المثقف - قراءات نقدية

اللون والعقل واللغة (1)

اللون احساس، يصلنا عن طريق اقدم الحواس واكثرها فعالية في الجسم البشري، الا وهي العين، وهو ليس شيئا يمكن لنا لمسه وحفظه في وعاء مثل بقية المواد، انما هو موجات/ذبذبات ضوئية كهرومغناطيسية تخترق العين وتقوم شبكية العين بتصفيتها من الاشعاع الضار وترجمتها كلون او تركيب لوني عبر صبغة ثلاثية الالوان موجودة في الشبكية (احمر، اخضر، ازرق) ثم ترسلها الى الدماغ البصري الذي يقوم بتفسيرها، كشئ ملون معين ذا شكل وحجم معين .

واللون / الضوء هو طاقة كهرومغناطيسية تنتشر في الفضاء على شكل موجات او ذبذبات تنبعث على الاغلب من الاجسام الحارة واهم هذه الاجسام بالنسبة لنا هي الشمس، والاشياء والكائنات التي يقع عليها ضوء الشمس او غيرها تمتص سطوحها قسما من تلك الموجات / الذبذبات وتعكس الباقي كالوان مختلفة نراها في حياتنا اليومية ونميز فيما بينها (اي ان الدماغ هو الذي يرى وليست العين) وبهذا المعنى فاللون احساس / طاقة يشبه احساسنا بالحرارة والبرودة والرطوبة وغيرها

واللون ظاهرة طبيعية، فهو الجزء الصغير الظاهر من الضوء لحاسة البصر والمحصور بين الاحمر والبنفسجي وكل ضوء (موجات /ذبذبات) فوق البنفسجي او تحت الاحمر لايستطيع البشر رؤيتها بل الاستدلال على وجودها واستغلالها عبر اجهزة خاصة صنعت بفضل نظريات علوم الرياضيات والفيزياء والكيمياء الحديثة مثل موجات الراديو وغيرها .

ورغم تطور اللغات الهائل اليوم قياسا الى مابدأت منه قبل الاف السنين، فلايمكن الركون اليها دائما في معرفة الالوان والاحداث، ومن هنا جائت العبارات – صورة واحدة تعوض الف كلمة – او –شئ لايمكن وصفه بالكلمات – وماشابه، حيث نعاني صعوبة كبيرة في تخيل المشاهد البصرية والملونة من خلال الوصف البلاغي اللغوي، ويكاد ان يكون من المستحيل علينا ان نعرف المشهد بدقة كما تصفه الكلمات .

وهذه الحالة مازالت موجودة وهي طبيعية، فليس بالضرورة ان يكون التوصيف دقيقا، اوان مااريد وصفه لغويا يكون صحيحا بصريا ايضا، وهذه احدى المشاكل التي تواجه الباحث في تاريخ اللون، فهذا ماجعل حتى جارلس دارون مثلا يقع في خطأ، عندما لاحظ ان احد ابناءه عندما كان في سن الثامنة من العمر، كان يصف الاشياء بغير اسماء الوانها المألوفة، فتوهم بان ابنه هذا لايستطيع تمييز الالوان وانه مصاب بعمى الالوان، والحقيقة هي ان هذا الطفل لم يمتلك في جعبته الالفاظ الكافية لاسماء الالوان .

ونفس الشئ حدث مع الاقدمين ايضا، فلم تكن حساسيتهم اللونية اقل منا ابدا بل ربما العكس، ولكن حياتهم ومن ثم لغاتهم لم تكن بحاجة الى هذا النوع من الدقة التي نحتاج اليها نحن الان، وايضا لان معارفهم عن الالوان نفسها كانت مختلفة عن وجهة نظر العلوم الحديثة، لكن قطعا ليست حساسيتهم اللونية وادراكهم البصري للعالم والكون المحيط .

