المثقف - قراءات نقدية

مسرحية معالي الكرسي للمخرج حسين الدرويش

sarmad sarmadiفي إشارة للوضع السياسي العراقي الراهن جاءت بحكمة فنان ابتدعها من تفكير عميق في وقفة مفترق طرق نالت من غيره من فناني المسرح العراقي، حيث القرار المعاصر الأهم على الصعيد الفكري الممتد في عمقه تأثيرا على الصعيد الفني بالضرورة، فأما إن يضيع الفعل المسرحي بالنحيب على ما فات وانتظار انقلاب أو إن يتأمل في وعي الشعب خيرا ويقدم مفهوم الديمقراطية وواقع تطبيقها عراقيا، فأتخذ حسين درويش وأصيل عساف قرارا بأن يكونوا مع الديمقراطية وضد مسرح البكاء على الدكتاتورية.

هي محاولة لكسر حاجز اللغة عالميا، لم يقترن نجاحها بعبور الحواجز المحلية ابتداء، استخدم الممثل حسين الدرويش في هذه المسرحية التي عرضت من على مسرح كلية الفنون الجميلة التابعة لجامعة بابل في يوم الاثنين 18-03-2013م اليدين والوجه والجسد في محاولة للتعبير عن مضمونها الدرامي، ولعل هذه هي ابرز أدوات الممثل الملتزم بتقديمه أداء ينتمي إلى فن التمثيل الصامت كبديل عن الاستعانة بالحوار المسرحي، فقد اتخذ المخرج طريقه في بناء خطة إخراجية لنص من زاوية نظر ممثل مسرحي مما أتاح فرصة كبيرة لنيل التمثيل مساحة جاءت على حساب باقي عناصر العرض المسرحي بما لا يعد المتلقي بغير مشاهدة امتحان عملي في فن التمثيل الصامت، في خطوة مبشرة أكاديميا.

نجح الدكتور محمد فضيل احد تدريسي قسم الفنون المسرحية في انتقاء عرض مسرحي يشرف عليه ليجدد موقفه الداعم ابدا في مسرح متجدد الدماء متنور الفكر منفتح في تعامله مع جمهوره من طلبة كلية الفنون الجميلة، وعلى غرار اغلب العروض المسرحية المعتمدة على جسد الممثل كان للموسيقى المسرحية مكانة اتخذتها بالشكل الذي أزاح الكثير من الدور المهم لتفاصيل استثمار التقنيات المسرحية الأخرى، ولعل هذا هو المتوقع في عملية تلقي مسرحية اعتمدت فن التمثيل الصامت وسيلة تعبيرها الدرامي عن فكرة نص العرض، الا ان هكذا تفسير يحيل بالضرورة كل ما تم تناوله من تعبيرات في مقابلة شبه حاسمة مع فكرة الكرسي بحد ذاتها، ولأن مناقشة هذا العرض المسرحي قد تبدأ من زاوية استثمار التقنيات الفقيرة المتعمد افقارها لرفع مستوى التعبير لدى الممثل المنتهج صمته ابداعا، فليس بعيدا عن هكذا تناول ان يتم استنكار اشراك أي تقنية ضمن خطة الأخراج قد تصيب فكرة العمل الرئيسية ببعض الضبابية.

