المثقف - قراءات نقدية

معد الجبوري .. تشكيل الأمكنة وصوغها شعرياً

mohamad saberobaydالشاعر معد الجبوري شاعر تشكيلي في صوغ الأمكنة ورسمها شعرياً ـ على صعيدي الشعر الغنائي والشعر المسرحي ـ بكل ما يحمله هذا الوصف النقدي المسؤول من معنى وقيمة ودلالة، شاعر مميز جداً، له بصمته الخاصة، وعالمه الشعري الخاص.

وهو نسيج وحده، لا يشبهه أي شاعر آخر من جيله أو الأجيال اللاحقة له، يمتلك حساسية مرهفة وطاغية حيال الحرف والمفردة والجملة، يكوّن صوره الشعرية تكويناً طريفاً معبّراً تعبيراً لافتاً عن خصب شعري كثيف وعميق، وينفتح تشكيله الشعري على كون إيقاعي عالي الثراء والتنوّع والإدهاش والغنائية الراقية المستجيبة لحرارة التجربة .

للمكان المحلّي البالغ الغنى حضور طاغٍ وفاعل ومنتج، فهو مصوّر تشكيلي بارع لروح المكان وتفاصيله وطبقاته وجيوبه وظلاله وذاكرته وحلمه وزمنه، إلى الدرجة التي يتحوّل فيها أحياناً إلى كائن شعري مكاني، وتتحول الحساسية الشعرية عنده إلى حساسية مكانية مغمورة بالجمال ومكتظّة بالخصب وحافلة بالتشكيل، على النحو الذي يبدو فاعل المكان الشعري طاغياً في القصيدة وكأن لا شيء يستحق التعبير سواه، وعلى هذا فإن المكان الموصلّي (المديني) في شعره إنما هو بنية شعرية (عشقية لذائذيّة) لم أعرف شاعراً عربياً معاصراً عالجها على النحو الفريد التي جاءت في شعر معد الجبوري .

ولعلّ ديوانه ((مخطوط موصلي)) خير شاهد على هذا الولع العشقي الشعري الجارف للمكان وهيمنته، بوصفه سيرةً وتاريخاً وتعويضاً شعرياً خاصاً عن فداحة الخسارات والفقدانات التي مني بها الشاعر والمكان والزمن على الأصعدة كافة، ومن هنا تتأسس رؤيا نصوصه الذاهبة نحو تشكيلية المكان .

في قصيدته الموسومة بـ ((جرّة الذكرى))(*) من ديوان ((مخطوط موصلي)) المكتظّ برؤيا المكان وتشكيليته ترتفع الذات الشعرية الراوية إلى أقصى حدود التشكيل الرثائي، رثاء الذات والمكان والتفاصيل والرؤى والذاكرات والأحلام، إنها ولا شك الجرّة الفارغة/الممتلئة التي تحوي ولا تحوي كلّ شيء، تصرخ في الفراغ ولا من مجيب سوى الغياب .

إن عتبة العنونة ((جرّة الذكرى)) تحيل على المجال التصويري المقنن في البناء التشكيلي للعتبة، فـ ((الجرّة)) وعاء مخصص لنقل الماء وترطيبه، و ((الذكرى)) معين لتجارب الماضي وخبراته وحكاياته وسيرته، وتعبئة الذكرى بالجرّة كفيل بحفظها وترطيبها وتركيزها في حيّز مكاني يعبق بنكهة التجربة ولونها وطعمها، على النحو الذي يثير شبكة من التأويلات والاحتمالات التي لا يمكن أن يصدق تأويل منها أو احتمال إلا عبر تجليات المتن النصّي، بالقدر الذي يستجيب للفكرة والرؤيا التي تحتملها عتبة العنوان انطلاقاً من إدراك الصيغة واستيعاب التشكيل، وتحدّر  عتبة العنونة على فضاء استهلالي منفي مباشرة:

لا صوت أجنحة تصفّق،

لا درابك،

لا هلاهل،

لا رعود،

ولا بروقْ ..

تشتغل هذه اللاءات الضاغطة عمودياً على آلية تشكيل ماحية تعزل المنفيات الحركية ((صوت أجنحة تصفّق،/ درابك،/هلاهل/رعود/بروقْ ..)) من دائرة التشكيل والصوت والفعل، وتقصيها من احتمالية الظهور والوجود والتأثير في فضاء المكان الشعري الذي تسعى القصيدة إلى تشييده، إيذاناً بتحوّل سريع ينهض به الراوي الشعري الذاتي ليقدّم حركته الدرامية في المكان والزمن والتفاصيل:

وحدي أروحُ .. أجيءُ ..

كالمكوك،

في الحيّ العتيقْ ..

يتمظهر الراوي الشعري الذاتي تمظهراً حراً ومباشراً ((وحدي)) كي يفسح المجال للحركة الدرامية الدائرية ((أروحُ .. أجيءُ .. كالمكوك،))، بكل ما تنطوي عليه من حركية وسرعة وفعالية تشكيلية منتجة تشتغل في إطار المكان المشحون بالثراء والعمق والأصالة ((في الحيّ العتيق))، حيث تتلاءم الحركة مع جوهر المكان في قلب التشكيل .

