المثقف - قراءات نقدية

ما بين جين اوستن ودارون .. الادب والتطور والطبيعة البشرية

مقدمة المترجم: يقدم المؤلف، وهو استاذ اللغة الانجليزية في جامعة اوكلاند –نيوزيلاند- وله دراسات عديدة عن الادب والتطور،

في هذه الدراسة الشيقة والمثيرة مقاربة بيولوجية تطورية عن الادب لانه يعتقد ان مثل هذا المنهج التطوري يساعد على تقديم نظرية شاملة عن الادب فضلا عن البحث عن قرب في النصوص الادبية. بمعنى اخر، انه يسعى لتقديم تفسير تطوري للادب، منطلقا من ان لا الثقافة وحدها ولا اللغة وحدها هي التي صنعت ماضي النوع البشري. لان التطور مثلما إستطاع تقديم تفسير لسلوك الانسان في مختلف مجالاته، فهو بالتاكيد قادر على فعل الشي نفسه في تفسير مفاهيم الثقافة والحرية.

والدراسة مؤلفة من ثلاثة اقسام، ففي القسم الاول ينقد البنيوية (اللغوية والاجتماعية ) من ان الثقافة وحدها هي التي صاغت بنية الكون والانسان . ويستعرض كذلك التصورات الخاطئة عن نظرية التطور .

وفي القسم الثاني يستعرض اهمية وفائدة التطور في الادب، من حيث نشاة الادب واصله وسبب استمتاعنا بالادب .

اما في القسم الثالث والاخير فيتناول دور التطور في فهم الاعمال الادبية فيتخذ من رواية مانسفيلد بارك مثالا لتحليلها من وجهة نظر تطورية.

ولربما يجد القارئ الادبي ان النص في قسميه الاوليين يغلب عليه اللغة العلمية البحتة فبسطتها بما لايفقدها دلالاتها اللغوية وبما لايخل بالمعنى؛ فضلا عن ذكر المقابل الانجليزي لبعض المصطلحات البيولوجية المتعلقة بامور الوراثة، والتي قد لايكون القارئ الادبي على اطلاع كافي عنها لسبب بسيط هو البلبلة المصطلحية في العربية وعلى وجه الخصوص في المصطلحات العلمية عامة. وقد تجنبت الهوامش التي تشتت ذهن القارئ وتبعده عن الاستمتاع بقراءة البحث ايا كان؛ لان دونه شبكة المعلومات ليستفتيها فيما يستغلق عليه من فهم النص.

 

I

سادت ميادين العلوم الاجتماعية خاصة ومن ثم العلوم الانسانية عامة، خلال القرن الماضي، عقيدة إعتبرت اللغة والفكر هما اساس بنية الكون والعقل. بمعنى اخر، ترى هذه العقيدة ان الثقافة وليست الطبيعة البيولوجية هي التي تشكل وتصوغ هويتنا؛ وان اللغة وليس العالم هو الذي يقرر طريقة تفكيرنا. واذا صح اننا صنيعة الثقافة والاعراف والعقائد ، فنعدم اذن وجود مايعرف بطبيعة بشرية عامة، لان الايمان بطبيعة بشرية عامة، حسب ماترى هذه العقيدة، ينتهي بنا للقول "بالنزعة الجوهرية" (essentialism).

 

عندما حاول كل من اميل دوركهايم في نهاية القرن التاسع عشر وفرانز بواز- المتخصص بالاجناس البشرية- في بداية القرن العشرين، استبعاد علوم الحياة - البيولوجيا- عن دراسة الانسان، كانت مسوغات طرحهم مقنعة من الناحيتين الفكرية والاجتماعية،بسبب شيوع ورواج عقائد الدارونية الاجتماعية وعلم تحسين النسل على المستوى الشعبي وحتى على المستوى "العلمي". غير ان مثل هذا العذر لم يعد مقبولا حينما اصبحت الاقسام الادبية في جامعات العالم مسحورة بالمنهج الذي اتخذه كل من رونالد بارت وجاك دريدا ومايكل فوكو وجاك لاكان. إذ اعتمد هؤلاء على فرديناد دي سوسر في علم لغته المحدود،حين اتفقوا على ان " الانسان لم يكن موجودا قبل وجود اللغة، لا بصورة نوع بيولوجي ولا حتى بصورة فرد". وانتشر الانجيل الجديد للنظرية،الذي اكتسب زخمه واندفاعه للامام من ثقة انبياءها المنقذين ، عبر اقسام العلوم الانسانية والاجتماعية. لكن الذي لم يدركه اتباع هذه النظرية وانصارها هو ان اقتفاء اسلوب التفكير الباريسي الضيق، كان يعني اقصاء العالم الموجود خارج اللغة فضلا عن تجاهل بعض التطورات الفكرية الثقافية المهمة في زماننا في فهم الطبيعة البشرية.

 

ولم تصمد هذه النظرية طويلا وشهدت انحسار موجتها خلال العقود الاخيرة من القرن الماضي بفعل ضعف حججها اساسا، فضلا عن قوة الدليل المضاد.لانها استهلكت نفسها بفعل التكرار والحشو؛ فكم من مرة تحتاج "لتبرهن" ان مايبدو بيولوجيا هو ثقافي بالفعل في مقالة بعد مقالة حول البنية الاجتماعية للانسان. لكن أتباع هذه النظرية، من المترددين في قراءة ماهو خارج قائمة مصادرها المعتمدة، لم يعوا هذه الحقيقة . غير ان الادلة تجمعت متراكمة لاكثر من ثلاثين سنة وبعزم قوي مضطرد، لتؤكد ان البيولوجيا ليست نتاج الفكر بل ان الفكر هو ناتج وجزء من الطبيعة البيولوجية للبشر وانه ليستحيل تفسير الفروقات الفكرية دون فهم البنية المعقدة للعقل البشري و"للطبيعة البشرية التي هي واحدة في كل مكان في الكون. "

 

وبدات البراهين تنهال من فروع علمية عدة، والتي كانت في بدايتها مستقلة في عملها ومنفصلة عن بعضها البعض، ثم انتهت الان تصب متحدة ومجتمعة بطريقة تختلف جدا عما هو مألوف داخل كل فرع اكاديمي معين غني في منطلقات نظريتة : فجاءت روافدها من نظرية التطور ومن علم السلوك ومن علم اللغة ومن الذكاء الاصطناعي ومن علم الفسلجة العصبية ومن علم الاجناس التطوري ومن الفلسفة التحليلية ومن علم المعرفة التطوري ومن فروع كثيرة من علم النفس. ومن بين العوامل الكثيرة التي ساهمت في ظهور علم النفس التطوري باعتباره تخصص علمي مستقل، هو ادراك علماء السلوك ان السلوك البشري انما هو تكيف بيولوجي ؛ وكذلك تنامي قدرة المشتغلين في الفسلجة العصبية على تحديد وظائف مهمة في الدماغ ؛وكذلك تتبع وتعقب اهل علم النفس الادراكي للمهمات المتنوعة والمعقدة للادراك البشري ولانظمة ادراكية اخرى؛ وتمكن الذكاء الاصطناعي من اكتشاف ومعرفة درجة التعقيد لكثير من المهمات التي يقوم بها البشر والحيوانات الاخرى بصورة طبيعية؛ واعادة تنقية وصياغة تجارب الانتباه عند الاطفال التي قام بها علماء النفس التطوريين مما مكنتهم من دراسة تفهم الاطفال للعالم قبل تمكنهم اللغوي؛ وكذلك دور المنظرين في علم التطور في توضيح العوائق والموانع المفروضة على تطور الايثار المتبادل(Reciprocal altruism). واخيرا اكتشاف اهل اللغة لمديات مسبقة لبرمجة اللغة في الدماغ البشري.

 

وتشير جميع الادلة المتجمعة من هذه المصادر بوجود طبيعة بشرية عامة والتي تعكس التنظيم المعقد للعقل، وبانه لايمكن تفسير الفروقات والاختلافات المحلية للثقافة بدون فهم بنيتنا العقلية المشتركة.على انه لايجب اعتبار مايبدو لنا واضحا وطبيعيا في طريقة استجابتنا للعالم، بكونه امرا مفروغا منه. فلقد عمل التطور على صياغة وتشكيل احاسيسنا وعواطفنا وافكارنا، والتي بدورها تشكل وتصوغ عالمنا لنا. فالعقل البشري ليس عبارة عن الية عامة، من حيث كونه عجينة لاشكل له الى ان تصوغها الثقافة. لان التطور قام بتفصيل وصياغة العقل بطرز متخصصة جدا، ليس في مجال الية البصر و السمع فحسب بل حتى في مجال كيفية الشعور والتفكير والتفاعل.

وقبل البدء بتفصيل هذا الامر يتوجب ازالة وتبديد بعض الظنون الخاطئة عن مفهوم التطور.

 اولا، ان القائلين ان الثقافة لوحدها تتكيف بالفكر غالبا مايفترضون ان البديل الوحيد لاطروحتهم هو التجريبية المفرطة البساطة وهو افتراض يشير الى ان العالم يقدم نفسه مباشرة للعقل. غير ان الامر ليس كذلك: ان الوحدات العقلية (modules) التي نتجت عبر التطور لم تكن مباشرة او واضحة في فعلها، مع انها – اي الوحدات- تختار البيانات وتحولها بدقة وكفاءة تجعلنا نعتقد باننا نستجيب للعالم"تماما كما هو".

