المثقف - قراءات نقدية

المجموعة القصصية: لاظل فوق الجدار القصير للقاص العراقي ناصر الأسدي

ahmad fadelلماذا هذه القراءة؟

ثمانية عشرة قصة قصيرة هن من اجتمعن ليشكلن هذه المجموعة القصصية للقاص والشاعر البصري الدكتور ناصر الأسدي الذي قال عن نفسه وهو يخوض غمار كتابة القصة:

- تعتريني الدهشة وأنا أبحر في عوالم الشخوص الكونية فأرى الغرائبي منها والعجائبي، الباكي والضاحك . أرى حراكا مختلفا لن أجده في أي كون آخر غير كون القصص العجيب .

الأسدي هنا يعطي اعترافا منه وهو شاعر أيضا أن القصة هي الوحيدة التي يرى فيها حراكا حقيقيا لشخوصه فيها، وهو كما أظن ينحاز لها مع أن لغته وحراكه اليومي ينطق شعرا كما ألحظه فيه مع كل لقاء يجمعني معه بدليل دهشته الكبيرة وهو يبحر في عوالم شخوصها وهو قول لم يقله حتى وهو ينشر أول دواوينه الشعرية " لا نزيف لليواقيت " عام 2011، هذا التأثير لا أعتقده قد جاء اعتباطا أو من دون دراية بل عن دراسة وتمعن واطلاع على تجارب نخبة كبيرة من كتابها كان في مقدمتهم كتاب أمريكا الجنوبية كما اعترف لي في آخر لقاء معه في مهرجان مؤسسة النور السابع دورة الناقد الكبير الدكتور عبد الرضا علي في بغداد مؤخرا .

خورخي لويس بورخيس الكاتب الأرجنتيني الكبير قد يكون أحد الذين تأثر بهم الأسدي لأنني لاحظت بعض الصفات التي تجمعهما معا كونهما شاعران ويكتبان القصة والرواية إضافة إلى عملهما التدريسي الجامعي، فالرمزية والواقعية السحرية والفانتازيا والفلسفة هن أكثر ما نلحظه على كتاباته القصصية وهي نفسها التي تناولها بورخيس في كتاباته،هذه المفاهيم احتوتها مجموعته القصصية " لا ظل فوق الجدار القصير " الصادرة عن دار أزمنة للنشر والتوزيع في الأردن عام 2012 وبواقع 114 صفحة من القطع المتوسط وبغلاف أنيق حمل لوحة للفنان صبري المالكي .

في قصة المجموعة الأولى " وتداعى الكوخ الصغير " اجتمعت فيها عناصر كثيرة لما ذكرناه من تلك المفاهيم، فهناك صبيان يعيشان في قرية لازالت تقبع في عصر الطين لم يجدا من لهو سوى اللعب بحصان من القصب يشكو أحدهما من ألم في إحدى أذنيه، لكنه يرفض الذهاب إلى المستشفى للعلاج وصاحبه يصر على أخذه له في حوار اشبه بالشعر :

- المشفى

- لاينفع، تفاهات

- المشفى العام

- أخاف

- الموت

- لا، إنا إليه راجعون .

يتبنى الأسدي هنا أزمة جيل كامل مع أمراض الحرب فقد وقع الوزر الأكبر منها على أطفال الجنوب وما نتج عنها من تردي للخدمات خاصة في الجانب الصحي منها إبان الحروب التي شنها النظام السابق وما تبعه من حصار وصولا إلى الإحتلال الأمريكي الأخير للعراق وما شهدته محافظاته ومدنه من فوضى دفعت الملايين من سكانها على العيش بأسوأ ما يتصوره العقل الإنساني، نعود لنقرأ المشهد الأخير من قصته المؤلمة حيث لازال أحد الصديقين يروي ما جرى لصاحبه ولقرية الطين معا :

- " الفرح والحزن، كانا يكتنفانه، روح الضحك، الحزن، تراه بين الأمرين، يسر لي أوجاعه ثم ينسى، القطن، يأخذ من لحاف قديم، يتناسى وجع الأذن، إنه عالمه الصغير .

ذات يوم كنا نعد العدة، كان الكوخ يداهمه الطوفان، لم تبق أرض تبنى فيها الأكواخ، والماء يسبح فوق الأرض الحبلى بالماء والملح والتراب حيث يتداعى الكوخ .

