المثقف - قراءات نقدية

سعد محمّد رحيم .. زهر اللوز زهر الإنتظار المديد المرّ

husan sarmak(الحداثة وما تستتبعها من مصطلحات مثل (التجاوز والمغايرة والإزاحة وكسر النمط وتفجير اللغة والزمن .. الخ) صارت مظلة فضفاضة يصطف تحتها كثر من أنصاف الموهوبين وعديمي الموهبة، أولئك الذين لا يستطيعون كتابة جملة عربية صحيحة، وأولئك الذين يفتقرون إلى وضوح الرؤية، وأولئك الذين لا يملكون شيئاً في جعبتهم يمكن أن يقولوه، والعلة ليست في الحداثة ومصطلحاتها الحافة، بل في التصورات الخاطئة عنها، والتي كرستها تنظيرات نقدية لبعض النقاد من الذين يعانون من ارتباك الرؤية واضطراب المنهج وضبابية المفاهيم، والذين بدل أن يوجهوا القارئ إلى جماليات النص وأنساقه وقيمه ودلالاته فإنهم يلقون به في دوامة عمياء تجعل القارئ يشكك أحياناً في قدرته على الفهم والإدراك).

القاص

سعد محمد رحيم

 

تمهيد:

78-saidمن سمات الواقع العراقي المؤكدة، هي أن إنسانه هو اختصاصي فنّ الإنتظار المرّ.. إنتظار تأريخي مديد ومتطاول في انتظار ما لا يأتي، وما يتصور أنه منقذ ومفرّج لشدائده الفاجعة، وقد صار مستحيلا، وانتظارُ راهنى ويومي صار مبتذلا لتكراره واستلاب دلالته الوجودية، وقد صار مراوغا مذلاً. إنسان هذه الأرض معذّب ومحاصر بمحنة الإنتظار. ومن المتوقع أن تنعكس ابعاد هذه المعضلة المزمنة على النتاج الإبداعي لهذا الإنسان كمعبّر عن همومه، ومجسّد لانهماماته وانشغالاته الجريحة. ولو راجعت المنجز الإبداعي العراقي في مختلف الأجناس لوجدت ما يسند، وبقوة، هذا الإستنتاج التأملّي والعملي. وعلى محوري الإنتظار الفاجع هذا تدور الغالبية المطلقة من نصوص مجموعة القاص والروائي "سعد محمد رحيم" "زهر اللوز" والتي افتتح تحليل نصوصها بقصة العنوان "زهر اللوز"، وهي تتشارك مع قصة "الجحيم ثانيةً" في كونهما أفضل نصوص المجموعة.

 

 زهر اللوز المرّ:

ومن المهم أن نفهم ما يترتب على محنة الإنتظار حين تتحول من مشكلة إلى محنة من سلسلة ظواهر وجودية مؤرّقة. لابد أن تكون هناك، أولا، وبصورة مسبقة في تسلسل الوقائع، دوافع تضع الإنسان الممتحن في مركز هذه المصيدة الشائكة. وفي الغالب تكون هذه الدوافع قاهرة خارجة عن دائرة الفعل الإرادي للفرد. ثم تأتي محنة الإنتظار كـ "عمليّة" تستنزف قدرات الفرد، وتجعله موسوسا بالحل الذي لا يأتي، وبالبحث عن مخرج.. أي اشتغال عجلة المصيدة ذاتها. تلي ذلك وملتحما به عملية "التوقّع"، وما يثيره من هواجس وقلق ومخاوف. قد يكون الفرد مستكينا مشبوح النظرات معطل الإمكانات في عملية الإنتظار، وهذا يحصل في النوع المزمن المتطاول. وقد يكون مستفزا لائباً ومستنفراً، وهو ما يستولي على انفعالاته في النوع الحاد والقريب الذي يكون اكثر إرباكاً وسحقاً. ومعضلة انتظار شخصية قصة "زهر اللوز" الرئيسية من هذا النوع الذي يقوم بعملية إسقاط - PROJECTION مشاعره المربكة على ملامح المكان الذي وصل إليه الآن بعد غياب، فتضاعف من فعل انحطاطه في روحه:

(الأضواء تتمدّد بكسل على الجدران، وعلى بلاطات الدرب المتشققة. أضواء تؤكد العتمة ؛ العتمة الحاضرة أبداً في عصب المكان؛ مكان متعرّج، مريب كما لو أنه لم يدخله من قبل. أربك خطواته ؛ خطواته وقد استدرجتها الأضواء الشاحبة كي يوغل ولا يتردد. المكان العابق برائحة متخمرة تشي بالعتق والإهمال... لحظات وسيجد الباب. سيطرقه، وسيخرج محمّد المصري. سيفتح فمه كالأبله، إلا أنه، في نهاية الأمر، سيصيح:

- مين... قاسم؟ – ص 5 طباعياً، وهي الصفحة الأولى من المجموعة سردياً).

ولابد لكي يكون الإنتظار مؤسسا بكامل ملامحه أن يمتزج ويتأسس على معضلة "غياب". غياب الفرد الذي يواجه محنة الإنتظار الآن، أو غياب مصدر الحل وأداته. وقد غاب قاسم ثلاث سنوات. ومع الغياب تنشأ حلقة "التوقّع" السوداء.. سلسلة من توقّعات سلبية تشمل الذات والآخر والعالم الخارجي. هل سيكون "الغائب" العائد هو نفسه أم تغيّر؟ ما هي حدود ومظاهر ودرجة هذا التغيّر؟ وكلّما كانت مدة الغياب أطول زمنيا وظروفها اشد قسوة / كلّما كانت تساؤلات "التغيّرات" أمضى وأكثر إثارة للقلق. وأكثر التساؤلات التي ستضني عقل العائد إلحاحا هو: هل سيعرفه أحباؤه وناسه الذين غاب عنهم؟ هل سيتذكرون ملامحه؟:

(سيتذكره، لا بدّ.. فهو لم يغب عنه أكثر من ثلاث سنين ؛ سنتين وثمانية أشهر (والصحيح شهور) بالأحرى. لا شكّ أن هيئته اختلفت، وأنّه فقد من وزنه ونضارته وحيويته، ولا شكّ أن شعرات بيض كثيرة تسللت إلى رأسه، إلا أن محمّد سيتذكره. لقد كان هناك – ص 6).

ولا تشتعل هذه التساؤلات المقلقة، بطبيعة الحال، في نفس من "غاب" مهاجرا باختياره ووجد ملاذاً آمناً وعاد من منافيه السياحيّة. إنها تمزّق روح من غاب قسراً منقطعاً عن الحياة وحركة العالم الخارجي المنعشة. أي من يكون ضحية لطغيان اخيه الإنسان ممثلا في السلطة الباطشة المتوحّشة. وتتحقق هذه المعلومة على يدي القاص البارع بصورة نقلة هادئة وغير محسوسة وهو يجعل قاسماً يستذكر أن محمدا المصري "كان هناك" يشاهد اللحظة المريرة، لحظة إلقاء القبض عليه:

(.. محمّد سيتذكره.. لقد كان هناك.

- هل أنت قاسم؟

- أنا قاسم؟

- تفضّل معنا..

لم يكن ثمة داع ليسأل من أنتم – ص 6).

.. إنه الغياب القسري المهين يفرضه الطغيان المستبد الذي خلع قاسماً من "الحضن" الأمومي الذي كان ينعم في دفئه: البيت. فالإعتقال في مضمونه النفسي العميق تجريد الفرد من الحماية الأمومية المنعمة. لقد غاب عنه وجه أبيه ووجه أخته ووجه صديقه محمد. والآن يعود ليتعرّف، وكأنه نكص إلى مستوى طفلي من الناحية الذاكراتية: يذكر هذا المنعطف.. وهذه الشناشيل.. تلك النافذة لم تكن زرقاء.. ربما كذلك، لكن ذلك الباب لم يتغيّر. البلاطات تآكلت (..) تذكّر مطرقة الباب القديمة.. كانت هنا. أحدهم انتزعها، ولم يبق سوى القاعدة المعدنية الصدئة – ص 6 و7).

إنه هذا "النكوص" النفسي الطفلي في التعامل مع مفردات مكان اعتاد عليه الفرد طويلا، هو الذي يخرّب "العودة" الصحّية، ويجهض النزوعات التوافقية. فبعد أن تأسست أواصر إلفة راسخة ومحببة ومنطوية على الإطمئنان والإعتياد بين الكائن ومفردات المكان، يعود الفرد (قاسم هنا) للتعامل مع تلك المفردات من موقع التحسّب والجفلة والتوقعات السلبية. فقط العلامات الحبّية التي مدّت جذورها عميقا في تربة الذاكرة تستطيع إثارة استجابة إيجابية أو محايدة. وهنا، وبفضل هذا العامل تدخل أزهار اللوز ساحة متغيرات المكان:

(.. وعلى الحائط خطّ أحدهم هذه العبارة "أحبّك ميسون" ووقّعها باسم العاشق الولهان. كانت العبارة مكتوبة بالأزرق، تلمع في مسقط ضوء لم يلتفت ليعرف مصدره، وتحتها أشكال متناثرة بيض الزهور. فكر: إنها لا تشبه أزهار اللوز – ص 6).

تلك العلامات والرموز تكتسب أهميتها التطمينية الفائقة من خلال ارتباطها بذكريات الطفولة الباهرة، وبالتالي فهي تمظهر للحبل السري الذي كان يربط الفرد بالرحم الأمومي المنعم:

(إنفتح الباب. أطل وجه صغير وعينان جريئتان. لا يعرفها. قد تكون بنت عائلة جديدة سكنت الدار بعده. كانت في العاشرة ترتدي ثوبا أخضر بأزهار بيض. لم يتبيّنها في العتمة. فكّر إن كانت أزهار لوز. قال:

- محمد المصري؟ – ص 7).

لم يعد قاسم متخفّفاً من تجربة اعتقاله، بل قلقا مرعوباً مفزوعا. وفي ظل هذه الضغوط يكون البحث عن مساند نفسية معينة حاسماً. وأول هذه المساند وأكثرها تأثيرا هي ذكريات الطفولة. فالطغيان وأداته الوحشية: الإعتقال والعزلة والإنخلاع من العالم الخارجي إلى العوالم المظلمة المغلقة، يعني حرباً على الذاكرة أولا. الذاكرة بنت المكان وأمّه.. وهي هويتنا ومجموع علاقاتنا في هذا العالم. الإعتقال والعزلة والحرمان تسبّب شحوب الذاكرة التدريجي، وتآكل قرائنها بفعل أفظع عامل تعرية في حياة الكائن البشري وهو: الخوف المتواصل والإنرعاب الأليم. وعندما انتزعوه من الرحم.. من البيت.. صرخ المخبرون بمحمد المصري أن يخرس، ولا يتدخل، فجرّدوا قاسم من أقرب عون بشري. الإنهيار أمام الطغيان يبدأ من الوحدة. الإنسان حيوان اجتماعي يحتاج الشريك والرفيق والمعاون. لم يقل محمد سوى: (يا أخوانّا)، وظلّ جامداً، بعينين مبحلقتين أمام التنّور تتصاعد منه رائحة الخبز المحترق، واقتادوه هو بلا رحمة:

(أحكموا شد العصابة على عينيه، وحشروه بين اثنين في اللاند روفر، وكان أعمى، وانطلقت السيارة ورائحة الخبز المحترق تلاحقه. تناكده.. تلبث معه في لياليه المقبضة – ص 9).

وظلت رائحة الخبز المحترق ونار التنّور تلاحقه في كوابيس المعتقل. حتى التنور الذي هو موروث أمومي أصبح معادياً وخاذلا:

(رائحة الخبز المحترق تلاحقه.. تلبث معه في لياليه المُقبضة.. في كابوسه الذي تكرّر مراراً ؛ يحملونه ليلقوه في التنور فيصرخ. يوقظه أحدهم في الزنزانة. حرارته مرتفعة وحلقه جاف، والحارس ينظر من كوّة الباب العلوية، ويشتم ببذاءة شاذة – ص 9و10).

لقد بدأ التغيير في روح قاسم وتكوينه منذ لحظة اعتقاله وشعوره بأن كل شيء قد تخلّى عنه.. وحيدا كسيرا مخذولا. ولعلّ هذا الحلم الكابوسي الذي كان يتكرر في نومه في ليالي سجنه الموحشة، هو المؤشر الأكبر، وإشارة بدء هذا التغيّر الإستلابي. فأحلامنا هي المنفذ الذي تنسرب من خلاله صراعاتنا وأحباطاتنا، والأداة الكاشفة لخيباتنا وآمالانا المجهضة. وقد تجسدت قوة هذا الحلم التعبيرية في قوة رمزية النار.. وفي تكراره.

وببراعة وحكمة لم يستدرجنا القاص في أي مسالك تتحدث عن التعذيب والحرمان والقهر في المعتقل. ترى ما الذي يراه الإنسان في معتقل سياسي غير التعذيب والمهانة؟ لقد صوّر لنا مقدار وشدّة هذا القهر في مرحلة ما بعد الخلاص من المعتقل. ليس عبر استعادة العذاب والضيم، ولكن من خلال تحوّلات المكان السلبية وانحطاطاته، وتبدلات الشخوص، وانكسار الذكريات الحميمة. وليس عبر تغيرات كبيرة كما يفعل بعض القصاصين الذين يغرمون بـ "حجوم" التحوّلات والسياط والهراوات والتعبير المفرط بالصراخ والشتائم. عبّر سعد عن خراب عالم بطله الداخلي من خلال تراكم التحوّلات الصغيرة الجارحة، وما الطوفان الساحق إلا نتاج تجمع القطرات الصغيرة المهملة.

