المثقف - قراءات نقدية

غربة الوطن .. غربة الشاعر .. قراءة لمجموعة إياد هاشم (يا حدود الغريب) الشعرية

يغيب الشعر، يحضر الشعر .. وبين الغياب والحضور يستمر البحث وتلتقي الأذهان أو تتقاطع على تحديد معنى الشعر ومفهومه الأدق،

وعلى تصوّر يُراد له أن يكون واضحاً جليّاً لهذا الـ "كائن" الزئبقيّ الذي لا أحد يعرف من أول من أطلق عليه اسمه، ومنحه هويته، لكنه لم يتمكن من الخلوص إلى تحديد مواصفات مقبولة تماما له، إذ جعل كل عصر من عصور أدبنا العربي على الأقل يُركّز على "شيء" منه، فلم يتمكن ـ ولن يتمكن ـ أي شاعر أو متلق مهما بلغ من الذكاء والقدرة على الفهم من تثبيت مواصفات هذا الكائن الذي سُمّي (الشعر)، مادامت النفس التي تلده خارج أية محاولة للفهم والتحديد، لأن خالقها العظيم جعل المطلق حدودها وميّزها ـ في الإنسان ـ عن كائناته الأخرى.

ولم يُخطئ أبداً مَن سعى وجهد طوال سنين، في أيما عصر من هذه العصور المعروفة بشعرها الذي أنجزه شعرؤاها، طريق البحث الذي انتهجه ورأى معالمه بعين روحه، فانتهى إلى أن "الشعر شعر" وأنه "إذا لم يهززكَ عند سماعه/ فليس حريّاً أن يُقال له شعر"، مثلما قال عنه الشيخ الزهاوي، أو أنه "صعبٌ وطويلٌ سُلـَّمُه/ إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمُه" مثلما قال عنه ذلك الشاعر العجيب الحُطيئة، وأنه.. وأنه.. وما قال فيه المئات منذ ظهر على وجه الأرض حتى اليوم ، غير أن القول الأقرب إلى الدقة في تحديد مواصفات "الكائن/ الشعر" هذا الذي انتهى إلى أنه "عدول عن الكلام العادي إلى الكلام المجازي الذي يؤوَّل كيفما شاء له المؤوِّلون"،وإن ظهر بسمات تجعله أقرب إلى الكلام العادي الذي يتداوله الناس في أزمانهم، لكنها مثيرة للدهشة والارتياح والإعجاب... فالتصفيق!

ولقد جرؤ عدد من شبّاننا الشعراء ـ وقد جَدّوا واجتهدوا ـ فعادوا بنا إلى ما سُمّيت بـ (القصيدة العموديّة)، بعد أن شرَّق غيرهم وغرَّب في إلباس القصيدة العديد من الثياب المعاصرة والحديثة، بحثاً عن الشعر والشعريّة والإدهاش، ووصل هؤلاء الشعراء الشبّان إلى "مثالهم" الذي ارتضوه وصاروا يخرجون به على متلقيهم، فإذا بهم قد خرجوا بالقصيدة العمودية الجديدة من "بيت الشعر الوحيد" أو "الأبيات المتفرقة في القصيدة" إلى قصيدة ينتظمها كلها أو في معظمها أبيات متتالية يستحق كل منها أن ينال الإعجاب والارتياح فالتصفيق الحسي أو المعنوي ـ لا فرق ـ مثلما جاء بالقصيدة روّادها الأوائل، أعني في مفتتح عصر القصيدة العربية المتكاملة قبل الإسلام بقرن ونصف القرن أو قرنين، على وفق ما مقالة (الجاحظ) الشهيرة ورسخ في تاريخنا الأدبي الطويل، وأعني ـ أيضاً ـ أولئك الشعراء الذين جعلوا الكلام العادي في زمنهم شعراً ما زال يتردد على المسامع ويُقرأ بل و"يُكتشَف" المثير الذي أبقاه طوال العصور المتعاقبة.

