المثقف - قراءات نقدية

السحر الصوفي في (ضفاف ملونة) .. قراءة انطباعية في مجموعة سحر سامي الجنابي الشعرية

salam kadomfarajلاريب أن لكل شاعر صوره الشعرية التي تميزه عن الآخرين،، والتي تعبر عن كوامن وجدانه وضميره واهتماماته وإنشغالاته الاجتماعية والفكرية والروحية،، مخاوفه، وهمومه، فرحه وحزنه، غضبه ورضاه..

والشاعرة سحر سامي وجدتها وفية لتراث امتها الشعري تأصيلا وتحديثا. وإذا كان النقاد المحدثون قد انساقوا الى مفاهيم الحداثة وما بعد الحداثة ورأوا في التخصص مثابة يأوي اليها الشعراء . واعتبروا التخصص سمة العصر فأسقطوا هذا المفهوم حتى على الشعر فنقبوا في القصيدة المعاصرة عن مهمتها وجدواها ـ وهم وإن لم يختلفوا في هذا عن القدماء ـ لكنهم قدموا القدرة على إحداث الهزة في نفس المتلقي ـ على ما عداها من المعايير( واعتبروا هذا الاختصاص هو المعيار الوحيد في شعرية أي نص ). وتراجعت الاهتمامات بأغراض الشعر التقليدية كالغزل والمديح والرثاء والهجاء ــ وصارت بؤرة النص تتركز في قوة الإبهار في موضوعة النص ..وفي جدته وحداثيته (وغرائبيته حتى!!)

لكني وجدت في مجموعة سحر الجنابي إستجابة لمفهوم الحداثة دون التخلي عن ثوابت الشعر في أساساته المعروفة من وزن وقافية .. ووحدة موضوع.. وإن خرجت قليلا الى فضاءات قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر فأن نفس الانتماء لشعر العمود وفق بحور الفراهيدي يطغى على معظم قصائد مجموعتها هذه.. بل انني لاحظت وبسعادة انها بقيت وفية لصيغة جاهلية تكاد ان تندثر في الشعر العربي المعاصر .. اعني الدخول الى النص من باب الغزل والتشبيب ..

لنتأمل هذا الدخول اللطيف لنص من نصوصها :

إن عشقت إنما عشقي مذيبي..

في مخاض الشوق في ليلي نسيبي

ومحل النور في عيني نور

اصطفيه من بهاء.. للحبيب

من فؤادي أنت ادنى.. من وريدي

بل لروحي أنت ادنى من قريبي..

هذه القصيدة توشي بانتعاشة كلاسيكية تعيد للشعر سحر العشق الصوفي المتسامي من خلال الاشتغال على الوجداني للوصول الى العرفاني لتنتهي القصيدة بهذه الابيات :

خذ يميني يا رسول الله حتى

اتسامى عن هناتي وعيوبي..

وتتجلى روح العرفان والتصوف في هذا البيت الدال الغريب وهي تناجي الحبيب ( الرسول الأعظم)..

(لا أجيد العوم فوجئت بنفسي.. بين امواج الملمات غريب !!)

هي صلاة من نوع خاص.. تمنح نفسها في نوع من الإيهام لكنك في النهاية تفك شرائط القصيدة لترى الشاعرة منغمرة في مناجاة الرسول عليه الصلاة والسلام..

لاشك ان تناول كل قصائد المجموعة أمر صعب المنال لكني حاولت وبتواضع ان أركز على الجانب العرفاني الروحي الوجداني في قصائد المجموعة التي تجاوزت الخمسين قصيدة من خلال نص او نصين وحسب....

بقي ان نقول ان الزميلة الشاعرة سحر الجنابي قد شاركت في مهرجانات شعرية كثيرة ونالت شهادات تقديرية عديدة منها .. شهادة تقديرية من العتبتين المطهرتين، وحصلت على درع الابداع من البيت الثقافي في المسيب .. ولها قصائد نشرت في الصحف والمواقع الالكترونية منها موقع النور وموقع المثقف.. وغيرهما.. وهي خريجة جامعة بغداد قسم اللغة العربية ومن مواليد 1974.. ومن اديبات المسيب وسدة الهندية المرموقات واللائي سجلن حضورا لائقا رفيع الشأن في إعلاء مساهمة المرأة العراقية في مضمار الثقافة والارتقاء بموضوعة الشعر من خلال الانتماء للقيم الوطنية والانسانية السامية.. كل ذلك نجده في باقة مختارة من نصوصها الشعرية التي ضمتها مجموعتها .

ولابد لي من الاشارة الى البعد الحلمي في نصوص الشاعرة وسحر التصوف من خلال الموازاة بين الحلم والشعر. والموازاة بين اللاشعور والواقع.. والتوق الى ضفاف ملونة يمتزج فيها الحلم والخيال بالامنيات الساحرة.. الخلابة.. لوطن شاعري جميل...

في قصيدتها (اول الاحساس ومضة ) نقرأ :

كلما اقتربت نجمة من القمر

تسارعت نبضات قلبي

لتبشر امنية نائمة

كتب لها القدر

ان لا تفيق الا على قبلة الامل

كان هرم سعادتي رأسه للأسفل

فأتى على صهوة الصبر

ليقلب بيديه الهرم..

ولنقرأ هذه القصيدة

(مابين متى وأين..

نبتت شجرة بجذع أحدب

ومابين كيف ومن..

أزهرت لبلاب عقيم

أعمى ينظم اللؤلؤ

على ضوء جيد حسناء..)

قد لا اكون مغاليا ان اسميت هذا النمط بالخيال المنتج. خيال يذهب الى فضاءات صوفية جامحة.. وامنيات ساحرة بقصيدة جديدة تمزق شرنقة الوهم التي صنعتها هي نفسها في إيهام لطيف لتعود الى الشعر وفق اساساته القديمة في طبق من فواكه عدة .. قد نرضى عن بعضها . وقد نعاف بعضها.. كل حسب ذائقته. ومن كل حسب معارفه وقدرته على هضم النص الشعري.. لكني وجدت في قصائد سحر الجنابي سحرا صوفيا وجدانيا رائعا اتمنى على الشاعرة المضي في التحليق به عاليا والتركيز عليه..

 

 سلام كاظم فرج...

       

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2365 الاثنين 25 / 02 / 2013)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2365 المصادف: 2013-02-25 12:15:55