وفي العادة، وبالقدر نفسه الذي يشعر فيه العائد بأنه قد تغيّر أو بالخشية من هذا التغيّر، فإنه يتمنى، وبحماسة، أن لا يكون العالم الخارجي الذي تركه قد تغيّر بصورة مقابلة. فالعالم الخارجي هو مرآته أو أرشيف ذاكرته الخارجي التي سيحاول أن يستلّ منها قرائن المدد التي تعيد وصل شظايا الذاكرة التي هشمتها التجربة المرعبة. إن عدو المكان الأول هو الزمان. وهذا ما فعلته مخالبه في تمزيق الكثير من ملامح المكان خلال سنوات الغياب الثلاث. أمّا العدو الآخر فهو الحركة اليومية غير المقصودة والمحتومة للبشر. عاد قاسم إلى مكانه السابق بإحساس جديد غريب (كما لو أنه لم يدخله من قبل - ص 5) فواجهته (رائحة متخمّرة تشي بالعتق والإهمال). عاد وفي نفسه يختلج أمل ملاقاة صديقه محمد المصري، فلم يجده ووجد شخصا آخر بدلا منه. لقد رحل محمد إلى مصر.. ولن يعود. وقد يكون رحيله مرتبطا باعتقال قاسم، وفي هذا مصدر تأثيم جديد (فكّر، أين يمكن أن يكون محمد الآن، وإن كان غادر بسببه هو؟ - ص 11). وقد ترك قبيل اعتقاله غرفة فيها فراشه وكتبه، ليعود فيجد شخصا آخر قد سكن فيها، واختفت حاجياته. وعندما وقف أمام الباب، وعلى الرغم من شبه الإعياء الذي كان يعاني منه، إلا أنه كان يحلم بفراش دافىء وبكأس شاي ثقيل. والآن تُحبط حتى هذه الرغبات البسيطة التي "افتتح" بها عالم عودته بعد الإعتقال:

(قال حنفي: إنه يتمنى لو كان معه في الغرفة فراش آخر، إذن لاستبقاه – ص11).

(لم يكن الشاي الذي قدّمه له حنفي ساخنا كفاية كما اشتهى، وقال: لا داعي. حين اقترح حنفي وضع إبريق الشاي على المدفأة).

وكحلقة مكملة لسلسلة الخيبات الباهضة، كانت بعض أفعال صغيرة تزيد قاسم تمزّقا وخيبة. فحنفي كان يتثائب تعبيرا عن حاجة مكررة ورتيبة بل بليدة للنوم، بينما كان قاسم يكتوي برغبة الحصول على فراش دافىء فارقه ثلاث سنوات. وفي موقفين توغل إشارة كلامية واحدة في استثارة ندبة ملتهبة في روحه: البيت وما ترتبط به من معاني الصلات العائلية الحميمة وذكريات طفولة. فقد تساءل حنفي إن كان سيجد سيارة تاكسي في مثل هذه الساعة تقلّه إلى بيته، مثلما قال له الرجل الكهل وهو ينزع العصابة السوداء عن عينيه وينزله من اللاند روفر: سيفرحون بك.. أهلك في البيت (ص 11).

وهو توقّع تقليدي أن يكون لكل إنسان بيتا. لكنه توقّع لا ينطبق على حال قاسم: (البيت؟ البيت حلم أزرق.. شيء ما خلف خطّ السراب – ص 11).

وفي نقلة شديدة الأذى والمفارقة، تنقطع تداعيات قاسم الموجعة عن فردوس البيت الضائع، بسبب امتلاء مثانته، وكأن الكاتب من شدّة تماهيه مع بطله يهربان سويّة من هذا الموقف الحلمي الساحق:

(البيت حلم أزرق.. مثانته ممتلئة.. بحث عن زاوية مظلمة مهجورة. أزعجه وشيش تبوّله، والرجل الذي عبر تحت المصباح هناك، وقف لحظات ناظراً إليه بإنكار قبل أن يواصل سيره.. سيأتي غدا من يكتب (البول هنا للحمير).. أحسّ بقطرات ساخنة على أصابعه. مسحها بطابوق الحائط، ومشى بخطوات متثاقلة.. ليس قطعاً إلى البيت – ص 12).

إن احترافية "سعد محمد رحيم" السردية العالية التي ظهرت بقوة في مجموعته "ظل التوت الأحمر" ثم روايته "غسق الكراكي"، منحته القدرة على التلاعب بمجساتنا الإستقبالية، وباستقرارنا النفسي، وصولا إلى أقصى مستويات التعاطف مع بطله المحطّم، متزاوجة مع أشد درجات النقمة على من حطّموه سلطة وقدراً. بحركة بسيطة في الظاهر ولكن بأي بلاغة نفسية مدمرة حُمّلت، وأي قدر من الإستفزاز حقّقت؟!. فقد سارت حركة السرد منسابة ومتصلة من حلم البيت الأزرق المفجع البعيد إلى امتلاء المثانة بالبول الكريه والإدانة المبتذلة: البول للحمير، ثم تلوّث اصابع اليد بالبول ومسحها بطابوق الحائط. يأتي العائد من الإعتقال محملا بحاجة طافحة لأن يتعاطف معه كل ما في الكون من بشر وحتى موجودات جامدة. وإذا به لا يجد ذرة من هذا التعاطف المحيي. ويُنظر إليه الآن كما يُنظر إلى هذا الإفرازات الملوثة باشمئزاز وغثيان. إن مقتل العائد من القهر السياسي هو عندما لا يحس أحد بما عاناه. عندما يعود مهملا مرميا بلا حساب، كما تعكس هذا الشعور حركة امتلاء المثانة وتفريغها، وإدانة رجل الشارع النمطية ؛ أن يتقلص عالمه المفقر والموحش، ليُختصر بحركة مسح قطرات البول بطابوق الحائط. ثم السير المتثاقل اليائس بلا هدف ومن دون غاية (مشى بخطوات متثاقلة. ليس قطعاً إلى البيت).

 

 سمات التركيب الحلقي الدائري:

وهنا تتأكّد واحدة من سمات سعد الأسلوبية، ليس في هذا النص ولا في نصوص هذه المجموعة حسب، بل في أغلب نصوص مجموعاته القصصية، وتتمثل في البناء الحلقي الدائري ؛ بمعنى أن القصة تبنى عبر سلسلة حلقات متصلة تمتد على محيط دائرة تُغلق حين تعود حلقة لتذكّر وتطابق حلقة سابقة من مشهد أو فكرة أو صورة أو حوار، ثم تأتي حلقة جديدة لتتصل بالحلقة السابقة فتتفرع سلسلة جديدة من محيط الدائرة الثانوية. وهكذا تتجاور مجموعة من الدوائر (السلاسل الحلقية) الموقفية، وترتبط عبر وصلات تمشي عليها سكّة حدث سابق. لقد استهل القاص القصة متحدّثاً عن حاجة قاسم لفراش دافىء، الحاجة إلى البيت.. دخل النزل الذي كان يسكن فيه مع محمد المصري.. سلسلة حلقات من التداعيات الخائبة.. لا غرفة ولا فراش ولا أمان (...) ثم سأل حنفي قاسما عن البيت.. استدعت هذه الحلقة سؤال رجل الأمن الكهل عن بيت قاسم أيضا، وكيف سيفرح أهله بعودته. استعاد قاسم الشعور الفادح بخسارة البيت وفقدانه (شيء ما خلف السراب). وهنا اكتملت دائرة حدثية صغيرة، امتدت منها حلقة وصل مرتبطة بامتلاء مثانته وإحساسه الضاغط بحاجته للتفريغ.. وإدانة الرجل العابر واستهجانه.. ثم مسح قطرات البول العالقة بالأصابع.. فالمشي المتثاقل الخطو.. حيث تمتد حلقة (ليس قطعا إلى البيت) لتذكّر بفداحة الهجران والوحدة وضياع البيت، ولتبدأ سلسلة تداعيات حلقية جديدة عن الفردوس المفقود.. وهكذا:

(يفصله عن بيته سنين من المرارة والتيه. أبوه، هل مازال هناك، حيّاً في تلك البلدة البعيدة المنسية؟ وأخته، ربّما تزوّجت. من يدري، وقد غاب سنتين وثمانية اشهر. بيته الذي في المشهد الأثير: هو وأخته وتلك الصبيّة التي كلّما تذكّرها استعاد مشهد زهر اللوز – ص 12).

 

 سمة "المعاودة":

وهنا تتجلى سمة أخرى هي "المعاودة". العودة المتكررة إلى الطرق على نفس الثيمة، لكن من موقع أعلى من الخسارات الجسيمة المتخمة بالمرارة والحزن. الآن عدنا إلى زهر اللوز، فعرفنا مصدره الطفلي العالق، بقوة، بوجدانه الهش. والموقع النفسي الأعلى يحقّقه سعد بهذه الإضافات الماحقة التي يصبّها في إناء السرد المحدود السعة في القصة القصيرة، فيتخمه بالعذاب، ويملأ نفوسنا حد الإختناق بالإحساس الممزق بالإحباط والإنكسار. يضيف سعد الآن – ومن موقع نفسي أعلى حرقة ونزفا – الموضوعة المكمّلة لموضوعة الإنتظار والغياب في الحياة العراقية، بل قد تكون هي المركزية من حيث تسلسل العلة والمعلول، وهي موضوعة الحرب القادرة على إجهاض أي لحظة ذاكراتية مُسرّة، لتحيلها إلى مصدر للألم والفجيعة حتى يصبح حضورها مستدعى بصورة آلية مرعبة تقفز بلا مقدمات بارتباط شرطي – conditioned حاكم:

(.. تلك الصبيّة التي كلّما تذكّرها استعاد مشهد زهر اللوز وقد رآه في أمسية دامية في جبهة الشمال من حرب قصيّة. بيته وأخته والصبيّة، وفاصلة الحرب. أمّه ماتت وأخته لطمت خدّها والصبية غادرت ؛ جاءت سيارة لوري مرسيدس حمراء ذات ظهيرة وحملتهم ؛ هي بثوبها المرشوش بزهر اللوز، مع أبيها وأمّها وأخوتها الثلاثة الصغار، مع الأثاث، وبقي هو وأخته يلوّحان والسيارة اللوري الحمراء تبتعد في وهج الظهيرة، وحزنه الغامض وزهر اللوز يتساقط على ذرور الدم في مساء الحرب يذكّره بالصبيّة التي بثّت فيه حزناً عميقاً غامضاً، وهي تنى إلى ما وراء سرّه – ص 12).

 

 سمة الإنتقالات السلسة:

وهذه السمة تحيلنا إلى موضوعة "الإنتقالات" في القصة ؛ أي الإنتقال من موقف إلى آخر أو من فكرة إلى أخرى في مسار النص. ففي بعض النصوص القصصية، وحين يحاول الكاتب معالجة موضوعة جديدة في القصة، أو تحقيق "حركة" بين مشهدين، نلاحظ حصول "فجوة" في مسار الإنتقال، وتظهر عملية الإنتقال مقصودة واضحة. ومن شروط النص القصصي المحكم أن تأتي التحوّلات غير محسوسة، وأن يسير القارىء مع أحداث النص منقادا بعفوية من دون أن "توقظه" أو "تنبّه" أحاسيسه خشونة الإنقطاعات. وقد حقق سعد كل انتقالاته – في هذا النص وغيره من نصوص المجموعة – بتلقائية ويسر. وقد أنجز هذه المهمة بخلق حلقات وصل تأتي كقواسم مشتركة بين الموقف والحركة السابق واللاحق، بتشارك "فعل" أو "إسم" لشخصية أو "جملة". ففي حركة الإنتقال من مشهد وقوف قاسم أمام باب النزل، منتظرا فتح الباب ولقاء محمد المصري (في الزمن الحاضر) إلى استدعاء "الإرتجاع الفنّي – flashback "، لحظة اعتقال قاسم من قبل رجال الأمن (في الزمن الماضي)، لم نشعر بقفزة العودة إلى الماضي لأن السؤال:

-هل أنت قاسم؟

جاء وكأنه استمرار لصيحة البشرى الإستفهامية التي توقّع قاسم أن محمد المصري سيطلقها حالما يفتح الباب ويراه:

-مين... قاسم؟

في موضع آخر تتحقق نفس النقلة من الزمن الحاضر (وهو في غرفته السابقة التي يسكنها الآن حنفي بدلا من محمد المصري) إلى الزمن الماضي (لحظة اعتقاله المرعبة)، من خلال تواصل ذكر اسم "محمد المصري أبو العلا" بين الموقفين:

(لم يكن متأكداً إن كانت هذه صورة محمد غير أنه قال: نعم، محمد المصري أبو العلا.

وظلّ محمد المصري أبو العلا أمام التنور جامداً في وقفنه وبعينيه المبحلقتين المرعوبتين. قالوا له: إخرس – ص 9).

والتصميم السلس نفسه يحصل في استدعاء الذكرى المريرة لبيت العائلة المضيّع. وفي هذه الفقرة الطويلة نسبيا (صفحة كاملة من القصة) كانت حلقة الوصل التي عزّزت وحدة التداعيات عبر محوري الزمن من ناحية، والإنتقالات من المكان الراهن إلى البيت، وفقدان الصبيّة ودمويّة الحرب، هو (زهر اللوز) الذي شدّ لحمة الذكريات في ثلاثة مواضع.

وقد تبدو هذه الوقفة لبعض القرّاء محمّلة بدلالات فائضة، ولكنها في الحقيقة شديدة الأهمية، لأن الحركة السردية الكلّية ينبغي أن تنساب بهدوء وبلا تحوّلات محسوسة حادّة. ولو عدنا إلى مثال من النص ذاته، سندرك أهمية هذه الملاحظة: يسترجع قاسم (من الزمن الماضي) ذكرى إطلاق سراحه وورقة الدينار التي أعطاها إياه رجل الأمن الكهل، ووصيته له بأن يبتعد عن السياسة، ثم يعود بنا القاص إلى الزمن الحاضر حيث يدخل قاسم مطعما صغيرا. لاحظ الإنتقالة الشبه منقطعة:

(تحسّس في جيبه ورقة الدينار التي أعطاها له الكهل وهو يوصيه أن يبتعد عن السياسة وأولاد الحرام الذين يورّطون الطيبين من أمثاله.