وهناك اسباب اخرى طبعا لعل أحد اهمها هو بايولوجي بحت، حيث ان جهاز النطق عند الانسان حديث نسبيا قياسا لجهاز البصر، فقد تكوّن عند الانسان قبل حوالي سبعين الف سنة فقط، بينما الجهاز البصري يعود تاريخه الى تلك الحيوانات التي انحدر منها الانسان قبل اكثر من 400 مليون سنة، وقد مر بتحولات طبيعية عميقة وجذرية، ومنذ ان نشا جهاز النطق في الصدغ الايسر، اصبح للانسان وسيلة تعبير صوتية مرافقة للبصرية طورها باستمرار، بدأت من كلمات قليلة ترافقها حركات واشارات باليد والرأس وتعابير الوجه، ثم زادت تعقيدا وتنوعا حتى اصبحت، مانطلق عليها الان اسم اللغات الحية التي تميز الشعوب والقوميات عن بعضها .

واسماء الالوان الاساسية في كل لغات العالم هي محدودة باحدى عشر مصطلحا اساسيا او اسما /وصفا فقط ولا توجد لغات لديها اكثر من هذا العدد، ولكن توجد تنويعات لاسماء كل لون –مصطلح اساسي- على حدة تزيد وتقل حسب حاجة تلك اللغة والناطقين بها لوصف المحيط مثل قولنا سماوي، نيلي، شذري وهذه جميعها تدل على الازرق بدرجات لونية مختلفة وكلمة ازرق هي المصطلح الاساسي، او رماني، ارجواني، وماشابه وهي تدل على الاحمر .

والالوان الاساسية او المصطلحات الاساسية للالوان كما يعرفها الانسان الحديث بالعالم (حسب نشؤوها وظهورها عبر التاريخ وفي سلم التطور الحضاري للمتكلمين بلغة معينة) كالتالي : ثنائية المظلم /المضئ –او الاسود /الابيض، الاحمر، الاصفر، الاخضر، الازرق، القهوائي، البنفسجي، الوردي، البرتقالي، الرمادي .

ثنائية الضوء والظلام، النور والعتمة ، الليل والنهار هما اولى اشياء تجربة الانسان البصرية التي اثارت خيالاته وحركت عقله وتساؤلاته وشكلت وعيه بالكون والعالم والغازه العميقة، ومع اكتشافه النار وبدأه انتاج الادوات البسيطة تعرّف على الرماد والفحم، فولِدت من هناك الاصباغ السوداء ورموزها ودلالاتها، واخذت شيئا فشيئا ترسم صورة مالايرى، وتجسد بصريا حياة الانسان وخوفه وضعفه وقلقه الدائم في خطوط واشكال لرموز تمثل نفسه وحيواناته وادواته منقوشة على جدران كهوف مظلمة وعميقة، فصار الاسود رمزا لانعدام الانارة والظلام والليل، وطقوس الموت والميلاد، والاحلام والاسرار، واعماق الارض التي تمثل الخصوبة والعطاء، ورمزا لرحم المرأة والانجاب، وتكاثر الحيوانات، وديمومة الحياة .

ومع اختراعه لطريقة في استخراج اللون الاحمر من المواد الطينية المعدنية، (وهو اللون التالي للاسود في الاهمية والقدم ) فقد نضجت عدته الفنية وتعمقت رمزيته و توسعت افكاره، وربط كل معارفه وامانيه في طقوس سحرية مليئة بالاصباغ الحمراء والسوداء وتدرجاتها اللونية، ثم اضاف اليها اللون الاصفر والمستخرج من نفس المواد الخام للاحمر والابيض من الاحجار والمواد الكلسية، وكانت موجبات استعمال هذه الاصباغ / الالوان الاربعة مادية / اقتصادية اولا ثم روحية فكرية / فنية ثانيا، ولم تخلق انجازاتها لتكون اعمالا فنية بحد ذاتها كما نفعل نحن في زماننا، انما لاغراض وظيفية بحتة، سعت الى اشباع بطن الانسان، وفضوله الدائم وحاجته لمعرفة العالم ونفسه واسباب ومبررات الوجود، واستعملت هذه الالوان الاربعة فقط طوال الاف السنين منذ بداية العصر الحجري القديم وحتى بداية العصور التاريخية بحدود 3500 – 4000 قبل الميلاد .

 

ساطع هاشم

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2355 الجمعة 15 / 02 / 2013)

....................

 ننصح باستخدام برنامج فيس بوك للمشاركة في التعليقات

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2355 المصادف: 2013-02-15 16:56:17