المثقف - قراءات نقدية

الابعاد الجمالية والإنسانية .. في رواية "ليلة إفريقية"

najia  jannaعالم الغتيري  حافل بالمشاعر وبالأحاسيس المختلفة والمحكيات والإثارة، بالإضافة إلى النظريات النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، مما جعل كتاباته وتجربته الروائية تكتسب تميزا خاصا كجنس أدبي، فإطلالة على رواية من رواياته يجعلك تؤثث نظرية خاصة اتجاهها، وما أن تنتقل إلى رواية أخرى حتى تغير رأيك، فكتاباته تجمع بين الخيال والواقع، بين النفسي والذاتي والاجتماعي والتاريخي،  لها أفقا يتميز بالانفتاح ويثير التساؤلات. وتعتبر رواية  "ليلة إفريقية" التي  صدرت عن افريقيا الشرق سنة 2010 كشكولا من الحكايات المتشظية التي تجمع بين السيرة الذاتية والحكاية التاريخية والذكريات والمونولوج الداخلي والحوارات والحلم، وتكون بهذا رصدت عدة مواضيع شائكة في المجتمع المغربي " ورغم أن المجتمع شيء موضوعي تماما، إلا أن انعكاس قيمه ومثله وتطوره، على وحدة اجتماعية صغيرة – أسرة مثلا- هو ما يستهدفه الفنان الصادق، إذا أراد أن يعرض مفهومه الخاص عن الحياة . ومن هنا قيمة التجربة الذاتية حين تصبح تجسيدا واعيا لكافة الظروف المحيطة بالواقع النابعة منه، والذي هو بدوره نتاج طبيعي للواقع الأشمل، أي المجتمع الإنساني بأسره" 1

فالكاتب سيجعل القارئ  يندمج في الرواية ويعيش كل اللحظات التي أتقن تصويرها ووصفها مند الطفولة وحتى نهاية الرواية، فهو يكتب بأسلوب سهل وبلغة سلسة واضحة لها جاذبية تتجلى في السهل الممتنع،  فلا يمكنك اختراق ما هو بسيط رغم بساطته،بهذا المعنى أعتبر أن رواية ليلة إفريقية رواية بسيطة جدا، وسهلة جدا، ولكن يمكن للمتلقي الذكي أن يخترق بساطتها السهلة الممتنعة الممتعة، ليجد مواضيع كثيرة يريد الكاتب إثارتها ببساطة وعفوية، كوضعية الإفريقي داخل المغرب، وموضوع التربية على النظافة والاحترام والسلوك الحسن، وموضوع الكتاب وهاجس الكتابة واللقاءات الأدبية،والفرق بين الكتابة الحديثة والكتابة التقليدية وموضوع الخمول وعدم مسايرة العصر، ثم الحكاية التاريخية للمهدي ابن تومرت، ثم بيئة ومعالم مدينة فاس وما تزخر به من مآثر وخصوصيات اجتماعية وبانورامية ثم الحكاية الرومانسية للكاتب، وحكاية الشباب ذوي الشواهد العليا المعطل، وأسباب تعاطي الدعارة، كلها مواضيع اجتماعية محضة، فالرواية تحمل أفكارا كثيرة ومواقف وحالات نفسية واجتماعية وتاريخية، كل ذلك يلتقطه الكاتب بأسلوبه السلس المستند إلى التشدر . فهو يمزج بين الواقع والخيال في ديباجة خفية لا يكاد يلمسها المتلقي، فالبنية السردية محور الذات والوجود، وبهذا فهي شديدة الأهمية لأنها بنية واقعية في صلب التجربة الإنسانية وليست فقط رداءا للخيال . بهذا المعنى يمكن للقارئ أن يتتبع مسارات الرواية ويقتفي آثار الدلالة فيها، والعناصر التي تتحكم في التأويل وتفصح عن الوظائف والأبعاد التي يتغياها السارد." فقد كانت من المشكلات الهامة التي تصدت لها الرواية العربية ...مشكلة التوفيق بين الأسلوب الواقعي والقيمة الجمالية التي لا ينبغي إهدارها..فهذا التوفيق يخلق همزة وصل السحرية بين الكاتب والقارئ"2