جئته يوميا والريح .. الطوفان يقف مستأذنا الدخول .. آراه طريح الفراش والطبيب أشكل المرض عليه، عبقريته، كنت أرى شبحا، الصبي يذوي، القيئ والإسهال والموت ... الغبي يتخبط أدوية، عاف الصبي الزاد والماء، شفير الموت، أرسل إلى المستشفى وفي الباب كان الطبيب الخافر يصدر حكما يعلن فيه أن الزائدة قد انفجرت، يموت الصبي، عدنا والجنازة، الصبي، اقمنا الفاتحة على الروح، الطوفان يحاصرنا، لم يقو انتظارنا، غرقت البيوت،والصبي لم يشهد ذلك .. أشياء تطفو لأشجار بقيت في الشط حيث المنظر الحزين، كنا نأوي إلى الشارع القيري نبتني بيوتا أكواخا أخرى تأوينا، طفنا على أعجاز النخل، أسمع كركرات الصبي الفقيد حيث الطفولة المعذبة .. ودعناه ـ إنه يرد في التراب مبكرا، ينطلق صوت المؤذن .. الله اكبر والمسجد القريب لم يغرق لكنا لم نسمع ترديده الصبي عبد الله لأنه أصبح في ذمة الخلود . "

تمضي قصص المجموعة على هذا الوقع كما في " عالم بلا حدود "، " الدمى الصغيرة "، " ضفادع بلا نقيق "، " النافذة والحلم "، الفعل الدرامي لبقية القصص يتصاعد كلما تهاوت عليها شجون وشؤون أبطالها وأمكنتها الغارقة بالنسيان، فالواقع الذي يختاره الأسدي هو واقع مدينته البصرة التي عاشت ويلات الحرب وانتهت على مشهد البؤس والحرمان والمرض، الطفولة، الشباب، المرأة، البيت، المدينة، جميعا جزء من تلك المأساة، قصص تظهر فيها حميمية التعانق مع المفردة السردية - الشعرية كما نوهنا بداية ولتصبح لغة واحدة توزعت جميعها على فضاء المشهد القصصي تحكي لنا واقعا مأزوما كما في قصته " الغجرية العاشقة والحصان " حيث الموت يطارد حصان العربة الخشبية التي يقتات من عملها الحوذي الفقير، ومع أنه يعلم كم يعاني حصانه من مرض لايفتأ هذا الأخير من العدو سريعا كي يعطي لصاحبه انطباعا من أنه لايزال قويا، لكنه يقترب من حتفه رويدا رويدا :

- " راح الحصان يستبق الريح، بينما لايزال المطر ينث على الطرقات .. يكاد الحوذي وحصانه أن يوصلا العربة إلى حيث المكان .. تطالعهما الأزقة المتضائقة كأنها الجذام .. تفر كلاب وتبقى أخرى تلاحق الحصان .. اللجام والعربة تعيقان الحصان من الرد على الكلاب .. تتراجع الكلاب لاهثة .. الحصان لازال مشرئبا .. يقفز الحوذي .. الباب الصفيحي يعلن عن مواربته .. يحطم الحوذي صمت الباب فيصفقه على الجدار، يصرخ الحوذي :

- كدنا نموت .. الموت فوقنا ..

يفلت اللجام من العربة الدائخة .. يتقافز مع الحصان إلى حيث الزريبة القريبة .. ما زال المطر متساقطا ثم راح يتلاشى . "، ينتهي المشهد على كلمات :

- " يجوع الناس وعلى مطارق من خشب يحطمون حبيبات الشعير .. تصنع أرغفة البقاء .. حتى وإن كان الثمن حصان .. يموت الحصان وتموت رفيقاته الذبابات .. وفي ليلة من ليالي الشتاء كان الحوذي يودع حصانه إلى العالم الآخر .. يدرك أن حصانه قد مات .. مياه المطر الغزير تغرق الزقاق وعجلات العربة الجاثمة تكاد لا تبين .. ولم يبق من دلالة عليها سوى ذراعان مشرئبان إلى أعلى ويافطة صغيرة أعلنت عن نفسها بخط جميل (الغجرية العاشقة) .. مات الحصان " .

