذ نكتشف بعض المفاهيم غير الصائبة السائدة عن هذه النزعة، وكذلك نتعرف عليها من مكتشفها، وما ذلك بتقديري إلا لندرة الدراسات المترجمة إلى اللغة العربية والتي شرحت نظرة هذا الرجل إلى هذه النزعة من جهة، وكذلك ندرة ترجمات مؤلفاته .

إن غالبية إبداعات الروائي الفرنسي الشهير المركيز دي ساد marquis de sadeترتكز على قضيتين : أولهما ضعف الإنسان في مواجهة قوة الطبيعة الخارقة , وثانيهما القلق الدائم الذي يستوطن هذا الإنسان من المجهول .. قليلة هي الدراسات التي تناولت إبدا عات ساد بشكل معمق , والأقل أو النادر منها ما تم ترجمته إلى اللغة العربية . إنه غير محظوظ في تداول كتبه ومؤلفاته، وحظه يكمن في ذكر اسمه أو المصطلح المشتق من اسمه في آلاف الكتب و المراجعات والأحاديث اليومية , ولكن كتبه تبدو محظورة وتعيش في الظلام رغم أهمية الإطلاع عليها لأنها في نهاية الأمر تتحدث عن أمر يخص الإنسان .

ليس بوسع القارئ أن يعثر على مؤلفات ساد مثلما يعثر على مؤلفات مارلو مثلا، أو بيكيت، أو توني موريسون، أو إيزابيل الليندي، أو كلود سيمون، أو حتى ألبير كامو .

فيظن القارئ بصورة شبه عامة - عدا المشتغلين في الأدب والفكر - بأن ساد أسطورة حيث لم يسبق له أن شاهد صور ساد نفسه في الصحافة ولا قرأ دراسات عنه، وكل ما يعلمه هو ورود هذا الاسم ضمن الأحاديث والمصطلحات : سيكوباتي – مازوشي· – سادي .

 

 

حياتـــــه

 

المركيز دي ساد شخص متواضع عاش حياة حافلة بالآلام والأحداث والإثارة والتوتر، واستطاع أن يحتمل كل هذه السنوات من الاضطراب ببسالة ويعلن موقفه من قضية الحياة بالنسبة للإنسان .

في سنة 1740 ولد المركيز في باريس .

وقد شهد أحداث الثورة الفرنسية وعاش نتائجها , فأضاف ذلك إلى معاناته الشديدة التي عاناها نتيجة قسوة أمه , مما ولـّد في نفسه نزعة العنف الجنسي , هذه النزعة التي جعلته يقضي سنوات حياته الأخيرة وهو يتعالج في مصح نفسي، لكن استطاع ساد - وهنا تكمن أهميته - استطاع أن يكتشف هذه النزعة في الإنسان ويدرسها بشكل تحليلي , وكذلك يضع بعض المقترحات .

ولعل ما ساعده على كتابة أعماله وهو في ذروة المعاناة هو أنه أمضى ثمانية عشر عاما في سجنَي الباستيل وفانسين أبدع فيهما أعماله القصصية والروائية الهامة مثل : فلسفة غرفة المرأة – جولييت – جوستين – الأيام المائة والعشرون لسادوم – الراهب وحوار محتضر .

لم يكن المركيز دي ساد يعاني أزمات مالية فقد كان مزارعا نشيطا يمارس أعماله حتى وهو في السجن حيث لم يوكل أحدا لإدارة أعماله العقارية والزراعية , فقد كان يوقع شخصيا على أي معاملة بهذا الخصوص من سجنه .

ومثلما اشتهر كافكا بالمسخ، اشتهر ساد بـ" أيام سادوم " وفيها ينعزل أربعة رجال هم : دوق، وأسقف، وقاض وأحد أصدقاء الدوق لمدة مائة وعشرين يوما برفقة أربع نساء , وتتوالى تفاصيل السرد والحديث عن الأحداث السادية التي عاشها هؤلاء معهن . هنا تتقدم تفاصيل هذه النزعة ليدرسها ساد بشكل عميق ويقدمها إلى القارئ،

وبطبيعة الحال فإن هذه القراءات هامة لمعرفة النزعة السادية كون المؤلف يلج إلى أعماق شخوصه ويروي بجرأة ما يرغب في قوله .

المركيز ساد في هذه الأعمال لا يعتبر نفسه محللا على شاكلة فرويد , فهو يريد أن يقول ما يرغب وما يؤمن به . وفي النهاية يصرخ في أحلك مراحل ساديته : " أوه .. ياللعار " .

 

 

أهميــة إبداعاتــه

 

 

بعض النقاد اعتبر معظم مؤلفاته عبارة عن هلوسات ووثائق إجرامية " ليست من الأدب المكشوف وإنما يهدف منها إلى إثارة الاشمئزاز والرعب بدلا من إثارة الشهوة .. ولذلك فإن المدافعين يقولون بأن مؤلفاته يجب أن تعتبر من الأدب الجاد العظيم " ولكن لحسن حظ المركيز أنه بعد وفاته عثر على ( 500) رسالة مجهولة مكتوبة بخط يد ساد نفسه كتبها خلال فترة وجوده في السجن , وقد قام بنشرها " جيلبر ليلي " مع مقدمة توضيحية هامة وهي عبارة عن ست قصائد كتبها بمناسبة هذا الاكتشاف , ووقع المجلد في ألف ومائة صفحة تعد قراءته غاية في الإثارة والأهمية لمن يرغب في معرفة جوانب سرية عن تفاصيل وأسرار حياة ساد الأكثر سرية وخصوصية وإحراجا .