دخل مطعما صغيرا يضجّ بأغنية لأحمد عدويّة. كان البائع مصرياً.. – ص 12 و13).

لقد هبطت حرارة السرد التصاعدية السابقة وكأننا سنبدأ من جديد، وبهتت أنفاسنا الملاحقة لمحنة قاسم، وسنكون بحاجة إلى عمل إستعداد "إحماء" نفسي تمهيدي ثان.

 ولا يكتفي القاص بحلقات الوصل اللغوية – فعلية أو اسمية - أو الصورية لتحقيق وحدة نصّه وإحكام ارتباط أوصاله حسب، بل هو يستثمر أي إشارة إلى اي مكوّن لا يدعه يفلت من دون توظيفه. فعندما أدخل حنفي قاسم إلى غرفته السابقة التي ترك فيها فراشه وكتبه، وجد أن كل شيء قد تغيّر. مدفأة وسرير وفراش.. إلخ وصورة كبيرة لأحمد عدويّة. وبعد أن يخرج قاسم من البيت محطما يائسا، يدخل مطعما يضج بأغنية لأحمد عدوية. وعندما يُواجه بإحباط صادم آخر في المطعم، وينسل مختنقا بالخيبة، يتلاشى صوت أحمد عدوية ويستوحش الشارع. هناك شاهد الصورة في عالم حنفي الصغير المكتفي والملموم على ذاته. أما هنا فقد حاصره ضجيج صوت "الصورة". ثم صار تلاشيه إيذاناً بالضياع والوحشة القاتلين. وعلى المستوى الفني فقد عزّزت الإشارتان اللاحقتان وحدة النص وأحكمتها في ذهن متلقيه.

 

 لعنة الإنتظار.. لعنة الحرب:

وفي الغالبية المطلقة من نصوص سعد محمد رحيم، تجد هذا الترابط الوثيق بل الإلتحام بين الإنتظار والحرب، إلتحام يؤسّس الركيزة الأساسية لمسارات حيوات العراقيين منذ عقود.. بل قرون. ركيزة ثابتة وصلبة يُشاد عليها بنيان الخسارات العزوم تحت خيمة الخراب السوداء. ودخول كارثة الحرب كمتغير فاصل في حياة بطل هذه القصة "قاسم" ضاعف من اندفاعة التعاطف لدى المتلقي. وأروع ميزات الكاتب المبدع وعلامة اقتداره هي أن يحقق تعاطف المتلقي مع بطله حتى لو كان البطل هذا سايكوباثيا. فكيف بقاسم الضحيّة الذي لم يعرّفنا القاص حتى الآن عن سبب اعتقاله، ورغم ذلك فقد منحه أقصى التعاطف في نفوسنا حتى أنه جعلنا نحتج بعنف في دواخلنا، لأنّ محاربا طحنت روحه وآماله الحرب مثل قاسم، ينبغي أن لا يُعامل بهذه الطريقة القسرية المذلّة من قبل السلطة، ولا بتراكم مثل هذه الخسارات من قبل الله أو رمزه الجائر: القدر. والآن فقط، وقبل أن نطوي الصفحة الأخيرة من القصة، نعرف – بتخطيط من القاص طبعاً – أن قاسم قد اعتُقل ظلماً لأسباب سياسية:

(تحسّس في جيبه ورقة الدينار التي أعطاها له الكهل [ = رجل الأمن] وهو يوصيه أن يبتعد عن المشاكل ووجع الرأس والسياسة وأولاد الحرام الذين يورّطون الطيبين من أمثاله – ص 12 و13).

ويأتي التعاطف شبه الأبوي مع قاسم المعتقل من قبل رجل الأمن الكهل في موقف من شقّين: الأول حين رفع العصابة عن عينيه، وأنزله من اللاند روفر، وقال له بأن أهله في البيت سيفرحون بعودته، فغمز جرحا غائرا في نفسه، والثانية عندما أعطاه ديناراً، وأوصاه بأن يبتعد عن وجع الرأس والسياسة وأولاد الحرام الذين يشتغلون بها. وليس غريبا لا في الحياة العملية اليومية ولا في النتاجات الأدبية أن نشهد تعاطف رجل أمن مع سجين سياسي، ولكن في حالة قاسم جاء التعاطف باعثا للمزيد من المرارات، وموغلا في استثارة ذكريات الخراب واستعادتها. فلا بيت ولا ملتجأ ولا أهل، كما أن وجع الرأس سوف لن ينتهي أبداً، ليس من الشغل في السياسة أو من التوريط على ايدي أولاد الحرام المشتغلين بها، لكن من هذا الجور الماحق الذي تعاونت عليه كل الجهات ومن كل جانب: السلطة والحياة والبشر والله والقدر. لقد كان قاسم – وهو يقف أمام باب النزل – يتحسّس ورقة الدينار في جيبه مطمئنا، فهي مصدر أمان هذه الليلة حيث من الممكن ان يعود إلى عمله في المخبز أو غيره غدا. لكنه في غيبته، لم يكن يعرف ما الذي حصل في الحياة خارج السجن وقفزة الأسعار واتساع دائرة الإنحطاط. لقد اشترى شطيرة بطاطا، وأعطى البائع المصري الدينار، وانتظر أن يسلمه بقية نقوده: (قال البائع: الشطيرة بدينار. قال: لا أدري. جئتُ من مكان بعيد – ص 13).

وفي المطعم يضجّ صوت أحمد عدويّة، وهي سمة أسلوبية أخرى، حيث "لا ينسى" القاص أي متغيّر من متغيّرات قصته، فيستخدمه للوصل بين الوقائع من ناحية، وللتذكير بالمواقف الماضية منها من ناحية أخرى. لقد قال لنا القاص بأن قاسم تحسس ورقة الدينار في جيبه، وهو يقف أمام باب النزل القديم. وقد يتساءل القارىء حتما عن مصدر النقود لسجين سياسي سابق !. ولكن القاص يعود في موقف لاحق، ليكشف لنا مصدر النقود، فلا تحصل ثغرة في بناء نصّه. وهو يهيؤنا - في الوقت نفسه – للحركة الجارحة شبه الختامية التي تقضي على آمال الطمأنينة حين يدفع قاسم الدينار ثمنا لشطيرة في حين كان يعتقد أنه سيحتفظ ببقية من المبلغ تعينه في اليوم اللاحق. وقد كان تبريره أمام دهشة البائع هو أنه (جاء من مكان بعيد). وفعلا يشكل المسجن – من الناحية النفسية والأنطولوجية - مكانا بعيدا.. وبعيدا جدا لا يستطيع فيه الإنسان "مشاهدة" اي شيء من تحوّلات الحياة خارجه، تحوّلات تفاجئه، وتشعره بالعجز والصدمة. ونعود إلى نفس الموقف الطفلي الإعتمادي والناكص حيث يكون على الفرد المسحوق بتجربة السجن الطويلة أن يعود لـ "يتعلّم" شؤون ومهارات الحياة اليومية من جديد. وفي العادة يتم التعلّم في الصغر على يدي الأم الكريمتين الحانيتين. لكن في هذه الطفولة الثانية المقحمة على نماء الإنسان الطبيعي، والمستعادة كرهاً، على أي أيدٍ ستتأسس الخبرة وتتأنسن، وقد نُبذ قاسم من أي مكافىء للرحم الأمومي إلى الأبد؟!:

(جلس على دكّة اسمنتيّة عند مدخل زقاق معتم، شاعراً كم هو مقرور ونعسان ووحيد وغير مهم في ليل شارع الرشيد هذا – ص 14 – الصفحة الأخيرة).

وهذه السمات: الشعور بالبرد والنعاس والوحدة واللاإكتراث هي سمات الرضيع الذي يُنبذ بلا عون ولا ستر ولا حماية. وهذا الحال الإنتباذي هو خلاصة "فلسفة" الطغيان وبطش السلطة الطاغية التي تمزّق – وبلا رحمة - عبر القهر والسجن والحروب، الأستار الحمايوية للإنسان من صلات عائلية وعلاقات إنسانية وطفولة آمنة وذكريات حميمة.. والأهم مستقبل مطمئن. وهو ما لن يراه قاسم حتى في مستقبله القريب.. والقريب جدا.. في ساعاته الحاضرة والمعدودة في ليلته مديدة الوحشة هذه. وخراب المستقبل لم ينبثق من حلكة الآن الأسود، بل انغرزت نواه عميقا في تربة الحياة من اللحظة التي أُجهضت فيها معاني الإنتعاش النفسية لزهر اللوز التي مثلتها الصبيّة موضوع حب الطفولة حين حملتها السيارة بعيدا، لتشوّش وإلى الأبد، المعاني الرمزية للجمال في حياته كلّها، حتى صار يتساءل عن أشكال الزهور التي تشبهها على الجدران، ويتمنى لو أن كل زهرة تماثل ذلك الرمز الضائع. ثم تأتي غولة الحرب لترش دم زهر اللوز الذبيح على رؤوس تلال الآمال الشهيدة.

 

 وقفة على عنوان القصّة:

في جانب كبير من عمل الكاتب، تتحدّد اختياراته النصّية الكلّية والجزئية التكوينية بعوامل لاشعورية، بدءاً من العنوان ومروراً بمتن النص، ووصولاً إلى خاتمته. والعامل اللاشعوري الأكبر الذي يتحكم بذلك يكمن في "خميرة" الرغبات المحبطة والمكبوتة اللائبة في ظلمة اللاوعي. لقد اختار الكاتب عنوان "زهر اللوز" لقصته هذه. ومن المؤكّد أن الثيمة المركزية لزهر اللوز كرمز لصبيّة علاقة الحب البريئة المبكرة والمجهضة، هي التي حدّدت اختيار العنوان. لكن القاص – وهذا مؤكّد أيضا – كان قد وضع نصب عينيه الثيمة الكلّية المتعلقة بتصوير معاناة إنسحاق وجود بطله قاسم، والمرارات المميتة التي جرّعها من كؤوس الإنفصال القسري عن حلم الطفولة، والسلطة الطغيانية، والحرب الوحشية، والغربة في وطنه. ولو وضع القاص المعنى الجمالي الإيجابي لزهر اللوز، كزهر جميل يكلل شجرة اللوز قبل أن يتم تلقيحه، ليتحوّل لاحقا إلى ثمار اللوز اللذيذة. لكن ثمار اللوز لا تأتي كلها حلوة المذاق. هناك ثمار مرّة المذاق جدّا. وهذه الحياة الجائرة التي عاشها قاسم، بعوامل خرابها المتنوّعة، جعلت نصيبه النوع المرّ فحسب من ثمار زهر اللوز. ولابدّ أن القاص – وهو من بيئة "نباتية" إذا جاز الوصف – قد اختزن هذه الحقيقة في لاوعيه ليوفّر له عنوانا ً ورمزاً مزدوج العنوان يعكس حالة الخراب الشاملة. وبعيدا عن هذا الإفتراض، وحتى لو كان اختيار الكاتب للعنوان قد جاء "تلقائيا" تماماً، برغم أننا نقرّ بوجود "حتمية لاشعورية" ترسم أدق تصرفاتنا وأفكارنا، فإن الإنطباع الإبتدائي الذي سيحمله القارىء عن العنوان "زهر اللوز"، بجماليته المعروفة، وثماره اللذيذة سيتصادم مع الحرقة الإستقبالية المقبلة التي ستنبني على المعنى الكلي بعد إكمال النص، والمتمثل في ضياع زهر اللوز وسحقه في حياة قاسم، في الواقع من خلال جور السلطة والإنفصال والرحيل والحرب، وفي الطبيعة من خلال غولة الحرب التي خرّبتها وصبغت الزهور بدم الضحايا.

 

 اللغة سجينة اللاشعور:

وحين أؤكد كثيرا على الدور الحاكم للعامل النفسي، ليس في تحديد أسلوبية الكاتب واختياراته النصّية وانتقاء موضوعاته حسب، بل حتى في تصميم الجملة وتحويل الفكرة إلى شكل لغوي أيضا. فلو قرأ أحد القرّاء المقطع التالي الذي يصف فيه القاص حال قاسم لوجده لعبا لغويّا وحتى فارغاً:

(مرّ بشاب سكران، وبامرأة مع رجلين، وبرجلين من دون امرأة.. مرقت سيارة للشرطة، وأخرى ليست للشرطة – ص 13).

فما معنى هذه التراكمات "اللغوية": سيارة للشرطة وسيارة ليست للشرطة؟ وامرأة مع رجلين وامرأة ليست مع رجلين.. إلخ؟

إن القاص هنا – من وجهة نظري – يحقق أعلى درجات "التماهي – identification" مع محنة بطله، متمثلا معاناته بإخلاص وعمق جارحين، وكأنه هو الذي انسلّ الآن من المطعم بعد آخر خيباته حين فقد الورقة الوحيدة التي كانت تشيع في نفسه الإطمئنان أمام العالم المتغير بلا هوادة. إنسلّ منكسرا خائبا وقد اختنقت روحه بإحساس ماحق بخواء العالم الشنيع، فلم يعد هناك بعد من معنى لحركة الاشخاص التي لا تزيد على مرور امرأة مع رجلين أو رجلين من دون امرأة.. ولا دلالة مميزة لحركة الأشياء من حوله فهي ليست أكثر من حركة سيارة للشرطة وأخرى ليست للشرطة. وقبل هذين المشهدين الفارغين مشهد شاب سكران ضائع كضياع كل الأشياء وبعدهما مشهد امرأة عجوز مخبولة نائمة على الرصيف متدثّرة ببطانية قديمة، ومع كل هذه المشاهد تبدأ آخر المطاعم بإقفال أبوابها ويتلاشى صوت "أحمد عدوية"، ويستوحش الشارع، ويسدل الستار الأسود على معنى الحياة، ويجلس قاسم في ظلمة شارع الرشيد مقرورا ونعسانا ومهملا ووحيدا.

