المثقف - قراءات نقدية

خلف المتعارف عليه في تجربة القاصة رجاء الربيعي

mothana khadomsadiqمن الضرورة بمكان أن نشير إلى أن التأطير النصي للسرد القصصي للقاصة المبدعة رجاء الربيعي، يتبنى الصلات الواقعة بين الذات والموضوع بعملية حث لفعالية الفكرة التي تتجه قدماً إلى المتلقي، إذ إن من علامات السردية الفاعلة، أن يعي المتلقي على من يتحدث السارد، من خلال عدة مرجعيات في القصة القصيرة جداً، التي بنيت على لبنات الإيحاء الموضوعي للنص، وما يلفت النظر في قصص المبدعة رجاء الربيعي، أنها مسكونة بالوجع المتواصل، فالعنوانات تشكل بحد ذاتها نصاً موجعاً (صناديق الجثث / لعبة الأقفال / رحلة مع الأشباح / إنتظار / رسام الوهم / شباك بالانتظار ... إلخ) إذ إن العنوانات هذه يمكن عدها مرجعيات مشهدية، لواقع مشاهد، ولاسيما إذا سلمنا بأن أفكار الإنسان تكون دائما مشفوعة بالصور، وتأسيساً على هذا جاءت هذه القصص ذات مستويات تقنية مشهدية، تمسك بتلابيب المتلقي، من خلال التوصيفات والتفصيلات (حين بدأ قرص الشمس بالنزول خلف المدى، وأصبح لون السماء يميل إلى الإحمرار، وكأنه قد تلون بألوان الخوف) إن المسحة اللافتة في هذا المقبوس السردي، هو الاستعارة (ألوان الخوف) إذ جعلت المعنوي (الخوف) مجسات الحسي (ألوان) لتحمل دلالة إشارية أولى، إلى نهاية ذات جو سوداوي قاتم (بكت، وبكى الناس على شهداء كنيسة النجاة) فالقاصة تحرص على تكثيف الواقعية، حرصاً منها على إظهار همين : الأول الهم السياسي، والآخر الهم الاجتماعي فضلاً عن أن القصة القصيرة جداً سرد نثري موجز، فالسرد هو عقد وفعل (كل الأبواب أمامي الآن مغلقة إلا باب القبر، فهو مفتوح للجميع) فبطل القصة ينفث في مكبوتاته بالحديث النفسي، ضمن مفارقة، تتسرب إلينا بمقارنة بين أبواب الحياة المغلقة لهذا، والمفتوحة لذاك إلا باب القبر، الذي سيبقى مفتوحاً للجميع بدون استثناء، إنها ثنائية الحياة والموت، حيث الضعف الإنساني الذي يختبئ في النص (سأنتظرك على ناصية قلبي، في إحدى محطاته، فلا تتأخر، لأنك ملاذي الآمن، معك أعيش طفولتي الحالمة، هذا ما أتذكره من طفولتها، التي انتهت بفراقه) إن فعالية الانتظار هنا، هي فعالية وجدانية محضة، لأنه ـ الانتظارـ يخرج عن جغرافية المكان، ليلج جغرافية القلب (على ناصية قلبي) ضمن مستحثات النهي للمنتظر (فلا تتأخر) إذ يعلل هذا النهي على عدم التأخر (لأنك ملاذي الآمن) لكن هذا الملاذ الآمن، لن يعود أبداً، نظراً للتحولات الحادثة، فقد اقترنت نهاية الطفولة (التي انتهت بفراقه) برحيله . تجمع القاصة المبدعة رجاء الربيعي الواقع المشتغل بالألم، فتحيله الى خطاب نسقي يرتبط بالإنسان المحلي، فلم تجمع في نصوصها السردية بين الذات ومحيطها جمعاً قسرياً، ذلك من أجل إدراك الحقيقة، ضمن صياغات أسلوبية، تعتمد على لغة واضحة تنتظم فيها اللغة المستعملة، من خلال استجماعها لتجربة الواقع واطراداته، وفسلها في تربة الفكر، لتحقق بذلك ما يراد من النص من مفهوم ومن ذلك عرف نيتشه المفهوم بأنــه (فكرة في كلمة).

 

مثنى كاظم صادق

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2438 المصادف: 2013-05-09 07:20:45