بخصوص السيرة الذاتية التي تحكيها الشخصية بضمير المتكلم، "فلضمير المتكلم القدرة المدهشة على إذابة الفروق الزمنية والسردية بين السارد والشخصية والزمن جميعا...ولعل من جماليات هذا الضمير أنه يجعل الحكاية المسرودة، أو الأحدوثة المروية، مندمجة في روح المؤلف، فيذوب ذلك الحاجز الزمني "3 هنا نجد ازدواجية الحكي-السرد، فالسارد يحكي قصة كاتب يسرد قصته مع الكتابة، يتكلم فيها عن تاريخ كتاباته ومواضيعها وطريقة عيشه ووحدته، يدمج فيها ذكرياته الدراسية ليعرج بنا على مرحلة من حياته حيث يعود بنا إلى طفولته ليأخذنا معه إلى عالمه الجميل الحافل بالذكريات  في المدرسة الابتدائية ليحكي حكاية تاريخية بقيت لصيقة بذهنه، بحيث يعتمد التناص مع تاريخ المغرب وبالخصوص عهد الموحدين، سيأخذنا معه إلى عوالم غابرة، ونكتسب خبرات جديدة ونتعرف معلومات تاريخية مأساوية وصادمة تكشف لنا أكاذيب التاريخ، كما يستنبط فيها مواقف ساخرة كقضية المهدي المنتظر التي عرفت في تاريخ المغرب ولا تزال تطغى على عقول الناس البسطاء، ومن خلالها يحاول تمرير بعض الأفكار التي تحارب المعتقدات والخرافات السائدة في المجتمع المغربي.

كما تحكي الصفحة 8 إلى 12" حكى لنا عن المهدي وعن حيله اللامعة والبسيطة، من أجل أن ينجح في إقناع الناس بصدق زعمه بأنه المهدي المنتظر....ضرب للناس موعدا يطلعهم فيه على معجزته، ثم ذهب عند بعض خلصائه وأغدق عليهم من المال، والوعود بالمناصب العليا إن هو نجح في مسعاه، ....فدفنهم أحياء وترك لهم ثقبا يتنفسون منها الهواء....قصد الناس، وخطب فيهم خطبة عصماء، دعاهم جميعا لزيارة المقبرة والوقوف على صحة دعواه ....تقدم نحو القبور التي يعرفها ...ثم قال رافعا صوته – يا أهل القبور هل تشهدون أني المهدي المنتظر؟ ....وقف المهدي على تلة مرتفعة حتى أطل عل رؤوس القوم من عل ثم قال: إن أهل مدينة الموتى يقولون : نشهد أنك المهدي المنتظر، فمن تبعك نجا ومن زاغ عن صراطك هلك....وحين خلا المكان،عمد المهدي إلى القبور فنزع القصبات التي يستنشق من خلالها المقبورون لكي ...يموت معهم سرهم"  فالسرد هنا بعد أن كان سردا تقريريا يأخذ في التبلور، يحكي بساطة الكاتب وحالته النفسية ثم يتحول إلى متن سردي يمتزج فيه الخيال والذاكرة ليعود بنا إلى الطفولة والصور القديمة، فيصبح حافلا بالومضات والتذكارات التي تشدنا إلى الواقع باختلافاته التاريخية والاجتماعية والشعورية والتي تعبر عن تجربة الكاتب، ولو أنه يستتر وراء الكاتب الخمسيني يحيي البيضاوي الذي يكبره سنا .

إن أحداث الرواية ستأخذ منحى آخر خصوصا بعد تلقي الكاتب دعوة لحضور أحد الملتقيات الأدبية بمدينة فاس، لتجد القارئ يخوض عوالم جديدة مع الشخصية، في القطار حيث يلتقي بكريستينا الطالبة الإفريقية ومن خلال تحاورهما سيتحدث الكاتب عن معاناة الأفارقة بالمغرب وعن نظرة الناس الدونية لهم، كما انه سيظهر للقارئ الوجة والطبع الجميلين للإفريقي بالمقارنة مع المسافرة التي لم تراع قوانين النظافة في ص: 25 و26و27 " في المقصورة فتاة أخرى مزهوة بنفسها، ...كانت تنظر إلى الفتاة الإفريقية بين الفينة والأخرى، في نظرتها كثير من الاحتقار لها، وكأنها كائن مسخ يوجد بيننا....لاحظت ذلك، فشجعني على إعادة الاعتبار للفتاة الإفريقية ... كانت الفتاة تتناول وجبتها بكثير من الأناقة ...كانت جلدتها لامعة، وعيناها جميلتين، فيما شعرها مشكل بضفائر صغيرة ومتشابكة، كان لها سحر أميرة إفريقية ...جين اكتفت من الطعام، اخرجت من حقيبتها منديلا صغيرا، مسحت يديها وفمها، ثم تناولت قنينة ماء ...كان في حركاتها شيء ما تملك على لبي "  الكاتب يعطينا صورا حية بكل تفاصيلها، بحيث يقدم لنا صورة جميلة عن الإفريقي الراقي بأوصاف وأدب راقيين بعكس ما يظنه الناس بالمقابل في ص28 "اقتنت الفتاة المزهوة بنفسها كيسا يحتوي على لمجة خفيفة، التهمتها بسرعة، وحين أجهزت على طعامها، مسحت يديها بالكيس الورقي، وأمام استغرابنا رمت الكيس دون خجل على أرضية المقصورة ".هنا يتكلم على أسلوب بعض الناس وعدم احترامهم لقوانين النظافة رغم ادعائهم التطور والعصرنة .