ان مشكلة قراءة هذا العرض المسرحي تبدأ من اعتباره عملا ينتمي للتمثيل الصامت في البداية، ثم يتخذ شكلا اخر بعد ان يبدأ سيل المؤثرات المسرحية بتجسيد الأصوات التي تحول دون بقاء الصمت هوية للأداء التمثيلي طوال وقت العرض المسرحي، فليس هنالك فرق بين ان يضحك الممثل مستخدما صوته او ان يستعين بصوت ممثل اخر من خلف الكواليس او حتى بصوت مسجل له او لممثل اخر ينقل للجمهور عبر مكبرات الصوت، لا يمكن التفريق بين ممثل صامت واخر صائت طالما الممثل ظهر على خشبة المسرح مع وسيلة تعبير صوتية، لافرق بينه وبين ممثل في مسرحية تقليدية ذات حوار، فالذي حدث كان عكس ما عرف عنه التمثيل الصامت الكلي لمسرحية، فقد تم استثمار التعبير الصوتي جزئيا في مسرحية تنتمي كما اعلن عنها لفن التمثيل الصامت كما يتم استثمار التعبير الأيمائي أي التمثيل الصامت جزئيا في أي مسرحية يتم الأعلان عنها انها تقليدية او تعتمد الحوار كأحد عناصر العرض المسرحي عن طريق التعبير الصوتي، ولا تتخذ التعبير الجسدي بديلا عنه، وهنا المشكلة في تناول هذه المسرحية المقدمة من قبل المخرج حسين درويش على كونها تنتمي لفن التمثيل الصامت، حيث لا يمكن والحال كذلك ان يعد الأداء التمثيلي فيها صامتا بالمطلق، بالتالي لا يوجد ما يبرر تصنيفها بالضرورة.

في حالة الأتفاق على الغاء اطار الصمت كخطة اخراج لهذا العرض المسرحي، وانتفاء الحاجة الى تلقيه بالمقارنة مع اسقاطات فن التمثيل الصامت تقنيا على مستوى الأداء، لم يتبقى لهذا العرض المسرحي الا زاوية التناول الموضوعية التي تتناسب وطبيعته الفنية، حيث اتخذ النص من دلالة العنوان والكرسي المتسمر في وسط خشبة المسرح طريقه ليصل الى المتلقي قبل ان يبدأ التمثيل في هذا العرض، وكان وكان مستوفيا في توصيل الفكرة، واتجه الأخراج بهذه الفكرة بعيدا في محاولة صناعة اطار اضخم من ما هو مناسب للوحة، فكانت مسارات حركة الممثلين تعتمد الدوران حول الكرسي كما هي في لعبة الكراسي التي تنتهي بفوز احد اللاعبين بالجلوس على كرسي يتوسطهم بعدما يدورون حوله، مما اعطى للنص مساحة اوسع في ترسيخ فكرته من خلال الأخراج، والذي بقي مفسرا امينا بدوره، حينها جاء دور التمثيل ليحاول الخروج عن النص والأخراج معا، حينما اصبحا في اتحاد حول عنوان المسرحية والكرسي لا غير.

أتخذ التمثيل بعدا اخر نهل من ذاكرة عروض مسرحية سابقة كان الأداء فيها لكلا الممثلين يقترب من التمثيل الصامت في استثماره لتقنية التعبير الجسدي ويبتعد عن فن التمثيل بالمطلق في اقترابه من فن الباليه والأوبرا والرقص لما دخل دائرة يتم تصنيفها جزافا بالرقص الدرامي، واقرب مثال عن هذا الأشتباك بين النص والأخراج من جهة والتمثيل من جهة اخرى، كون استبدال احد الشخصيتين بممثلة بدل ممثل، او ارتداء احدها زيا مختلفا عن الآخر بديلا عن هذا التوحد في الجنس والزي، لم يكن ليغير من السعي الغير مجدي لخطة الأخراج في ان تصل لأستقلاليتها بنص للعرض، والا لم يكن للتمثيل ان يحاول سد هذا الفراغ بحركات تنتمي لأستعراض القدرات التمثيلية على مستوى مرونة الجسد، لو لم يوجد.

