المثقف - قراءات نقدية

قراءة في نص " مطر من الارض" للشاعر شكري اسماعيل

jutyar tamerمطر من الارض

شكري اسماعيل

ترجمة: جوتيار تمر

هذه المرة مطر احمر

هطل من الارض..و بلل السماء

بيوت النجوم بدون اغطية،، وسقوف

مرة اخرى..

سيهب اعصار وستحدث الفيضانات

اطفالهم

حفاة،، عراة..سيلقفهم البرد

اخاف قبل ان تُخرجَ النجوم

النار من جيوبها

وتحرق رسائلها

يرى المطر كتاباتهم

 

مطر من الارض

يتجلى من العنوان الحالة النفسية التي اعتمدها الشاعر للتعبير عن نفسيته المغتربة وذلك نحو سعي الذات لكي تعبر عن ما يمور بداخلها من مكبوتات، وتعلن موقفها تجاه العبث بمصيرها ومصير مجتمعها، في محاولة لهدم القيم والأنماط الاجتماعية السائدة، وبناء مجتمع يستقيم فيه سلم الانسانية بعيدا عن قهر الذات، فالمطر المغاير هنا لايمثل في كينونته الا الحالة التي تعيشها المجتمعات جراء سفك الدماء ومزج التراب بها وكانها غدت تقذف بقطراتها نحو السماء احتجاجاً ورفضاً للواقع الموجع، وعلى هذا الاساس نجد بان الشاعر استعان بهذه الصورة الرامزة للتعبير كناية عن واقع هو ملتحم معه نفسياً وفكرياً وعقلياً فتمخض عن هذا الالتحام هذه الرؤيا التي من مشهديتها جعلنا نعيش وقعها الموجع.

هذه المرة مطر احمر

هطل من الارض .. و بلل السماء

بيوت النجوم بدون اغطية،، وسقوف

 رمزية اللغة يكتنفها نوع من الغموض المحبب في قصيدة النثر الحديثة، لكنها هنا مبالغ فيها قليلاً، لغرضية وقصدية نجمت من توظيف العنوان نفسه، وهي كي توقظ الفكر الانساني تجاه الرؤيا التي يريدنا الشاعر ان نعيشها ونقف عند ملامحها الاساسية، فالاشارة واضحة والزمنية حاضرة ضمن جغرافية لم تحدد اسمياً لكنها محددة من خلال استقراء رؤية الشاعر وانتمائه الانساني قبل كل شيء، والصاق صفة الاحمرار بالمطر من جهة، واسناد المطر الى الارض هطولاً من جهة اخرى اعطى للنص مسامات غير مرئية تحتاج الى تأمل متأني لفك الطلاسم المراد من توظيفها، والتي يفتح ابوابه اللون الاحمر باعتباره يرمز الى الدم " القتل" في تصنيفاته الدلالية الغالبة لاسيما هنا، والحراك الرامز المميز في النص أتى من خلال تأكيد الشاعر لارضية المطر وذلك عبر استعارة مدهشة " بلل السماء.." فالشاعر لايؤمن هنا فقط برؤياه انما يريد ان يقنعنا بها ايضا خلال تؤكيدية الاحمرار والارض التي هطل منها المطر للسماء حتى بللها، ولاتساع رقعة التخييل لدى المتلقي نجد بان شاعرنا يأخذه الى عوالم السماء كمدخل توليفي مشهدي درامي لترسيخ رؤياه، والسرد هنا لم يأتي اعتباطياً انما جاء وفق تداعيات توثيقية لرؤية الشاعر فالنجوم وبيوتها التي بلا اغطية وسقوف مهددة جراء هطول المطر الارضي الاحمر بالغرق، وهنا المعنى الذي يمكن استقائه من المشهد بليغ جداً ومتوحش ايضاً، فانين الارض ودماء الارض والقتل الذي يحصل على الارض يصعد لتلامس السماء وكواكبها كأشارة واضحة الى رغبة الشاعر في ان تلتحم السماء بالارض في وجيعة الاخير.

مرة اخرى..