 

 محلّية النص هي روح قبل كل شيء:

وقد يعتقد البعض من المتلقين أن ذكر اسم "شارع الرشيد" هو من العوامل المهمة التي ستضفي سمة "المحلّية" على هذا النص، لأن القاص لم يقدّم، قبل ذلك، قرائن كافية تجعلنا نتعرف على "عراقية" المكان. لكن هذا فهم مبتسر ومجتزأ عن الكيفية التي "يُتمثل" فيها المكان في النص السردي. فبالإضافة إلى تمثيل المكان عبر القرائن "المادّية"، فإن الجانب الأهم، هو أن يُتمثل من خلال ملامح الشخصيات وطباعها وأرواحها المعذّبة. وصحيح أن سياق الإستهلال بعودة الغائب المتوجّس يمكن أن يحصل في أي قصة محلية او أجنبية، لكن التحضير الأولي لإيحاءات اسم الكاتب – ولهذا ينبغي أن لا يموت المؤلف – وجهة الإصدار والكتاب ومكان القراءة، برغم أهميّتها، لم تغن عن "قاسم" خلاصة التجربة العراقية المهولة التي تجعل الولدان شيبا. قاسم أنا، وأنت، وبلاد الخراب، وزهر اللوز المتساقط على ذرور الدم في مساءات الحرب التي بلا نهاية.

 

 نصوص الخيبة والإنتظار:

والآن، وبعد أن حدّدنا الموضوعة المركزية التي تتأسس عليها بنى نصوص المجموعة عن طريق تحليل النص الإفتتاحي، وهي: الإنتظار وما يرتبط بها من مقدّمات، وما يترتب عليها من مضاعقات، كالغياب والخيبة، وصراع اليأس والأمل، وتشوّش الذاكرة، والعامل العراقي الآخر الذي أشعل فتيل كل الإنتظارات والغيبات والخيبات وهو: الحرب، دعونا نمضي سريعا في وقفات محسوبة مع نصوص المجموعة الثمانية عشر المتبقية:

 

 قصة "في أقصى الفردوس":

تكونت هذه القصة من قسمين:

احتمال غير مؤكد (1)

احتمال غير مؤكد (2)

والقاص عن هذا الطريق يضاعف الإحتمالات غير المؤكدة ؛ احتمالات الإنتظار، في حياة بطله الذي (بمحاذاة السياج الشجري نقّل خطواته. بدا حذراً كما لو أنه كان يتوقّع أمراً ما، لا عهد له به، سيحصل – ص 15).

والبطل "الشاعر" هنا ينتظر حبيبته الغائبة في الحديقة التي كانت تشهد لقاءاتهما، والمقعد الأثير الذي كان يحتضن أنبل اسرارهما (يوم كانا يحتميان، من أذى العالم، بسورٍ من أغصان الليمون، ويباركان الحياة بالقصائد والقبل والضحكات – ص 16).

 وقفة: أين أصبحت الطبيعة في النص السردي العراقي الجديد؟

ومن سمات هذه المجموعة أن نصوصها تحفل بصور من الطبيعة كعنصر فاعل في النصوص وتأثيث المكان. وستلفت انتباهك – وبقوة – المعرفة التفصيلية للكاتب بمكونات عناصرها وسماتها من لون وطباع. ومن وجهة نظري تمثّل هذه المهارة واحدة من المقومات الكبرى التي بدأ بفقدانها - بل فقدها فعلا – جيل كامل من كتاب القصة والرواية، لا في العراق حسب بل في الوطن العربي والعالم. فالإنسان يعيش حالة انفصال شبه كاملة عن الطبيعة. وصار النص السردي – تحت أغطية الحداثة – يأتي "يابسا" فاقدا لرواء الطبيعة ونسغها المنعش. وبسبب نقص إمكانات الساردين في معايشة الطبيعة ومعرفة مكوناتها، صارت وقائع النصوص تجري في الغرف الكابوسية المظلمة والكواكب البعيدة والزنازين والأقبية وغيرها. والكثير يجري في أماكن فنطازية متخيلة. وحين يتناول القاص "مكانا" فعليا ما، تجده فقيرا جدا في توظيف مكونات الطبيعة من شجر وأزهار وأنهار وأعشاب ونخيل وثمار.

وصدقوني، كنت اسأل الكثير من الأصدقاء الساردين الشباب عن زهرة الدفلى أو الجهنمية أو طائر الزاغ أو أنواع من التمور فلا يستطيعون وصفها لأنهم لم يروها ! جيل كامل يعايش الطبيعة والأمكنة عموما عبر شاشات التلفاز وصور المجلات. وبيطبيعة الحال فإنني لا أدعو إلى إقحام الطبيعة ووصفها حين ينزل البطل لشراء قميص أو فرشاة اسنان على طريقة كتّاب الواقعية الفجة، بل أدعو إلى أن تلتقط عين السارد المكان كلّه، ويوظّف مكوناته الطبيعية بما يخدم الموقف النفسي والفني للشخصيات وصراعاتها. أما سعد محمد رحيم فهو ابن الطبيعة التي تربّى في أحضانها طفلا وصبيا، ومازالت ذاكرته متّقدة بمشاهدها و"انفعالاتها" الذاتية الواقعية، و "تفاعلاتها" المصنوعة ببراعة مع شخوصه في نصوصه القصصية والروائية (لاحظ عناوينه فقد بدأ بـ "ظل التوت الأحمر" قصصيا، و"غسق الكراكي" روائيا). وفي استهلال هذه القصّة وبعد أن يصور لنا حركة الرجل المرتبكة بمحاذاة السياج الشجري للحديقة، يشغّل بعضا من مكونات الحديقة لتشارك الرجل الخاسر والذي اصطادته دائرة الإنتظار المفرغة مراراته:

(الرحاب النادر لأزهار الجهنميّة، والرذاذ الشذي للرازقي، والآس بأناقته المشذبة الراسخة ؛ هذه الأشياء كلها غمرته بحزن نائح، وجعلته يرمي سيجارته أرضا ويدوسها، ويركل حصاة صغيرة كانت على طريقه. وفي ثنية ما جد غائرة، من ثنيات روحه، تألق ضوء مؤسٍ باهر لجزء من الثانية لمّا أنّ باب الحديقة الخشبي وهو يدفعه ليلدلف. ثم انطفأ الضوء، وسبحت ثنيات الروح في قتامة موحشة، فألفى نفسه على فراش كثيف من العشب، تحاصره سكينة ساعة العصر فحدس أن لا أحد دخل هذه الحديقة منذ زمن طويل – ص 15).

وفي الكثير من النصوص يوظّف القاص مكوّنا طبيعيا يكون بؤرة تلتم فيها خيوط الحوادث وانفعالات الشخصيات، وتلعب أحيانا دور فاعلٍ أساسي فتكون "شخصية" مضافة بعد أن ينبري الكاتب لأنسنتها وشخصنتها. هناك – على سبيل المثال – غصن شجرة الليمون في هذه القصة، والسدرة في قصة "رؤيا رفل"، وشجرة التين في "الجحيم مرّة أخرى"، وزهر اللوز في القصة التي تحمل الإسم نفسه والتي حللناها قبل قليل.

 

 عودة:

وفي هذه القصة "في أقصى الفردوس" تلاحظ أيضا "الدقة" و"الوحدة" و"عدم نسيان" القرائن التي يتمتع بها القاص والتي تحدّثتُ عنها في القصة السابقة. فقد تكلم في الإستهلال على ثلاثة مكونات طبيعية هي: أزهار الجهنمية والرازقي والآس، وها هو يعود قبل نهاية القصّة ليصف حركة الطفل "نور" إبن المرأة – الطرف الثاني في القصة – وهو يركض نحوها:

(ركض نور محاذاة السياج البشري. رأته جزءا من رونق أزهار الجهنمية وشذى الرازقي وأناقة الآس – ص 20).

وهذه الإعادة تعزّز في ذاتك الإحساس بأن "نور" الراكض جذلا في الحديقة/ الفردوس الضائع، هو "ثمرة" الرجل الغائب الذي ركل في الإستهلال (حصاة صغيرة كانت على طريقه) ساخطا متذمرا من ثقل غياب حبيبته والإنتظار؛ هذه الحصاة الصغيرة سيتعثر بها "نور" وهو يركض مستجيبا لنداء أمّه فيسقط بين ذراعي "الرجل":

(كرّرت النداء:

-نور..

عثر نور بحصاة صغيرة، وسقط ليجد نفسه فجأة، بين ذراعي رجل، غمرته أنفاسه الحارة فبدا قلقا، غير أنه لم يعترض – ص 20).

هذه الحصاة الصغيرة، هي حصاة المصائر التي تتهشم عليها آمالنا وحيواتنا. والمرأة هنا "تستوهم" رجلها الغائب في هيئة الرجل الحاضر فعلا:

(قالت: إنك الآن أمامي.. وبيننا نور.

وكان نور ما يزال على ذراعيه، مستكيناً حائراً، فقال بنبرة مشروخة، وهو يضع الطفل أرضا:

-هذا، إذا كنت أنا.. هذا الواقف أمامك – ص 21).

 

 وقفة فنّية.. راجعوا نصوصكم قبل نشرها:

قلت إن قصة "في أقصى الفردوس" تقوم على "حركتين": احتمال غير مؤكد (1)، واحتمال غير مؤكد (2). لكنها في الحقيقة تتكون من ثلاث حركات حيث هناك حركة ثالثة هي: "احتمال من الجائز تأكيده". لاحظ تخطيط القاص الواعي لكل اختيار. فالإحتمالان الأولان غير المؤكدين كانا في حكم الإستحالة.. مستوهمين. يصحو في الأول الرجل بعد حلم عتاب واشتباك عنيف مع امرأته (كان يشعر بالخوف، وبالرغبة في الإبتعاد –ص 18)، وفي الثانية تستفيق المرأة بعد حلم انقضاض واشتباك عنيف أيضا مع رجلها الغائب: (تستحضر هذه الآونة... شيئا آثما وقدسياً، عنيفا وعميقا وناعما ومباركاً.. وهو بعيد بعدا لا سبيل للوصول إليه، وقريب، غاية في القرب، حتى لا يمكن رؤيته البتة. تتمدّد على العشب، وتقرّر البقاء – ص 30).

وبخلاف الرجل الذي يقرر ان يبتعد خائفا، تستلقي المرأة – برغم عذابها - مسترخية وتقرر البقاء، لأن المرأة أكثر حقيقية وإخلاصا من الرجل عادة.

في الإحتمالين غير المؤكدين، لا يوجد اي مؤشر واقعي، يفصل في التشوّش الإستيهامي. يقف كلّ من الرجل والمرأة أمام لعبته الإستيهامية التصدّعية. أما في الإحتمال الثالث والأخير فقد صار (من الجائز تأكيده) لأن طرفاً "واقعيا" قد أُدخل إلى دائرة اللعبة برغم السلوك التصدّعي للمرأة. هذا الطرف يتمثل في طفلها "الثمرة": نور، والرجل الذي استقبل تعرّف المرأة عليه بضحكة صاخبة، وتمنّى أن يكون حدسها في محلّه.

ولو تأملنا عنوان القصّة "في أقصى الفردوس" فهو، في الظاهر، يعني الهناءة والمسرة الباذخة.. بل أقصاها وأعلى مستوياتها. ولكن حين تمضي مع القاص ستجد هذا الإستنتاج الأولي مغلوطا تماما. وهذا دليل مضاف على خطل أطروحة أن "العنوان ثريا النص" حين تُفهم على اساس أن "المكتوب يُفهم من عنوانه". يلعب العنوان دوره في إطار الصورة الكلّية (الجشطلت – gestalt) حين يوضع في موضعه ضمن إطار هذه الصورة وفي شبكة علاقاته بالمكوّنات الأخرى. فبخلاف ما أوحى به العنوان المباشر كان شخصا القصة: الرجل والمرأة، في أقصى الجحيم فعليا، وفي لب الفردوس استيهاميا كرجاء ومنفذ خلاص وهدهدة لجروح الذات التي لا شفاء لها:

(.. غابت عن العالم لحينٍ من الدهر. لكنها حين استفاقت على أنين الأرض الباردة، وخشخشات النجوم وهي تغمزها من بين أوراق الليمون، كانت مفعمة بالغبطة، والرغبة في البكاء، تشعر في أقصى روحها بحضور الفردوس ؛ الفردوس الساحر والعصي. الفردوس المُحال – ص 19).

لكن لماذا تعمّدتُ أن أشير إلى الإحتمال الثالث / الحركة الثالثة من القصة بصورة منفصلة؟

والجواب هو أن هذا "الإحتمال" جاء مطبوعا كعنوان بحرف عادي، وكأنه جزء من الحركة الثانية، بخلاف الإحتمالين السابقين اللذين طُبعا بحرف بارز جعلهما يظهران كحركة مستقلة ومنفصلة. وهذا يؤكّد ما قلته مرارا عن أن من الخطأ أن لا يراجع الكاتب العراقي "بروفات" كتابه، ويترك الأمر للناشر كما يحصل مع الغالبية المطلقة من الكتاب العراقيين في الوقت الحاضر.