دفعتني إلى هذه المقدمة الطويلة نوعاً ما قراءتي مجموعة (يا حدود الغريب) الشعرية(**)، لصديقي الشاعر (إياد أحمد هاشم) الذي جدَّ في جعلها تطوي غلافها على (28) نصّاً من الشعري العمودي، تخللها نصّان أحدهما من شعر ما سُمّي بـ "التفعيلة" وهو (حيث يموت الفرات) الذي أهداه الشاعر إلى روح الشاعر العربي الكبير محمود درويش إبّان رحيله عن الحياة، والآخر مما سُمّي بـ "قصيدة النثر" وهو (مقبرة من زجاج)، لغايات تعني الشاعر ـ المُرسِل ليس مما يهمنا أمر الوقوف عليها، قدر ما همَّنا أن نتوقف على ما يمكننا التوقف عليه من النصوص الستة والعشرين العمودية (قصيدة الشطرين) من هذه المجموعة، وفي مقدمتها نص (يا حدود الغريب) التي أخذت المجموعة ثريّاها (عنوانها) منها، والتي خاطب الشاعر عبرها غريباً ما :

نزف البحرُ من عيونِكَ همّــا         وبدا الفجرُ من جبينِـكَ يدمى

كل يوم أخيــطُ بين جفــونـي     لمحة الوجْدِ والقصائد عصما ... (ص7)

ثم خاطبه ـ بعد أبيات ـ تاركاً همومه بين يديه :

يدُكَ السيـفُ حيث كنتَ نبيّــاً         ما أضعتَ العصا لتسألَ عمّا

قلبُــكَ الليــلُ يستفيــقُ ويغفـو        والمصابيحُ بعد وجهـِكَ عَتما...(ص8)

حتى إذا ما أوصلنا الشاعر إلى قوله قبيل ختام نصِّه :

تـَـردُ المـاءَ كالظباء خجــولاً         والتماسيحُ منكَ تنهلُ لحمــا

خبَّـأ الرمحُ في جبينِكَ جُرحاً         فتداعتْ لــه الخـلائقُ حمّـى...(ص11)

فإلى بيت الختام :

جُــلُّ ذنبي لأنني كنتُ طفلا ً         وشقائي أنـّي أضعتـُكَ اُمّــا (ص12)

أمكننا أن ندرك شيئاً من ملامح "غريب" الشاعر الذي استحق الخطاب، وأبلغ متلقيه رسالته من خلاله، فإذا به الشاعر نفسه في غربته وتغرّبه بحثاً عن الشعر الذي يريد، فإن كان غير هذا ما يريده الشاعر إياد، فسنقول إنه الوطن الذي توحَّد به الشاعر فصارا غريبين في زمن لم يعد فيه لصادقي الودّ والوفاء لأوطانهم غير "موقع الغرباء" بما يُواجهونه من عسر وعناء وألم، وهو ما سنقرأه في نص (دمعة القيد) الذي يقول الشاعر فيه :

فاقرأ قصائــدَكَ الخرســاءَ في خجَـل       لعصبــةٍ خيــر ما فيهــا هـو الخجَــلُ

وافتـحْ قواميسَــكَ العرجـاءَ خارطــة ً      من الضيــاع، كمــا أوقــدتهـمْ أفلـــوا

أرحْ ركابَــكَ يــا ظمـــآن يا وطنــي       أكلـَّمــا أوقــَـدوا للحــــربِ تشتعــــلُ؟

وأكتبْ على التمر أسماءَ النخيل تجدْ       أنَّ الحُسيــنَ من الأصحابِ مُعتـَــزَلُ...(صص 26،27)

وفيها يختم الشاعر إياد أحمد هاشم خطابه، فتتضح هويّة المخاطـَب :

عُــذراً لقامتِــكَ الفرعـــاء يــا جبَــلا ً      إنـّي أراكَ لحَــــدِّ النجْـــم تنسحِـــــلُ

رمِّــمْ جناحَيــكَ للإســراء يــا وطنـاً       فليــس للحــقِّ جَمَّـــالٌ ولا جَمَـــــلُ!(ص29)

ويكشف لنا هوية المُخاطـَب هنا البيت الأخير، فيضعنا الشاعر أمام وطن توحّد بسيّد الشهداء (الحسين) وبالنخل والظمأ وحرائق الحروب، وقد دعاه لترميم جناحيه ـ يا للاسى ـ ليركب الليل وينطلق في آفاقه بعد أن أناخ عليه الباطل من كل جهاته، ولم يبق للحق /الأمل بالنجاة من محنته، ما يدفعه إلى الركون والسكينة في حيّزه الذي يضيق عليه، أو على الشعار في الوقت نفسه، وقد امتحنته " أزمنة من الدساتير" قبل ذلك :