بالطبع فإن جهود الناشرين موريس هاين، وجيلبر ليلي قد ساهمت في نشر الأعمال الكاملة لساد التي وقعت في 16 مجلدا أسود تعد ثروة أدبية وفنية هامة , ولكن علينا أن نقرأ مؤلفاته بعيدا عن صورة ساد المرسومة في الذاكرة , أو ساد الأسطورة , أو ساد " السادي " .

استطاع المركيز أن يفتح آفاقا جديدة في الآداب العالمية والإنسانية , ويمكن ملاحظة هذا التأثير الهائل على الأدباء الذين اطلعوا على ساد وكما يرى كولن ولسن فإن معظمهم يعانون من ثنائية ساد الساذجة عن الخير والشر ولكن بشكل أخف، فالطقوس التي تؤديها المرأة العانس في " نور في آب " لفوكنر تسير على قاعدة ساد , وكذلك الشذوذ الذي نراه في " الملاذ " ووهم الاغتصاب وعود الذرة , ويحاول جيمس جويس أن يحل مشاكله مع الكاثوليكية بنشوة الضعة في " مدينة الليل " , ويميل غرين أيضا إلى ربط الجنس بالخطيئة , ويحاول جاهدا أن يقنع القارئ بأن الشيطان موجود لأن العالم مكان مسحور قاس .

يحاول الجميع إنكار الموقف العملي الذي يتوصل إليه تولستوي ودستويفسكي والقائل بأن الشر هو فقط غياب الخير وغياب الحب، وحسبما يورد كولن ولسن مرة أخرى فإن ليوناردو يعبر عن الموقف العملي في مذكراته قائلا : " إن الشر هو ألم جسدي " أي أن الألم الجسدي هو الشر الوحيد الذي يمكن أن يعرفه البشر .

وهذا يبدو واضحا في عزلة صموئيل بيكيت , وفي طريقة فرجينا وولف المفزعة في الانتحار , وكذلك في رعب همنغواي من الشيخوخة والألم ووضع تلك النهاية المأساوية لحياته , وكذلك في الموقف الوجودي العام من نيتشه إلى سارتر إلى دورنمات .

تقول سيمون دي بوفوار : / أن ساد حاول أن ينقل لنا تجربة ميزتها البارزة، إصرارها على أن تبقى غير قابلة للنقل / .

ويرى سيغوند فرويد : / أن السادية تقوم بدور معين حتى في العلاقة السوية، وتسمى انحرافاً حين تستبعد الأهداف الأساسية،وتفلح السادية في الاستعاضة عنها بهدفها الخاص. وهي تحمل مثالاً رائعاً لالتحام غرائز الشهوة بالعدوانية / .

 

لا بد من الاعتراف أن قراءة ساد بحاجة إلى بذل جهود فكرية متعبة ووجود هذه الكتابات من المنجزات الجيدة .

إنه يرغب في أن يتحول الإنسان إلى " سوبرمان " ليس في مواجهة أخيه الإنسان، بل في مواجهة مخاطر الطبيعة، ولكنه في النهاية يعبّر عن عجز الإنسان عن القيام والنجاح في هذه الأمنية .

يبقى المركيز دي ساد أحد الأسماء الهامة في التاريخ الأدبي , وتبقى إسهاماته الجادة في تطور وظيفة الأدب وإلصاقها بمعاناة الإنسان الجسدية والنفسية والخلقية والخلقية . إن ساد خلف تأثيرا هائلا في الأجيال الأدبية والفكرية والمذاهب والنظريات التي ولدت بعد رحيل ساد عن هذا العالم سنة 1814 .

ليس بوسعنا أن نفهم " سادية " ساد الحقيقية التي ينشدها إلا بقراءة آثاره وعند ذاك ندرك كم أن ساد نفسه ليس " ساديا " بالمعنى الذي يرد بكثرة في معظم المناسبات بشكل يكاد يكون عابرا .

 

العراق - أربيل  

عبد الباقي يوسف



·      تعد المازوخية حالة مقابلة للسادية فقد عرفت بأنها:

«تقبل إيقاع الألم على الذات والاستمتاع به» سواء كان ذلك الألم بدنياً أم نفسياً صادر من شخص آخر.

نسبتها: ينسب مصطلح المازوخية masochism إلى الكاتب الروائي النمساوي ليبولد زاخر مازوخ leqold zachermasoch (1836 – 1895) صاحب الرواية المشهورة (فينوس في الفراء، venus in furs) التي تعبر في بعض أجزائها عن فترات وتجارب من حياة مازوخ المؤلف، وخاصة فترة الطفولة منها.

لقد قام المحللون النفسيون بدراسة معمقة لشخصية مازوخ في فترة طفولته فاسترعى انتباههم في ذلك كون مازوخ كان يعيش مع عمته التي كانت تعاشر عشيقاً لها بين الفينة والأخرى، وقد دفع مازوخ حب استطلاعه يوماً إلى ان يختبئ في خزانة الملابس ليشاهد بعينيه تلك المشاهد و بينما كان مازوخ منهمكاً في مشاهدة ذلك المنظر بدت منه حركت جلبت انتباه العمة وعشيقها إليه، مما عرضه للعقاب المؤلم عن طريق عمته. فولد ذلك 0 حسبما يرى المحللون – قيام ارتباط وثيق في نفسه بين الألم الذي لاقاه في العقوبة، ولذة ما كان يراه من مشاهد الإثارة، وهذا الارتباط الذي تأصل في نفسه ولد إمكانية قيام اعتماد متبادل بين الشعور بالألم واللذة.

 

  

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2312 الجمعة  28 / 12 / 2012)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2306 المصادف: 2012-12-28 13:21:34