 

 عودة.. كل شيء زاد حدّه صار ضدّه:

تحدّثت كثيرا عن ضرورة أن تكون للقصة لغتها، وللشعر لغته. وحين يكون ضروريا أن يستخدم القاص اللغة الشعرية في موقف معيّن فعليه أن يستخدمها بجرعات ومقادير محسوبة لأسباب كثيرة يمكن مراجعة آخر دراساتنا (حينما تصبح الشعرية مصيدة للسردية: رواية "ذاكرة أرانجا" أنموذجا) والتي نُشرت في موقع الناقد العراقي، للإطلاع على جانب منها.

جاء استخدام سعد محمد رحيم للغة الشعرية موفقا ومحسوبا في أغلب النصوص، بل إن استخدام اللغة الشعرية، خصوصا في نصوص علاقات الحبّ والإنتظار المجهضة والمحطمة، صعّد حرقة نفوسنا المستجيبة والمتعاطفة إلى أقصى المستويات. لكن، وحسب الحكمة الشعبية الباهرة، فإن كل شيء يزيد عن حدّه يصبح ضدّه، وعن طريق هذا الإفراط تصبح "الشعرية" مصيدة "للسردية" كما قلت كثيرا. خذ هذه الأمثلة:

- يصف القاص المطر الثقيل:

(المطر يزيد من سطوة سقوطه، مثل حصان أغرته فتوته فانطلق لا يلوي على شيء – ص 26).

ومن وجهة نظري المتواضعة، لا علاقة للوصف بالموصوف، وصار التعبير لعباً لغوياً لا تُنكر فتنته.

-يصف حشداً احتفالياً للغجر فيقول:

(لا أحد يشاهد هذا الحشد المتآزر من الحمير إلا مع قدوم الغجر ؛ خيول قليلة تزهو في خبب راقص وسط الحضور المذهل في رتابته وسلامه للحمير.. وكلاب متبخترة تحيط بالدائرة الآىسرة – ص 42).

ولم استطع فهم السلام المرتبط بالحمير !

-ينقل لنا حواراً بين راوي قصة "الغجر.. إن يجيئوا ثانية"، وامرأة غجرية عرّافة تقرأ الأفكار:

(في ليل الجائحة ذاك كنتُ أتلفت.. قالت الغجرية:

-الحرية أن لا تخاف.

قلتُ: سأجىء معكم.

قالت: لن تستطيع لأنك لم تُجن بما فيه الكفاية.

قبّلتُ شلال الحليب على ساقيها – ص 43).

وكنا نزور مخيمات الغجر في أيام المراهقة ومقتبل الشباب النزقة المنهوسة بالتفريغ الجنسي المُلح، ونمضي الليالي العذبة بينهم، فلم نجد غجرية واحدة تقرأ وتكتب على الإطلاق، ولم تكن تصلهم صحيفة أو مجلة أو كتاب. ولا أستطيع أبداً استيعاب فكرة الحوارات العالية التي وضعها القاص على لسان الغجرية.

والقاص نفسه تحدث قبل ذلك عن الغجرية كامرأة تأتي راكبة حمارها. ولكنه يضفي عليها أدواراً "شعرية" خارقة:

(من هناك جاءت تمتطي حمارها، هائجة في عنفوان الماء عند المضائق المباغتة – ص 42).

فأي عنفوان مائي تهيج فيه غجرية على ظهر حمار، وفي أي مكان تكمن مضائقها المباغتة؟

-أمّا في قصّة "الحافلة" فهناك الشروحات والتعليقات الشعرية البرقية إذا ساغ الوصف، التي تلحق ببعض المفردات، فتربكها وتشوّش مسار اللغة السردية، والمعاني التي تبغي توصيلها. ففي السطر الأول من القصة يصف الراوي صعوده الحافلة:

(وأنا أهمّ بصعود الحافلة "الحافلة كينونة قابلة للدوران والمواربة والإقلاع والترهيب والهمود" سألتني امرأة عجوز:

-ما رقمها؟

حدقت فيها باستغراب وقلت:

-لا أدري.

غمغمت. لعلها شتمتني. لم أهتم. قطعتُ تذكرة "التذكرة ورقة رهان"، وارتقيت السلّم "السلّم التواء مريب" إلى الطابق العلوي.. جلستُ إلى النافذة "النافذة مرآة لأكذوبة تتغير".. امتلأت المقاعد ثم الممر "الممر مسار اعتباطي"... انتفضت الحافلة "تخيلتها تقطر دماً فهي حمراء مذبوحة".. انهمر المطر "المطر استرسال هش غير مؤكد"... تناهى صوت بكاء طفل "الطفل بياض مشاكس، ضروري" وعبْر الرصيف "الرصيف خط مجتث من مجال الحواس"... من ص 85 إلى ص 89).

وأرجوكم لا تحاولوا حشو دماغي بتبريرات عن الشعرية واللغة المتعالية وضرورات إسقاطات المربّع الأزرق، فأنا لست حماراً نقديّاً يحمل أسفاراً سردية على كتفيه. لدي أكثر من ثلاثين كتاباً نقدياً، وأتابع تطوّرات المناهج النقدية العالمية، وأقرأ الشعر والقصة منذ أربعين عاما.

 

 وقفة عند لعبة الإيهام:

ويوظّف القاص لعبة "الإيهام" في الكثير من نصوصه. محكوما في غالبيتها المطلقة بنتيجة طبيعية تترتب على تسلسل سلسلة الغياب والإنتظار المفتوح المدمّر، حيث لا يبقى من علاج غير أن نستحضر "الغائب" أو "الغائبة" من أذهاننا، ونستوهمهم في خيالاتنا وأحلام يقظتنا بطريقة قد تصل حدودا "ذهانية / جنونية" حين لا يقرّ المجموع المراقب الوقائع التي يتعامل معها الفرد المُمتَحن، وحين يسلك هذا الفرد سلوكا عمليا وواقعيا مع غائبه المستوهَم. اتبع سعد بتوفيق عال هذه اللعبة في قصص هذه المجموعة: "رؤيا رفل" و "الغجر إن يجيئوا ثانية" و "أحابيل المساء".

وفي بعض النصوص، يعمد القاص إلى استخدام هذه اللعبة لتجسيد الواقع النفسي والعقلي التصدّعي لبطله، ولتصوير الواقع الساحق والمتناقض الذي يحيط به، فيجعل الموجودات تتكاثر بصورة خرافية مرعبة، والوجوه تتلاشى، والوجود الشخصي يضمحل كما في "الجحيم ربّما" و "اللغز"، أو حين تُقاد الجموع قسراً وبلا رحمة لتتجه بقوة متسلطة مرعبة نحو قدر مفتوح كما في "الحافلة". أو قد تكون جزءا من عملية تصدّعية تحاصر الشخصية وتعود في معظمها إلى مشاعر مُسقطة مؤرقة من الشعور المهلك بالذنب – guilt feeling، كما في "الكلب.. الكلب" و "ذلك الوجه" و "في انتظار البرابرة". وفي "الكلب.. الكلب" يعبّر الرمز الحيواني عن قوّة معاقبة وراصدة تطارد الفرد صاحب الوجدان الآثم، الذي تلاحقه الكلاب أيضا والآخرون في "الطريدة والآخرون".

وفي الكثير من المعالجات القصصيّة التي يوظّف الكاتب فيها لعبة الإيهام، نجده يزاوجها بتقنية فنطازية أخرى هي لعبة "القرين" الذي يمثّل في أغلب الحالات جزءا من الجهاز النفسي، ينفصل بفعل طعنات الواقع الجائر الممزقة التي تصيب العقل فتصدّعه. يحصل ذلك في قصّة "ربّما في مكان آخر" و"الكلب.. الكلب" و"ذلك الوجه" و"الشاهد". ففي قصة "ذلك الوجه" مثلا، ينفصل الأنا الأعلى / السلطة المعاقبة الداخلية وعين الرقيب التي لا تنام في دواخلنا، فيطارد الشخص من مكان إلى آخر، وينهكه، ويشلّ قدراته الإبداعية على الرسم. وعبثا يحاول الهرب والخلاص بتغيير مسكنه أو تسمير النوافذ:

(أنا قدرك.. اللعنة التي اصابتك.. ولن تنجو – ص 99) و (إلى أين أيها الجرذ؟ أنا موتك البطىء. وسأطاردك حتى وإن وصلت إلى آخر الدنيا – ص 100).

ولم يستطع الظفر في هذه اللعبة المنهكة والجنونية إلا بعد أن تأكّد – ومن خلال استجابة الناس المحيطين به، اللامكترثين، والذين يصمونه ساخرين بالجنون – أن مخاوفه محض هذاء في الخارج، وأنها تنبع من الداخل، وأن عليه أن يقتل هذا الأنموذج "الأبوي" الخاصي أصلا، بالقدرة التي يبغي شلّها وإخصائها وهي القدرة الإبداعية. أن يقضي على الوجه المخيف المطارِد بالفرشاة.. يرسمه ويمحوه على نفس لوح الخشب الذي اشتراه ليقتل به حرّيته:

(الضربات الأخيرة كانت رشيقة تنم عن حيوية واعتداد. راح الوجه على إثرها يرتخي.. ينحل.. ويموت – ص 102).

 

 لعبة "التكثير" المخيفة تُبتذل.. ولكن:

في أكثر من نص من نصوص هذه المجموعة استثمر القاص ما يمكن أن نسمّيه "لعبة التكثير المخيفة" إذا جاز الوصف. يتكاثر واحد من مكوّنات القصّة، ويكون مخيفا بطبيعته أو ذا دلالات مخيفة عادة، ويكون تكاثره الملاحق في نهاية القصّة عادة، فيعصف بوجود الراوي أو محيطه، ويرتفع بحركة الحوادث والدلالات إلى ذروتها. لكنني أعتقد أن تكرير هذه الطريقة في أكثر من نص واحد وفي مجموعة واحدة يؤدي إلى ابتذالها، مثلما يخلق إحساساً لدى القاريء، وكأن الكاتب يريد التخلّص وإنهاء القصّة عن أي طريق مؤثر في نفسه. في قصة "الكلب.. الكلب" يحاصر نباح الكلب الراوي الموسوس الهذائي ويخرّب حياته. وفي النهاية تتكاثر الكلاب.. واحد.. إثنان.. مئة.. لتؤذن بلحظة التصدّع الهذياني "الجنوني" النهائي. وعملية التكثير المرعبة هذه تستند إلى المكوّن الأساسي في القصّة وهو الكلب فتأتي نهاية متسقة. أما في قصّة "الطريدة والآخرون" فيتحدث الراوي عن ولوجه متاهة المستنقعات هرباً من مطارديه. ومع تقدّم الزمن، وتفاقم النزف من ساقه المصابة برصاصة، وانهيار قواه، تبدأ عملية الإحتضار التي تبلغ قمتها مع هجوم الكلاب... آلاف الكلاب عليه:

(وبغتة وثبت من المغارات كلاب سود مجنونة.. آلاف الكلاب الضارية الجائعة. حاولت أن أمدّ يدي علني أتقي، يائسا، اندفاعتها الوحشية، فلم أستطع.. عندئذ شعرت بالأرض تحتي تنشق ويتلقفني الفراغ، فرحت أغوص.. أغوص – ص 74).

وفي قصة "ذلك الوجه" يتكاثر الوجه الساخر العابث المهدد الذي يحاصر الراوي في كل مكان، ويتكاثر في الحركة السابعة من القصة إلى ما لا يُحصى من الوجوه في الشوارع والساحات والمواخير والجوامع (ص 100).

حالة التكثير "الإيجابية" الوحيدة هي الحالة التي صوّرها القاص في قصة "شاعر" التي يُعتقل فيها شاعر ظلماً وطغيانا. وفي الزنرزانة تتفجّر في روحه ينابيع الشعر، ويخط بقلم رصاص وجده في قاع جيبه على الحائط قصيدة سمّاها (أشجان البنفسج). وبعد هدم السجن (وفجأة من بين الأنقاض انبجست آلاف من أزهار البنفسج الرائعات – ص 146).

وهي نهاية تكثيرية باهتة. لماذا؟ لأنها عولجت عشرات المرات في القصة والشعر والسينما والمسرح ؛ أن يتكاثر شيءٌ ما كرمز لقوة الإرادة المقاوِمة ولمواجهة الفناء والإستبداد.

ولكن.. محاولة التكثير المخيفة الخلّاقة هي التي نجدها في قصة "اللغز" التي تتحدث عن رجل يعود إلى بيته وزوجته بعد أربعين يوما من الغياب (بحكاية أدهى من أيّ كلام – ص 155). "عاد نحيفاً فاقداً عافيته في لغز الغياب". ثم يحصل شىء يثير الدهشة والرعب، فكونه أكثر ضآلة من قبل، هو أمر اعتيادي جدا. لكنه بدأ يتضاءل بصورة متصاعدة حيث صار يقصر عشرين سنتمترا كلّ شهر. كانت زوجته تصرخ: ماذا فعلوا بك؟ وهو يكتفي بإغماض عينيه وإطلاق دموعه السخينة. (بعد أشهر قليلة، صار في حجم طفل لم يتعد سنته الأولى – ص 157)، فحملته زوجته على ذراعها وخرجت به إلى الناس، وسط دهشتهم واستغرابهم وعدم قدرتهم على تقبّل فكرة أنه طفلها أو زوجها أو حبيبها. حاصرها رجال يحملون البنادق، وطلبوا منها العودة إلى بيتها. لكن بدأت نساء لا حصر لهن بالخروج من الشوارع الفرعية، وهنّ يحملن على أذرعهن مخلوقات ضئيلة تصرخ بنفس صرخة الرجل الأول:

-انظروا لهذا الذي يجري وحلّوا اللغز.

طوابير طويلة تصرخ وتتجه إلى ساحة المدينة من غير أن يجرؤ أي كان على إيقافها – ص 158 – نهاية القصّة).