تمـُـــرُّ حولـَــكَ أوطــــانٌ وأزمِنــة ٌ       من الدساتيـــر حتـى رُحـتَ تـُختزلُ(ص28)

وهو الوطن نفسه الذي يظهر اسمه صريحا منذ العنوان، في القصيدة التالية (هو ذاك العراق) التي تنطوي على المزيد من هموم قلب الشاعر، وهو يرى إلى الوطن الذي أولع به :

مولـَـعٌ في هــواهُ يأخــذ عقلي      وتوّسَّـلــتُ سِـــــرَّه.. فأبــاحـــا

غنمتْ خيلـُهُ مضاربَ جسمي      فأطاحــتْ في كلِّ شِبــر سِلاحا(ص31)

ثم هو كذلك الوطن الذي يعترف له الشاعر في قصيدة (اعتراف في حضرة الوطن) وهو يراه ويُضيّعه ويشم ريحه، ويتوسّل إليه أن يأخذ منه ما يشاء، قبل أن يُخاطبه :

يــا سيِّــدَ النهــرَين كيـــفَ       يُخــَبــئُ الغازيـــنَ بيـــــتُ؟!

جــرْيــاُ على قدَميَّ عُــدتُ       أروي لصمتـِـكَ مـا اقترفتُ

يــا أوّل الكلمــــــاتِ فـــي       شفــةِ المسيــح بهــا نطقــتُ(ص47)

حتى إذا ما أراد الشاعر أن يتخلص من همومه التي سكنته تجاه وطنه، ركن توجـّعه في وجه حزن وطنه هذا وابتسم ، ووضع (الحسين) من جديد معادلاً لعذابه حين لم يجد المغيث :

وركنــــتُ كــلَّ توَجُّعـــي       في وجهِ حُـزنِـكَ، وابتسمتُ

هابيـــلُ يَقطـرُ من يــدَيـْكَ       ومـــن ردائِــكَ لاحَ مَـــوتُ

وأرى الحسيـــنَ علــــى شفاهِــكَ يستغيـــثُ ومـــا اُغِثــــتُ!(صص48،49)

     ويتجلى التحام الشاعر إياد هاشم بالوطن مزيدا من التجلـّي، وتتجلى معه وحدة الهم والألم والتوق إلى الاستقرار وسكينة الروح، حين يستوحي من سيرة الرسول الكريم محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، ومن قصائد (نهج البردة) المعروفة أجواء قصيدة (قالت ليَ الشمس) ذلك الحضور الرساليّ الذي يُراد تغييبه بشتى أساليب المكر، فهو يخاطب بغداد :

هنــاكَ أبكيْتـُها لمـّـا قصَصــتُ لها       قالت ليَ الشمسُ عينُ اللهِ لم تنـَم ِ

ناديتـُهمْ لـم يكنْ للصــوتِ مُتـَّســعٌ       من الرحيـل، فشُـلَّ القومُ بالصمَم

هنا تبدَّل وجهُ الأرض وانكشفــتْ       سماءُ بُصرى، أبَعدَ اليوم من ندَم؟(ص70)

ويعود موقف الإمام الحسين البالغ المرارة في النفوس، والبالغ الحضور والدائم الحضور على الرغم مما يحمله من وجع قاس، جرّاء النكران الذي مُني به في ذلك اليوم التاريخي المشهود، ممتزجا بموقف الشاعر من وطنه الذي يُذبح مراراً، ليتجدد في قصيدة (الجروح قصاص) التي ازدحمت بصور يوم (الطف) المؤسية الحارّة:

نــدورُ على باب الحسيـــن لأنها      كوجهـِكَ نهــرٌ والحتوفُ تـَتـابَعُ...(ص75)