في مدينة فاس سيأخذنا معه في رحلة عبر شوارع المدينة وما تزخر به من غنى ثقافي  ومعماري واجتماعي مميز في ص  41 و42  " فاس ...تقدم نفسها للزائر دون تحفظ، ...بياض جدران بيوتها ...المساء دوما موعد جميل وفاتن مع فاس...فاس البالي تلك المدينة القديمة ...التي تجر وراءها تاريخا موغلا في القدم...احاط بي عبق العتاقة من كل جانب ...الجدران قد كساها البلى بثوبه الأزلي والدكاكين متراصة...الناس في المدينة القديمة ضاجون بالحركة، لكنتهم الفاسية تميزهم عن غيرهم، أثارتني نظافة ملابسهم وجمالها ..." ما تلبث تتابع صفحات الوصف حتى تنسى انك تقرأ رواية، بل تظن نفسك وكأنك تتجول داخل المدينة، إنها روعة وإثقان الوصف.

ثم ينتقل بنا إلى مكان اللقاء لأدبي الذي يسجل من خلاله انطباعاته الشخصية حول بعض النقاد والكتاب المستحدثين وبعض الأفكار والمبادئ الأدبية التي يحملونها، والتي تظهر للكاتب لا ترقى للأدب في شيء.  في  ص 46 " في قاعة المحاضرات كان كل شيء معدا بإتقان ...فجأة لاحظت أحد المنظمين يتقدم نحوي وبرفقته شابة ...أستاذ يحيي أقدم لك الروائية الشابة أمل المغيث" . –في اللقاء الأدبي أيضا يصف الأجواء بكل التفاصيل، جو المحاضرات موضوعاتها،

ثم قصة الصداقة والانبهار التي تطورت إلى حب ورغبة في الزواج مع الكاتبة الصحفية وما تحمل من دلالات رغم ضعفها وضبابيتها، وما تركته من تأثير على الكاتب .يتعرف على أمل المغيث التي ستكون الشخصية الثالثة التي بنى حولها روايته، فسرعان ما سينبهر بها وتجعله يعقد أملا على الزواج بها وبداية حياة جديدة معها في ص 53 - 54" بدا لي أن أملا استلطفتني، فأبديت نحوها بعض الود ...  من مكاني بدت لي أكثر أنوثة وجمالا ..."

وأيضا الحفل الراقص الإفريقي الذي من خلاله نسافر إلى الجذور الأولى للإنسان بطبيعته البدائية العفوية وحالاته التعبيرية التي لا يشوبها نفاق ولا تكلف.سيحضران معا الحفل الراقص الإفريقي حيث سيصفه بكل دقة مبينا روعة وجمالية إيحاءات الرقص الإفريقي في ص 60-61" انخرطت الفتيات في الرقص يهتززن بحركات متناسقة وبديعة ...يحركن عصيهن ..كأنهن زهور عباد الشمس، تبتهل للقرص السماوي الخالد، في خلفية المشهد رجال ثلاثة يعزفون على آلاتهم التقليدية، وهم منخرطون في جذبتهم...بدت لي الفتاة الراقصة التي تقود رقصات صويحباتها، مثالا فنيا بديعا لإفريقيا الشابة والحيوية، ...للأسف مكبلة بإرث ثقيل ومشاكل بلا حصر..كل ذلك يحد من انطلاقتها وتوهجها ...لقد تملكت شغاف قلبي بنضارتها وعنفوانها وقوة حركتها ومرونتها...ألوان الأزياء تتشابه كذلك، إنها متنوعة وصارخة ..إنها إفريقيا الموحدة، يوحدها ذوق أهلها وفنهم "   الكاتب شغوف بتميز إفريقيا وجمالها الصارخ .

فكل هذه المواقف قدمها لنا الكاتب عن طريق الانشطار السردي، تفيد بوجود أكثر من علاقة بين الراوي والشخصيات والمواقف .

لقد قدم لنا السارد تجربة جديدة في الكتابة الروائية بحيث تهدم الحدود بين السردي والغيري، بين التخييل والتأريخ، بين تجربة الذات الفردية

و الجمعية . النص يرصد عدد من المواقف والأمكنة برفقة شخصيات توزعت عبر علاقات وصور ومواقف وأمكنة ستجعل المتلقي يستكشف عوالم كثيرة لم يكن يعيرها أي اهتمام .

