المثقف - قراءات نقدية

ماوراء القص وبنية الايهام التخيلي / أمجد نجم الزيدي

amjad alzaydiقراءة في مجموعة (تجاعيد وجه الماء) للقاص نعيم ال مسافر

 

لقد بقي العمل السردي (الرواية، القصة القصيرة) لأزمان طويلة، غامضاً وسرياً، فيما يتعلق ببنيته التركيبية وتشكله، وما يرافقها من طقوس خاصة تدور في فلك الكاتب وكتابته، وكم كان الفضول يعتري القارئ بأن يخترق محترف الكاتب، ليطلع على تلك اللعبة السحرية أو ذلك (الجرح)1، الذي يسمى الكتابة، ولحظة تشكلها، وكيفية بناء الشخصيات وصياغة الأحداث.

وقعت الاعمال السردية تحت هيمنة أنساق التاريخ والواقع، ولم تحظ بشخصية مستقلة، إذ كانت علاقتها بهذه الانساق ملتبسة، أصابت الاعمال السردية (الروائية بخاصة) بحالة من الجمود، لانها الحقتها بها ولم تعطها المجال الكافي لتحظى ببنيتها الاساسية كعمل متخيل، لذلك فقد قامت الميتافكشن2 (metafiction) بكسر تلك الهيمنة عندما اسقطت قناع التاريخ والواقع عن النص السردي، وقدمته عاريا كعمل متخيل، من خلال كشف أوراق اللعبة البنائية والتركيبية لفعل الكتابة السردية، حتى انها حرضت القارئ على النص السردي بأزالتها للغلالة الرقيقة التي تحجب العمل السردي عن أصل تشكله كبنية متخيلة، لقد اعادت الميتافكشن صياغة سؤال وظيفة الادب والعمل السردي.

جائت الميتافكشن لتكسر جداراً وهمياً عازلاً أقامته النصوص السردية بينها وبين متلقيها، وذلك من خلال كشف عملية صناعة النص السردي، وتلك اللعبة التي كانت تدار بالخفاء، والتي يخلق بها الكاتب ذلك الكون المنظم الذي يبثه خيالاته وأساطيره، ووضعت المتلقي في خضم العمل السردي، متلصصاً على أسرار الكتابة والعابها.

يقع الميتافكشن ربما خارج فعل السرد الذي يقدم المبنى الحكائي، حيث ينمو سرديا بصورة منفصلة، خارج البنية الحكائية، ولا يعني هذا إن الميتافكشن هي عملية قسرية مفروضة، أو هي أضافة منفصلة عن عملية بناء النص، وأنما هي أحد العمليات المحركة لفعل السرد، إن لم يكن لاما له، وكلاهما أي السرد والميتاسرد يشتركان في صياغته، إذ إن الميتافكشن يحقق عدم الفصل بين الكتابة الابداعية والابداع، أو بين كتابة القصة والقصة نفسها، لذلك فقد كسرت احد مقولات الحداثة المبنية على تكامل الوحدة النصية وانغلاقها، وتداخل المبنى والمتن الحكائي، عند حضور فعل الكتابة نفسها داخل المتن المكتوب.

المجموعة القصصية (تجاعيد وجه الماء)3 للقاص نعيم ال مسافر، قدمت تصورا متنوعاً للاساليب السردية، وتنوعت قصصها بين أسلوب الراوي العليم والسرد الذاتي، وما اقصده بذلك التنوع هو تنوع أسلوب الخطاب السردي الذي استخدمه القاص، وأول تلك الاساليب هو اسلوب الميتافكشن، الذي عرفته باتريشا واو بانها كتابة (تلفت نظر القارئ منهجياً، وعن وعي ذاتي كامل لحالتها بوصفها صناعة بشرية، من أجل أن تطرح قضايا عن العلاقة بين الحقيقة والخيال)4، نلاحظ إن اول نصوص المجموعة وهو نص (الحرب الدرداء) قد أظهر الراوي العليم وهو يسرد العلاقة الملتبسة بين تصور ذلك الصغير للحرب وصورتها الواقعية (يعتقد أن للحروب أضراس تماسيح.. تبكي على ضحاياها بعيون أخرى ليست عيونها.. عيون اصلف من ان تبكي أحداً مهما كان) ويستمر الراوي العليم بناء رؤيته السردية عن احداث القصة من خلال تقديم شخصية ذلك الصغير، الكبير بعد ذلك ورؤيته للأحداث، بصورة توحي للمتلقي بأن ذلك الراوي، قريب من تلك الشخصية، وإن لم يكن مشاركاً فعليا في سير الاحداث، بيد إن تلك العلاقة مابين الراوي وتلك الشخصية، يفضحها المقطع الاخير من القصة والذي يظهر فيها الراوي انه هو كاتب القصة (ليلة كتبت هذه القصة، نمت في وقت متأخر من الليل)، وهنا يقطع القاص الصلة الافتراضية التي أقامها المتلقي مع النص، ويكشف اللعبة التي يختفي ورائها، مسقطاً القناع الواقعي الذي بنيت عليه القصة، فقد قام بفصل المقطع الذي يعطي تلك العلاقة أبعادها، بأن يقدم نفسه كاتباً للقصة، مما يوحي بأن هذا المقطع هو هامش أراد به الكاتب أن يكسر العقدية التي بناها النص مغ القارئ، ويكسر افق توقعه الذي بناه في متن المقطع الذي سبقه.