 

 جرأة.. ومداخلة حول هويّة النص:

ينبغي أن نشير أولا إلى أن تاريخ كتابة القصّة المثبت أسفلها هو (1998 م)، وكتابة مثل هذه القصّة آنذاك هي علامة شجاعة للقاص لأسباب معروفة حيث كان يمكن تفسير هذا النص، وتأويله ضد السلطة القائمة آنذاك بما يورّط الكاتب ويدمّر حياته. وثانيا، تثير هذه القصة مداخلة نظرية في غاية الخطورة، وتتعلق بأطروحتين غربيتين: أطروحة موت المؤلّف، وأطروحة الفن للفن. ولدى تأملي العميق في بعض قصص المجموعة هذه ثارت في ذهني ملاحظة شديدة الحساسية وتتعلق بما يكاد يكون ظاهرة في النص القصصي الذي يُكتب في العراق خلال العقود الثلاثة الأخيرة بشكل خاص. فما لاحظته هو غياب "مرجعيّة المكان"، بمعنى أنك تنهي القصّة وأنت لا تعرف على أي أرض تجري هذه الواقعة التي يتحدّث عنها القاص؟ حتى الشخوص بلا أسماء ولا ملامح محلّية خاصة بهم تكشف هويّاتهم؟ الشوارع والأحياء والمدن يمكن أن تكون في اي مكان أو بلاد على هذه المعمورة ! وحين يكون الأمر كذلك يضعف حتما ارتباطك بالقصة بدرجة كبيرة من جانب ويتضاءل فعلها النفسي في داخلك كقارىء له انشغالاته وهمومه الخاصة وأنظمة تلقّيه المحكومة ببنيته العقلية وخلفيته الإجتماعية والثقافية (شفرات الثقافة كما يقول ميشيل فوكو) من جانب آخر. إذن كيف سيعرف القارىء العراقي أن هذا النص لكاتب عراقي أو مُنتج في العراق أولا، وأن الطغيان الذي يمسخ حياة البشر ويدمرهم بالخوف والتعذيب والقهر والإذلال قائم على هذه الأرض ثانيا، أي أن القصّة "قصّته" وليست قصّة عن أي جلاد وأي ضحية هندي أو كولومبي أو روسي أو عربي.

إن القرينة الأولى التي تفصل في هويّة النص هي اسم القاص المثبّت على غلاف المجموعة أو على القصّة. فهي قصّة اللغز من مجموعة زهر اللوز لسعد محمد رحيم. أما القرينة الثانية فهي مكان القراءة. فأنا أقرأ المجموعة الآن في بغداد وهي مكان عراقي يعدّني نفسيا لإحالة النص إلى مرجعية عراقية. ولو قرأت هذه القصة وهي غفل من الإسم، وباللغة الإنكليزية وفي لندن مثلا فإنها قصّة إنكليزية مئة في المئة. وسيضيع حق "المؤلف" سعد محمد رحيم إلى الأبد. وهنا تتكشف أهمية العوامل التي اشرت إليها عن مرجعية المكان وأسماء الشخصيات وملامحهم "الوطنية". وهنا أيضا تتجلى عظمة جهد الراحل الكبير "غائب طعمة فرمان" بشكل خاص - ويليه فؤاد التكرلي ثم جاسم الهاشمي على سبيل المثال، ولكن لا ينطبق على عبد الملك نوري مثلا – الذي كان يرسم بإخلاص ومعاناة ملامح المكان التفصيلية، ويحرص على اختيار مسميات الشخصيات وسلوكياتهم بما يعكس هويتهم. أما الرائد الأكبر في هذا المجال عربيا فهو نجيب محفوظ بلا منازع. في "الجريمة والعقاب" يبقى راسكولينيكوف روسيّاً، وتبقى سونيا روسية، برغم أن مثيلات معاناتهما موجودة حولي. فاسم الكاتب وأسماء شخوصه، ومرجعيات المكان كلها روسية، ولن تُغني مشتركات الهموم الإنسانية بيننا عن اعتبارها رواية روسية. وبهذا، وعليه، فإن المؤلف لا يموت، والفن لا يُفصل عن حاضنته الطبيعية إلا في حالة واحدة هي أن يكون الأدب "عولميا" مثل أي سلعة تعبر الحدود في ظل العولمة. وهذا ما تريده المرجعيات الكولونيالية فعليا ً. إن هذه المداخلة ليست ذمّاً لنصوص سعد محمد رحيم، لكنها ثناء على جهد سردي يفتح مثل هذه الآفاق الشائكة والإشكالية.

 

 قد تكون الثقافة الموسوعية.. مصيدة:

في قصة "في انتظار البرابرة" استعار سعد عنوانا ضخما بليغ الدلالات، سبق أن ابتكره شعراً الشاعر "قسطنطين كافافي" في قصيدته الشهيرة التي حملت العنوان نفسه، وختمها بالبيتين الذائعي الصيت:

(والآن؟ وبدون البرابرة، ما الذي سيحدث لنا؟

هؤلاء البرابرة كانوا حلّاً من الحلول)

ثم استخدم الروائي الجنوب أفريقي (ج. م. كويتزي) هذا العنوان لأشهر رواياته، التي ترجمتها المترجمة البارعة "ابتسام عبد الله" للعربية، وهي (في إنتظار البرابرة). وقد استعار سعد هذا العنوان البليغ لقصة عادية من صفحتين عن بخيل سئِم ضجِر، تحاصره رائحة الوحشة، ويغفو على تل من النقود، يقتحم عليه غرفته ثلاثة مسلحين.. إلخ.. فشتّان بين القصة والنصّين السابقين. وما استعارة العنوان سوى انسراب لفائض معرفة الكاتب المعروف بثقافته الموسوعية.

-في قصّة (ربّما في مكان آخر) يحاول القاص توظيف العقدة الأوديبية متشابكة مع لعبة القرين والإيهام بنجاح. لكنه يصف "معنى" لقائه بقرينه الغريم فيقول:

(عرفته على الرغم من نظارته السوداء وعصاه التي يكمل بها لغز سوفوكلس – ص 23).

ثم يحدّثه قرينه في اللقاء عن الكيفية التي رفعه بها في حديقة المدرسة ودار به ولم يُسقطه:

-كنتُ أحلم أن أكون مثل "عدنان القيسي" –ص 26).

ويضع هامشا وافيا يعرّف به بعدنان القيسي. والمفارقة تكمن في أننا صرنا نكتب قصة لا نعرّف بها برموز اليونان المعرفية، ونعرّف بها بالرياضيين العراقيين. قد يقول قارىء بأن القاص إنما كان يعرّف بالرياضي العراقي لأن الجيل القارىء الحالي لم يشهد زوبعة القيسي التي تمت بتخطيط من القيادة العراقية آنذاك لإشغال الناس. وهل القاص مطمئن تماماً إلى أن الجيل القارىء الحالي يعرف سوفوكلس، ناهيك هن لغزه؟!

 

 الدقّة المفرطة:

وهناك ما أسمّيها بحالة "التعالم" أي أن الكاتب يقدّم معلومات لا تقدم ولا تؤخر، سوى أنه يعرفها، أمام القارىء، تعزّز إحساسه بقدرته الكلية على المعرفة والإخبار. ففي قصة "نزوة الطرائد" يخبرنا بأن المطاردين كانت ترافقهم ثلاثة كلاب (واحد أسود، والآخران أشهبان) (ص 76). ترى ما الذي سيحصل إذا كانا أحمرين؟

هذه الدقة المفرطة أو المسرفة في الإفراط تحصل لدى الكثير من الكتاب. مرة قال القاص الراحل غازي العبادي في إحدى قصصه: خرجت أرشُّ ساحة البيت بخرطوم ماء طوله 25 مترا !! وكاظم الأحمدي: دخلنا الحديقة نمشي على رجلينا !.. وغيرها الكثير.

وفي القصة نفسها، وبعد أن تلدغ أفعى سامة أحد المطاردين، وتقتله، ويبقى خمسة منهم، يقول الراوي:

(في ليلتهم الأولى نام كل منهم ساعتين، ليحرس الإثنان الآخران.. – ص 77). من هم الإثنان الآخران؟ وهل هم ثلاثة؟

والغريب هو نهاية هذه القصة. فبعد مطاردة مريرة ومرعبة قام بها الرجال الستة لطريدتهم "الرجل الطويل"، بقيادة الرجل ذو الندبة الفظ، والمتوحش، صاحب الغليون، وبعد موت المطاردين واحدا إثر الآخر، يختم القاص قصته بالقول:

(جاء الليل ورحل، ثم دار نهار وليل آخر، ولمّا أشرقت الشمس دخل محطة الصحراء رجل طويل يحمل بندقية، ترافقه ثلاثة كلاب شبعانة وقوية ومطيعة. وقف ثمة، تحت أشجار الإثل والكالبتوس، يدخن الغليون.. وينتظر القطار – ص 84).

وأعتقد أنها خاتمة "سينمائية" أكثر منها عملية تتسق مع مسار القصة المتصاعد، ولا تجيب على الكثير من التساؤلات.

وأما في قصة "الطريدة والآخرون"، فلا أعتقد أن رجلا مطارَداً هاجت عليه البرية كلها بالرصاص، وأُصيب برصاصة في ربلة ساقه، وبدأ ينزف بغزارة، وتدور به الأشياء، ويدور حوله العالم.. يتأكّد وهو في هذه الحالة من أن الأرض كرويّة، وأنها تنزلق به إلى هاوية لا قرار لها (ص 69).

 

 قرآنيات:

يتحكم المخزون اللاشعوري لدى الكاتب بطبيعة مفرداته اللغوية، وتركيب جمله التعبيرية أيضا. وسعد – كما هو معروف - من بيئة أشبعت ذهنه ووجدانه بالثقافة الإسلامية، ولذا فمن الطبيعي أن تنسرب بين ثنايا لغته السردية مفردات وجمل تعبيرية قرآنية. وهذا ما لاحظته في نصوص مجموعته هذه، التي جاءت فيها هذه التعبيرات إما بصورة مباشرة قريبة من التضمين أو الإقتباس، أو مستثمرة كمعنى ودلالة:

-(لا شكّ أن شيئا ما تزحزح عن موضعه.. فغابت عن العالم لحينِ من الدهر – ص 19 – قصة "في أقصى الفردوس").

-(لن تنفد الكلمات من أجل البحر الفسيح في عيون رفل – ص 33 – قصة "رؤيا رفل" ولاحظ أن حتى العنوان يحمل مسحة صوفية).

-(سهى، أنت آخر التيه. خلاصة سلطة النساء وشهوتهن، وكيدهن الباهر العظيم – ص 42 – قصة "الغجر.. إن يجيئوا ثانية").

 

  توظيف المفردات العامية:

تبقى اللغة العامية بالنسبة للكاتب رديفا للغته الفصحى الأم، ومعينا لا ينضب يوفّر له مفردات وتعبيرات هي من القوة بحيث لا يمكن أن تحل محلها المفردات والتعيرات الفصيحة. وهذا الأمر لا ينتقص أبدا من الفصحى، ولايضعفها، خصوصا إذا تذكرنا أن العامية أسبق من الفصحى في الحياة الثقافية العربية الجاهلية. وقد لجأ القاص إلى استخدام كلمات عامية أصلا، أو أنها فصيحة ذات تداول ودلالة عاميين في ساحة الإستعمال، في مواقف فرضها المناخ النفسي المحيط بالموقف، ومستوى الشخصية وصراعاتها:

-(كانت الأرجوحة تصعد بها فتضحك.. كانت تنزل بها فتعيط – ص 36 – قصّة "رؤيا رفل").

وقاموسيا فإن الفعل الفصيح "عاط" عاطت عنقه طالت في إعتدال، وعاطاه الشيء ناوله إياه، أما في العامية فتعني الصرخة العالية.

-(وهي تعيط بالرغبة، تأخذني لأوّل التيه – ص 42 – قصة "الغجر.. إن يجيئوا ثانية").

-(كان الماء خائساً – ص 69 – قصة "الطريدة والآخرون").

ومفردة خائس من الجذر خاس أي فسد وأنتن، وقد صرنا نشعر بها عامية من ابتذال الإستعمال ونسيان أصلها المعجمي.

 

 ضمائر وشخصيات:

لقد تقاسم ضميرا السرد: الغائب (11 نصّاً)، والمتكلّم (8 نصوص)، قصص المجموعة التسع عشرة. وكان هناك تحوّل أو انتقال خلّاق بين الضمائر كما هو الحال بين ضميري المتكلم والمخاطب (في حوار داخلي) في قصتي "الطريدة والآخرون" و"الشاهد"، وكان هذا التحوّل والإنتقال محكوماً بضرورات فنّية ونفسية وتوصيلية ؛ توصيل الخطاب بأدق طريقة تحافظ على مصدره ودلالته. ونلاحظ أيضا أن شخوص كل قصّة لا يزيدون على واحد أو اثنين، وهو ما يناسب هذا الجنس السردي – القصّة القصيرة - بطبيعة الحال، حيث يتيح للكاتب تكثيف حكايته وتركيزها ولم أطرافها في بؤرة واحدة.