ثانيا، ان التشديد على الطبيعة البشرية العامة والمشتركة لايعني انكار وتجاهل الاختلافات الثقافية الكبيرة؛ لان الذي مكن لظهور هذه الاختلافات انما هو تطور العقل. فبدون النسيج المعقد المشترك للعقل، ماكان بالامكان وجود الثقافة بالمرة لانه بفضل هذا التصميم المشترك، نلحظ وجود كليات (universals) كثيرة بين الثقافات .

ثالثا، ان القول بان البيولوجيا هي اساس وقاعدة الحياة البشرية لايعني انها تفرض قالبا معينا للاخلاق البشرية. لانه ببساطة،ليست هناك علاقة سببية بينهما تدعونا للاعتقاد بان نقطة بداية شي ما يجب ان تفضي وتقود الى غاية معينة، او لماذا ان يؤدي وجود شيء ما الى وجوب شيء اخر. فالبيولوجيا على اية حال تقدم وتعرض سلسلة او صفا واسعا من نماذج مختلفة؛ والثقافة بحد ذاتها هي جزء من البيولوجيا وتتميز بقدرتها على توليد سلسلة من الامكانيات الجديدة.

ولكن يجب عدم خلط النظرة التطورية الحديثة بالعقيدة القديمة للدارونية الاجتماعية، التي تروج لطبيعة دموية باعتبارها نموذج للمجتمع،والتي فيها يقود التنافس الشرس وبصورة "طبيعية" الى فناء غير الاصلح. كما انها – اي النظرة التطورية الحديثة- لاتؤيد العنصرية. "بل على العكس"، " انها تصر على العكس من ذلك . فالمنظور التطوري لايسعى ولايجب ان يسعى لتسويغ الفروقات بين افراد نوع ما، بل حري به توضيح طرق اختلاف نوع ما (البشر مثلا ) عن الانواع الاخرى ". وكما يرى بعض الباحثين ان المناهج التكيفية من خلال توضيح المقدار الذي تشترك به عقول كافة البشر، " تفسر سبب تفرد وتميز الوحدة النفسية ( السيكولوجية) للبشرية وانها ليست مجرد خيال عقائدي" يبرهن على قلة الفروقات بين المجاميع العرقية ( الاعراق البشرية) .

كما ان النظرة التطورية للطبيعة البشرية لاتهدد الحرية ولا التغيير الاجتماعي؛ بل انها تسوغ لنا الاعتراض على صياغة عقولنا من قبل القائلين بانهم افضل من يعرف بمصلحتنا: اعني النظرة البنيوية الثقافية عن الدماغ باعتباره لوحة بيضاء. فمثل هذه الفكرة انما هي "حلم الذي يملي علينا "؛ "فلو كنا لوحات بيضاء.....فلن يهمنا ما فعله الاخرون بنا لان بامكاننا ان نتعلم قبول ذلك. ونؤكد ان النظرة التطورية تساعد على التغير الاجتماعي المعلوم. فلقد افضت رؤية العالم باعتباره محض خطاب، وباعتباره محض نص، لظهور الراي الاكاديمي المتساهل بامكانية تغيير العالم فقط عن طريق اعادة قراءته. ولكن كلا، فليس الامر كذلك، وذلك بسبب وجود عالم خارج اللغة، وان ذلك العالم يستدعي تغييرا اجتماعيا. وكما يرى ديساناياكي، " عندما نرى نماذج سلوكية كانت متكيفة في بيئتها الاصلية التي تطورت فيها، وندرك انها فقدت قدرتها على التكيف في الظروف الراهنة، يمكننا الشروع بمحاولة تغييرها بصورة واعية (بالوسيلة الثقافية)".

رابعا، ان كون عقولنا هي ناتج التطور لايعني ان "الوراثة قدرت وحددت هويتنا"، من حيث ان الجينات وحدها تتحكم بكل شي دون ان يكون للبيئة اي تاثير يذكر. إذ يؤكد المتخصصون بعلوم الحياة ان الانسان بكامله لاتحدده الجينات فقط بل انه دائما ناتج تفاعل الجينات والبيئة معا. ومثلما يقول رشارد دوكنز، من ان الدافع الجنسي عندنا ياتي افتراضا وزعما من تاثير جيناتنا فقط، ومع ذلك نستطيع التحكم برغباتنا الجنسية " حين يستدعي الامر فعل ذلك " : "من الممكن القول ان الجينات تفرض تاثيرا احصائيا على السلوك البشري ولكن في الوقت نفسه هناك الاعتقاد بامكانية ان تقوم مؤثرات اخرى بتحوير هذا التاثير، والغاءه او عكسه ."

 ان كون عقولنا تعكس تصميم التطور لايعني سيادة دور الطبيعة وانعدام دور التنشئة، وبان الامر كله موكول للوراثة ولا مقام ابدا للبيئة، فلقد رفض الفكر الاحيائي (البيولوجي) الدقيق كلية هذه الاشكاليات ودحضها: فمن جهة كوننا نوع فنحن" مائة بالمائة نتاج البيولوجيا وكذلك مائة بالمائة نتاج الفكر والثقافة". ولكن لايعني ذلك ايضا ان الفكر هو الكل بالكل؛ فالثقافة جزء من طبيعتنا الحياتية (البيولوجية) وليست بديلا عنها؛ لانه بدون الاليات الذهنية الفطرية المتخصصة لايمكننا اكتساب الثقافة، وبدون الثقافة لايمكن لهذه الاليات ان تشتغل فتاخذ مداها في العمل وفي التاثير.

خامسا، ان كون هذه الاليات الموجودة في الدماغ هي اليات غريزية لايعني انها موجودة جاهزة وحاضرة في مكانها عند ولادتنا. ومعلوم ان الجينات تعمل لصالح نمونا اثناء مراحل الحياة، وان حقيقة عدم ظهور الاسنان أو شعر الوجه او ظهور كثير من اعضاء جسمنا بحجم صغير، لايعني اننا نتعلم هذه الامور لاحقا. ولا كذلك اننا نتعلم لغتنا الاولى بقدر ما نطورها. فالاطفال جميعا يكتسبون اللغة خلال نفس المرحلة العمرية سواء تحدث معهم اباؤهم كثيرا ام لم يتحدثوا . ومعروف ايضا ان الاطفال الصم يبدؤن استخدام الضمائر عن طريق الاشارة عند نفس الوقت الذي يبدء فيه الاطفال الاسوياء فعل ذلك. ونجدهم يفعلون،وخلال نفس الفترة الزمنية القصيرة حالهم حال الاطفال الاصحاء السمع، نفس الخلط والاضطراب الاولي حول الضمائر في لغة الاشارة، فيشيرون بضمير المخاطب (انت) للتعبير عن ضمير المتكلم ( انا ) في المفعول به والعكس صحيح- وهو امر لم يفعلوه مسبقا اطلاقا، عند مرحلة الاشارة والتعيين الماقبل اللغوية.

سادسا، توضيح الالتباس الناتج من فكرة وراثة الصفات المكتسبة التي قال بها لامارك؛ إذ لم يدرك بعض من اتباع نظرية بياجيه حتى نهاية سبعينات القرن الماضي ان التطور لايعمل بهذه الطريقة . بمعنى اخر، انه من المستحيل لاي تغيير يحدث في مسيرة حياة المرء القصيرة ( كالضرر الوراثي بفعل الاشعاع او التسمم الكيماوي، مثلا) ان ينتقل الى احفاده؛ ولذلك فالتكيفات السلوكية خلال حياة المرء لايمكنها التاثير على الجينات في الجيل القادم. ليس هناك نمو باتجاه الكمال ولا حتى اي قصد نحو بلوغ الحالة المثلى وانما مجرد انتخاب عبر الزمن باتجاه افضل التصاميم لاغراض عملية في بيئة معينة.

سابعا، من الضروري التاكيد على ان التطور لايتم تفصيله حسب الطلب ، بلا قوة تنبؤية او احتمالية تغيير. إذ استطاع علماء دراسة السلوك بحث واكتشاف اوجه غير معروفة مسبقا عن سيكولوجية التبادل الاجتماعي (Social exchange) بخصوص التكيفات في انواع مختلفة مثل الشمبانزي والقرود الاخرى والخفاش وسمك المرجان الخنثوي . كما وتنبأت المبادئ التطورية واكتشفت خواص غير متوقعة – وغير مشكوك فيها – في العقل البشري مثل وحدة اكتشاف الكذب او تفوق الاناث على الذكور في بعض مجالات معالجة المعلومات المكانية.

إذ ظهرت التكيفات النفسية البشرية وتطورت خلال العصر البلايستوسيني باعتبارها حلولا لمشاكل واجهت اسلافنا: مثل اختيار القرين والزوج، وتحاشي زواج المحارم، وادراك وتمييز الوجوه والانفعالات، واكتساب اللغة، و"قراءة الافكار ( يعني، تفسير واستنتاج البواعث والنوايا ومعرفة الاخرين اعتمادا على موقفهم،وتاريخهم وسلوكهم)"، والانغماس في التبادل الاجتماعي (social exchange)، وتجنب لدغات الحيات، ومعرفة وتشخيص الاغذية النباتية، واختيار البيئات وغيرها كثير . وهذه التكيفات ليست بالضرورة متكيفة لظروفنا الراهنة (المثال التقليدي حب الحلوى الذي شجع اسلافنا على اكل الثمار لاقصى درجة للاستفادة الغذائية منها ولكنه اصبح الان تكيف سيئ لاننا نصنع حلوياتنا بانفسنا ). اضف لذلك، انه يبدو مستبعدا وقوع هذه التكيفات بل وغير محتمل وجود وقت كافي لحدوث اي تطور اضافي في التنظيم العقلي في الفضاء التطوري القصير منذ حلول الزراعة (وماكان لدينا وقت لان نفقد حبنا للحلويات). وقد لايبدو ظاهرا وواضحا معنى واهمية قيمة البقاء (Survival value) في الماضي لكثير من هذه التكيفات . ولكن حين شكك (ديفيد بريمارك) بامكانية اي شخص ان يقدم تفسيرا لسبب حاجة الناس في حوار مثلا عن صيد الافيال او ماشابهها، لقواعد لغوية مفصلة؛ فقد اجابه كل من (ستيفن بنكر ) و(باول بلوم) بالقول :" ان هناك فرق كبير بين الوصول لمنطقة نائية عبر سلوك الطريق الموجود امام الشجرة الكبيرة او السير بالطريق الذي تكون الشجرة الكبيرة امامه. هناك فرق كبير بين ان تقول ان المنطقة موجود بها حيوانات تستفيد منها لتغذيتك او بها حيوانات تتغذى عليك. هناك فرق كبير بين وجود ثمار ناضجة فيها او ثمار كانت ناضجة او ستنضج لاحقا".