وايضا في قصة (الرموز) حيث نرى وجهة نظر الراوي عن الكتابة قد طفت فوق سطح النص ( أومن إن قدرة الكتابة على التوصيل لا تأتي من خلال القيمة الادبية والعلمية التي بها، بل من خلال صدق وأمانة كاتبها، حاجته لكتابتها مهما كانت تلك الحاجة.. يبدو إن العلاقة بين هذه المفاهيم الثلاثة والقدرة على التوصيل علاقة طردية)، وهذا المقطع هو خارج نطاق الاسلوبية السردية التي بني عليها النص، إذ كان ضمير (الانا) يسرد أحداث الحكاية وتفاعله معها، وجاء هذا التعليق مضمناً داخل النص، وإن كان ربما متوافقاً مع الثيمة القصصية، التي ظهرت في القصة وهي كتابة الرسائل، ولكنه مع ذلك يعكس وجهة نظر الراوي تجاه عملية الكتابة، بما تسمى الانعكاسية الذاتية (self reflexive)، حيث تعتبر الاراء النقدية وأظهار أسالب الكتابة المضمنة داخل القصة، احد أساليب الميتافكشن.

وكذلك في نص (ليس بعيدا من هنا) حيث يختلط مفهوم ماوراء السرد مع أسلوب التمثل الذاتي والذي ربما يظهر أكثر في أسلوب المذكرات، حيث يرينا المقطع التالي صوت الراوي وهو يقدم لنا وجهة نظره تجاه الكتابة ( أعترف أمام نفسي على الورق، حتى بما لا اريد الاعتراف به.. اعترافات إنسان عادي لاتهم أحدى.. سيستفيد منها اولادي.. آنى لي القدرة على التعري أمامهم لهذه الدرجة؟ وقد أعري آخرين أيضا.. كتابة المذكرات بصدق عري كبير.. فكرة غير صائبة)، وربما يختلف أسلوب ماوراء السرد في القصة الأولى وهي (الحرب الدرداء) عن القصتين الاخريين، بأنها قد كسرت حالة الايهام التخيلي التي تبنيها القصة حولها من خلال التصريح المباشر للراوي عن انها مجرد قصة متخيلة، وهذا التصريح معزول عن باقي النص بفواصل، بينما قصة (الرموز) يكون التدخل عن طريق اعطاء رأي تقييمي عن الكتابة من قبل الراوي، الذي هو ضمير المتكلم (أنا) والذي هو شخصية فعلية داخل القصة ومشاركاً في أحداثها، بيد إن ذلك التدخل يقدم للمتلقي، رؤية الراوي ومن وراءه الكاتب عن مفهوم الكتابة، ويكون هذا التدخل جزء من اللعبة السردية ومضمناً داخل نسيجها، حتى وإن جاء كحكم تقييمي لها.

أما في قصة (ليس بعيداً عن هنا) يقوم الراوي الذي هو (أنا) ايضا وكما في القصة السابقة بأعطاء تقييم للكتابة والاسلوب الكتابي والطقوس المرافقة لها، متماهياً مع خطابها السردي كجزء من خطاب النص.

تجربة القاص نعيم ال مسافر في هذه المجموعة ليست تكريساً لمفهوم الميتافكشن وانما جائت هذه الالية ضمن اساليب سردية متنوعة، بتنوع النصوص كالسرد المكثف والواقعي، واسلوب السرد الذاتي.. وغيرها، ومال أسلوب القاص الى الاسلوب الواقعي والمباشر، وإن كانت تتخفى النصوص في بعض الأحيان بأطار ايحائي ورمزي، لكنها لم تخرج عن صيغتها الواقعية لذلك تحتاج الى قراءة متأنية أكثر لفحص تلك الاساليب وتأثيراتها داخل النصوص القصصية، وتحسب للقاص الجرأة الحقيقية بمحاولة تجريب هذا الاسلوب (الميتافكشن) على القصة القصيرة.

 

 

1- الكتابة انفتاح جرح ما – كافكا

2- تُرجم مصطلح الميتافكشن الى (ماوراء الرواية) ، (ماوراء السرد)، (الرواية داخل الرواية)، (السرد الانعكاسي)، (ماوراء القص)..الى أخره .

3- تجاعيد وجه الماء (مجموعة قصصية) – نعيم ال مسافر- منشورات مجلة الشرارة- النجف 2012

4- جماليات ماوراء القص- دراسات في رواية مابعد الحداثة- ترجمة أماني أبو رحمة- دار نينوى – دمشق 2010 ص50

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2316 الثلاثاء  01 / 01 / 2013)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2310 المصادف: 2013-01-01 13:31:35