المثقف - قراءات نقدية

حميد الربيعي في "سفر الثعابين" .. سِفر الخيبة والإنبعاث

husan sarmakتمهيد: يمكن تصنيف رواية القاص والروائي "حميد الربيعي" على أنها من جنس "الرواية القصيرة" (بالإنجليزية: Novelette) أو الأقصوصة الطويلة، وهي الرواية التي يترواح عدد كلماتها ما بين 10.000 كلمة و20.000 كلمة، أو أكثر من ذلك تبعاً لعدد كلماتها (أو عدد صفحاتها) . فإذا كانت من نوع الرواية الصغيرة غلبت عليها تقنية الرواية، وإذا كانت من نوع الأقصوصة الطويلة غلبت عليها تقنية الأقصوصة . ومن أحسن الأمثلة على الرواية القصيرة (موت في البندقية) (عام 1912) للكاتب الألماني توماس مان، و(الشيخ والبحر) (عام 1952) للكاتب الأميركي أرنست همنغواي.

وقد حدّد الدكتور أبو المعاطي الرمادي خصائصها في أطروحته التي نال بها درجة الدكتوراة في عام 2003م، وهي:

- حجم متوسط لا يمكن النظر إليه على أنه حجم لقصة قصيرة، ولا يمكن النظر إليه على أنه حجم لرواية طويلة، وهو حجم غير محكوم بعدد محدد من الكلمات .

- استهلال ذو طبيعة خاصة: فتميل الروايات القصيرة للاستهلالات المركزة المكثفة ؛ بسبب اعتمادها على شخصية محورية واحدة، وحدث محوري واحد، ولا يتعدى استهلالها الفقرة الأولى، وأحيانا السطر الأول، ويتميز بشيوع الحس الكوميدي، أو التراجيدى، والتأريخ للبطل والمكان .

- لغة مكثفة تقترب بالسرد من الشعر .

- ازدواجية الدلالة، فالكاتب لا يُصرّح بل يلمح، ويترك الكثير لعقلية المتلقى الاستشفافية، ودائما لسرده أكثر من دلالة .

- بطل محوري واحد: تقوم الرواية القصيرة على أكتاف بطل محوري واحد، وبقية الشخصيات فيها ملحقة بالمركز .

- حدث مركزي واحد: تقوم الرواية القصيرة على حدث مركزي واحد يستقطب كل مكونات العمل .

- وجهة نظر خاصة للواقع: تميل الروايات القصيرة إلى تحويل مدركات الواقع البسيطة إلى فعل مرئي محسوس، وتغلب المألوف واليومي والنادر والثانوي على الأساسي والمباشر.

- وصف موجز: تعتمد الرواية القصيرة على الوصف الموجز الفعال.

- ملمح السخرية: من العلامات المميزة للرواية القصيرة ملمح السخرية، ويكون أحيانا بأسلوب الاستفزاز، وأحيانا بالرسم الكاريكاتيري، وبالمواقف الكوميدية، والتعليقات المضحكة .

- فضاء خاص يتسم بالمحدودية، يستمد رحابته المكانية والزمانية من القفزات والوثبات الناتجة عن توارد الخواطر .

- إثارة الأسئلة: النص الروائي القصير يثير كمّاً من الأسئلة دون الاهتمام بطرح أية إجابات .

وعدد كلمات رواية "سِفر الثعابين" هو (11377) كلمة تقريبا . ورغم توفّر الكثير من الشروط الدقيقة التي أوردها الباحث السابق، فإن هناك شروطاً أخرى لم تتوفّر في حين أن نقصانات واضحة، وأحيانا فادحة، على المستوى اللغوي والتصويري والفنّي والبنائي المتعلقة بالفن السردي عموما، يمسك بها الناقد المحلل، وتؤثر في التقييم النهائي للرواية، ومدى توفّرها على اشتراطات الفن السردي الناجح . وفي وقفتنا التحليلية هذه ينبغي أن لا تنسينا الإشتراطات السابقة الجهد المميز الذي بذله الروائي في التوظيف الخلّاق لموضوعات مهمة مثل القهر السلطوي والطغيان وانسحاق الإنسان، الغياب والإنتظار والإنبعاث، "أسطرة" إرادة الإنسان المقاوم وسلوكه .. وغيرها . مثلما نجح – من الناحية الفنّية – في توظيف آليات الإرتجاعات الفنّية، وتعددية الأصوات، والحوارات الداخلية، لعبة الإيهام، والتصوير الفني .. وغيرها، مما سنتوقف عنده تفصيلياً . 

