المثقف - قراءات نقدية

الشاعرة رحيمة بلقاس في بحث مستمر عن حقيقة الحياة

rahima belqasلاشك ان الشعر هو بحث عن الحقيقة وجمالية الحياة ، وهو يبحث دوما

في منطقة الممكن والاحتمال .. فالجمال فكرة نسبية تتعلق بذات الانسان الباحثة دوما عن السمو والمثالية ، وفي رؤية الاديان السماوية ومنها الاسلام ، ان الجمال صفة من صفات الله تعالى والله يحب هذه الصفة استنادا الى (ان الله تعالى جميل يحب الجمال) ، والجمال ممتد في الكون كله ويتوازى مع امتداد العصور والدهور (وليس الاديب مجرد انسان يملك مشاعر واحاسيس ويعاني من نفس المشكلات والمصاعب والالام المنتشرة في المجتمع الانساني وانما هو ايضا وقبل أي شيء اخر يبحث عن تجاوز لهذه المعاناة وعن حلول للمشكلات حتى وهو في اكثر لحظاته انفعالا وتصويرا وابداعا ..) ، وبالتالي فهو يتأثر بالاخرين ويؤثر بهم ، ثم ان الشعر الوجداني خاصة يعتمد الانوية أي انه يتغنى بالذات انطلاقا منها الى الاخر ، فـ(ان الضمير الانوي يهيمن على مساحة واسعة جدا من الاشتغال الشعري لدى الشاعر العربي منذ اقدم العصور الشعرية ، وتقل هذه الهيمنة كلما تقدمنا باتجاه الحاضر الشعري بسبب عوامل حضارية وانسانية وثقافية وفنية غاية في التداخل والاحتشاد والتكثيف والتعقيد ، لعلّ في مقدمتها اكتشاف انواع شعرية جديدة ، كان حظ الغناء فيها محدودا قياسا الى غنائية القصيدة العربية التقليدية التي غالبا ما تكون عالية . تضعف هذه الهيمنة كثيرا على يد قصيدة النثر وتأخذ شكلا آخر يتنازل عن النبرة الصوتية العالية للحساسية الغنائية ، ويذوب قسم من طاقتها الغنائية في وسائل اشتغال شعري جديد ، ويتحول القسم الآخر الى تمظهرات ضميرية أخرى تعلي من شأن الطاقة الدرامية والسردية فيها) ، ومن هذه المنطلقات وجدت الشاعرة رحيمة بلقاس تعاني من توتر الذات في بحثها المستمر عن حقيقة الانسان في الكون ، كمعادل موضوعي لعلة وجودها في الحياة ، لهذا تمسكها في ذاتها يعني تمسكها بالانسان  .. تقول :

 

(هاك دمعي..

المتصابي في أرق العصيان

وسيول جراحي..الغائرة في الروح

رُدَّ عليَّ صفائي المؤثث بالرضا

ودعني أركض خلف سنواتي

أقلّب صفحاتي الموجوعة حد النّزف

كي تكسوني هواجس صلواتي

 

قفص المسافات يشلّ خطواتي

وفيوض الغموض في عري المعاني

تخمّر التجلي..

وبوحي يعمّد كأس الضجيج

في أجساد البكاء

لتشق نبراتي

كغيمة أرملة تطفو

تنتحب ..تهزّ الأغصان

وتمزق أستار القيظ

المتأجج في طقوس التناسي)

 

هذا التوتر والصراع جعل الشاعرة ، تبحث في اتجاهات الحلول ، كونها انسان ذات مشاعر واحاسيس اولا وانسان يمتلك عقلية باحثة عن حلول لمشاكله ، ثم ان هناك تأملات توحي بها الى حالة التوازن بين علة الوجود وبين اسئلة الكون بقولها :

 

(لتشق نبراتي

كغيمة أرملة تطفو

تنتحب ..تهزّ الأغصان

وتمزق أستار القيظ

المتأجج في طقوس التناسي)

 

ثم تقول : (هاهي روحي

تت تستشرق من كؤوس الشمس

كي تتسلّق خيوط الصّبح

وتسافر في معارج الخشوع

تطرد نشيج المدى

الجاثم على مخيلتي المتعبة)

 

لتربط بين مطالب النفس ومطالب الروح في جمالية تقترب من الجمالية الفطرية التي خلقها الله داخل النفس البشرية ، ولكن عند الشاعرة تحمل الامل والتمسك في معارج الخشوع للوصول الى انبلاج الصبح وبلوغ غاية الخلق وكل هذا جاء بكلمات شعرية شفافة بعيدا عن التعمية وعدم الوضوح ، لتبقى تردد :

 

(كأنّي من مجلّدات السحاب

أنهمر مطرا

أهندل البسيطة

وخرير الجداول

لتقيم مآثم الليل

في صدر الآهات

أرتشف صبوات الجراح

أتتبّع أثر القمر

الرّاحل عبر المدى)

 

وتثبت عند مباديء سمو الانسان ورفعته وبحثه المستمر عبر مديات الطبيعة بحثا عن جمال الاستقرار ، وكم نعلم الاستقرار في حياتنا الدنيا نسبيا ، وهو غير ثابت ، لها تحاول الشاعرة بنقاء نفسها ان تجسر الحياة الدنيا الى حياة اكثر استقرارا وجمالا و(كأنَّ الضوء لمحة برق) ، بيد انه يبقى ضوء نرغب فيه ، لانه اقتباس من روحنا التواقة للحب والجمال .. لتقول :

 

(وشاحبة مديات المكوث الأبدي

قاتمة آفاقنا الموبوءة باللظى

جفّت منابع الماء بالضلوع

وتحجرت المآقي بملح الدموع

صنعوا من محاجرنا محابر عسس

ومن الأجفان ريشة دفء مهزوم)

 

اذن الشاعرة رحيمة بلقاس تؤسس لحياة اخرى ، حياة من الحب والوئام والاستقرار واليقين ، وهو مشروع انساني عظيم وتبقى اشعارها مشاريع منفتحة على الحياة والتطور ، قد يجد الدارس لهذه الاشعار امورا كثيرة خافية او هي تتخفى بين السطور ..

 

وجدان عبدالعزيز

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2323 الخميس  10 / 01 / 2013)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2320 المصادف: 2013-01-11 14:55:09