 ان هذه المشاكل التي تمت حلولها من خلال التكيفات، ماكان ممكنا حلها باستخدام الالية العامة في الدماغ. وغالبا ما لانعي هذه المشاكل او لايمكن حلها خلال فترة حياة جيل معين. ونحن نرى حركات واشكال والوان بصورة الية دون ان ندرك ان معالجتنا البصرية تتطلب اليات منفصلة لكشف وتحسس الحركة والحافة والشكل، وكذلك اليات منفصلة لكشف وتحسس النور- الظلام ولتحسس اللون وكذلك اليات ثبات اللون. فمعادلة هاملتون عن انتخاب القرابة (Kin selection)، ماكان بالامكان حلها باستخدام الالية العامة في عقل انسان الصيد- الجمع ولكن تم حلها بالانتخاب الطبيعي. ومثلما لانريد حل معادلة هاملتون بصورة شعورية، كذلك لانريد بصورة شعورية ان نجهد لتعظيم وزيادة موائمتنا (Fitness) لان الانتخاب الطبيعي قد صاغ بنيتنا لذلك نشعر بالحاجة للعمل بطرق تكون،في الظروف المتوسطة في بيئة العصر البلايستوسيني،قد ساهمت بمواءمتنا التطورية (Evolutionary fitness).

وناتج كل هذه التكيفات عبارة عن عمارة عقلية معقدة في كل النوع البشري. فمثلما نولد جميعا بساقين للمشي وابهامين متقابلين للمسك، نجد كذلك اتصاف كل تكيفاتنا النفسية الوظيفية بالثبات وليس التغير، على الرغم من اختلافنا ضمن مدى معين في التكيفات غير الاساسية (مثل الطول، لون الشعر، والشخصية).

ونتيجة لهذه التكيفات فهناك طبيعة بشرية عامة، مع وجود التبيانات الفردية وتباينات اخرى، على الرغم من وجود اختلافات وفروقات جهازية معينة بين الافراد عند مراحل عمرية مختلفة، وبين الذكر وبين الانثى (بخصوص التكاثر والتربية، وبخصوص العدوان والتعاون والاحساس المكاني)، وبين الناس في ظروف اجتماعية مختلفة.

فلماذا تطور العقل بتكيفات نفسية عديدة معينة او وحدات ذاتية عقلية بدلا من الية عامة شاملة والتي كان بامكان الثقافة والظروف ان تضفي عليها شكلا مفصلا؟

تبين ان مشاكل ادراك العالم والانخراط فيه، ناهيك عن اتخاذ القرارات حول مايجب عمله في هذا العالم، هي اكبر مما ظن المرء قبل خمسين عاما. وجعلت الطبيعة حلول هذه المشاكل واضحة جدا لدرجة اننا احيانا لانستطيع حتى ان نرى انه كانت هناك مشاكل. لناخذ مثالا بسيطا، اوضحت التجارب اننا نميز الاشياء عن طريق اللون باسرع مما عن طريق الشكل؛ مع ان الانعكاسات الطيفية الخارجة من الاشياء تتغير سريعا في غضون اضاءة النهار المتغيرة. بمعنى اخر، ان الالوان ليست ثابتة،لكن بما ان سرعة تمييز الاشياء كانت ذات قيمة تساعد على البقاء (Survival value) ولان اللبائن الثديية (Primate)، تطورت وعاشت في بيئة الاشجار، فقد كانت حاجتها للبصر اكثر من حاجتها للشم، فلذلك تطور عقل اللبائن الثديية لان يتكيف لثبات اللون حالا، بدرجة من التعقيد لاتتوفر لاي جهاز اصطناعي حاليا.

فالعقل بحاجة لاعطاء حلول معينة لمشاكل معينة؛ ولذلك فالالية العامة الشاملة لحل المشاكل حسبما فهمناها منذ حلول الكومبيوتر لاتفي بالغرض. ويقول دونالد سيمون" لا وجود لشي اسمه الية تحل جميع الامور والمسائل، ولا وجود لشي اسمه مشكلة عامة " . فمثلما يحتاج الكومبيوتر الى برامجيات معينة قبل ان يبدأ انجاز مهماته الاساسية، نحتاج كذلك لقابليات عقلية محددة معينة:"فالبرامج الادراكية التي تنظم كيفية اختيار الشريك لابد ان تختلف عن تلك التي تنظم كيفية اختيار الغذاء. فالية التعلم العامة تتبين انها ضعيفة جدا وغير قادرة على تعليل وتفسير اكتساب اللغة او مظاهر اخرى من الثقافة. ومثلما يلخص (توبي) و(كوزميدز) القول : " ان علم النفس الذي لايعتمد على المضمون، والذي يعتبرونه اساس نموذج العلم الاجتماعي المعياري، انما هو علم نفس مستحيل". وما كان ممكنا تطوره لانه كان بحاجة الى علم بيولوجي تطوري مرن، ولايمكنه تفسير القابليات البشرية في حل المشاكل او تفسير البعد الوظائفي للسلوك البشري؛ ولا كان بامكانه تفسير النماذج المتكررة والمضامين المميزة للحياة العقلية البشرية وسلوكها . لان العلم الاجتماعي المعياري قد تم تزويره والتلاعب به تجريبيا وبصورة منتظمة وماكان بامكانه حتى تفسير كيفية تعلم الانسان لثقافته او لغته."

فلقد وجدت الاليات الفكرية العالية التخصص في الاطفال الصغار، وفي مجالات الفيزياء وعلم النفس والحساب والهندسة؛ ووجدت في البالغين كذلك فيما بين الثقافات المختلفة : اليات للغة واخرى للاحاسيس ولانواع مختلفة من الذاكرة( للوجوه وللاشياء وللاماكن)، ولانواع مختلفة من الانفعالات والعواطف( الغيرة الزوجية، الرابطة الابوية)، ولطرز مختلفة من فهم العالم المادي او العقول الاخرى او المواقف الاجتماعية. وسيوضح مثالا واحدا كيف ان هذه الاليات تتميز بكونها متخصصة نوعية وعالية الطراز وغير متوقعة.

اذ بينت النظرية التطورية ونظرية الالعاب في الستينات والسبعينات ان التبادل الاجتماعي التعاوني ماكان بامكانه ان يتطور باعتباره ستراتيجية مستقرة تطوريا، مالم يكن بامكان الافراد كشف واكتشاف الغشاشين وتعليق التعاون مستقبلا انتقاما للغش. وماكان احد يتوقع وجود وحدة اكتشاف الغش في الدماغ، الى ان بينت النظرية التطورية وجود معوقات تعيق تطور عملية التبادل الاجتماعي. والاكثر من هذا، تمكن الباحثون من الحصول على ادلة عن وجود وحدات خاصة للتفكير المعتمد على المضمون في مجالات اخرى مثل التهديدات العدوانية والوقاية من الاخطار.

بين الباحثان كوزميدز وتوبي احتمالية وجود علم قواعد اجتماعية (Social grammar) فطرية في العقل البشري بنفس الطريقة التي اوضحها شومسكي بوجود علم قواعد لغوية. وقالا ان نموذج العلم الاجتماعي المعياري سيتوقع ان يتم تعلم او تلقي اي تبادل اجتماعي موجود، اعتبارا من نقطة الاساس فصاعدا؛ غير ان ذلك غير ممكن لانه يتناقض والادلة الموجودة، ليكون حاله في ذلك هو مثل حال فكرة تعليم التعقيدات اللغوية للاطفال. بل اعتقد هذان الباحثان ان التبادل الاجتماعي يتم تعلمه بدون الحاجة الى وضع افتراضات . وكما اوضح علم اللغة الشومسكي بوجود جمل تعكس قواعد نحوية تفسر منطقيا من خلال بنى وتراكيب عامة، والتي تمثل في حقيقتها انتهاكا للقواعد الكلية (Universal Grammar) ولهذا لم تستعمل ابدا حتى من قبل الاطفال . لذلك يعتقد الباحثان بوجود جمل شاذة " لاتتضمن تناقضات منطقية، غير انها تنتهك قواعد التفسير والاستدلال الاجتماعي . ومثلما ان القواعد الكلية (Universal Grammar) معقدة وغير واضحة، ومع ذلك فهي اساس قدرتنا جميعا على اكتساب اللغة عند نفس المرحلة العمرية سواء تعلمنا ام لم نتعلم، وعليه اذن فلابد من وجود قواعد كلية (Universal Grammar) للاستدلال والتعليل والتفسير الاجتماعي. وبدون هذه القواعد وبدون وجود غرائز استدلال عامة، سيكون اكتساب المرء لثقافة ما امرا مستحيلا فعليا لانه ليس بامكان المرء استدلال اية تصورات، من بين عالم لا محدود من الاحتمالات، موجودة في عقول افراد اخرين من نفس الثقافة .