تتكوّن الرواية (90 صفحة) من خمسة أقسام هي:

1- الأحراش

2- الموكب

3- الثعابين

4- سِفر

5- المطاف

ولنضع في أذهاننا أن تقسيم أي عمل روائي ينبغي أن يخضع لضرورات فنّية وفكرية، وأن لا يأتي عشوائيا . وقد وظّف الروائي موضوعة ملازمة لهذه التقسيمات، تتمثل في التنويع على أوتار الضمائر الساردة من ضمير الغائب في القسم الأول، إلى ضمير الغائب وضمير المتكلم للجماعة ثم الغائب في القسم الثاني، إلى ضمير الغائب في القسمين الثالث والرابع، ثم ضمير المتكلم الأنثى (بنت المختار) في القسم الخامس، فعودة إلى ضمير الغائب في القسم الأخير، وهو "المطاف" الذي يتكوّن من صفحتين فقط .

 

 أحراش الحداثة السردية:

يستهل الروائي روايته بوصف حالة التشوّش التي تلف بطله الذي لن نعرف اسمه حتى القسم الخامس - على الصفحة 71 تحديدا -، وقد استيقظ منهكا يوجعه ألم خاصرته المزمن:

(من عالم آخر يُقدم، كان نائما واستيقظ . أحسّ برعشة تسري في الخاصرة ومن ثمّ تمتد إلى الصدر . حاول وقتها النهوض فلم يقوَ . بقي ساكناً لحظات . كانت الظلمة تسد المنافذ، فتحة صغيرة دون السقف تبعث خيطا رفيعا – الصفحة الأولى من الرواية سردياً والخامسة طباعياً) .