 

 محطّات وقطارات.. بين الواقع والتوظيف الرمزي:

وكما قلت، فهناك موضوعتان ملازمتان بصورة أساسية لمحنة الإنتظار والغياب في هذه القصص. الأولى هي المحطة التي تتكرر في أغلب النصوص فهي رمز للإنتظار (بالنسبة لسعد هو الإنتظار المفتوح أو المغلق)، وتوقّف الزمن، وركوده مثلما تجتمع فيها المصائر على اللاجدوى والخواء. في بعض النصوص تأتي المحطة لتمثل "حلّاً" لأزمة اسمها الحياة حيث تشكل "المحطة" الأخيرة لقطار الآمال السريع:

-في قصّة "رؤيا رفل"، يجلس بطلها المعذّب الذي يطارد عبثا طيف حبيبته "رفل" في محطة القطار، لتكون محطة "أخيرة" لإعادة لعبة الإنتظار المميت والعمر النازف عبثاً. وحين يفتح عينيه، ترحل حتى المرأة ذات الثياب السود، ويتيقّظ على خواء عمره والواقع الثلجي، ويكون رنين الجرس هو أداة الصحوة المتأخرة المشترك بين رحيل رفل، ورحيل قطار الخلاص:

(السدرة تنحني على بئر انكساري "أحبّك رفل". تسرع رفل الخطى لتلحق بجرس الدرس الأول، وترميني في الغموض. الجرس يدق. أفتح عيني. أرى القطار يرحل في الصقيع، والقاعة خاوية، وأنا مقرور، وغير مكترث، وبعيد – ص 38).

-في قصة "الغجر.. إن يجيئوا"، تكون محطة القطار كما هي على الحدّ الفاصل بين المدينة وفضاء محيطها. وبالنسبة للغجر الذين ياتون إلى المدينة، فإنهم ينزلون خلف ربوة السكة دوما "كأن لهم بهذه البقعة صلة سرّية" (ص 41). المحطة تقرّر حدّ "الغريب" المرهوب، والذي يخرق المألوق والمقرّر، وكأنها تلفظ تابواتها.. لكنها – بالنسبة للراوي – تلفظ في الحقيقة أحلامه النابضة بالتعلق الجنوني بـ "سهى" ؛ سهى التي – في الحركة التالية – كانت جزءا من المشهد المنتشي بندى العافية ورشح الموسيقى، المتناغم مع حركة قطارات الحياة المضيئة التي تنطلق فتكشف دائرة الغجر المجنونة بالفرح على الربوة الخصيبة، لكن الغافل عن طبول الحرب الآتية:

(هدير القطار المارق في الضياء يحجب دائرة الغجر، وحتى تعبر آخر العربات يكون المنظر كله قد تبدّل.. الغجر في الحلة الجديدة، والحمير توحي بأغنية أخرى للسلام – ص 46).

لكن حين تهوي قبضة الللعنة على رأس الوجود مترنحا في كرنفالات القنابل، تغيّر القطارات مساراتها، ويتفرّق الغجر، وتتشتّت معهم الآمال، وتُحتضر أغاني الحب.. تضيع سهى.. ويبقى العاشق المغدور شاخصا على ربوة المحطة.. ينظر إلى "تلك الجهة التي عندها الغجر ينزلون إذا ما جاءوا – ص 52".

-في قصة "الكلب.. الكلب"، يكون الكلب هو عدوّ الراوي الموسوس الذي تشير نحوه ملايين الأصابع الشبحيّة مدببة صارخة: "مجرم". ومربض الكلب في محطة القطارات التي كلّما جاءها من أجل السفر، نبح الكلب، فعدَ نباحه فألاً سيّئا، وألغى سفره. وما نباح الكلب إلا عواء العقاب على النفس الآثمة.. عواء صار يطارده في كل مكان إلى أن يجد "العلاج" على يدي الطفولة الحاذقتين الجريئتين المسلّحتين بعقار البراءة في موقفين: الأول تمهيدي حيث يسفّه الولد الصغير إبن مدير المحطة انرعابه من نباح الكلب:

(-لماذا ينبح؟

-لأنه كلب – ص 56).

والثاني نهائي، كما يُفترض حيث تقوده الفتاة الصغيرة، إبنة المدير الجديد، المتأرجحة، بفرح، إلى حديقة بيتهم ليتأكد أن لا وجود لأي كلب، وأن ما يسمعه محض هلاوس. لكن يبدو أن هدير قطار الذنوب الداخلي لا يهدأ، وسرعان ما تعود المشاعر الجرمية، لتركب وجوده ليجد ما هو أكثر إفزاعا. لقد بدأت الكلاب بالتكاثر.. إثنان.. أربعة.. عشرة.. مئة. ولم يبق أمامه من مخرج علاجي سوى العلاج الواحد المجرّب والفعّال في مثل حالات عذاب العقل والضمير هذه، وهو: الجنون.

-في قصّة "هي والبحر" – وأعتقد أنها قصة منشورة في محموعة سابقة ولا داعي لإعادة نشرها هنا - تكون العربات الخالية موقع لخيبة علاقة حب الراوي لـ "نهى". والإسم يذكّرك بـ "سهى" في قصة "الغجر إن يجيئوا"، مثلما يذكّرك بـ "رفل" في "رؤيا رفل"، لأن القصّة هي في باطنها وشكلها تنويع على أوتار علاقة الحب المجنونة المحبطة ذات اللهاث الشعري العشقي العظيم.

 

 الحرب.. أمّ الغيابات والإنتظارات المفتوحة:

أما الحلقة الخانقة اللازمة الثانية في سلسلة الإنتظار السوداء، والتي تتكرّر في أغلب النصوص، فهي: الحرب. هي أمّ الغيابات والإنتظارات المفتوحة، وقرينة محطات الخوف والوحشة والخراب. هي أيضا قطار هادر العجلات يمحق أعمارنا بلا هوادة، وينطلق أيضا في اتجاه واحد لا عودة منه، هو السكة التي لا يعود منها أحد كما كان يسمّيها أجدادنا السومريون: سكّة الموت. وليست مصادفة أن القطارات تلعب دورا كبيرا في كل الأدب المكتوب عن الحروب الحديثة (كل شيء هادىء في الميدان الغربي، الدكتور جيفاكو، الدون الهادىء.. إلخ)، فهي كذلك على المستوى الواقعي لأسباب مفهومة. وقليلة جدا هي نصوص سعد التي لا تُذكر فيها الحرب كمصدر مباشر يفرّق الجماعات ويهدم اللذّات كما تقول سيّدة الحكّائين شهرزاد:

-في "رؤيا رفل"، تخلط الحرب – ومنذ الإستهلال - ذكريات الموت والحياة، فتجهض إرادة الراوي في الإختيار بين الإياب والغياب ؛ الإياب إلى شهقة الروح الأولى "رفل"، أو الغياب في دروب الخواء والخيبة:

(الممر وعر إلى رفل، والذاكرة مموّهة، لكنها ما زالت تباغتني كلما هاجت رائحة المطر أو عبرت قبائل الزاغ فوق إعدادية البنات. العمر شائك إلى رفل، والذاكرة ممهورة برماد الحرب والسدرة الجريحة. أيّة رغبات مستحيلة هذه التي تصهل في دمي وتورّطني بالإياب.. تورّطني بالغياب – ص 31).

كل السعادات مهدّدة في حياته، ومع تقرّبه الأول من رفل وطيران أسراب العصافير من كفّها، وهو يسلّمها كأس العصير في الحفل، اهتزّ يقينه في ديمومة هذا الحب وثباته، فقد كان عليه العودة إلى الحرب. لكن الحرب تشعل نوازع البقاء، ودوافع الحب منها، فتأجّج أمل العودة للقاء الحبيبة، مثلما تملأ ليالي الملاجىء الضيّقة بصورها، ويلتحم الحلم والشعر فيصنعا من العاشق شاعراً يتحرّك وجوده بين قطبي لغز الحلم ووهم الشعر:

(في الحرب حبكتُ لغز رفل. هناك في مدى الصحراء وبين كمائن الموت وليالي الريب والإنتظار، كتبتُ قصائد ضاعت في الحرائق (...) هناك ابتكرتُ وهم رفل، وقلتُ لأصدقائي: "أنا عاشق، وحبيبتي معجزة من نور ونغم ورحيق". وصرتُ اشعل دهشة الجنود. أصنع أحلاما نخبئها معاً في هواء الحرب وأقول يوما ما سنرجع – ص 33).

لكن حتى لو رجعوا فإن الحرب تتكفل بتخريب أرواحهم. من يُفلت من بين مخالبها جسداً، تنهشه روحا وحلما وقدرة على الحب. لقد تشبّع هاجس عشق الراوي بغبار المعارك (ص 34). وجود رفل المعبودة يتمظهر في رنين جرس الدرس الأول في إعدادية البنات، وفي حبل الأرجوحة الممتد بين السدرة وجدار البئر، والذي يذوّبها في أنفاس الغروب. وها هي غولة الحرب تشفط نسغ الحياة من كل هذه المسرّات: فالسدرة ذبيحة مقطّعة وجذعها مخضّب بدم المساء، والبئر مطمورة بأنقاض الجدار، ورنين الجرس الأول يختلط برنين قطار الصقيع والضياع.

-وتأتي "سهى" في قصّة "الغجر، إن يجيئوا" صورة محايثة لـ "رفل"، ولكن وفق مسار آخر تحت خيمة الحرب الخانقة. نفس عملية البحث التي لا تهدأ.. نفس الطيف العزيز المخاتل المتسرّب كالطيف، لكنه الآن يتفجّر في الآفاق الغجرية المهدّدة بمخالب الحرب الباشطة التي تخنق الحلم وتدفن برمالها الثقيلة رجفة القلوب النقية الطامحة نحو التحرر والإنطلاق:

(الحرّية تشظّت في كرنفال القنابل، وحلّقت سهى مع بقية الطيور الناجية، والقطارات غيّرت مساراتها، والغجر تفرّقوا متنكرين للربيع الذي بات يشيخ، وأنا تشرّدتُ في قفار المعارك. نزفت ذاكرتي، ونثرت أحلامي مع الرصاص. عبّأت كوابيسي بالأنين وعواء الجروح والرؤوس المقطوعة وتسربلتُ بالخوف – ص 50).

-وحتى في معالجات ثيمات لا صلة مباشرة لها بمناخات الحرب، تأتي إشارات سريعة للخراب الذي سببته لتحكم ملامح المشهد المحطم. يمرّ الراوي الملاحق بنباح الكلب المرعب في قصة "الكلب.. الكلب" بنخلتين فتقفز إلى ذهنه واحدة من طعنات الحرب: (اجتزتُ الفراغ بين النخلتين العجوزين - تاج إحدى النخلتين قطعته قنبلة في الحرب قبل سنين - وارتقيتُ ربوة تحميل البضائع [= ربوة المحطّة] – ص 61).

-وفي قصة "هي والبحر" التي هي – كما قلتُ - تنويع على موضوعة الحبّ العصي المميت في تجربة الراوي مع رفل وسهى، تخرّب الحرب علاقة الخمس سنوات المتأججة بـ "نهى" التي ابتكرها وأعاد صياغة كل شيء فيها:

(نهى، رقّتها المحيّرة، وتوهّجها المُربك، خمر الأيام السعيدة، والجنّة التي غارت. قالت:

-أحبّك، وبعد خمسين سنة سأبقى أحبك.

كذأبة. صارت المسافة بيننا هوّة على قدر عذابات خمس سنين. فاصلة المنفى وطفيليات الاسئلة ونزيف الاحلام (...) قلتُ: أخشى الفراغات التي غالباً ما تخلّفها الحروب.

كانت الحرب دائرة. قالت:

-لم أفهم.

أبصرتُ انحلال الشعاع في عسل عينيها، فأدركتُ أنها فهمتْ، فلم أستدرك، ولم أوضح. وحين عدتُ كان الفراغ هائلا، وكانت هي في الجانب الآخر. من منّا خان الآخر؟ أم هي الحرب التي بدّلت طبيعة الأشياء؟ أتراكِ تصوّرتِ أن لا أحد يعود من الحرب حيّاً؟ أميّت أنا في نظرك؟ - ص 105 و106).

 

 الجحيم في قصّتين:

ومن حيث لا يدري القاص، فقد وفّر لنا فرصة اختبارية، نقارن فيها بين نصين متجاورين، الواحد يلي الآخر، وهما: قصة "الجحيم، ربّما " وقصة "الجحيم.. مرة أخرى". وقد ربط القاص النصّين من خلال العنوان، وجعلهما متتابعين فخلق لدى القارىء، وبالضرورة، انطباعاً قويّاً مفاده أن القاص قد قدّم معالجتين مختلفتين لموضوع واحد بقصدية مسيقة. وبالنسبة لي فإن هذا هو الإستنتاج الصحيح. لكن شتّان بين المعالجتين وبين الثرى والثريا. بين ثرى الفنطازيا والتصدّعات الحداثية وما بعد الحداثية ومتاهات المدن وتمزّق الهويّات والخواء المُسقط والوثائق المقبورة وغيرها من فذلكات وتخريجات، وثريا شدائد الإنسان العراقي الفاجعة ؛ الإنسان الذي يعيش في جحيم الله على أرضه. بالله عليكم، هل يمكن لقارىء أصيل و"ناضج" سرديّاً، أن يقف في البرد من الساعة الثانية عشرة ليلا حتى الساعة الثامنة صباحا ينتظر وصول رواية "أطفال" مثل هاري بوتر؟ ما الذي يحصل لذائقة البشر؟ وما هي الموازين والمقاييس التي تجعل رواية بوليسية مثل شفرة داقنشي تترجم إلى أربعين لغة سوى أنها رواية توراتية؟ هذا ما لا أتردد في تسميته بـ "سموم" الحداثة الغربية السردية التي ضيّعت الإنسان المسحوق وهمومه، والبشر المهضومين وخيباتهم، والشعوب الجائعة المحطمة وتمزّقاتها. هل يُعقل أن قارئا من بلد أفريقي يموت فيه ألف طفل يوميا من الجوع، يقف تحت المطر ينتظر الحصول على نسخة من "هاري بوتر"؟

في قصّة "الجحيم، ربّما" يستفيق بطل القصّة من النوم أو ما يشبه النوم، الذي حاصرته فيه الأشباح والشياطين والوساوس والكوابيس، ليجد كلّ شىء حوله قد انقلب، ويصبح الواقع حوله يشبه الجحيم أو – كما يصفه – "الجحيم، ربّما" ! لا يجد زوجته ولا ابنته ولا أطفاله، ولا يردون على نداءاته. وفي المدينة كانت السيارات واقفة، ولا أحد من البشر فيها.. الشوارع بلا مارّة.. لا رجال شرطة.. المحال التجارية مفتوحة بلا باعة ولا متسوّقين.. خطوط الهاتف مقطوعة.. المدينة خالية إلا منه هو وحده.. وحين ركض ليخرج منها اكتشف أن شوارعها متداخلة يؤدي بعضها إلى بعض على وفق هندسة كما لو أنها المتاهة (ص 111و112). لا صوت.. لا أزيز.. وحين أراد أن يتكلم لم يخرج صوته. الزمن؟؟ ساعته وساعة الميدان الكبيرة بلا عقارب.. إنه الجنون أو الموت أو الكابوس الممتد إلى اليقظة. وحين عاد إلى البيت ونظر في المرآة لم تظهر صورته. (فكّر: هو الجحيم، ربّما) (ص 114). وما هي النهاية المناسبة لهذا السياق الإنرعابي الفنطازي؟

(ارتمى على أقرب كرسي، وقد بلغ منه اليأس والرعب والشعور بالوحدة أقصاه. أغمض عينيه، وأحسّ بأنه راح ينحل ويتلاشى.. يتلاشى – ص 114).