واذا امكن تقسيم وتجزاة الملكة الموحدة "للعقل"، الى غرائز تعليل واستدلال موقعية، فان ملكة "الانفعال "والعاطفة تنقسم بدورها في ضوء المفهوم التطوري الى سلسلة بواعث اتخاذ القرارات بحيث ان كل واحدة منها تحبب لنا كل شئ كان قد نفعنا في ماضينا التطوري وتجعله ضروريا ومطلوبا ؛ بينما، تبعدنا وتنفرنا من الشي الذي لم ينفعنا في ماضينا: اشياء عديدة من مثل تذوق الطعام،وتفضيل المشاهد،والخوف من الظلام او من الافاعي، والمشاعر الجنسية والابوية، ومشاعر حول المقام الاجتماعي والانتماء.

وتشير البراهين والادلة الى ان العقل قد تطور بصورة شبكة من وحدات متخصصة النطاق، منها " وحدة ادراك وتمييز الوجوه، وحدة العلاقات المكانية، وحدة ميكانيك الشي الصلب، وحدة الاستدلال الاجتماعي، وحدة الانجذاب الجنسي، وحدة الاستدلال الخاص بالمعاني، وهكذا". ولاننا جميعا نشترك بامتلاك هذا العمارة العقلية المعقدة فبامكاننا التعلم بغض النظر عن ثقافة المجتمع الذي نولد فيه. لان عقول اطفال البشر مصممة على تقبل واستلام مكونات اي ثقافة بشرية؛ اذ تنفتح وتشتغل مفاتيح معينة وبالتالي ستبدا بالعمل مديات من الخيارات وفقا لمعطى ثقافي مختلف لتعطي بالتالي منتجا مختلفا. ومن علم النفس الفطري العام ظهرت وخرجت اطر وخلفيات عقلية متنوعة فضلا عن سلوك متنوع لثقافات العالم .

ونجد في النموذج البنيوي الاجتماعي للثقافة، ان الثقافات نفسها، المجسدة والمصورة بكونها كيانات ذات غايات ومصالح ونشاطات خاصة بها، تكون قد شكلت و ختمت نفسها على طينة العقل. اما في النموذج التطوري، فعلم النفس الفطري، وهو ناتج الانتخاب الطبيعي، يمكن الافراد ويسهل لهم اكتساب ثقافاتهم المعينة حسب الوضع الذي يولدون فيه وحسب تمييزهم لمصالحهم الخاصة. ومثلما اوضح الباحثان مارتين دالي ومارجو ولسن بان النموذج البنيوي لايمكن ان يكون صحيحا بقدر ما انه يرفع مايسمى باهداف وغايات المنظومة فوق غايات افرادها وينكر حقيقة كون اعضاء وافراد (الجماعة الاجتماعية) هم افراد وعاملون ذات مصالح متطابقة جزئيا فقط. ولقد تبين اذن في البيولوجيا سبب كون الفرد هو المستوى المناسب في هرمية الحياة الذي تتم عنده البرامج التكاملية، وبالتالي عدم واقعية مقارنة مستوى المجموعة بمستوى الفرد ذي المصالح الذاتية.

يشير نموذج (دان سبربر) التطوري للثقافة، ان تفسير الثقافة انما يعني تفسير سببب وكيفية إتصاف بعض الافكار بكونها سارية ومعدية. وهذا يستدعي ظهور علم الاوبئة التمثيلي او التصويري. اذ تشترك كل النماذج الوبائية بحقيقة تفسيرها للظواهر الكبرى على مستوى العشيرة او الجماعة، كالوباء مثلا، على انها التاثير التراكمي لعمليات صغرى حدثت وسببت وولدت الحوادث المفردة، مثل الاصابة بمرض. وفي هذا الخصوص فالنماذج الوبائية تتناقض بقوة مع التفسيرات الكلية (holistic) والتي يكون فيها تفسير الظواهر الكبرى في ضوء تفسير ظواهر كبرى اخرى- على سبيل المثال يتم تفسير الدين في ضوء البنية الاقتصادية او بالعكس.

ولان النموذج البنيوي الاجتماعي يستلزم وجود عقول بلا شكل، ووجود عشائر(population) افراد بلا مصالح شخصية لكي تتعلم من خلال التقليد او الاستيعاب السلبيين ماتفرضه "ثقافة" ما، لكنه لايستطيع في الواقع تفسير اصل وانتقال او نمو الثقافة التي يعتمد عليها جدا. على نقيض ذلك،نجد في علم الاجناس التطوري ان الافكار تشيع وتروج وتفهم بسبب ان التطور قد بنى عقولا تستوعب الافكار.

 

II

بماذا ينتفع الادب اذن من الفهم التطوري للطبيعة البشرية؟ حقا ان مثل هذا التساؤل ليس بالامر اليسير طرحه على وجه صحيح،لانه يتطلب تفكير عميق جدا.

 وبادئ ذي بدء نقول ان انكار وتجاهل عمل التطور، لن يعطينا سوى صورة غير دقيقة عن التغير الثقافي، حتى بعد ماطرحه ريشارد دوكنز عن مفهوم "الميمات"(Memes) باعتباره المكافئ الثقافي للجينات(Genes). لان الثقافة لاتعمل،مثلما يعمل التطور، بوساطة الخصائص الانتخابية اللاذاتية ( الموضوعية ) المندمجة في التصميم عبر الاف الاجيال. ولانها -اي الثقافة- تشتمل ايضا على التغير والتحول وبنفس القدر الانتقال عند كل خطوة ؛ فضلا عن تسهيلها لحدوث التصميم المقصود.

وازاء نموذج "النظرية" السائد اخيرا في النقد السينمائي، طرح ديفيد بوردول ونوئيل كارول مقاربة ادراكية للسينما تقترب من طبيعية البعد التطوري. فهما يردان ويعارضان مجرد استبدال نظرية كبرى مرجعية في كل شي بنظرية اخرى. وبدلا من ذلك، فهما يعتقدان بضرورة معالجة مجالات معينة (الفزع، المزاح، فلسفة وباعث عكس اللقطات، دور موسيقى الفلم والخ ) من خلال تفسيرات وظائفية معينة لاتقررها سلفا بعض النظريات الكبرى؛ وبذلك فهما يعارضان تكديس الامثلة من النصوص او الافلام كما لو انها قد "اثبتت" النظرية، خصوصا عندما تفقد معايير البراهين فعاليتها حالها حال تلك المعايير في النقد. ويشددون على عدم قبول نظرية جديدة اخرى باعتبارها اداة موجهة سهلة لتعرض موجة جديدة من "قراءات" مقدرة تقريبا بنقطة اصلها ومصدرها. وقد اخذت تحذيراتهم ماخذ الجد.

كيف يمكن للبعد التطوري تجنب هذه المخاطر، وماذا بوسعه ان يقدم للدراسات الادبية؟ يمكننا القول ان بوسع هذا البعد تمكيننا من رؤية التجربة البشرية، التي هي مع كل ذلك مادة الادب وموضوعه، باوسع سياق متوفر، في الزمان- من حيث سبب وجود الطبيعة البشرية – كما في النطاق ، من حيث فهم عالمنا الممتد من الفيزياء الى الكيمياء والى البيولوجيا والى علم النفس والى الثقافة. وبامكانه (اي البعد التطوري) تزويدنا بوسائل لفهم العقول البشرية، من حيث كونها منتجة ومستهلكة للادب ومادة له، المتصفة بافقها الواسع فضلا عن عدم انخداعها بما يبدو واضحا واليا و"طبيعيا". وبامكان البعد التطوري ايضا تحريرنا من النظرة البنيوية (لغوية او اجتماعية) للحقيقة والواقع، وقد تبين انها فكرة واهية مضطربة، وذلك لان البعد التطوري يؤكد بان طريقة رؤيتنا للعالم قد تطورت مع تطور احتياجاتنا. ومثلما يؤكد جوزف كارول انه( اي البعد التطوري) يمكن ان يزيل القوة الجامعة للثقافة في النظرية الحديثة، واستعادة مكانة الافراد (مؤلفين وشخصيات وقراء) الذين يسعون وراء مصالحهم الخاصة في بيئتهم، وهي بيئة يصدف ان تكون في حالتنا اجتماعيا غنية وتعاونية ومتنافسة بصورة معقدة. وباعادة طرح قضية عالمية وكونية الطبيعة البشرية، فانها تدعونا للنظر في الكليات(universals) وكذلك في الاختلافات في الادب: وكما يشير ديساناياكي، انها تناسب وتوافق خاصة المقاربات المتعددة الثقافات لفنون غير نخبوية.

