المثقف - قراءات نقدية

السلوك التربوي في ملحمة جلجامش / صباح شاكر العكام

sabahshakir alagamتعتبر حضارة وادي الرافدين من اقدم الحضارات الانسانية التي بناها

الانسان في مسيرته التاريخية الطويلة عبر العصور لتنظيم مجتمعات متحضرة ومستندة الى شرائع وقوانين تنظم الحياة السياسية والاجتماعية للبشر وقد وردت هذه الشرائع والقوانين في الالواح المكتوبة والتي تم العثور عليها اثناء التنقيبات الاثرية في مدن وادي الرافدين وان بعض هذه الالواح  تضمنت الملاحم والاساطير القديمة ومن هذه الملاحم ملحمة جلجامش والتي تضمنت اعمال الابطال  والآلهة واشباه الآلهة وقضايا الجنس والصراع بين الخير والشر ومشكلة الحياة والموت وكثير من المعالجات الاخرى ومن هذه المعالجات معالجة تحول انكيدو من كائن متوحش يأكل الاعشاب ويرضع لبن الحيوان ويجري مع الوحوش في البراري ويتدافع معها عند منابع الماء ويخرب فخاخ الصيادين الى انسان متحضر يمتلك الحكمة ويسعى الى الخير ويقف مع المظلوم ضد الظالم  والتي تمت على مراحل و بمعالجة تربوية متطورة وهذا يبين ان انسان وادي الرافدين قد اهتم بوضع نظام تربوي مستند الى اسس علمية لبناء الانسان الذي يحتاجه المجتمع والقادر على بناء وطنه وخدمة البشرية . لقد تم تأهيل انكيدو ذلك الكائن المتوحش نفسياً واجتماعياً لدخول المدينة (اوروك) وبأسلوب تربوي و على خمسة مراحل وكما جاء في نص الملحمة (النصوص اخذت من ترجمة المرحوم الدكتور طه باقر)

 المرحلة الاولى: ارسل الى انكيدو في البراري البغي (شمخة) وهي احدى بغايا المعبد المقدس  فأسفرت عن نهديها وكشفت عن عورتها لتغويه وتروضه وتنقله الى دنيا البشر لكي يمسي اكثر تعقلاً وحكمة فتمتع بمفاتن جسمها وأنجذب اليها فعلمته ممارسة الجنس فمارس معها الجنس ستة ايام وسبع ليالي وهو ما تقوم كاهنات المعبد في ممارسة البغاء المقدس والذي ادى الى هروب قطيع الحيوانات منه وهذه تعتبر الخطوة التربوية  الاولى لان ممارسة الجنس يعتبر اسلوباً تربوياً متطوراً يستخدم لترويض الانسان الشرس المتوحش وتحويله الى انسان مسالم اليف كما ان هروب حيوانات البر منه نتيجة لانتقاله من عالم الحيوان الى عالم البشر وكما ورد في نص  الملحمة:

اسفرت البغي عن نهديها وكشفت عن عورتها

فتمتع بمفاتن جسمها

لم تحجم بل راودته وبعثت فيه الشوق

نضت عنها ثيابها فوقع عليها

وعلمت الوحش الغر فن المرأة

فأنجذب اليها وتعلق بها

لبث انكيدو يتصل بالبغي ستة ايام وسبع ليالي

وبعد ان شبع من مفاتنها

وجه وجهه الى ألفه من حيوان الصحراء

فما ان رأت الظباء( انكيدو) حتى ولت عنه هاربة

وهربت من قربه وحوش الصحراء

المرحلة الثانية: طلبت (شمخة) من انكيدو ان يترك العيش في البراري و يأتي معها الى مدينة اوروك ذات المدنية والتحضر حيث يعيش جلجامش الكامل الحول والقوة المتسلط على شعب اوروك  والذي لم تنقطع مظالمه عن الناس فوافق الذهاب معها الى اوروك لكي يقابل جلجامش ويكون له نداً وغريماً  ولكنها تخوفت من اخذه من البرية حيث الحياة البدائية والعيش مع الحيوان الى المدينة (اوروك) ذات التحضر والمدنية مباشرةً دون ان تعلمه اصول الحياة المتحضرة مثل المأكل والمشرب والملبس والتعايش مع البشر  وكما ورد في نص الملحمة:

كلمت البغي انكيدو وقالت له:

صرت تحوز على الحكمة يا انكيدو واصبحت مثل اله

فعلام تجول في الصحراء مع الحيوان

تعال اخذك الى اوروك ذات الاسوار

الى البيت المقدس مسكن (آنو) و(عشتار)

حيث يعيش جلجامش الكامل الحول والقوه

المتسلط على الناس كالثور الوحشي

وما ان كلمته تقبل منها قولها

وفرح قلبه لأنه كان ينشد صاحباً له

فأجاب (انكيدو) البغي وقال لها:

هلمي ايتها البغي خُذيني الى البيت الطاهر مسكن آنو وعشتار

حيث يحكم جلجامش الكامل الحول والقوة

والمتسلط على الناس كالثور الوحشي

وانا سأتحداه واغلظ له في القول

المرحلة الثالثة  : شقت (شمخه) ثوبها شقين البست انكيدو جزءً منه واكتست هي بالجزء الآخر ثم اخذته الى مجمع الرعاة حيث موضع الحظائر وهذه خطوة مهمة لنقل انكيدو من الوحدانية في البرية الى مجمع الرعاة وهي وحدة استيطانية لكي يتعايش ويتآلف مع البشر فتجمع الرعاة حوله فوضعوا الطعام والشراب القوي امامه ولما شاهد الطعام والشراب امامه تحير واضطرب لأنه لا يعرف كيف يؤكل الطعام ولا يعرف كيف يشرب الشراب فعلمته (شمخة) كيف يأكل الطعام ويشرب الشراب فاكل من الطعام حتى شبع وشرب الشراب القوي لأول مرة في حياته حتى انشرح صدره وطرب لبه ونور وجهه بعد ان تربى على اكل الاعشاب  ورضاعة لبن الحيوانات في البراري وهذا يعتبر اسلوب تربوي متطور لان اكل الطعام وشرب الشراب القوي والذي عُمل من قبل الانسان  يعتبر صيغة متطورة لمعيشة الانسان المتحضر ولنقل انكيدو الى مرحلة معيشيةً اكثرتطوراً وكما ورد في نص الملحمة :

شقت ثوبها شقين البسته بواحد منهما واكتست بالثاني

وامسكت به من يده وقادته كما يقاد الطفل

اخذته الى كوخ الرعاة الى موضع الحظائر

فتجمع الرعاة حوله

ربي على رضاع لبن الحيوانات البرية

ولما وضعوا أمامه طعاماً تحير واضطرب

وصار يطيل النظر اليه

اجل لا يعرف انكيدو كيف يؤكل الخبز

لانه شب على رضاع لبن حيوان البر

ولم يعرف كيف يؤكل الخبز

ولا كيف يشرب الشراب القوي

ففتحت البغي فاها وخاطبت أنكيدو :

كُل الطعام يا أنكيدو فأنها سُنَت الحياة

واشرب من الشراب القوي فهذه عادة البلاد

اكل انكيدو من الطعام حتى شبع

وشرب من الشراب القوي سبع اقداح

فانطلقت روحه وانشرح صدره وطرب لبه ونور وجهه

المرحلة الرابعة : نُظف جسد انكيدو المشعر وقص شعره ومسح بالزيت جسمه والبس الملابس (لان التمدن يقتضي النظافة والزينة) ثم تقلد الاسلحة ليصبح مقاتلاً و حارساً للرعاة فكان يطارد وحوش البر ليلاً ليريح الرعاة وليناموا مطمئنين على حيواناتهم وماشيتهم بعد ان كان مخرباً لفخاخهم وهذه تعتبر خطوة اكثر تقدماً في حياة انكيدو واسلوباً تربوياً متطوراً بتحويله من مخرب لفخاخ الصيادين الى حارس ليلي لهم ولحيواناتهم وكما ورد في نص الملحمة :