وجدنـاكَ عمّاراً، أضعناكَ ياسِراً      فعُــذراً إذا ما ضيَّـعتـْكَ النـوازعُ

فها أنتَ أبقيتَ اليبابَ على يـدي      لتبحــرَ ما بين الرمــادِ المَشـارعُ

فيكبرُ نهـرٌ بين أطــرافِ أرجُلي      سراباً! أظلَّ الماءَ والدربُ شاسعُ(ص76)

وسأتوقف أخيرا عند قصيدة (طرف العصا) التي استوقفتني بدورها وأباحت لي ـ على الرغم من قصائد هذه المجموعة المهمة ـ أن استكشف ما زخرت به من مخبوآتها الكثيرة، وقد مثـّلت ـ في تصوّري ـ خير تعبير عن تلك الهموم المتواشجة بين الشاعر والوطن، وبين ما حفلت به قصائده من تعالقات وتناصّات قرآنية وتاريخية ومعاصرة، ظهر بعضها في ما سبق من مقاطع وأبيات مختارة. ذلك إنني وجدت في الوقوف عند هذا النصّ ما يُلخـّص هذا النزوع الذي اهتم به شعراؤنا الشبّان الجدد، الذي ذكرته في المقدمة، إلى "العدول" بالكلام العادي إلى منطقة الشعر و"إيقاظ الشعريّة" في العمودي من الشعر الجديد، إذ يبدأ الشاعر إياد هاشم نصّه هذا :

وقفوا عليــكَ وليتهُـمْ وقفــوا!!       سرقوا لسانــَـكَ منكَ واعترفـوا

قالوا بأنـّكَ مَــن أمــرتَ بهــم       فنـَـجـَوا على كفـَّـيكَ وانصرفوا

وضعــوكَ فوق ثيابـِهم كـذِبــاً       فغــدَوتَ مُتـَّهَمــاً بمـا اقترفــوا...(ص131)

ويروح يستنطق قصة يوسف (ع) مع مكر أخوته ويستعيدها بأبيات مدهشة، يندغم الشخصي بالعام فيها اندغاما لا يمكن تفكيكه بسهولة، فها هو إياد يُخبرنا :

دخلــوا عليكَ وأنتَ تعرفهــمْ       لكنـّهـم خـَرجــوا وما عَرفـــوا(!)

أبقيْـتـَهـُــمْ جُرحــاً وأنــتَ به       فنزفتَ منـكَ وكنتَ مـا نـزَفـوا...(ص132)

قبل أن يستجمع (أناه) التي يبدو أنه يحاول الإمساك بها خشية الهرب من يديه، أو هرب القصيدة نفسها من لاوعيه، فهو يختم قصيدته هذه قائلا بلسانه وصوته :

أنا قـادمٌ من بين مَــا تركــوا       وتماثلـَـتْ نفــسي وهُـمْ خُسِفــوا

سأعُـدُّهـا حجـَراً على مُقــَـل ٍ      وأشيــدُ بيتـَكَ إذ هُــمُ قــذ َفـــوا

أعدَدتُ تحت الرمل مِن جسَدي    اُسُســاً لمجــدِكَ فوق ما حذفـوا(ص136)

ويبدو أن مشكلة القافية وضروراتها واجهت صديقي الشاعر إياد، هنا وفي أبيات اُخر لست في وارد التوقف عندها، في عدد من نصوص هذه المجموعة الشعرية الجميلة، إذ لا أجدني مرتاحاً لعبارة (ما حذفوا)، التي اعتدنا أن نقول بدلاً منها (ما هدموا) فهي أكثر دقة من حيث المعنى الذي يريده، وإن أجدني أعود ـ بلا تردد ـ فأقول : إن صديقي إياداً لا ينفك يبحث عن لغته وحضوره وتفرُّده بين مجموعة غير قليلة العدد من شعراء ألزموا نفوسهم وأرواحهم بالبحث عن "شِعريةٍ" تخرج من اليومي، شأن أجدادهم الشعراء الروّاد في عصر ما قبل الإسلام، الذين أجبروا التاريخ على الاحتفاظ بأسمائهم طوال القرون والعصور.

 

د. عبد المطلب محمود

شاعر وباحث أكاديمي من العراق.

 

.............................

(**) صدرت عن دار الينابيع في العام 2010.

 

 

         

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2342 الاربعاء  30 / 01 / 2013)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2339 المصادف: 2013-01-30 14:06:53