ان النقد الادبي الذي ينطلق من فهم العقل البشري المتطور، لهو بحاجة الى طرح اسئلة كثيرة جديدة عن الاشياء التي اعتبرناها مسلمة ومفروغ منها. كيف يوصي علم النفس التطوري والادراكي ان نفهم عملية التاليف والاستيعاب والاستجابه الادبية؟مالذي يولد فينا احساس المتعة واللذة في الادب ( لماذا المتعة و اللذة هي التي نتحصل عليها من الادب)؟ولماذا تهيج عواطفنا وانفعالاتنا على اختلاف انواعها؟واية قدرات تنشطها فينا ولماذا؟

بالطبع وكما هو معروف، فالتطور لم ينتخبنا قراء للادب؛ لكننا نعرف ان الناس في كل المجتمعات الحالية بما فيها مجتمعات الصيد والجمع، يجدون متعة ولذة فيما يقرأون من كلام حسن السبك والصياغة وفيما يسمعون من قصص مسلية يرويها قصاصون مهرة. فمن اي سلوك في الماضي وباية فوائد وميزات في بيئة العصر البلاسيوستيني، يكون قد تطور الادب؟

لوحظ ان اغلب اللبائن، ان لم تكن كلها ، تمارس اللعب الذي تجد فيه مصدرا للمتعة والبهجة. لان اللعب يمكنها من ممارسة مهارات العالم او الواقع الحقيقي وبدون مخاطر فعلية سواء كانت الممارسة في المهارات الحسية الحركية او الادراكية. ويلاحظ الباحث ديساناياكي ( في كتابه لماذا الفن ) ان الحيوانات التي تحرم من ممارسة الالعاب في طفولتها ، تفقد القدرة على اظهار سلوك اجتماعي طبيعي في مرحلة البلوغ، لان اللعب يساعد في بناء قدرة المنافسة فضلا عن المرونة. اذ وجد ان الحيوانات التي تمارس اللعب كثيرا في صغرها، فانها في مرحلة البلوغ تبدي سلوكا تكيفيا ومتباينا وتستطيع العيش حتى في البيئات غير المستقرة .

وبما ان اللغة هي جزء اساسي عند الكائن البشري، فنحن نحب ايضا اللعب بالكلمات. وتكون بداياته في حديث الاباء مع اطفالهم في كل مكان في العالم وما يتخلل الحديث من خفض الصوت ورفع نبرته وتشديد ايقاعه، وما يسمعه الاطفال ايضا من جلجلة اصوات ساحة اللعب واغاني الكبار. لقد طورت لغات العالم انظمة شعرية تعتمد الابيات التي تستغرق حوالي ثلاث ثوان لتاليفها وهو زمن حسبه علماء النفس باعتباره وحدة الحضور الواعي. ويعمل الوزن، والايقاع واشكال اخرى من التكرار على تحفيز شعور البهجة والسرور في تحسس وكشف طراز نافع ومفيد في التكيف مع اي مظهر من مظاهر بيئتنا.

ولان السرد مهم للمشاركة في تفسير تجربتنا الفعلية الحقيقية وفي محاكاة تجارب مستقبلية مهمة، تجدنا نحب اللعب مع القصص. وقد اوضح الباحث (بنكر) بفطنة شديدة الميزات التكيفية في تجزئة وتقسيم العالم الى اشياء واحداث وفي تزويد لغتنا باسماء وافعال تناظرها. وحتى في طفولتنا نبدء سريعا في معرفة دور اجزاء العالم بصورة اكثر وابعد: اذ نطور طرقا معقدة للتمييز بين الجماد وبين الحي ؛ ونطور كذلك نظرية العامل. ونميل لرؤية فعل توجهه الغاية والهدف بادنى تحفيز واثارة لكي يصبح المغزى في قصتنا هو المؤشر الافتراضي للعلاقة. فالطفل بين عمر سنتين وخمس سنوات سواء اكان موجودا في اوروبا، وامريكا و اسيا او في ثقافة الصيد والجمع في افريقيا، يطور نظرية عقل تسمح له بالتظاهر وفهم تصنع الاخرين ولفهم اعتقادات الاخرين ورغباتهم. ويعتقد ان من ايجابيات القدرة على خداع الاخرين وبالمقابل كشف العلامات الدقيقة لخديعة الاخرين، انها قادت وادت الى "سباق تسلح ادراكي " في التطور البشري ولربما حتى تعليل النمو السريع للفصوص الامامية في دماغ الانسان. في القصص، نستمتع بممارسة وعرض قدرتنا على "قراءة" مواقف الاخرين، ولنرى قوة الخداع والتمويه والتنكر، وان نعي مخاطر التفسيرات المغلوطة لموقف شخص اخر او حالته العقلية. ان تداخل الروي في القصص التقليدي وكذلك التصوير الخيالي للفكر في كثير من القصص المعاصرة، يوفر لنا ان نمارس مايسميه علماء نفس نظرية العقل بقدرة ماوراء التصوير والتمثيل الذي نحتاجه في حياتنا اليومية عند محاولتنا التفاعل والرد بما نعتقد ان الاخر يعتقد بما نفكر او بما يفكر شخص اخر . وان امور التنكر والخداع، والسخرية الدرامية، والتداخل السردي، وومضات افكار الشخصيات ليست هي مجرد ادوات سردية شائعة لايحدها زمن : بل ان وجودها وحضورها في القصص هو، ولربما كان لزمن طويل، وسيلة لتدريبنا على مواجهة تعقيد الحياة الاجتماعية.

ويقودنا البعد التطوري لمعرفة كيفية نشوء الادب من اعماق حاجات الانسان وقدراته، وكيف انه يعمل - اي الادب- ليس من خلال مجموعة رموز اعتباطية رأتها البنيوية او من خلال التشكيل الاديولوجي المحتوم كما رأتها مابعد البنيوية، بل من خلال المهارات التفسيرية التي يمتلكها عموم البشر من لغوية واجتماعية وسردية عبر عمليات الدماغ العادية المتطورة للتعامل مع واقع الحياة اليومية. على ان هذا لايعني ان الادب يطرح ويقدم طريق مباشر للواقع او حتى للخيال لكنه يعني ان القصص يمكنها العمل بكفاءة تبدو واضحة وطبيعية تماما مثلما يقوم الجهاز البصري ببساطة بتسجيل الالوان الفعلية للاشياء. ولايعني ايضا ان النص يفرض ويختم نفسه على العمل : فالدراسات الادراكية الحديثة تدل بشدة على ان " الاستيعاب ليس هو التعبير بصورة معكوسة" وان " الاستذكار ليس خزن وحفظ المعلومات بصورة معكوسة". فالاتصال والتخاطب والذاكرة كلها تقوم " بتحويل البيانات وتغييرها".

ينشأ الفهم الادبي من خلال المهارات المتطورة التي نستخدمها في كل الاوقات: الادراكية، اللغوية، التكيفية، السببية، العاطفية، الاجتماعية، الاخلاقية، ومهارات وقدرات لتعريف وتشخيص الاخرين وتذكرهم ومعرفتهم، ومهارات لقراءة العواطف، وملاحقة وتتبع " من فعل ذلك ولاجل من ". واذا اعتمد الادب على التكيفيات النفسية البعيدة الجذور والموجودة بين الانواع، فيكون ايسر تحصيلا،يسر د  واقل ارتباطا بالثقافة واكثر تحديدا في معانيه ودلالاته مما يظن به النقد الحديث. وهذا لايعني تشابهنا برؤية كل عمل ادبي بنفس الطريقة تماما لان علم النفس الادراكي يشير الى ان التصورات تتحول باستمرار في عملية الانتقال " باتجاه المضامين التي تتطلب اقل جهد ذهني وتوفر تاثيرات ادراكية كبيرة. وهذا الميل لزيادة نسبة التاثير/ الجهد، يقوم بتوجيه التحولات المستمرة للتصورات داخل مجتمع ما نحو مضامين ذات صلة في سياق مضمون اخر". فنحن نقوم، اثناء القراءة،بعمل ملخص ذهني، اي مجموعة تلخيصات؛ فالعقل لايتذكر كثيرا المستويات الفرعية للتفاصيل بقدر ما يقوم بتصويرها بطرق تبدو مقبولة من المستوى الاعلى، وبطرق تنحرف احتمالا باتجاه المالوف؛ لكن هذه العملية الطبيعية لاتعني ضمنا زيغ اديولجي واسع في الثقافة.

ويوفر لنا تناول الادب من خلال التطور فهم مادة موضوع الادب عبر المنافع والفوائد التي زودنا بها التطور فضلا عن الطريقة التي اعادت بها كل ثقافة وكل مؤلف صياغة هذه المصالح. فالانتخاب السردي يجب ان يعكس الانتخاب الطبيعي، واهتمامات البشر واستنتاجاتهم، وطرق البشر في تقسيم العالم. وفي الوقت نفسه، استطاع الادب،عبر مسيرة التاريخ الثقافي وقوة العبقرية الفردية، ان يوسع المدى الذي جعله التطور مدى طبيعيا. في البداية، وقبل افتراق انتاج الاسطورة عن العلم، قدمت لنا تفسيرات عما يكمن وراء المرئي، من خلال الوسيلة الحية التي عودنا التطور على رؤيتها بكونها اساسية لمبدا السببية. ثم، اذ وسع العلم مدانا البشري الحالي والطبيعي الى احاسيس اخرى وطاقات اخرى ومقاييس اخرى، فالادب تطور ايضا باتجاه تاثيرات الضوء او اللون او المنظر الى ماوراء صيغها؛ وباتجاه وصف وتصوير الخصائص الى ماوراء خططها، وباتجاه الحوار الى ماوراء الخطاب، وباتجاه الحبكة الى ماوراء شدة الاثر ودقة الخلق و الابتكار ؛ وباتجاه تعقيدات التعبير المتحققة عبر الكتابة فقط، وعبر دقائق النشاط الذهني التي هي خاصة ومتغيرة جدا لكي تصلح للخطاب الاعتيادي، وعبر دقائق العلاقات المتداخلة بين الادراك والفكر واللغة، وكذلك سرعة تقلبات الفعل ورد الفعل.

