المثقف - قراءات نقدية

قراءة في ديوان: عناق سحر الحياة (2) للشاعرة المغربية رحيمة بلقاس

rahima belqasأستطيع أن أصف ديوان (عناق سحر الحياة)، أنه ديوان الوجدان والرومانسية والحب والاحلام، ديوان القلوب التي تعيش بين جذب الواقع المرّ والتعيس، وبين الأحلام الذاتية التي تحلق في الفضاء عاليا طلبا لراحة الوجدان والضمير، بعض قصائد الديوان، تذهب بعيدا الى عوالم السحر والجمال والسعادة والأمل ولقاء الحبيب، من الممكن أيضا وصف الديوان أنه ديوان العاشقين، الذين يعانون ويكابدون ويتحملون أي أذى من أجل معشوقهم، حتى لو كان ذلك في عالم الأحلام .

قصائد الديوان كلها نظمت في سنة 2011 م، وسنة 2012 م، واستقرأت ذلك من التواريخ المثبتة في نهاية كل قصيدة، هذا يعني أن الشاعرة رحيمة بلقاس هي في مرحلة النضج العمري، وصاحبة التجربة الحياتية  والخبرة الطويلة، والمشاعر المتراكمة من سني عمرها المبارك، أنطباعاتي هذه تولدت من خلال معرفتي المتواضعة بالأخت الشاعرة رحيمة بلقاس، ومن خلال قراءتي لأغلب قصائد الديوان، هذا المؤشر يوحي أن شعر رحيمة بلقاس هو في مرحلة النضج، والتجارب التي تتحدث عنها أغبلها تجارب عاشتها اوتعيشها الشاعرة في الوقت الحاضر، مع ذكر الطموح الذي تتمنى الشاعرة تحقيقه على أرض الواقع، وأغلب طموحات الشاعرة حسب قراءتي أصدمت بمعوقات أجتماعية وتقاليد وأعراف، بعضها تحملت نتائجها بصبر وقوة مع وجود روح التضحية والتفاني، وعندما أقول الشاعرة لا أعني رحيمة بلقاس شخصيا ، انما أقول أنّ الشاعرة أو الشاعر يتقمص بعض شخصيات المجتمع ممن يريد ان يعكس واقعها شعريا، فليس بالضرورة أنه يعكس واقع ذاته، بل قد يكون أنعكاس لواقع الاخرين، لأن الأديب اوالفنان ربما يتحسس أمورا قد لا يشعر بها الاخرون، أحترامي وتقديري الكبيرين لأختنا الشاعرة رحيمة بلقاس .

في قراءتي لديوان رحيمة بلقاس سأكتفي بالتداخل مع بعض قصائد الديوان، رغم أني أعترف قد قرأت جميع قصائد الديوان واستمتعت بها، وبحثت عن المشترك في قصائدها، قصيدة (أعانق سحر الحياة هكذا) والتي أخذ الديوان عنوانه منها حسب تقديري، في رأيي أنها قصيدة محورية ومهمة خاصة بالنسبة للشاعرة كون الديوان تسمى باسمها.

بين الربى والرياض عدت

يافؤادي راكضا لنور الهدى

هذه بداية القصيدة، وأرى ان القصيدة وجدانية تفوح بعطر الايمان والتوجه الى الحياة الجميلة من خلال قيم السماء، (يا فؤادي) الفؤاد هو القلب وعندما يركض الى نور الهدى، هذا يعني أن القلب يسعى الى الأيمان، لأن موطن الأيمان هو القلب وهو أيضا موطن للحب والعشق، والايمان الحق هو حب الله، وقد يصل هذا الحب الى مرحلة العشق، وهذه الدرجة الخاصة لا ينالها الا ذو حظ عظيم، وهؤلاء هم أهل المعرفة بالله تعالى، قولها:

ما اروع خفقان الوجدان

في قداس نعمتك معبدا

من معاني القلب الوجدان ايضا، وقد يأتي الوجدان بمعنى الضمير، وهنا بمعنى القلب لأن الخفقان للقلب فقط، وعندما يخفق القلب حبا لله ما اروع ذلك، وما اعمق واكبر هذا الأيمان، الشاعرة تكرر كلمة القلب الذي هو موطن الحب ومستقر الأيمان ثلاث مرات بثلاثة تعابير لكنها تعني معنى واحدا هوالقلب، واحيانا يأتي معنى الوجدان بمعنى الضميركما قلنا، وهو رقيب معنوي على الأنسان السوي، فكثير من الناس يخطأون لكن ضمائرهم تؤنبهم فيتراجعون عن الخطأ ويعتذرون او يستغفرون  وتذكرالشاعرة القلب صراحة في قولها:

سكبت نبيد السكينة بلسما

بالقلب والغمام  تبددا

(نبيد) تعني نبيذ وهذه هي اللهجة المغربية، وليس هذا خطأ بل لهجة محلية، نعم هناك أخطاء قد تكون مطبعية، او جاءت سهوا لكنها قليلة مثل قولها في القصيدة الاخيرة من الديوان :

(واهدينا) والصحيح القول واهدنا من غير ياء .

 اللجوء الى الله تعالى هو الذي يجلب السكينة الى القلب، القصيدة هنا طافحة بنفحات الأيمان، وهي منبعثة من الوجدان، وكثير من قصائد الديوان تشترك في هذه التيمة مشاعر الأيمان هذه هي باعث على توديع الأحزان، وفتح نافذة الأمل والأحلام الجميلة، تقول الشاعرة :

أسدلت ستارة الأشجان

وسرت للأمل مغردا

فتحت نوافذ الأحلام

أعانق سحر الحياة هكذا

أرى أن القصيدة وجدانية تفوح منها رائحة الأيمان، أنها الوجدانية المعبرة عن الذات الطامحة، والممتلئة بالأمل والأحلام السعيدة، والروح الصبورة المتحملة لقساوة الظروف، كلها تشترك في منظومة رومانسية رائعة تشحذ النفوس بعدم اليأس ولابد من الأستمتاع بالحياة وفق الضوابط الربانية، ويأتي ذلك من خلال الأستمتاع بالأحلام التي تلتجأ فيها الشاعرة الى خالقها لغرض تحقيقها على أرض الواقع، تشخيصي لكلمات الشاعرة يوحي لي أنها تعتبر هذه المشاعر الوجدانية والرومانسية هي مشاعر نهاية رحلتها في الدنيا، وقد صرحت الشاعرة بهذا في آخر قصيدة من قصائدها :

واهدنا

لو للعمر باقية

وأقول لشاعرتنا رحيمة بلقاس، الأعمار مقدرة من الله تعالى، لا علاقة لها بالصغير او الكبير، فكم صحيح مات من غير علة، وكم من عليل عاش دهرا طويلا، على حد قول أحد الشعراء، لك العمر المديد في روضة الأيمان بالله تعالى سيدتي الشاعرة رحيمة بلقاس .

أرى أن مشتركات قصائد الديوان هي الوجد والحب الصادق والحنين والأمنيات وتحقيق الأحلام، أضافة الى سمة غالبة عند الشاعرة هي الأمل المنبعث من عمق الأيمان بالله تعالى، الشاعرة تحمل روحا عالية من التضحية والصبر على المصاعب، وهي تفصح عن هذا التوجه بأن منظومتها الأخلاقية التي تنتمي أليها تختلف عن المنظومة الأخلاقية التي تستهدفها بالشر، تقول في قصيدتها (وشاية):

وما وجد الوشاة بي من عيب

سوى تقولهم بأكاذيب تدمرني

فأن كانوا أهل دمامة وهوان

فأنا قيم الكرام تغمرني

يعز علي أن أتدنى

لأبادلهم طعانا بطعان ولو

كانت ضربتهم سهاما تفنيني

 الشاعرة صاحبة مبدأ شريف غايته شريفة، وهذا يعني أنها لا تقر أن الغاية تبرر الوسيلة .

