المثقف - قراءات نقدية

رواية "ساق البامبو" وأشكالية الهوية والأغتراب

amir hushamلعل من حق القاريء العربي أن يبحث عن ما يهمه من شؤون الحياة المعاصرة في رواية  قد  تثير عنده أسئلة أكثر مما تجيب حلولا لمشاكل الواقع وما أكثرها. وحسب الروائي أن يثير أدبه وسرده وفنه رغبة القاريء في التواصل مع موضوعه الذي يعيش زمنه ويتفاعل مع شخصياته واقعا وحقيقة.

وعليه فان موضوعة العاملين من دول جنوب شرق آسيا في دول الخليج العربي قد اشبعت بحثا ودراسات، وعبّر عنها المبدعون أدبا وفنا رصدا لمشكلة أجتماعية سياسية ديمغرافية ليست هينة. وقد علمت أن رواية الصحفي والكاتب الكويتي سعود السنعوسي تدور حول موضوعة بهذا الخصوص، كما اني لم أقرأ من قبل لهذا الكاتب الشاب فازددت شغفا لقراءة رواية "ساق البامبو" الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون والتي فازت مؤخرا بجائزة الرواية العربية لعام 2013.

وقد تصدّرت الرواية كلمة الروائي الكويتي اسماعيل فهد أسماعيل وهو يقول " علاقتك بالأشياء مرهونة بمدى فهمك لها". ولعل غلاف الرواية يساعد القاريء على الفهم حيث راحت أعواد القصب المتينة الخضراء اللون تزيّنه ومقطع قصير من الرواية يذكر في الغلاف الأخير ان البامبو هو عود الخيزران نفسه  في الكويت او الكاويان في الفلبين. وهي الدلالة هنا عن عدم الأنتماء حيث يزرع الخيزران أو البامبو وينمو في أي ارض وفي باطن أية تربة. ثم انك لتجد المؤلف السنعوسي ينسب الرواية لهوزير ميندوزا مؤلفا في الغلاف الداخلي وهو الشخصية الرئيسة فيها والذي أسماه المؤلف عيسى الراشد حيث تبدأ الأزدواجية التي يريد أن يذكّر بها السنعوسي قارئه ومنذ الصفحة الأولى.

على هامش وطن!

وقد قسّمت الرواية عبر صفحاتها ال 396 صفحة من القطع المتوسط الى خمسة أجزاء جاءت شخصيتها المحورية عيسى أو هوزير والذي ولد من أم فلبينية  كانت تعمل خادمة في بيت في الكويت ولأب يدعى راشد هو الأبن الأكبر في عائلة الطاروف الكويتية. فكان الجزء الأول يدور حول عيسى قبل الميلاد ثم عيسى بعد ميلاده وعيسى في تيهه الأول ثم الجزء الرابع عن عيسى في تيهه الثاني لتنتهي الرواية في جزئها الأخير عن عيسى وهو على هامش الوطن.

وهكذا راح الراوي العليم وبضمير المتكلم القوي الواثق من معلوماته وأحداث زمنه يفصّل في ظرف عيسى حتى قبل ميلاده ليهيء القارئء لتوقّع حدث يتمثل بأن تلك المرأة الفلبينية (أم عيسى بعد ذلك) وهي تحت ضغط الظرف الصعب القاهر تطلب السفر للبحث عن عمل كخادمة  في الكويت.  وهنا تسنح الفرصة للراوي بأن يفصّل في الجزء الثاني في الحال الأجتماعي الفقير من جانب والمظلم من جانب لآخر مما تعيشه عوائل فلبينية يضطرها ظرفها للبحث عن العمل خارج وطن ليس فيه ما يقيم الأود ويحفظ كرامة الأنسان. ولكن لن يكون ذلك دون ثمن.

ان عيسى الراشد الذي ولد لأب كويتي من هذه الأم الفلبينية بعد زواج عرفي لم يدم طويلا تاه في المكان الأول الفلبين بين ظهراني أمه وجده المريض وخالته المدمنة ليكون غريب اللغة واللسان والدين بالمفهوم العربي. حتى أذا عاد الى الكويت بعد وفاة أبيه راشد وحسب وصية لصديقه الصدوق غسان والذي هو نفسه من  "البدون" في الكويت تاه تيها ثانيا فوجد أن أسرته لأبيه تتنكر له وهو بقسمات وجهه الفلبيني رغم أحتفاظه بما يتطابق وصوت أبيه راشد ونبراته الحادة. ذاك الراشد المثقف وكاتب الروايات الصعبة على الفهم. ولكنها الشخصية الثانية في الرواية، تلك الشخصية القوية المراس الصعبة أم  راشد أو الجدة غنيمة والتي تقرر أن لا مكان لحفيدها عيسى بينهم في الكويت خاصة بعد أن كُشف ما كان يجب أن يظلّ مستورا من ولادة عيسى من زواج عرفي لراشد الطاروف من خادمة فلبينية.

وقد مهّد كل ذلك للحل المنطقي والذي ليس بعده حل وعيسى على هامش الوطن بأن يرحل عنه الى الفلبين أرض أمه وخالته وأبنتها التي تزوجها دون أن يلتفت الى الوراء حيث سيترك الورقة الأخيرة من الرواية "ساق البامبو" ليتفرغ لمشاهدة وجه صغيره المطمئن في نومه بين ذراعي أمه.