نظف جسده المشعر ومسح بالزيت

واضحى انساناً ، لبس اللباس وصار كالعريس

اخذ سلاحه وانطلق يطارد الاسود ليريح الرعاة في المساء

اصطاد الذئاب وقهر الاسود

فاستطاع الرعاة ان يهجعوا في الليل مطمئنين

صار انكيدو حارسهم وناصرهم

انه الرجل القوي والبطل الاوحد

المرحلة الخامسة : دخل انكيدو الى اوروك وخلفه (شمخة) بعد ان اصبح مهيئاً نفسياً واجتماعياً لدخول المدينة ذات المدنية والتحضر بعد ان تجاوز مرحلة البدائية المتمثلة بالجري مع الحيوانات البرية والرضاعة من حليبها واكل الاعشاب معها الى المجتمع الرعوي ليكون حارساً ليلياً للرعاة ولحيواناتهم ثم انتقل الى المجتمع المتمدن المتمثل بمدينة اوروك والتي لو دخلها مباشرةً لاضطربت الامور ووصلت الى ما لا تحمد عقباه فتجمع الناس حوله وكان على اتم الاستعداد  لمواجهة جلجامش ذلك الطاغية المتسلط على شعب اوروك وكما ورد في نص الملحمة :

سار انكيدو الى الامام وخلفه البغي

ولما دخل ( اوروك) ذات الاسواق الواسعة

تجمع الناس حوله

حين وقف في شارع( اوروك) ذات الاسواق

تجمهر الناس حوله وقالوا عنه :

انه مثيل لجلجامش في البنية

ولكنه اقصر قامة واقوى عظماً

انه اقوى من في البلاد وذو بأس شديد

لقد رضع لبن حيوان البر في البادية

يلاحظ من تسلسل المراحل التي استخدمت لترويض ذلك الوحش (انكيدو) وتحويله الى انسان متمدن يمتلك الحكمة ساعياً نحو الخير والتي تمت على نحو واقعي لا يعتمد على الصدفة بل يستند على تعاقب الاحداث وفق ديناميكية التفاعل المنطقي معها  فانكيدو ذلك المتوحش الذي كان يجوب البراري مع الحيوانات لا يمكن ان يدخل اوروك مباشرةً لكي يواجه جلجامش ذلك الديكتاتور العنيد الذي لم تنقطع مظالمه عن الناس والذي لم يترك ابنا ًطليقا ً لأبيه ولا عذراء طليقة لامها ولا ابنة المقاتل ولا خطيبة البطل ليكون نداً له فتقدم واغلق الطريق بوجه جلجامش وتصارع معه في الشوارع والميادين حتى انتهى ذلك الصراع التناحري بين البطلين (جلجامش وانكيدو ) بانعقاد سلام الشجعان الذي اصبح يتمتع به شعب اوروك وصار البطلان خلين حميمين يلازم احدهما الاخر . لقد تم ذلك كله بفضل المعلمة الاولى لانكيدو البغي (شمخة) والتي كانت معلمة تربوية من الطراز الاول والتي علمت انكيدو كل شيء وبشكل نموذجي من ممارسة الجنس الى تناول الطعام المطهي الى شرب الشراب القوي الى حلاقة الشعر وتزييت البشرة الى ارتداء الملابس وتقلد الاسلحة ليصبح مقاتلاً وحارساً يحمي الرعاة ومواشيهم وهم نيام بعد ان كان مخرباً لفخاخهم ثم اقنعته بمرافقتها الى اوروك حيث جلجامش الكامل الحول والقوة  لكي يكون له خصماً ونداً .

يتضح من ذلك ان في وادي الرافدين كانت هنالك حضارة متطورة ومزدهرة بنيت على اسس علمية رصينة ففيها عرفت الكتابة لأول مرة في التأريخ وفيها اسست اول مدرسة والتي استخدمت الاساليب التربوية في التعليم ولمعالجة الظواهر الشاذة في المجتمع والتي تعتبر اعظم الانجازات الحضارية التي انجزها البشر عبر عشرات القرون. وما المراحل التي تم بموجبها تحويل انكيدو من ذلك الكائن المتوحش الذي يجري مع الحيوانات في البراري يأكل الاعشاب ويشرب لبن الحيوان الى انسان متمدن يمتلك الحكمة وينصر المظلوم ويقف مع الحق ضد الباطل وبخطوات تربوية مدروسة بعناية تدل على تطور اساليب المعالجات التربوية لأنسان وادي الرافدين قبل ما يقارب 5000 عام .

   

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2317 الاربعاء  02 / 01 / 2013)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2311 المصادف: 2013-01-02 13:08:16