لقد غير الروائي مسار سرده عبر مجموعة من العناصر أولها انزياحية عن المكان الذي ظل وفيا له ألا وهو الشاوية لكونها مكان أصوله وانتمائه الذي ظل يمتح من معينه عناصر عوالمه الروائية المتخيلة، بحيث لاحظنا تواجدها في " على ضفاف البحيرة" و"رجال وكلاب" و"ابن السماء"، لقد سافر بنا هذه المرة إلى فاس لينقل لنا عبق المكان والزمان لتمثل أمامنا المدينة وكأننا امام لوحة فوتوغرافية، وكأن الكاتب ابن المدينة، صور كل أزقتها وحركتها وحتى لهجتها، لقد قدم لنا عالما روائيا متشظيا مقصودا بلغة بسيطة وبجمل قصيرة تحمل حس الوصف الموثق، ولكن استرسال النص يخفي هذا التشظي لأول وهلة، وما الشدرات التي تصادفنا فتساوي إضاءات تتفاعل مع بعضها لتعطينا دلالات وإشارات لعوالم مترابطة فيما بعضها كالحلم والحكاية التاريخية واليوميات والسيرة الذاتية والرسائل واللقاء والحوار الداخلي والحفل الراقص .

ثم  الحوار الداخلي الذي عرض من خلاله مشاكل إفريقيا  في ص 88 " الاستعمار – الاستغلال الفاحش للثروات، الأبرتايد – الحروب الأهلية – النعرات الإثنية  - الانقلابات المتتالية ...المجاعات – الهجرة السرية نحو أوروبا " ثم بعد ذلك يتذكر ولسون مانديلا الذي قدم للعالم صورة مشرفة عن الإنسان الإفريقي بحيث دعا إلى التسامح والتعايش ولم تغره السلطة ببريقها الكاذب، إنه الإنسان الإفريقي الذي يفخر الكاتب به ويقدم عنه صورة إنسانية عميقة . يلي الحوار الداخلي مباشرة.

الحلم الذي يكسر البناء المنطقي المحكم ويضفي على النص والمقاطع الروائية نوعا من الحوار الداخلي قوامه التأويل والإضاءة كحلم الكاتب مع كريستينا الذي هو بمثابة بوح فهو يحب كريستينا وعالمها البدائي البعيد عن تعقيدات الواقع المعاش في ص 89-90-91-92-93-94 "شيئا فشيئا كانت الصور تتراقص في ذهني ...الأدغال حاضرة بقوة ...يقتادونني نحو وجهة مجهولة ....يصلون بي إلى مكان يبدو أنه مستقر لقبيلة ما ..يقدمونني الى شيخ طاعن في السن ...فجأة تتقدم نحونا فتاة ..فتنفرج أسارير نفسي ..انها كريستينا ...انه يتهمك بالتجسس لصالح قبيلة معادية ...سنزفك اليوم إلى عروسك أمل ...مترددا دخلت حلبة الرقص ...وصلنا خيمة مميزة ...تسللت صحبة أمل نحو الداخل"،

هذا الحلم يفسر لنا لا شعور الكاتب، فهو عاش الحفل الراقص بكل حواسه، وربما يتمنى أن يحيى حياة عفوية بدون تعقيدات كتلك التي في براري إفريقيا، ففي لا وعيه عششت كريستينا، وأيضا له رغبة أكيدة في الزواج من أمل المغيث فهو يعتبرها أملا وإغاثة له ليستدرك ما فاته .

ثم إدماجه لرواية أمل المغيث والتي تحكي قصة فتاة من طنجة، بعد إتمامها الدراسة تجد نفسها تعانق البطالة، فتنتقل إلى الرباط كي تظفر بعمل ولكن احتياجها للمال سيدفعها للانزلاق نحو حياة الدعارة . في ص 140 يحكي عن الشباب ذوي الشواهد العليا المرابض أمام البرلمان للمطالبة بالحد الأدنى للمعيش .

كلها إشارات تجمعت فيما بينها واندمجت لتكمل فصول الرواية التي هي عبارة عن مجموعة روايات، كلها تصب في منحى واحد وهو تصوير الواقع بكل مآسيه وصعوباته رغم بوادر الجمال التي تنوره.

 

بقلم الأستاذة : نجية جنة

 

...................

الهوامش:

رواية "ليلة إفريقية " ص 8-12-25-26-27-28-41-42-46-53-54-60-61-88-89-90-91-92-93-94-140

1) الرواية العربية في رحلة العذاب، غالي شكري ص92 الناشر عالم الكتب، القاهرة.

2) نفس المصدر السابق ًص 8 .

3)في نظرية الرواية  ص 184

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2394 المصادف: 2013-03-26 12:14:47