ولمن يتمسكون بالأطروحة التي ترى أن الإستهلال يضيء النص السردي، ويكشف مساراته الرئيسية، أقول إن هذه فكرة مبتسرة لا يمكن أن تثبت إلا على عدد قليل جدا واستثنائي من النصوص، وإن الرؤية الصحيحة هي التي ترى أن دور أيّ مكوّن من مكونات النص - الإستهلال أو العنوان مثلا – لا تتحدد قيمته في كشف دلالات النص مسبقا، بل تالياً بعد ان نكمل قراءة النص وتحليله، ونضعه في إطار "الصورة الكلّية" له . وإلا ما الذي يقدمه لك استهلال هذه الرواية غير معلومة مجتزئة وغائمة عن شخص مربك في مكان شبه مظلم . وعلى هذا الإستهلال يمكن أن تنسج خيوط ألف حكاية . قد تكون هذه الأطروحة مناسبة لدعاة منهج لاستجابة القارى – reader responce، مفتوح وغير منضبط، يشيد فيه القارىء حكايات قد تكون مناقضة لقصد الكاتب على نواة الإستهلال . ولكن المؤلف لا يموت وهو الذي سينسج خيوط حكايته الخاصة، والخاصة جدا به من "عقدة" استهلاله هذه التي لا يعرفها أحد إلا هو، معتمدا على نواياه – intentions المبيّتة هو نفسه . فمهما حاول البنيون أو التفكيكيكيون ونقاد استجابة القارىء اللعب على أوتار التأويل، ولعبة فصل الدال عن المدلول .. إلخ، فإن ما يمكن لأي أحد حتى لو كان من سكّان المريخ أن يلاحظه هو تماثل المعنى الشديد ويقينيّته . فلو قرأ مليون قارىء الرواية الجاسوسية ذاتها (مثل العميل رقم 7 لإيان فليمنغ) لافترض كل واحد منهم أنها قصة عن الجواسيس . ولن يخطىء أحد منهم فيخلط بينها وبين كتاب في الكيمياء الكهربائية . أمّا لو كان المعنى نتاجاً للتأويل لتوقّعنا أن نجد بعض النقاد ممن يرون أن "الدكتور لا" كتيّب في الكيمياء الكهربائية، وأن جيمس بوند اسم مادة كيمياوية . وما يمكن للمريخي أن يقوله هو أن للنصوص سمة مميزة تتمثل في أن لها معان متقنة ومحددة مرتبطة بها، وأن هذا واحد من الأشياء التي تميزها عن الأشياء الثقافية الأخرى، مثل أحجار البناء والناس، التي ليس لها مثل هذه المعاني . ويبدو أن المعنى – والكلام للناقد والفيلسوف ليوناردو جاكسون – المتاح للعموم في نص من النصوص يحدده موضوعيا ترتيب محدّد للكلمات التس يشتمل عليها هذا النص، واللغة التي كُتب بها، والأعراف التي تقرر كيفية قراءته، والإحالات اسياقية (إلى أوضاع واقعية، أو إلى نصوص أخرى) التي يمطن لهذا النص أن يطلقها في أزمنة محددة وفي سياقات قراءة محدّدة . (أحد الأمثلة على سياق من "سياقات القراءة" هو استشارة دليل الهاتف، ومثال آخر هو فراءة المرء قصيدة من أجل المتعة) . وعليه يمكننا أن نصرف النظر ودون ضرر عن ذلك التناول الذي يرى أن كل قراءة هي تأويل وحسب، وأن ما من قراءة موثوقة أكثر من غيرها، كما لو أن من الممكن ومن المشروع أن نقرأ "مرتفعات وزرنج" بوصفها دراسة رصينة في الحبّ السحاقي في الصين في القرن الرابع عشر . فهذه النظرة إلى التأويل هي طريقة الشخص ذي العقل الكسول في التأكيد على أن ما من شيء مهم لكي يتم تفسيره . ووفق هذا المفهوم ستبقى هذه الرواية "سفر الثعابين" رواية "ما" خطط له القاص "حميد الربيعي" وليس أحداً سواه . أما تأويل "قصده" وفق مخزونات وخلفية القارىء الثقافية فهو ممكن وفق حدود معيّنة وليست مفتوحة بالطرقة الدردية أو طريقة استجابة القارىء ابدا . ومناسبة هذا القول هو ما قرأته من تأويلات لهذه الرواية ما أنزل الله بها من سلطان، وكلها تتدرّع بمبررات الحداثة النقدية والسردية بصورة مباشرة أو غير مباشرة .

 

 مضاعفات التماهي المفرط .. الغرق في التفصيلات:

ولو مضينا بضع خطوات أخرى مع الكاتب بعد استهلال روايته، فلن يعطينا هذا التقدم ضمانات لفهم شامل كامل:

(السقف، الذي هو حجارة محفورة بعدة مواضع وفيها بعض الرسومات والخطوط المتقاطعة (..) لابدّ أن الشمس قد ارتفعت بعض الشىء عن طرف الجبل . استكمل نهوضه، الآلام تحوّل لحظتها إلى أنّات تخرج من حنجرة جافّة – ص 6 و7) .

فما زلنا بعد صفحة كاملة بعيدين بعدا تاما عن تأسيس أي تصوّر مستقبلي للقادم مما صمّمه الكاتب من وقائع لروايته .