سيهب اعصار وستحدث الفيضانات

اطفالهم

حفاة،، عراة..سيلقفهم البرد

 كتميز زمني وتحديث للذاكراتية نجد الشاعر يستفز ذهنية المتلقي ويعيده الى الوراء لاستعادة بعض الصور المعلقة في لاوعية لتصبح مدخلاً لربطها بالحاضر والمشاهد التي تؤجج غربته النفسية من جهة، وترتل اوجاع البشرية بالاخص "الطفولة "، والمشهد هذا ليس بحديث كما يصفه الشاعر انما مكرر ف" مرة اخرى" تشكل عند المتلقي تلك الفكرة التي تقوم على اساس التكرار الحدثي، ولأن شاعرنا متحد بالكون والطبيعة والنفس البشرية فانه لايريد ان يخرجنا الى عوالم اخرى تبعدنا عن هدفه المنشود وراء توظيفاته الحسية الذهنية والوجدانية معاً، وسعيه لتحقيق ذلك الروح الصوفية التي تحلى بها، وهذا الخيال الخصب الذي يدعم رؤاه ويصورها ببلاغية متقنة حتى وان كانت مفرداتها متوحشة  وتوقع هبوب وحدوث" اعصار،، الفيضانات .." لايتم هنا الا من خلال تلك الروح و" السين " الدالة على الزمنية الاتية فتح امامنا عدة ابواب للتأويل لاسيما ان الشاعر يرفق كل ذلك بالطفولة وحالتهم الميؤسة التي يرصدها عبر

 " حفاة،، عراة،، البرد ..."، وهنا تبرز القيمة الترابطية للنص فالمطر غير مساره الطبيعي وهو الهطول من السماء حيث هطل هذه المرة من الارض، ثم غير عدمية اللون الى احمرار، وبلل السماء، وهدد ملكوتها ونجومها، ثم اصبح يحفر في ذاكرة الانسان باعتبار ان الحالة ليست بجديدة، ثم ما لبث ان تنبأ بهبوب اعصار وحدوث فيضانات، والاعاصير والفيضانات احيانا تترك اثاراً سلبية على الارض وتجلب عليها الخراب والدمار، وربط كل تلك المشاهد والحراك السردي بالطفولة واوضاعهم التي توجع كل نفس، وهذا ما يجعل نسق النص تكاملياً متماسكاً متيناً في بنيته المتنامية.

اخاف قبل ان تُخرجَ النجوم

النار من جيوبها

وتحرق رسائلها

يرى المطر كتاباتهم

كل ذلك الحراك التصويري البلاغي الذي أثر بدرجة كبيرة في انفعالات النفس التي تعيش غربتها الارضية غير لغة الشاعر من رصد لصور برانية كونية وطبيعية ونفسية واجتماعية الى حالة ذاتية يحاول من خلالها بناء موقفه تجاه ما رصده لذا نجده يلجأ الى "اخاف" لتكون هنا تعبيراً عن الروح الصوفية التلاحمية بالحدث البراني، وهذا ما دفعه ايضاً الى ابراز ملامح الخوف برمزية تستدعي منا التأمل لكي نعي وجهة الكلمة والصورة الموظفة من قبله، لانها بحق عميقة في حفرها الوجداني الروحي العقلاني ايضاً، ف"النار" التي هي استعارة للنجوم، وظفت "النار" بتضاد واضح مع كل ما تم ذكره من مطر واعصار وفيضانات وبلل" الماء"، لكنه تضاد مستحب لكونه خلق صور شعرية رائعة وماتعة تدل على وعي الشاعر بادواته وكذلك محاولته جذبنا الى منطقه المخصوص، فذلك الخوف انما اشارة  من قبل الشاعر الى افتضاح امر ما يخبئه النجوم والظواهر الطبيعية تلك من اقدار قد تسيء الى الانسان جراء تضادها مع واقعه وامكاناته، ولسرية تلك الاقدار نجد الشاعر يلجأ الى " كتاباتهم" ليعبر عن ذلك، فتلك الكتابات مهددة الان في مهدها السماوي بأن يقتحم عليها المطر الارضي خلوتها وسريتها ويفتضح امرها، ولكن ما يثير الغرابة ان الشاعر يبين خوفه من ذلك وهذا بلاشك يفضي الى رؤية الشاعر الصوفية تجاه الحالة باكملها.

 

جوتيار تمر

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2425 المصادف: 2013-04-26 02:42:08