بامكان المقاربة التطورية للادب طرح الاسئلة القديمة- التي اعتبرت حديثا ان الزمن قد تجاوزها - مجددا، ويعاد صياغتها صياغة جديدة. كيف يمكن مثلا اتحاد ماهو ثقافي متخصص وبشري عام ضمن الاعمال المتخصصة النوعية او التراث؟كيف تتقاطع مثلا عالمية العقل المزعومة وخصوصية الثقافات في قراءة عبر الثقافات؟ كيف ينتشر التراث، بالنسبة للكتاب والقراء،عبر عملية الانتقال الثقافي التي تعطي مجالا لدور العقل الفردي في قبول وتحويل واعادة انتقال الافكار؟ ما الشي الموجود في انتشار طرز واجناس وتقنيات معينة يمكن ان نعزوه لمقامها واهميتهابالنسبة لحاجات الانسان المتطورة؟

واذا بدأ العلم التطوري اخيرا في تعليل التجربة البشرية وتشريع سياقها التي هي دائما في قلب الادب، فاي دور اذن يترك للادب نفسه؟ساجيب: بينما يبحث العلم عن قوانين لربط الاشياء من خلالها، فالادب ينجز ويتكون من هذه الاتحادات الخاصة غير الممكنة الاستبدال والاحلال (التي لا بديل لها )؛ وبينما يسعى العلم لتفسير متماسك متوحد فالادب ينتج من الاختلاف والتغاير ويدعو له، اي انفجار الابعاد والاغراض عند المؤلف والشخصيات والقراء.

ومثلما تتجه المقاربة العلمية والتطورية للعقل نحو الكليات- كليات تربط عقل بشري بعقل بشري اخر ومن ثم البشري بالحيواني، والحي بالجماد، واخيرا العالم المادي بالفضاء المجرد للاحتمالية المنطقية والرياضية- فاننا نجد ان المقاربة الادبية او الفنية تتحرك باتجاه التخصص والخصوصيات: هذا القارئ وجد هذا الكاتب يخترع هذه الشخصية في هذا المشهد.

لكن اذا كان الكتاب يتعلقون بالخاص، او بالعام عبر الخاص، فبامكانهم فعل ذلك فقط عبر مشتركاتنا. فالشذوذ الاسلوبي ليس فنا: فلغرض جذب اهتمامنا ومراعاة فهمنا، على الكتاب ان يعملوا بما يفهمونه هم عن الطبيعة البشرية وبما نفهمه نحن ايضا عن الطبيعة البشرية. فكلما ازداد احساسهم وفهمهم للطبيعة البشرية وكلما كانت شخصياتهم وحالاتهم اكثر خصوصية، زاد تاثيرهم واصبح مؤثرا.

 

III

لاعطي مثلا عن كاتبة مشهورة بمحدودية افقها- من حيث برجها العاجي الصغير ، وأسرها الثلاثة او الاربعة في الريف- ومع ذلك، لاينافسها سوى اعمال شكسبير في كثرة الجمهور الذي يستمتع حاليا باعمالها حول العالم .

مجالها محدود ضيق ومع انها تحب الحديث في العموميات والكليات، وفي التجريدات،الا ان هذه الكليات تبدو انها مشروطة بالثقافة المحلية المميزة لزمانها ومكانها وطبقتها الاجتماعية. فكيف يمكن اذن تفسير مثل هذه الجاذبية الواسعة لاعمالها؟

تتميز جين اوستن عن الروائيين الاخرين، بكون تفاصيلها في الوصف مقتضبة. ولاتبالي كثيرا بعالم الطبيعة، حتى بحظور شخصياتها، ناهيك عن بيئاتهم الاجتماعية الواسعة، وناهيك ايضا عن العالم غير البشري المحيط بها. من الصعب جدا تصور وجود كاتب يسد الباب بوجه عالم البيولوجيا والعالم المادي بقوة، بمعنى اخر يصعب تصور وجود كاتب يبتعد عن دارون. والرواية وإن استعرضت لما يبدو انها الاخلاق المتحصنه لشريحة صغيرة من مجتمع ريجنسي، غير اننا نرى امكانية تفسيرها ولو جزئيا بمبادئ ضاربة جذورها في الماضي التطوري. دعنا ننظر لاحدى ابطالها غير المتسم بالحيوية كثيرا، البطل الاقل وجودا في البيت و في العالم المادي الا وهي شخصية "فاني" في رواية مانسفيلد بارك.

تتسم كل روايات اوستن بانها روايات حب، وتعتمد قوتها على المشكلة الانسانية العامة والمركزية - وهي مشكلة نشترك بها مع معظم الحيوانات- المتعلقة باختيار وكسب الشريك المناسب في الحياة الزوجية. ولذلك فهي تجعل من هذا الخيار اكثر مركزية لعملها واكثر الحاحا مقارنة بروائيين كبار. فنراها تلمح وتشير الى الاختيار الدقيق المناسب لشخصيتها بسرعة، لكنها تمسك عن اتمام هذ الاختيار لاحد شركاء بطلتها الى ما قبل نهاية الرواية ببضع صفحات. ونتطلع للقرار الصائب بكل الاهتمام الذي نوليه لنتيجة حاسمة وحيوية، لكننا لن نكون متاكدين ابدا اننا سنصل الى القرار. تستعمل اوستن كل مهارتها في السرد لتخلق الشد، ولترسم الخطوط الاولى، وتستطرد، وتعرض وتطرح القرارات البديلة التي تقترب جدا من التحقيق والانجاز والاتمام. وتقوم اوستن بمضاعفة وزيادة الخيارات والمعوقات وذلك عن طريق مضاعفة عدد الشباب والنساء المؤهلين للزواج. ومثلما حدث في ماضينا التطوري وفي حاضرنا الراهن،فاختيار الشريك يتم في مجمع تنافسي مزدحم.

تركز اوستن كثيرا على دور المراة في الاختيار والذي اشار دارون الى اهميته باعتباره القوة المحركة للانتخاب الجنسي. ولقد عارض كثير من العلماء الذكور حتى السبعينات والثمانينات فكرة دارون تلك ولم يؤمنوا باهمية دور المرأة في الزواج. ولكن تغيرت هذه النظرة جذريا عام 1972 حينما قدم روبرت ترايفرز – احد الباحثين في مجال نظرية التطور- تعريفا للاستثمار الابوي بكونه اي استثمار من قبل الاباء الى احد الابناء والذي يزيد فرصة النسل في البقاء (وبالتالي نجاحه في التكاثر والانجاب) على حساب قدرة الاباء في نسل اخر. ولاحظ انه في كل الانواع التي يكون فيها استثمار الانثى في انجاب الاولاد اعلى من استثمار الذكور (وهذا حادث تقريبا في كل انواع الحيوانات)، فالانثى هي التي تختار مايناسبها من بين الذكور.

 نجد ان الاناث في البشر كما في الانواع الاخرى، إذ تكون تربية الاولاد بحاجة الى استثمار عالي من قبل كل من الذكر والانثى، هي التي تقوم باختيار الذكور على اساس قدرتهم على المساعدة في تربية الاولاد. وفي حالة البشر، وجدت الدراسات الحديثة بين الثقافات المختلفة انه حين يتعلق الامر باختيار الشريك، نجد ان النساء يشددن، اكثر مما يفعل الرجال، على الموارد المالية للشريك المحتمل. في رواية بارك مانسفيلد، الشخصية الاولى التي تخطب، الشخصية ذات الاختيار الاول، هي ماريا برترام. فمن عساها توافق على الزواج منه؟ هو روشورث الذي تصادف انه اغنى شاب موجود . ومعلوم ان الرجال يسعون وراء النساء اللائي يقمن هن بدور الاختيار. ولقد اوضح دونالد سيمون في كتابه (تطور الطبيعة الجنسية عند البشر)، ان العلاقات بين الرجل والمراة تتحدد بدرجة كبيرة بطبيعة النساء ومصالحهن.

ولربما تبدو اوستن بعيدة جدا عن المفاهيم البيولوجية، لكنها تركز باستمرار على امر اساسي لنوعنا الا هو اختيار النساء للرجال: (إليزابث بنيت) تختار دارسي بدلا من (كولينز) غير الواعد وتفضله كذلك على (وكهام) الجذاب الساحر في البداية؛ وتقف ايما بشدة ضد (التون) وتفكر ب(فرانك شرشل) قبل ان تدرك تحت ماتعتقد انه خطر التنافس من (هاريت سميث) بانها تريد (نايتلي). ورغم كون (فاني برايس) وديعة وخانعة اصلا، الا انها وبرغم الضغط المسلط عليها من قبل خطيبها نفسه ومن قبل اقاربها المؤثرين للقبول ب(هنري كراوفورد)، تصر على رفضه لانها ترى شخصا اخرا تستطيع الوثوق به والاعتماد عليه كثيرا باعتباره شريكا لها وابا لاطفالها، وقد اصابت في ذلك.

واختيار فانسي هو الاختيار المهم والرئيسي في بارك مانسفيلد، لكن اوستن لاتتبع هذا الخط فقط في الطريق الرومانسي لتحقيق الرغبة؛ فهي تجول حوله .