ولا أعلم – كما قلتُ - لماذا أخقى الكاتب إسم بطله – ونحن لن نستطيع أيضا معرفة أن من يتحدث عنه الإستهلال هو "بطل" الرواية إلا بعد مراحل من القراءة – حتى الصفحة 71 حيث جعل إبنة المختار التي أحبته "تفشي" اسمه: "سلام ابو الخير" . فهذا التعطيل لم يحقّق أي إضافة على المستوى الفنّي . بل على العكس مما توقّعه الكاتب فقد أضعف الصلة السردية والنفسية بين القارىء والحكاية . كما أنه يُربك الناقد في تحديد توصيف لهذا "الشخص" المجهول الإسم الذي يتحدث عنه عبر أربعة اقسام . إن تحديد إسم الشخصية أو إخفاؤه أو تعطيله، يجب أن يأتي وفق "قصدية" تحقق أهدافا مضافة للكاتب خصوصا في الروايات البوليسية . وإذا طرح لنا الكاتب إسم بطله، فإنه سيساهم في تعزيز ملامح هويته واستكمالها بما يؤسّس صلة اقوى به من قبلنا كمتلقين . وعليه فأنا ؛ الناقد، من سيتعمّد كشف الإسم واستخدامه منذ البداية، لأن أي سبيل آخر سيُربك تحليلنا لوقائع الرواية، وسيتعبنا من الناحية الإقتصادية اللغوية والفسيولوجية .

ويواصل الكاتب وصف معاناة بطله في كهفه الجبلي شبه المظلم هذا، وكيف صارت حنجرته ورماً متكوّرا في منتصف المسافة (أي مسافة؟!) ويوحي منظرها بالجوع، وتصدر أصواتاً مبهمة، يستغربها في البداية، لكنه يقطعها حينما يحاول تنظيف حنجرته بسعلة قويّة) "تتشظأ" معها بقع من البلغم المجنون بتبغ أسود – ص 6) .

وقد بحثت في الكثير من القواميس عن الفعل "تتشظأ" فلم أجده . وحين ألاحق أدق الهنات والأخطاء والثغرات اللغوية، فليس من منطلق أنني "سيبويه" جديد، فمعلوماتي اللغوية قد لا تتجاوز معلومات صديقي العزيز حميد الربيعي، ولكن لأن التقويم اللغوي هو جزء أساسي من العملية النقدية حسب استطاعة الناقد، ولأن عملية التوصيل تستند إليها بصورة مباشرة وكلّية، مثلما هي أداة الكاتب المركزية في التعبير عن أفكاره ورؤاه .

وعبر لمسات بسيطة، يحاول الكاتب تقديم جانب من سلوكيات سالم وانشغالاته الشخصية اليومية، ومنها أنه يدخن بشراهة من كيس يحتفظ به معلقا برقبته "كيس التبغ حينما يكون خالياً، يتحوّل لكارثة – ص 6"، وأنه اعتاد على تدخين أوراق التبغ وغيره التي يقطفها . لكن لا يجوز تحت هذا الغطاء أن نضخّم الأمور البسيطة مثلما فعل الكاتب في الحديث عن "المشكلة الحقيقية التي تؤرّق سالم باستمرار، وهي أين يضع ورق اللف؟ - ص 7" في استطالة سردية لا ضرورة لها:

(أين يضع ورق اللف؟ يحتار وتربكه الإختيارات تحت، في الصدر، يتعرق، كون صدره غابة شعر يمتد فوق ملتقى الفخذين .. بيد عند الصدر يقفز بكل الإتجاهات، فيبدو دغلا كثيفاً – ص 7) .

كانت جدّتي تدخّن اللف وتضع دفتر ورق اللف "البافرة" في الكيس نفسه . فما هي المشكلة؟

إن "تماهي – identification" الكاتب المفرط أحيانا مع بطله يخلق لديه نزوعا لتضخيم أفعاله، وتحميل أقل تصرفاته بمعان واسعة ومعقدة غير قائمة فيها أصلا . وقد يغيّب هذا التماهي المفرط انتباهته عن الإلتفات إلى "أداة" التعبير عن تلك الأفعال والتصرفات وهي اللغة واشتراطاتها، فنجد حميدا يقول: "بيد عند الصدر" . وبيد إسم بمعنى "غير" ملازم للإضافة إلى أنّ ومعموليها مثل: فلان كثير المال، بيد أنه بخيل .