وتبرز اللغة الأخرى ((الصمت)) بوصفها آلة تعبير نوعية تتركّز في هذا الفضاء الحركي المكاني، كي يبعث في محيط التشكيل رؤية جديدة:

صمتٌ عميقٌ فيهِ،

يأخذني إلى صمتٍ عميقْ ..

إنّ دلالة ((صمت)) الموصوفة بـ ((عميق)) تتحوّل إلى باعث على مواصلة التعبير عن بهاء المكان وسلطته وقوّة حضوره في المشهد التشكيلي، إذ تستسلم له الذات الشاعرة استسلاماً كليّاً ((يأخذني)) في الطريق إلى (صمت عميق) آخر، يضع الراوي الذاتي الشعري بين صمتين عميقين يناظر أحدهما الآخر في صياغة تشكيلية حاوية .

تنفتح هذه الصياغة التشكيلية بين الصمتين العميقين على الأنا الشاعرة وقد تسلّمت زمام المبادرة الحكائية في صوغ تشكيلي جديد:

وأنا أُدحرجُ في الأزقّةِ،

جرّة الذكرى،

إذ تنحصر الذكرى في جرّة ((جرّة الذكرى)) التي تختزن حكايات الماضي فيها، وتنفصل عن جسد الراوي كي يقوم بدحرجتها ((وأنا أدحرج)) في منتخب مكاني يصلح للحكاية، على النحو الذي يأخذ فيه التشكيل المكاني مجالاً صورياً وتعبيرياً مضافاً .

ثم ما يلبث أن يتلخّص الراوي الذاتي الشعري بـ ((أناه)) ذات التشكيل المكاني العميق في ((قلبي))، ليقوم بوظائفه كاملة من أجل أن يتمظهر المكان تمظهراً إنسانياً عميقاً، ويتشكّل على نحو بالغ الحيوية والدينامية والحساسية، ويعكس تقمّصاً وجدانياً كثيفاً وخصباً ومثمراً لروح المكان في الزمن وروح الزمن في المكان:

وقلبي قوسُ ندّافٍ،

يوزّعُ في الضحى إيقاعه،

بين البيوت،

ويحضنُ الأحجارَ فيها،

كي تفيقْ

تتعرّى روح الشاعر بفجيعة هائلة وسط شعرية للصمت العميق زاخرة بكل أنواع الموت، عبر عتبة استهلال نافية للصوت والصورة والمشهد والإيقاع واللون والوعد بربيع قادم أبداً نحو الأرض والإنسان، ليضخّ هذا الطقسُ الشعريُّ المشحونُ بالغبار صحراءَ قاحلةً في مزاج الذات الشاعرة وهي ترنو إلى وحشة قاسية تحجب المصير، وتطفئ النور، وتطحن الذاكرة، ليجد هذه الذات وقد أرهقها حراك أعمى لا يلوي على شيء ولا يقود على شيء ((أروح .. أجيء .. كالمكوك))، في صراع دامٍ مع الزمن الضائع والمكان التائه والبحث الظامئ عن الكنز المفقود، إذ يتعالق هنا المشهد الشعري الدرامي، مع المروي السردي الحكائي، مع اللقطة الشعرية السينمائية، في كتلة شعرية ملتهبة تنسج فيها الوحدات الفعلية المتنوعة الأداء والتشكيل صحبة الوحدات الاسمية بتنوّع حالاتها التعبيرية والرمزية، كياناً شعرياً تشكيلياً باذخاً يعكس مهارة عالية في إدارة دفّة التكوين الشعري، والصناعة الفنية، والحسّ الجمالي النوعي الذي يضفي على جسد القصيدة وجوداً خطياً وسيميائياً نوعياً .

لتتحوّل فيه القصيدة بين يديّ القراءة إلى أغنية عذبة ذات إيقاع باذخ، ولوحة تشكيلية فنية تعود فيها الألوان والخطوط والكتل إلى فطرتها الأسطورية الساحرة، وقصة بشرية عطشى تسرد حكاية الروح اللائبة الباحثة عن الصفاء والألق والبياض، إذ تصعد اللغة الشعرية والصورة الشعرية والأداء الشعري في صلب هذا الحراك الجمالي إلى أعلى درجات الكفاءة التعبيرية في التشكيل والتصوير والتدليل .

إن شعر معد الجبوري بحاجة إلى قراءات متعددة ومتنوعة تكشف طبقات قوّة هذه التجربة وعناصر خصبها وتفرّدها وفضاء حساسيتها النوعية الخاصة، وأظن أن هذه التجربة المميزة ـ وإن تأخر الاحتفاء بها كما تستحق ـ فإنها لن تمرّ بسهولة، وأحسب أن الالتفات إليها عربياً سيضع الشاعر الكبير معد الجبوري في المكانة اللائقة التي يدرج اسمه عبرها في لائحة الشعراء العرب الكبار المكرّسين.

 

أ.د. محمد صابر عبيد

............................

(*) مخطوط موصلّي، معد الجبوري، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق، ط1، 2010: 20 ـ 21

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

 

............................

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2351 الاحد 10 / 01 / 2013)

 

....................

 

ملاحظات حول حقل تعليقات الفيس بوك

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2350 المصادف: 2013-02-10 17:50:52