 

 سؤال الجدوى:

ودائما، وعندما أنهي ايّة قصّة، يلاحقني سؤال: الجدوى. أي ما الجدوى من الجهد والوقت الذي بذلته في قراءة هذه القصة أو تلك؟ ففي قصّة تبدأ بيقظة بطلها على اختفاء الناس والموجودات من حوله وتحوّل المدينة إلى متاهة مغلقة، وتنتهي باختفاء الشخص نفسه، تضيع "جدوى" الحكاية لأن حركة الحوادث ستنغلق، وتُهدر القدرة الإنفتاحية للقصّة على إثارة التأويل والإحتمالات. صحيح أن القصة القصيرة تتناول حدثاً محدود الزمن والأبعاد والشخصيات، لكن لابدّ أن يكون لها "جدوى". وحين أقول الجدوى بمعنى المنفعة والفائدة، فأنا أقصد بها الجدوى على شتى المستويات، وخصصوصا النفسية منها.. أي حتى على مستوى اللعب والمتعة. ولكن قصّة تختفي فيها الناس، وتتجمد المخلوقات، وتتيه المدن، لا تثير متعة أو لعبا بل تحرّك الفكر وتساؤلاته: أين هذه المدينة؟ ولماذا يختفي البشر؟ ولماذا تتداخل الشوارع كمتاهة؟.. إلخ. وهنا لا بدّ أن نبحث عن الجدوى الفكرية من خلال التفسير (حلّ العقدة)، أو التصعيد الدرامي (تأجيج الموقف) وغيرها من السبل التي تجعل للقصة مغزى يحقق جدواها. هنا يتيقظ الراوي على اختفاء أفراد عائلته ثم المارّة فالشرطة.. وإلى توقّف الزمن.. وحركة الشمس.. ثم يختفي هو نفسه صورةً في المرآة، ويتلاشى وجوداً مادياً. وهذا أمر مرعب ومفزع، ولكن مِنْ ماذا؟ وإلى أين؟ وليس كل ما سنّه "كافكا" صحيح أيها الأخوة.

وبرغم كل دعاوى تحديث النص، سأبقى أتساءل: ما السبب في خراب المدينة والواقع وهذا الإنسان.. وتلاشيه؟ هل هي السلطة الطاغية.. القهر.. المخابرات.. الإستلاب.. الصراع الطبقي.. الإستعمار.. الغثيان؟

ستقولون يا أحبائي: إن حالته قد تمثل جماع هذه العوامل كلّها. طيّب. لكن النص قدّم لنا نتيجة تصلح لأي شىء. لقصة عن إنسان مسحوق، ولفيلم رعب غربي. أنا لا أريد أن أحدّد حرية الكاتب أو أي كاتب في انتقاء مضامين موضوعاته، ورسم "الشكل" المناسب لها، لكن سعد محمد رحيم ثروة، ولسان، وصوت للناس، الناس هنا الذين فقدوا لسانهم وصوتهم ويعيشون الجحيم يومياً، يعيشونه بصورة مؤكدة وليس احتمالية (ربّما !). الناس هنا يتلاشون بطريقة حقيقية.. مهانة وذلّا وانكساراً وخديعةً.

 

 وهنا تأتي أم القصص:

نعم الناس... الناس هم "راقية" العراقية العظيمة الصابرة التي قدّمها هذا السارد الكبير في النص الثاني (الجحيم مرة خرى). أيام وليالٍ وأسابيع وصورة راقية لا تنخلع عن عقلي برغم كل القراءات والإنشغالات الكثيفة والمزحومة اللاحقة. هي ليست خلاصة المرأة العراقية بطلة ضيم كل العصور، ولكنها خلاصة الإنسان العراقي الذي يصارع التلاشي حدّ تعجيز التلاشي.. وحكاية الواقع العراقي الجحيمي الذي جعل الولدان شيبا. وهذا الزائر العائد بعد غياب ثلاثين عاما، يطرق الباب العتيق الذي تشقق خشبه وبهت طلاؤه الأسود (لماذا أبوابنا سود؟):

(طالعته بعينين غائرتين وفم مزموم للحظة.. تبعها وهو يشعر بمزيج من الحيرة والدهشة. لم تقل له كيف حالك؟ قال لها: كيف حالك ِ راقية؟ رمقته بنظرة حيادية باردة. نظرة خالية من أية مشاعر، أو مغزى.. نظرة مومياء. كم أتعبتها السنين؟ قالها في سرّه. وكان من الصعب عليه أن يتكهن إن كان شعرها الرمادي قد غُسل توّاً، أو أن الماء لم يلمسه منذ أسابيع. كان كالرماد، وخيّل إليه أنه لو أمسك بخصلاته الكثيفة لتفتّت في الحال وصار هباء.. مسكينة راقية – ص 116).

أي تناشز فادح بين دلالات رمزية الإسم "الراقية"، وحقائق صورة الحال الفعلية المزرية والموميائية؟! الشعر الرمادي الموشك على التفتّت، والأيدي المعروقة المتصالبة أبدا في الجلسة الحمايوية التقليدية للمرأة العراقية المرذولة، والنحول شبه المرَضي الفظيع الذي يخفيه الرداء الكحلي (إبن الأسود) الفضفاض، والصوت المشروخ المهزوم الآتي من كهف لا يُسبر له غور. مات الأب وماتت الأم ومات الزوج "حقّي" - وستتكشف لك دلالة الإسم في القصة – وظلت وحيدة مع "حقّها" الذي رسمته لها الأقدار الجائرة العاتية. وجاء الأخ الغائب بعد ثلاثين عاما يريد "حقّه" من بيع البيت المقبرة هذا. كم هو عدد الأخوة/ أخواننا العائدين الذين يريدون تبييعنا حتى هذا البيت المقبرة المسمى وطن. وشجرة التين الراكزة وسط الدار التي كانت تلهث بالخضرة الفاقعة، تين الآمال والنماء والحياة الأسرية الرخية، قتلها العطش، وصارت صفراء يابسة، تتلاعب بها دوامات الريح، لتنتزع المزيد من أوراقها الصفر. لم يعتن بها أحد برغم أنه كان يمكن أن يؤكل من ثمرها ! هذا الأخ القاسي المجافي العائد يرى راقية وكأنها طالعة من قبر، فتجيبه فورا وبروح مباشرة: أنا في قبر (ص 119).

وحتى هذا القبر:

(-ألم تفكّروا في بيعه؟

أطلقت صوتاً غريباً كان أشبه بضحكة متهكّمة أو بصيحة احتجاج صبيانية. حاول الكلام. ألفى نفسه غير قادر على النطق. وهي أيضا لم تقل شيئا. قام وبقيت جالسة.

-حقّي زوجك.. ألن يأتي؟

-حقّي ميّت.

 صُعق.. ظل فمه مفتوحاً لنصف دقيقة.

-لم أكن أعلم.

-أنت لا تعلم أي شيء.

-متى؟

-لا قيمة للزمان هنا.

أيبقى أم يغادر؟ أيقول شيئا أم يسكت؟ لم يكن يعرف. تملّكه أسى قاهر، وشعور عال بالعجز واللاجدوى. مشى نحو الباب الخارجي ولم يلتفت إليها، ولم يُطلق كلمة وداع. كان فقط يبغي الهرب – ص 120).

والآن.. وقد استحكمت أواصر حلقة الخراب والموت والفناء، يمكن أن يخرج شخص مثل هذا فيرى المدينة خالية، والشمس لا تتحرك والحوانيت مغلقة والشوارع بلا ناس:

(في الحارة احتواه دبق الصمت وقلق الفراغ.. فراغ ممتد، وصمت يمسك بتلابيب الأشياء. الأشجار شبه المحروقة، والجدران القديمة العارية.. وتنبّه إلى أن الساقية التي تحمل فضلات المياه من البيوت جافة تماما. والشمس كأنها لم تتحرك من موقعها، ولا الظلال – ص 120 و121).

وكان بإمكان الكاتب – من وجهة نظري – أن ينهي قصته بنجاح تأثيري هائل عند هذا الحدّ من دون أن يوغل في وصف ما تمّ وصفه والتعبير عنه ببلاغة مكثفة ومركزة وكافية من خلال "راقية" العذاب والخراب والمهانة. ولا حاجة للقول إن المرآب العام فارغ.. ومتابعة العائد وهو يذهب إلى محطة القطار لخلق نهاية شبه فنطازية:

(لا أحد في المحطة... رأى رجلاً يرتدي قميصا أصفر متهرّئاً، وسروالاً قصيرا قذرا:

-قل لي يا أخ، متى سيصل القطار؟

(..) استدار نحوه الرجل وتفرّس فيه. تولّاه فزع مميت، وتصلّبت فكّاه، ولم يفه بحرف. اراد أن يقول غير أنه لم يستطع. قال الرجل: القطار؟ اي قطار؟ - ص 122).

فمن أساسيات ختام القصة الناجحة، هو أن تصعد بذروتها إلى ذروة أعلى انفعالياً، لا أن تهبط بها. وهذه الخاتمة التي نتابع فيها سير الرجل في الشوارع والكراجات والمحطات التي تنتهي بتفرّس الرجل "الموميائي" فيه، وصراخه: أيّ قطار؟، هي أقل بما لا يُقاس من النهاية العظيمة في لحظة هروبه من مقابلة "راقية"، وهي – أي راقية - تتوّج خساراتها الماحقة بإعلان موت زوجها، "حقّها"، لتكمل حبّات مسبحة المقبرة الوجودية.

 

 وهنا يكمن مجد كل كاتب:

ولكن ما يهمني بدرجة أكبر هنا، هو الإعلان عن أن في هذه النصوص "البسيطة" العظيمة يكمن مجد الكاتب، مجد يتأسس على الإخلاص لآلام هذه الجموع المحطّمة في كل مكان.. كم من "راقية" في هذا العالم الجائر.. ملايين أدار لهم قصّاصوا الحداثة وما بعد الحداثة ظهورهم لينشغلوا بالفنطازيات المتعالية والوثائق المسمومة والإنحرافات الجنسية السوقية والمتاهات المظلمة، وبالأشياء والشفرات على حساب الإنسان الحيّ الذي تنهش لحمه كل لحظة كلاب الإستغلال والقمع والقهر. راقية هي خلاصة شعب بأكمله، فأي مجد يحوزه الكاتب الذي يبدع نصّاً يعبّر بأمانة وفنّية عالية عن محنة شعب بأكمله؟

 لقد عقب الروائي "حنه مينه" في مؤتمر الروائيين العرب والفرنسيين الذي انعقد في باريس في عام 1988 على محاضرة الروائي " ألن روب غرييه" التي انحازت كما هو متوقع إلى رواية الأشياء بدلا من رواية الواقع، فقال:      (إنني أحترم السيّد آلان روب غرييه وأقرؤه. لكني وجدت في كلامه شيئا من التناقض لعله يكون ناتجا عن الترجمة. فهو مرة يقف ضد الإلتزام، ومرة يقول إنه لا يرفض الإلتزام. وهو يقول أيضا إن من شأن الأدب أن يطرح أسئلته على العالم. وهذا صحيح. فأي عمل أدبي وأي رواية لا يطرحان التساؤلات لا تكون لهما أية قيمة فنية. لقد حمل السيد آلان روب غرييه على الواقعية وقال إن هناك كتّاب واقع وليس كتّاب واقعية. وأنا أقول الواقعية شيء كبير في حياة الرواية.، ليس في الزمن القديم فقط وإنما في الوقت الحاضر أيضا. لكن لدي هنا ملاحظة: لقد سئل بابلو نيرودا مرة: لماذا لا تكتب عن الزهور؟ فأجاب: أنظروا إلى الدماء في شوارع الشيلي. ونحن الذين نعيش قضايا ساخنة ولاهبة لا نستطيع إلا أن نكتب عنها. نحن لا نستطيع إلا أن نقول للذين يريدون أن نكتب عن ترف الفن: انظروا الدماء في شوارع الأراضي العربية المحتلة في فلسطين. إن هذه المواضيع تفرض ذاتها علينا، وهي تحتاج إلى الواقعية الخلّاقة التي يمكن من خلالها أن تقول الرواية أشياء كثيرة).

تحيّة لسعد محمّد رحيم..

 

حسين سرمك حسن

....................

 زهر اللوز – مجموعة قصصية – سعد محمد رحيم – دار الشؤون الثقافية – بغداد – 2009.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2413 المصادف: 2013-04-14 12:56:36