في الانسان حيث مبتغى الانثى هو احتكار شريكها الذي تحلم به- وتوجيه موارده الاجتماعية والمادية لمصلحة اطفالها- يكون التنافس مع اناث اخريات امرا محتوما. وهذا الامر هو مايشكل ويشغل جزءا كبيرا من دراما الرواية في البداية، في الشد بين (جوليا) و(ماريا) حيث يتنافسان على وصال (هنري كرافورد). فتفضيل (ماريا) للموارد المالية اثبت خطأه لان (روشورث) لايستحق الاندفاع نحوه للزواج منه فرغم انه غني لكنه غير ذكي. وحينما يظهر شاب اكثر غنى منه واكثر ذكاءا وبارع في وسيلة الاغراء، نجد ان (ماريا) تعيد حساباتها للتنافس حتى مع شقيقتها غير المتزوجة . فالنساء في كل العالم يقدرن الذكاء (القابلية على حل المشاكل) وكذلك المهارات اللفظية (القابلية على اقناع الاخرين) في الشريك المرتقب: ليس بمعنى انهن يخترن،عن وعي، الرجال في ضوء هذه الاسس لغرض زيادة وتعظيم موائمتها التناسلية (reproductive fitness) :بل ان الطبيعة وهبت قواها العاطفية تلك الاشارات المباشرة الايجابية المهمة في الاختيار . ولربما كان التطور السريع للذكاء البشري، حسبما يرى (جفري مللر)، ناتج الانتخاب الجنسي من قبل كل من الذكور والاناث:" القشرة الجديدة في الدماغ (neocortex) هي اساسا الة تودد لجذب القرين الجنسي والتمسك به: ووظيفتها التطورية الدقيقة هي تحفيز وتسلية الاخرين وكذلك لتقويم محاولات التحفيز عن الاخرين".

نرى ان (فاني) تتفرج مرعوبة ومذهولة من التنافس على وصال (هنري) والظفر به ولكنها تبقى خارج التنافس. ورغم انها لم تزل شابة، الا انها متكتمة وقليلة الحيوية والنشاط ؛ وهي امور يأخذها الرجل بنظر الاعتبار لقدرة المراة على تربية الاطفال ولهذه الامور كلها لم ينظر اليها (هنري كرافورد).

غير ان (فاني) لها مصالحها الخاصة بها، ورغباتها الخاصة: فهي تحب (ادموند) الذي ابدى اهتماما حقيقيا بها منذ وصولها الى بارك مانسفيلد. ومثلما تتصارع وتتنافس (ماريا) و(جوليا) حول (كراوفورد) فهي ليست قادرة على المنافسة . ف(ماري كراوفورد) لها ايجابيات تتفوق بها على (فاني): العمر (فمتوسط الفرق حول العالم بين الرجال في بداية عشرينياتهم واعمار النساء التي يرغبونها ويحبونها جدا هو سنتين ونصف[ ادموند عمره 24 عاما و(ماري كرافورد) عمرها 21 عاما اما هي (اي فاني) فعمرها 18 ] عند بداية احداث الرواية)؛ الصحة؛ الحيوية، الشطارة والموقع الاجتماعي. ونحن نرى ان مصدر كثير من المرارة والحزن في الرواية متات من ان (فاني) تحب وتعشق رجلا تشعر انها ليست في مقام التنافس عليه: فهي لاتستطيع ان تباري تفوق (ماري) عليها فضلا عن انها لاتحلم اصلا بان بامكانها فعل ذلك. وكانت فقط تراقب وتنتظر حين وقع ادموند تحت سحر (ماري) واخفق في ان يرى فروقات القيم بينهما مثلما هي تستطيع رؤية ذلك. ثم بدات الدراما بالتحول؛ فيغادر (هنري كراوفورد) مانسفيلد ولم يتعجل الرجوع،لانه لم يكن جديا حول ايا من ماريا او جوليا.

في معظم الانواع التي تتكاثر جنسيا، يكون هدف الذكور اما تخصيب اكبر عدد ممكن من الاناث او البقاء مع انثى واحدة والقيام برعاية الذرية. في حالة البشر(وفي انواع كثيرة من الطيور) تكون الستراتيجية الثانية هي المفضلة رغم ان المسار الامثل للذكر كما لاحظ (ترايفرز) هو ستراتيجية خليطة. حتى لو كان هدف الذكر هو الاستثمار البعيد المدى، الا انه يمكن ان يكون للاغراء والاستسلام اهمية وراثية، شريطة ان لاتاخذ كثيرا،من الجيل او النسل الذي استثمر فيه الذكر، من الوقت والموارد الاخرى.

يعود (هنري كراوفورد) الان لمانسفيلد بعد ان تفضل (ماريا)، حانقة بسبب هجره المفاجئ لها، الزواج من (روشورث) نكاية به .وترافق (جوليا) العرسان الجدد في ترحالهم لذلك تبقى (فاني ) المراة الشابة الوحيدة في مانسفيلد. يسلي (هنري) نفسه بمحاولة ان يجعلها تقع في حبه. ان رغبته الصريحة في ان تحبه النساء- جوليا، ماريا، و(فاني) وكثيرات في ماضيه القريب في لندن- تعكس جانبا من الحافز الجنسي عند الذكر. فهو لم يعاشرهن جنسيا في الفراش ولكنه يتلاعب بعواطفهن؛ لان معايير المجتمع قادرة على احتواء دوافعه الجنسية والتحكم بها- وإن كان لوقت قصير فقط كما سيتبين.لان عالم مانسفيلد الصارم والمتزمت لايمكنه تحمل واستضافة شخص لعوب جدا مثله طويلا، ولن يفرض على (فاني) باعتباره شريكا محتملا.

قد لايكون (هنري) متحلل وداعر تماما لكنه تميز في علاقاته النسائية بكونه محتال: فهو يهدف الى تحصيل لذة الشعور بانه محبوب من قبل الاخرين دونما كلفة وثمن. وكما راينا، فان القدرة على الخداع وكشف الخداع يبدوان انهما قد فرضا ضغطا على تطور الذكاء البشري. يشير ترايفرز انه اذا كان الخداع مطلوبا فلأنه ضروري للتواصل البشري، وبالتالي كان هناك انتخاب قوي لرصد الخداع والذي ادى هذا بدوره لانتخاب درجة من الخداع الذاتي. وهذا بالتالي يجعل بعض الحقائق والبواعث غير متعمدة (غير مدركة) لاجل عدم كشف وتبيان ممارسة الخداع. في البداية يجهد (هنري) فقط لايقاع (فاني) في حبه لانه يجد التحدي ممتعا. وقد كشفت هي خداعه لماريا وجوليا وانه يجيد قراءة الاخرين لانه كشف رفضها له.

لكن هنري بدأ يشعر انه حقا واقع في غرامها. وهنا نرى ان الرجال قد يميلون بفعل عملية التطور لنشر بذورهم (اي حيواناتهم المنوية) على نطاق واسع، ولكنه في المقابل ايضا عمل التطور على جعل الرجل ينجذب بقوة للوقوع في غرام امراة تثبت انها تصونه وتخلص له. يجد هنري نفسه قد ايقظه وبقوة اصرار وثبات (فاني)، وقوة شخصيتها كالصخر. وواعيا بان النساء يقدرن الرقة والعطف وعارفا بان القلق الوحيد الذي تعترف به فاني هو مايتعلق باخيها الاثير لديها والمتعثرة وظيفته في البحرية، لذلك ابدى لها عنايته وميزات موقعه الراقي عندما يدبر ترقية لاخيها وليام. فهو يتقدم لخطبتها وهي تقاوم، هو يلح وكل ضغط مانسفلد سلط عليها. ومع انها كانت دائما ولحد الان متواطئة بخنوع، فهي لاتزال تقاوم وتصد. لقد بينت الدراسات وسجل التطور كذلك ان خير مؤشر للخيانة في المستقبل هو التحلل من المسؤولية في الماضي، ومع ان هنري قد شغل نفسه في الانغماس في التلاعب بالعواطف وليس بكثرة العلاقات الجنسية، فقد لاحظت (فاني) ذلك جيدا ايضا.

عند هذه المرحلة يصدق هنري نفسه انه قد تغير وانه اصبح رجل اخر. وهو يلح في خطب ودها لكنه هو مخدوع في نفسه. لاننا نجده في لندن، ولقاءه بماريا التي لاتزال غاضبه منه، لم يستطع مقاومة محاولة اعادة الهاب مشاعرها وعاطفتها. ونجح جيدا في ذلك ايضا والذي كانت نتيجته الزنى بها. وكما يلاحظ (مات رايدلي) في كتابه الجنس وتطور الطبيعة البشرية، " فنحن مجبرون على نظام عدم تعدد الزوجات الموبوء بالزنى".

تمكنت (فاني) من قراءة افكار هنري بافضل مما استطاع هو ان يقرأ نفسه. فاذا كانت الجينات تميل لتحبيذ جينات الخداع عند الذكور، وحتى الخداع الذاتي الفعال، فان الانتخاب الطبيعي مع ذلك يميل" لتحبيذ الاناث اللائي يتمكن من رؤية مثل هذا الخداع". وحقا نجد ان (فاني) هي التي تختارها الحياة وتفضلها في النهاية اخيرا في بارك مانسفيلد.

ولان الاناث يكسبن خبرة متقدمة في رؤية خداع الذكور، "فستسود جينات الاخلاص والابوة الجيدة في القطب الجيني(Genetic Pool)" . انجذبت (فاني) لرهافة والتزام (ادموند) من البداية وبرغم كل نوايا هنري فلم تهتز وتتردد في موقفها. ويحتاج الذكور ايضا لاختبار اخلاص شريك حياتهم المستقبلية. وحيث ان اخواته انسحرن بخفة ومرح هنري، فهو قد سحرته ماري بخفتها (والنقاد انسحرا بهما معا)،لكن تسامح ماري نحو زنى اخيها يبين ويوضح ل (ادموند )بانها ليست مخلصة ولايعتمد عليها بكونها شريك حياة. ولذلك يتوقف (ادموند) في النهاية لمحاولة اقناع نفسه انه برغم فروقاتهما الاخرى فانها – اي فاني - هي المراة التي يجب ان يطلب يدها للزواج.