القاص الأسدي وجدته في مجموعته القصصية هذه يستخدم تقنيات السرد بوصف غير تفصيلي لإغواء القارئ على استمرارية القراءة ومن دون ملل، مع إعادة اختراع للشكل الوصفي واللغة التي تقترب إلى لغة الشعر كونه شاعرا في حين نرى الكثير من التوترات تكمن زوايا قصصه مثل: " قارورة زيت "، "خيول خشبية "، ملك من ورق "، "على جبل الأفق"، "الخروج من حدود العتمة "، "للجسد فوهات ثلاث "، أما قصته " لاظل فوق الجدار القصير " والتي منحها شرف حمل إسم مجموعته القصصية فيمكن لنا أن نتوقف معها قليلا كي نتعرف على مدى الإعجاب الذي حازت عليه بفوزها هذا الشرف، فقد وجدتها حاضنة لإسلوبيته وهو يضع أفكاره على جميع قصصه التي طغى عليها المفهوم الإصطلاحي المعروف بالواقعية السحرية، هذا المفهوم الذي اجتمع عليه مؤخرا أغلب كتاب الرواية والقصة العربية نظرا لما يتمتع به من انفتاح الذهن على المزج بين الخيال والتصورات الغريبة مع الإحتفاظ بنبرة حيادية موضوعية كتلك التي تميز التقرير الواقعي للحياة كما يعبر عنها أستاذ الأدب المقارن الأمريكي ماثيو ستريشر .

القصة في خلاصتها تحكي عن امرأة متسولة لايبان منها إلا يديها الممدودتان إلى المارة تستجدي عطفهم لكسر غائلة الفقر والعوز وهو منظر نشاهده يتكرر وسط فوضى الشارع وزعيق عرباته، يصفها الكاتب بذات الأسلوب الذي تأثر به قائلا :

- " المرأة التي تقف قبالتي يصفعها ضجيج السيارات المتقاطعة .. يأخذها شيئ غامض كأنه الوجد وهي رغم عوامل الإحاطة تبدو كأنها ترقب حدثا مثيرا .

كنت اتصفح خيال الوجه الفضي وراء النقاب وما كنت أعي إلا حركة كتفيها المكتنزين، وكنت أستقري من خلالها حركة الأنوثة الكامنة التي تستشري بالجسد المعبأ بالسواد القابع وراء كتلة السواد المثيرة جدا فانك لاتمتلك سوى التأوه بمرارة باحثا عن الكوة المثالية التي تتخفى للدخول عبر العالم السحري الذي تنطوي الفتاة خلفه ."

نتعرف بهذا السرد على مشهد الفتاة المتسولة، لكنه سرعان ما ينتقل بنا إلى مشهد آخر لرجل يقترب بسيارته الفارهة صوبها:

وجه الرجل كلامه قائلا:

- آه يا حلوة تعالي إلي .

رمقت الفتاة الرجل، ثم رفعت عقيرتها بكبرياء واضح، متجاوزة طلب الرجل الذي أمامها بينما أكد الرجل طلبه مرة أخرى وبإلحاح :

- قلت لك تعالي .

ردت عليه:

- ويحك، اتظن أنك تذلني بدينارك .

- أيتها اللعينة ؟

قالت الفتاة شاتمة:

- يا اين ال ........

يستمر سجال الرجل والفتاة التي بادرت بإغلاق الباب على يديه حينما هم بالنزول إليها فأخذ بالصراخ ما جعل الناس يهرعون لرؤية ما حدث، وعندما حاولت الهرب :

- " لم تستطع الفتاة أن تلوذ بالفرار، ومن أيدي النسوة اللاتي أحطن بها راح الجنود يجرونها عنوة صوب السيارة المظللة كالسهم، ولولت النسوة وتهامس الرجال، تهامس الحاضرون، تراشق الواقفون بعلامات الدهشة والارتقاب مدركين أن لاوجود للظل فوق الجدار القصير."

في هذه القصة القصيرة يعرج القاص الأسدي أيضا إلى مفهوم "إن الأدب نقد للحياة " الذي يقول عنه الناقد المصري الراحل الدكتور محمد مندور:

- كلمة نقد في هذا التعريف تستعمل بمعناها الاشتقاقي فهي مأخوذة من الفعل اليوناني كرانو ومعناه يميز، فكلمة النقد الأوربية معناها إذن هو تمييز العناصر المكونة للشيئ الذي ننقده، وليس معناها الأصلي تقييم ذلك الشيئ والحكم بجودته أو رداءته، وإذا كان هناك مجال للتقييم فإنه يأتي تابعا للتمييز بين العناصر المختلفة، ووصف أو تحليل كل عنصر وتحديد أهميته في النسيج العام .

أسلوب الرجل هو الرجل نفسه، هكذا قالها المفكر الفرنسي بيفون، وقد تكون هذه المجموعة القصصية هي إحدى تلك التفسيرات حتما .

 

أحمد فاضل

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2422 المصادف: 2013-04-23 01:52:10