 ولمناسبة المقام أروي هذه الحكاية عن الشيخ الدكتور ألمرحوم أحمد الوائلي خطيب المنبر ألحسيني في العراق، للتأكيد على أن المبدأ الشريف هو واحد بغض النظر عن الزمان او المكان، كان الدكتور الوائلي وهو يرتدي الزي الديني جالسا في الطائرة في طريقه الى القاهرة، وكان بجانبه رجل خليجي يرتدي الزي الخليجي ويتكلم الأنكليزية، لكنه كان تكفيريا، أتت المضيفة لتقدم عصيرا الى ركاب الطائرة  وصلت الى الدكتور الوائلي فقدمت له العصير، ثم قدمت الى الخليجي بعده كونه جالسا في المقعد الذي يلي مقعد الشيخ الوائلي، فقال الخليجي للمضيفة وباللغة الأنكليزية:

لماذا تقدمين لهذا الخنزير قبلي؟ وصف الشيخ الوائلي بالخنزير لأنه يختلف عنه مذهبيا، وهذا منهج السلفيين التكفيريين، لم يتصور الخليجي أن الوائلي يعرف الأنكليزية لأنه لا يعرفه شخصياً، بل حكم عليه بالجهل والكفر من زيه الديني الذي كان يرتديه الدكتور الوائلي، لم يرد عليه الشيخ الوائلي، بعد فترة من الوقت جاءت المضيفة مرة ثانية لتقدم شيئا أخر الى ركاب الطائرة، وصلت الى الدكتور الوائلي وقدمت له الضيافة كونه جالسا في المقعد الأول، لكن الشيخ الوائلي لم يستلم ما قدمته المضيفة بل كلمها بالأنكليزية وقال لها:

قدمي لأخي قبلي، تعجب الخليجي من جوابه لأنه تصور أنه لا يتكلم الأنكليزية أولا وثانيا تعجب من رده عندما قال للمضيفة قدمي لأخي قبلي، عندها تكلم الخليجي مع الوائلي وقال له أنا تجاوزت عليك وانت تقول للمضيفة قدمي لأخي قبلي، فأجابه:

هذه أخلاقنا وتلك أخلاقكم

وأنت ايتها الشاعرة تقولين:

يعز علي أن أتدنى

لأبادلهم طعانا بطعان ولو

كانت ضربتهم سهاما تفنيني

هذه هي أخلاقك وتلك هي أخلاقهم، أرى أن رحيمة بلقاس متفائلة على أي حال، ومؤمنة بقدرها، ولن تستسلم لآلامها وأحزانها وطعناتها، بل هي تعيش الأمل والأحلام الكبيرة، وتصر على التمسك بكل ما هو جميل في الحياة، آمالها كثيرة وكبيرة، الأمل رجاؤها وهدفها، وتعلن تمسكها بالأمل في عدة مواضع من قصائدها في قصيدتها (رحلة الأستثناء) تقول:

أسارع متسلقة سلاليم العلياء

    فرحة ببسمة الحياة

       بعودة الأمل

أنها مصرة للتقدم الى أمام، فهي رغم قساوة الظروف، وصدود الأحبة، تبقى متمسكة بالحياة وقوة الأمل، وتطمح لتحقيق أحلامها الوردية، تقول في قصيدتها (شمعة أمل):

أسافر بين أمسي وحاضري

      أحمل بالفكر أسري

      أشعل شموع  أملي

أما في قصيدتها (أرحل) فأنها توجه دعوة للحبيب بأن يرحل، لكن ألى أين يرحل ؟ الى مسافات في الروح والنفس والقلب أبعد، تدعو الحبيب الى الذوبان، هذا هو العشق الروحي الوجداني الذي يذوب فيه العاشق بالمعشوق، بعض أنواع هذا العشق يكون ممنوعا في عرفنا ومنه عشق الحلاج لمعشوقه (الله)  عندما تخيل نفسه ومعشوقه أنهما واحد وأخذ يتكلم بالنيابة عن معشوقه وكأنه هو، مما دعى الى تكفيره من قبل البعض، ممن لا يعانون آلام وحشرجات وذوبان وحرارة العاشقين العارفين، أما شاعرتنا فأنها تقول :