"فما ان ترك التحسر والتاسف على ماري كراوفورد والتصريح ل(فاني) بصعوبة ان يلتقي امراة مثلها، حتى بدا يساءل نفسه لماذا ان نوع اخر مختلف من النساء لايوافقه ولايناسبه، او لربما اكثر من هذا. ولولا ان (فاني) نفسها قد اصبحت اثيرة لديه في كل ابتساماتها و نظراتها و طلعتها مثلما كانت (ماري كروفورد)؛ فلربما خاب مسعاه المؤمل باقناعها بان اكثراثها واعجابها الحميمي والاخوي نحوه سيكون اساسا يرسي عليه دعائم حب الزوجية". وهنا مسالة بيولوجية اخرى هي اننا انواع اجتماعية بامتياز. واللبائن الثديية الراقية الاخرى هي ايضا اجتماعيا راقية ولكن بفعل اللغة فاننا نمتلك استجابة عالية ودقيقة الانسجام لبعضنا البعض اكثر مما تفعله الثدييات الاخرى ولاننا نتخذ خيارات دقيقة حساسة ومرنة حين نتفاعل مع بعضنا البعض.

فنحن لانستجيب لبعضنا الاخر بتناغم رهيف الا اثناء عملية الانتخاب الجنسي(المعاشرة الجنسية) العالية الشحنة. وتزداد اثناء هذا الموقف الحاجة للبوح بالعواطف والدوافع وكذلك اخفاءها، وان نقراها في الاخرين، وان تتناغم قراءات المرء مع الوقت. وبذلك تعمل على زيادة الضغوطات التي تطورت لتجعلنا حيوانات اجتماعية وايضا اخلاقية رهيفة..

واذ لا تهتم اوستن كثيرا بالمظهر الخارجي لشخصياتها متجاوزة ملاحظة هل هي جذابه ام لا، فهو في الحقيقة تقريب جيد لديناميكيات الفحص والتدقيق الجنسي، حيث تكفي عندها معايير التقويم المؤقت(محال، جائز، ممكن تعقبه وحصوله، لايمكن تحقيقه). لكنها بدل الانتباه لهذه الامور، نجدها تهتم بالتفاصيل الدقيقة لتصرف سلوك الشخصية وحديثها، التي تبين انه يمكن ان يؤثر او يتجاوز الانطباعات الاولى ويلغيها.

وليست اوستن هي الوحيدة في التدقيق بهذه التفاصيل الواضحة، والنيات التي تكشفها وتخفيها هذه التفاصيل. فشخصياتها تقوم ايضا،مالم تكون بليدة مثل شخصية (روشورث) او محدودة الرؤية مثل السيدة( نوريس)، باستمرار بقراءة افكار بعضها البعض. ومع ان السيد (توماس ) يستطيع ان يفهم الاخرين بقوة، الا اننا نجد تميز العشاق الاربعة الاساسين: ف(ماري كراوفورد ) تتميز بيقظتها الحاد ة والسريعة نحو الاخرين. اما هنري فتميز بشطارة اكثر وان كانت مشوبة بغفلة ايضا. أما (ادموند) فتميز بشعور رهيف حقيقي تجاه مايفكر به الاخرون، غير ان (فاني) متقدمة عليه لانها تراقب وتلاحظ كل فرد ولكن دون ان يلاحظها احد.

يمكن للقصة وكذلك البطل الذي يفتقد للحيوية الظاهرة ان يعوضها بالسخرية المرة: التناقض بين حدة بصيرة (فاني) الثاقبة في فهم كل فرد اخر وبين فشلهم، وبضمنه فشل (ادموند)، في قراءة سرها الخطير الا وهو حبها له. واذ هي مهملة في البداية الا انها تنتصر في النهاية. فرغم كل سلبياتها من حيث الموقع الاجتماعي، فانها تنال افضل رجل، الشريك العنيد، من خلال قدرتها الفائقة لقراءة عقول الاخرين - ان ترى ضعف هنري وان لا احدا يقترب من مضاهاة قوة ادموند- ومن خلال قدرة ادموند في المقابل لقراءة قابليتها الفائقة في قراءة الاخرين. في ضوء هذا التحليل، تبدو رواية مانسفيلد بارك، مثل بقية روايات اوستن، انها رومانسية تطورية تقريبا وفيها نجد ان الذي سيكسب سباق التسلح المعرفي انما هو الشخص ذي الحس المرهف والرقيق اجتماعيا. واوستن اكثر من من كونها محافظة فهي متفائلة تطوريا.

تقوم اوستن بالتحكم بدينامية الانتخاب الجنسي لتشد انتباه القراء وهي تسبر غور الانتباه الدقيق للاخرين والذي يكون مهما عندها لخيال قصتها. لكن الانتخاب الجنسي يبدو انه يثري ايضا سحر مستمعيها وموضوعها فضلا عن تقنيتها الادبية. الحبكة عند اوستن، لكونها قصص غرام، تتحرك بتكامل دقيق للفعل ورد الفعل، وكذلك للترقب والتامل. فشخصيات تراقب بعضها البعض بعناية مثلما يفعل عشاق اوستن، لهي بحاجة لمعايرة استجابتهم الراهنة لبعضهم البعض تجاه ردود فعلهم السابقة في الماضي، حتى عندما يسترسل الحديث او يتغير الموقف. ولكي تنفذ اوستن هذا التفاعل القائم بين الداخلي وبين الخارجي، والتفاعل بين الكلام وقراءة الافكار، فانها اصبحت الرائدة في تطوير الخطاب الحر غير المباشر، باعتباره اسلوبا يردد بسهولة مرونة وبفعالية صدى افكار الشخصيات التي تحكم على بعضها البعض او حين يدقق فرد ما استجابة فرد اخر لطرف ثالث، بينما يديم الاسترسال السردي. لم يكن اي كاتب قبل اوستن بحاجة لاستعمال الاسلوب غير المباشر باعتباره مصدر تقني جاهز لانه لم يستطع اي كاتب قبلها ان يولي مثل هذ الاهتمام الدقيق للطريقة التي نراقب بها انفسنا والاخرين بدرجة عالية من الدقة والروعة.

لان اختيار الشريك الجنسي مهم جدا ويشغل جزءا من حياة الانسان، فقد كان عرضة لكثير من التباينات والاليات الثقافية المعقدة. هناك كليات (universals) جنسية في الحياة البشرية لكن هناك ايضا درجة مذهلة من التباين من مجتمع الى اخر ومن حقبة زمنية الى اخرى. نتمكن الان من ادراك الدقة التي استطاعت بها اوستن ان تحدد الظروف الخاصة لبيئتها الخاصة بها. ولربما يبدو انها كانت تقبل هذه الظروف المحلية باعتبارها عالمية وعامة. بينما نحن لانقبل ذلك: فنحن لاننظر للزواج من وجهة نظر اعراف الطبقة الراقية في ريف رجينسي انجلترا. لكنني اشك ان اوستن هي ايضا لاترى معايير بيئتها باعتبارها عالمية عامة، لكنها تعرف انها مخلصة وصادقة لدقائق وتفاصيل مجتمعها الصغير، المكون من ثلاثة او اربعة اسر في الريف، لانها تكتب حول شي مهم في الحياة البشرية. وهي تعرف تماما ماذا سيفعل تركيزها على اختيار الشركاء لعقول شخصياتها وقراءها.

لماذا اوردت مثال جين اوستن ؟ اود القول ان هذا البحث هو ليس "بقراءة" ختامية تلم بجميع ابعاد الرواية، ناهيك عن كونها كاملة، لرواية مانسفيلد بارك، ولاهو بنموذج يحتذى في القراءات المستقبلية للادب " من منظور تطوري".

انها قراءة تشدد على قوة (فاني) والنساء وكذلك قوة اوستن لكنها - اي القراءة- لاتقول شيئا عن السياقات الادبية او التاريخية الخاصة، ولاتقول الا القليل عن القوى الفنية لاوستن فضلا عن مشاكلها الفنية، وعن طريقتها في التفريد والتحليل والسخرية. انما اردت فقط ان ابين مقدار الانحياز الذي يؤديه تحليل ما يقوم بتقديم هذه الرواية او اي رواية اخرى من حيث البناء الاجتماعي للرغبة وللاختلاف.

اعتقد انه يمكن تفسير جزء كبير من عمل كاتب ما، حتى لو كان متحفظا على امور البيولوجيا وبعيد عن الكليات البشرية، في ضوء الخاصيات البيولوجية المتطورة للحياة البشرية اكثر مما ينظر لعمله بانه ليس اكثر من ناتج اللحظة الثقافية المعينة. وعندما ننظر لقصص اوستن وفق هذه الرؤية، فيمكننا تفسير قوة هذه القصص ومداها ؛ بينما لو فسرت في ضوء ظروفها المحلية فقط فانها ستبدو لاطعم فيها وفاقدة الحياة بل وخانقة. وحاولت ايضا ان اشير كيفية تمكن عقل اصيل جدا يعمل في مدى محدد من التجربة من ان يصل الى البواعث البشرية الاساسية والعامة لغرض تغيير طريقة سرد القصص والطريقة التي ننظر بها بعضنا للاخر. تعتمد اوستن بالعمق على ارثنا البيولوجي الكامل لغرض توجيهنا نحو مراحل جديدة في تطور عاطفتنا. فهي لاتتجاهل امور البيولوجيا ولايستطيع اي كاتب كبير تجاهلها ايضا ؛ بل هي تتقبلها وتعرضها لتحولها الفعال هي نفسها. واخير فالقبول بمكانة البيولوجيا لايعني رفض الثقافة بل هو مايجعل الثقافة امرا ممكنا.

 

ترجمة زيد العامري الرفاعي

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2348 الثلاثاء 05 / 01 / 2013)

....................

ملاحظات حول حقل التعليقات

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2345 المصادف: 2013-02-05 14:22:43