المثقف - قراءات نقدية

الدقيق المتقن في سردية رواية: ذاكرة الوجع / خليل مزهر الغالبي

اصدر الأديب صباح مطر – عملة الروائي الثاني – ذاكرة الوجع وهو- من اصدار تموز للطباعة والنشر والتوزيع.

 

وقد امتدت الرواية بمحكيها المحقب للزمن العراقي الماقبل اربعينية القرن المنصرم حتى الحقبة التسعينية منه، وبتسجيل سردي شابك فيه الكاتب الكثير من تواريخ ووقائع واحداث كثيرة،أنبرت شخوصها المنمذجة والموظفة للسرد الروائي ومتعلقاته من تنقلات لمتقاربات حقب بينية متداخلة توفق فيها الروائي – صباح مطر- -بخصوصية دقيق محكيها الممتد المتشابك بمتغيرات مناخ الرواية المتغيرة بمكانزمية أترخت مفصلياتها الإجتماعية المتأصلة بها من أعراف وعادات وتقاليد،حددت المعتمد المحكي المتوافق بحذر ذاكرة الروائي المدونة والمنتبه لتلبية سردها الفني الطويل التنقل بدقائق اجزاءه.

فمن حيثية طفولة مزيون ونشأته حتى صيرورته في زيدون الجندي و الضابط العسكري المحارب ونهايته بذلك الجسد المصاب بجروحه البليغة التي مددته على سريره الاخير، وقد عج به مذكاره المهموم متنقلا على طول حياته الطويلة، نادباً ايامه الماضية،ومنه تبدأ سردية الرواية كما في إسترجاع مواضي الزمن،ندماً لماعمله وما ألى إليه جسده المثقل بجراحه المعيقة له وإتكاءه على الأخرين،وكما في بدء هجس محكي الرواية((....ستغادر روحي هذا الجسد الهزيل المستعد تماما ليكون جثة هامدة،بدأ استعداده يوم غادره النشاط وصار كلاً على غيره،اضحى خائرا لايقوى على النهوض إلا بمعونة الأخرين،سأسلم روحي مرغما..."ص7

ان المؤثرات الانثروبولجيةالمتنوعة والمتغيرة ايضاً ،لطوبوغرافية زمنية الاحداث،حددت ورسمت الكثير السردي لمناخ الرواية ،حيث بساطة وفقر حياة القرى و طقوس السكن العشائري وظلم الاقطاع ابان الحكم الملكي في العراق وما لتنامي حرمان الحياة المتوانية لسلطنة الاقطاع وانانية أطماعها و غرائزها المتخلفة المتسلطة ،فمن الطفل مزيون اللصيق بحنان امه الأرملة، وانفكاكها عنه بزواج اخر لبي مطاليب وتقاليد العشيرة،هذا الحنان الذي وصفه لنا مزيون بلقاء أمه من بعد فراق عدة ايام وحين وصوله لبيت خواله "استقبلنا الجميع لدى الباب،خالي،زوجته،أولاده،جدتي،امي...قذفت بأشيائي ركضت مهرولا صوب أمي ...نعلقت برقبتها،لم تستطيع حملي فقد كبرتُ:جلستْ القرفصاء وإحتضنتني بكيت،نشجت،صرخت،شعرت بأن الكون بكى..."ص41

وقد بنت لنا الرواية شخوصها كمرموزات دلالية ادت توظيفها الفني و نقلت لنا الخطاب بسردية اعتمدت الاستذكار المتنقل داخل الحقب باسلوب الفلاش باك – وفق مستمسكات وثوقية نجح بها الراوي كثيراً،

حيث الطفل مزيون  وامه الارملة الحنونة و خاله واخيه محمد وصديقه القرمطي) المشاكس) الرافض لتجويع الفقراء، حتى رغبة و اشتهاء مزيون لبهيجة ليكون في لاحقه- زيدان- الجندي والضابط والزوج لها، لتكوين مرموزات فنية لمدلول الايصالية الفكرية ومضمونها،حيث رفض الخال الوجود الاقطاعي والعشائري اضافةلتطلعاته لأمور وطنية وعربية اخرى،ومتابعته الأخبار السياسية من خلال قرائته للصحف وبعدها اقتناءة الراديو ومتابعته لسماع الاخبار حتى العالمية منها،هذا الخال الممتد بحلمه خارج التقاليد المحيطه والمكبلة له وابتعاده خارج قريته وغيابه عنها، اضافة لما يخطط له الاخ محمد بهدوءه المتتطلع للابتعادعن العشيرة، لتلبية احلامه وبناءه لمستقبل خال من قيود العشيرة وإلتزاماتها،اضافة لسيكولوجية المشاكس الصديق المتمرد و القرمطي القائل"ألم يك فِي فرضا على الاغنياء بأن في اموالهم حق للفقراء وهؤلاء لايعطونه وهنا دوري في الإمساك رقبة هذا الغني الذي استأجرني لأخذ منه بعضا من نقوده عنوة اشتري بها طعاما وكساء اوزعه على معوزي محلتي..."ص68- ،