                   تدوير الزمن الروائي

ومما يحسب للرواية بناءا هذا التقسيم والتجزيء والتدوير في الزمن مع الأنتباه الى أن الشخصية المحورية هي التي تكتب الرواية وانها لا تعرف العربية فلابد أن الرواية قد ترجمت ليستمر التعاطي في الأزدواجية التي مثلّها عيسى/هوزير ومثلّتها قيم يدينها الراوي في مجتمع يحاول أن يمتلك كل شيء مادي في الحياة دون أن يغيّر ذلك في سلوكيات غير حضارية وصلت نتائجها برفض الأبناء اعتمادا على صفاتهم المورفولوجية المظهرية. فماذا سيكون رد الجدة غنيمة أم راشد في حالة أن عيسى قد حمل صفات وجه أبيه الكويتي وليس امه الفلبينية؟. وهل سيقوم الشرطي بتوقيفه في الكويت لأنه لم يبرز هويته؟ وهل سيعامل معاملة الخدم في بيت أبيه؟!. وهل سيتبعه ذاك المثلي بغية النيل منه؟.

ويبقى ان نشير الى أن التنوع في الفضاء الروائي بما يخص مكان السرد ومجريات أحداثه قد أعطى تميزا للرواية "ساق البامبو"  حيث زاوج المؤلف بين عادات وتقاليد وديانات لبشر تختلف لكناتهم وسحناتهم ولكنهم بشر في العُرف الأنساني. كما أن محدودية شخصيات الرواية وظهورها السريع وأختفاءها يجعل القارئ مشدودا ومتابعا غير منفصل عن مجريات الأحداث داخل المتن السردي، ولو أن الحدث يبقى  متوقعا غير مفاجئ للقاريء مما يغيّب عنصر الدهشة عن فعل الراوي.  وعلى ذكر الزمن الروائي فقد أمتدت معاناة الراوي ( احداث الرواية) على مدى يزيد عن عشرين عاما أمتدت بين التسعينيات من قرننا الماضي وحتى العشر الأوائل من قرننا الحالي.

                   الرواية: الشخصية الرئيسة واللغة

لقد حمّل المؤلف راوي "ساق البامبو" الشخصية الرئيسة عيسى أكثر مما يتحمله البشر احيانا ومنذ نعومة أظفاره، فيا ترى هل أنتبه السنعوسي الى ذلك؟ وهل أنتبه الى أن ذكاء المتلقي ينبّهه الى موضوعة الميراث ووراثة الأب في القانون الكويتي مما لم تتطرق له الرواية لا من قريب ولا من بعيد، فظهرت شخصية عيسى أحيانا باهتة ساذجة مستسلمة وتارة أخرى ذكية متوقدة حاسمة. ولعمري فأن هذا التذبذب في الشخصية الرئيسة في الرواية لم يخدمها كثيرا وهو مما يؤخذ على السنعوسي خاصة وهو في بداية مسيرته الروائية.

وتجدر الأشارة الى أن لغة الرواية الصحفية السهلة السلسة والتي تصل الى التقريرية احيانا قد يسّرت على المتلقي فهم القصد وغيّرت عنده كما يبغي الكاتب بعض المفاهيم عن شأن اجتماعي أنساني تعاني منه دول الخليج العربي، وهذا مما يحسب ابداعا للرواية والراوي.

ان اثارة رواية "ساق البامبو" لموضوعة الهوية والأغتراب عند الأنسان يعتبر من أيجابيات فعل السرد العربي في زمنه الجديد. ذلك الفعل الذي يعد بالكثير خاصة وأن جيل الرواة الشباب لا زال مواظبا بجدية واضحة على أن ينهل من تاريخ هذا السرد بوفاء يعبر عنه عطاءا ابداعيا بعد عطاء. وأذكر هنا ما قاله مؤخرا الكاتب الأكاديمي المصري الدكتور جابر عصفور عن أن " زمن الرواية هو زمن المقاومة والأحتجاج والمواجهة. وهو يظهر ويعاود الظهور في اللحظات المفصلية للطبقة الوسطى التي أنشأته وجعلته صوتها المديني الذي يصوغ موقفها المقاوم للقيود القامعة لحركتها".

   

عامر هشام الصفار

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

نا لم أقرأ هذه الرواية من قبل ولكني من خلال رؤاك التحليلية تشوقتُ كثيرا لها....أرى ان السنعوسي يريد أن يقول أن المشكلة هي بجلب هذه العمالة من بلدان لا تمت لا للبيئة ولا للتقاليد والاعراف السائدة وهذا ما تمثل برفض الجدة لحفيدها .....فالكاتب ناقش المشكلة من وجهة نظر جيل مختلف تماما ولهذا فثقافتنا المعاصرة بحاجة الى مثل هذه الطروحات لعلها تلملم ما يمكن مما تبعثر

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا للأستاذ حمودي الكناني على مروره الأنيق. ولا اخفيك من أنني اتوقع مستقبلا باهرا للرواية العربية التي لابد ان تكون معبرة عن مخاض عربي جديد لم يسبق له في أمة العرب من حضور. بقي أن ننتظر فنقرأ وندقق ونميز غث النتاج من سمينه.

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2439 المصادف: 2013-05-10 01:23:52