يظهر الصراع بشكله المبسط من خلال ما تم تقديمه من اداء جسدي، كان واضحا جدا ان هنالك صراع بين شخصيتين جسدهما الممثل حسين الدرويش والممثل اصيل عساف، وهما من ابرز نجوم التمثيل الصامت اللذين وجدوا لهم طريقا خارج عباءة الرقص الدرامي اخيرا من ضمن طلبة قسم المسرح في كلية الفنون الجميلة، كما كان واضحا جدا ان هذا الصراع حول الكرسي لا غير، الا ان ما كان واضحا اكثر للدرجة التي انسى المتلقي الفكرة الرئيسية هو تلك التفاصيل الممثلة التي لا تذهب بها خطة الأخراج الا لمجهول ثم تعود للفكرة المبسطة حول التغير المتوقع في شخص من يعتلي الكرسي، أي كرسي يتيح التحكم بمن لا يجلس عليه، وبنفس الوقت يتحكم به، الا ان من تلك التعبيرات ما يجب الوقوف عنده كمنارة لهذا العرض المسرحي في طريقه تجسيده لفكرته الرئيسية التي ابتدأت منذ قراءة العنوان الذي ولو انه يبدوا مسرحية بحد ذاته، حيث اكتمل فيه المعنى بانتماءه للنص المغلق ،لكن لا يوجد ما هو مفتوح اكثر من نص مغلق احيانا.

كان لفكرة تجسيد ماريو تلك اللعبة الاليكترونية المشهورة عالميا، بليغ الأثر في ترسيخ فكرة العرض من جهة والذهاب بها الى تأويل يمكن استثماره تمثيليا من جهة اخرى، مما يتيح لهذا الأنعطاف الأدائي مساحة اوسع في فضاء التأويل من ناحية والأمساك بالمتلقي بلمسة كوميدية محمودة الأثر كما تبين من نواحي عدة، الا ان هكذا استنطاق للفضاء المسرحي لم يكن مدعوما بغير جسد الممثل في مشهد مهلهل الأضاءة، فعلى سبيل التجني القول بأن الأضاءة خدمت العرض اكثر من انارة صالة المسرح التي تطفأ بعد المسرحية، او بكونها اتخذت طريقا اكثر رقيا من الديسكو لايت حينما تتحد مع الموسيقى، والتي بدورها أي الموسيقى لم تكن من ضمن التقنيات فحسب، بل هي الخطة الأخراجية بحد ذاتها لو تم حذف الزائد من بواقي التشبث بتراثية التقنيات كالأزياء التي تمت للسيرك المفترش خيمته في ساحات موسكو في كونها موحدة دون مبرر عراقي رغبة بتغييب واقعية الفكرة وراء رمزية مجحفة حتى بحق النزعة النخبوية.

لا يمكن للفنون المسرحية أكاديميا ان تقوم لها قائمة بدون دعم حسين درويش وامثاله من الطلبة الموهوبين، وكما نتمنى ان يكون للطلبة مهرجان خاص بهم ولأساتذة الفنون المسرحية المبدعين مهرجان آخر، حتى لا تكون المنافسة على حساب الطلبة مما يحبط من موهبتهم الفتية في مقابل اساتذتهم، ولو انهم يلتقون في مهرجانات تقام خارج أكاديميات الفنون الجميلة، وقد تجمعهم عروض مسرحية مشتركة ايضا، الا ان الأبداع الأكاديمي يقوم على عناصر تعليمية اكثر منها فنية، فلا يستقيم مستوى الطلبة بالوعي الفني لو لم يتمرن تذوقهم الجمالي بالموازاة مع تلقيهم للنتاج المسرحي عمليا، فكم محاضرة نظرية لم يتم تجسيدها عمليا على صعيد التقنيات والتمثيل والأخراج والنقد المسرحي في مجال الفنون المسرحية من قبل اساتذة مختصين امام طلبتهم داخل الكلية، للدرجة التي اصبح النتاج الطلابي هو الغالب على ساحة العروض المسرحية.

 

الكاتب

سرمد السرمدي

أكاديمي - مدرس مساعد - ماجستير- فنون مسرحية - كلية الفنون الجميلة - جامعة بابل - جمهورية العراق

  

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2389 المصادف: 2013-03-21 14:19:19