ارحل من جدار قلبي

   الى لب فؤادي

تجري عطرا بوريدي

وتكرر الشاعرة كلمة (أرحل) سبع مرات في نفس القصيدة، انها قصيدة رائعة، واعتبرها من الشعر الصوفي العرفاني الذي يغوص عميقا في النفس الانسانية .

 الرحلة مع قصائد (عناق سحر الحياة) جميلة وممتعة ومفيدة وفيها دروس وعبر، أنصح أهل الحب والعشق والوجد قراءة الديوان للأستمتاع والفائدة من  دروسه ومحطاته الروحية والنفسية والوجدانية، الرحلة مع ديوان رحيمة بلقاس تحتاج الى حلقات، لكني سأكتفي بحلقتين، وسأختم حلقتي هذه سائحا في كلمات القصيدة الأخيرة من الديوان (سبحانك ربي)، القصيدة عودة الى الذات للمحاسبة والتقييم، وأن تحاسب ذاتك على التفريط في  ألألتزامات تجاه الله تعالى أمر أيجابي ومؤشر على الصحوة ، في رأيي أنّ أندفاع الأنسان نحو الشهوات والأغراءات أنْ أعقبها ندم وتوبة فهذا أمر جيد، لأن الأقدام على محاسبة الذات ليس بالأمر الهين  بل هو صعب عند الكثير من الناس، في مجتمعنا نجد الكثيرممن لا يشعرون بأخطائهم لكنهم  يحصون على الآخرين أخطاءهم ، شعور الانسان بخطئه في نهاية العمر خير من أنْ لا يشعر بالخطأ حتى يفاجئه الموت، حينئذ يكون قد فات الأوان  وسيقابل الانسان ربه بالوجه الاسود لا سامح الله، الشاعرة في القصيدة تأخذ دورها الأجتماعي وتنبه الى مثل هذه الحالات فتقول:

سبحانك ربي

أليك نضرع بضعفنا

من ترحال يضنينا

تحاصرنا الذنوب

فنيمم لله الأكف

للعلياء نرفع النواصيا

في حماك نسجد غواشيا

يا دارا

خلت من أهلها

بين الأحجار

انطوت الأجساد فانية

كيف أرتضيتُ؟

سؤال أستنكاري موجه الى الذات، فيه تأنيب للضمير، ودعوة الى الذات لتعود الى رحمة الله الواسعة لطلب العفو والغفران من الذنوب، لأنه لا يوجد غير الله من يعلم المخفي منها:

منك ربي نأمل الغفو

فمن غيرك؟؟

يعلم الخوافيا

الشاعرة تتخذ قرارا وتتبنى فكرة مفادها توبة في نهاية العمر خير من لا توبة، وهذا في رأيي قرار صائب، لأن الله تعالى عندما فتح لنا باب التوبة، فتح لنا في قبالها باب العفو والغفران، ومن يغفر الذنوب غير الله جل جلاله:

ألهي يا رب الورى

من لنا غيرك مواليا

فاغفر لنا

واقبل توبتنا

وكن رحيما بنا

يوم توارينا الثرى

واهدنا

لو للعمر باقية

وأخيرا أوجه شكري وتقديري وامتناني الى الشاعرة رحيمة بلقاس، وادعو ربي أن يعطيها مديد العمر، والصحة الدائمة، والسلامة من كل مكروه، هي ومَن تحب، واتمنى لها المزيد من التألق والأبداع .

       

علي جابر الفتلاوي

  

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2443 المصادف: 2013-05-14 09:19:00