ومنها مشاركته في حركة –حسن السريع – هذه الحركة الخالدة ببساطتها التعبوية والكبيرة بتمردها للثأر لمقتل رجال 14 تموز ابان انقلاب الثامن من شباط المقيت،هو المشاكس القائل بجوهر الانسان والمواطن الحر في سياق حديثة مع زيدون البسيط الذي اسماه ابو الكرامة في تعليق مسميه الساخر - "....الكرامة يا اخي علقناها خارج اسوار المعسكر،خلعناها قبل ولوج باب النظام،أي كرامة لمن يسمع من يشتمه ويقذفه أشنع النعوت والكلمات النابية ويحير جوابا ولايملك ادنى حق للرد،الكرامة للأحرار يا أخي،فكيف يحمي الكرامة من لايملك حريته"ص69

فمن مزيون الطفل القروي الحان واللاصق بإمه، مزيون البسيط الذي شب وعشق بهيجة ولزواجه منها،اصبح زيدون الجندي في جيش لاناقة له به ولاجمل،ومن مشاركته في حروب اُحرق بها الجاني والبريء ليصير ضابط بنجومه اللماعة، ويرزق بولده الدكتور يحيى،وبعد اشواط بعيدة متنقلة لحياة ذلك الطفل القروي الطيب البسيط المغمور بحنان أمه،ليصبح الجندي المستلٍب و المستلَب بحراك و اوامر العسكر كما في فهمه الحاس بتداعيه "عدت لزعيق الابواق والاصوات الأمرة الزاجرة والصفارات...تمريغ الأنا في وحل الطاعة العمياء...لايأتي هنا إلا الفقراء أما المترفون،الاغنياء،اولاد الذوات فيأتون ليأتمروا ثم يقودوا..."ص121 بل راح ولصراخ الحس الانساني المندلق عليه من ايام حروبة القاتله ليصف ضاده ورفضه لها كما في"قالوا لنا في الدورة التدريبية-واجب الجيش حماية حدود الوطن وسلامة اراضيه...توفير حياة آمنه لمواطنيه- اليس هؤلاء مواطنيه؟أي تناقض فاضح بين النظرية والتطبيق"ص123

وأكدت الرواية على إدانتها الرافضة للحروب وخاصة اواخرها المتعددة،وهو رفض وجداني مؤنسن بوضوح كما في

)لازالت ترتسم امام ناظري صور الموت،الخراب،الصبية الفارين في الوديان،النساء اللائذات باطلال البيوت المتهاوية تحت ضرب القنابل،... هذا نتاج عنفواني سطر في سفر ذميم.(ص162

لابد لقراءة – ذاكرة الوجع- بنباهة مطاولة لدقيق سردها الكثير الحراك في تنقل محكيها الروائي اللاح قاب مقاربات الروائي وبتوفيقية لمخيال ذاكرة لايفارقها الإنتباه الحذر في تلقي الروي المدون. لحقبات أليمة التعب في تحقيق مرادها وهي متعلقة بوضعية الاسباب الطبيعية المتخلفة والخانقة لمنعها اوكسجينية تحقيق السعادة،وقد امتدت السردية لها على مفصليات وشروحات متنوعة بتشابهها الفكرية والرؤية ازاء الوجودية الشمولية وبما فيها من غرائز وأشتهائات ومطاليب تصطدم دائما بالجدارات الصلبة الممتدة على طول جسد الرواية كمحققات وتفصيلات لخطابها الأدبي المؤنسن.

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

 

............................

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2316 الثلاثاء  01 / 01 / 2013)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2310 المصادف: 2013-01-01 13:23:58