ومثل ذلك تقوله عن تمريره أصابعه فوق شعر صدره، وكيف تسري رعشة باردة، وأنه لا يلجأ لهذه العادة في كثير من الأحيان .. إذن هي ليست عادة، فما الداعي لذكرها . وكذلك عن رائحة الإبط . فالأهم ونحن في وقفة "تعارف" إذا جاز التعبير، يعرّفنا فيها الكاتب ببطله أن تُعطى السمات والملامح المركزية التي سيكون لها أثر في رسم صورته وترسيخها في ذهن القارىء مثل خفّته وقفزه كالغزال بين الصخور وأشجار الغابات المتشابكة، أو خشيته من الجندرمة الأتراك وجشعهم وشراهتهم، وغيرها من السمات والملامح المركزية التي ستكون نوى أو قواعد – حسب أهميتها – لإشادة وقائع وسلوكيات وثيمات عليها تغني العملية الحكائية، وتثري مسيرة البطل ومعلومات القارىء عنه .

 

 ضرورات إشباع الموقف السردي:

وفي قصّه لجانب من سلوك وملامح شخصية سالم في هذا القسم، نلاحظ أمراً آخر يُضعف وحدة المسار السردي، وذلك حين "يتنقّل" الروائي من موقف إلى آخر أو ثيمة إلى أخرى . علينا أن نُشبع أي فكرة يتناولها الكاتب مرتبطة بحالة معينة قبل أن نتركها معلقة ونافصة في ذهن القارىء . وينبغي أن لا "نقطّع" جسد الحوادث فنشوّهها . تحدّث الكاتب عن شراهة سالم في تدخين الأوراق، وكيف يقطفها من المزارع والطرقات . ثم تحوّل إلى الحديث عن كيس التبغ، والكارثة التي تحلّ حينما يكون خاليا، وإذا به يعود فورا إلى الأوراق، وكيف لا يتركها مسحوقة بيده طويلا .. إلخ، ثم عاد إلى الكيس الأصفر .. ثم معضلة أين يضع ورق اللف . لكن الإشارة امتدت إلى الكلام على شعر الصدر ! ثم تأتي قفزة إلى وصول سالم إلى الأطراف الجنوبية أو الغربية من الأناضول .. فعودة إلى شعيرات الصدر والإبط .. وهكذا لا نستكمل ملامح موضوع معين حتى نقفز منه إلى آخر، لنعود إليه بعد قليل، وهذا نهج يربك استجابة القارىء ويشوّش الإنسيابية القرائية .

ثم يخبرنا الكاتب بمعلومة عن مهمات سالم، فيقسمها إلى قسمين: شاقة مثل نقل الجرحى والمصابين بأمراض معدية، وسهلة كنقل أسلحة مخزونة في بلد آخر ! ولا أعلم كيف يكون تهريب أسلحة من بلد إلى آخر يسيرا؟! قد يكون التبرير هو أنه مهرّب محترف . لكن الروائي نفسه سوف يصف لنا بعد قليل – وبقدرة ممتازة – حدثا خطيرا يحبس أنفاسنا، ويثبت بما لا يقبل اللبس، مدى خطورة تهريب السلاح في العملية التي يقوم بها سالم لاحقاً .

نفس عملية "تقطيع" جسد الحوادث ستحصل الآن، والكاتب يحكي لنا موقفا يستعيده سالم حين حسب "الذي" بين الأشجار جندياً من الجندرمة، فبقى يومين وليلة يراقب المكان، ويحاول أن يصيب صاحب الجسد المختبىء برصاصة . يقطع المعلومة ليذكّرنا بأن فاضل يقدّر ابعاد الجسد، لأنه درس ذلك في معهد الفنون الجميلة، ليتخرج نحاتا، ولكن العميد طرده لأنه رفض ارتداء السفاري الزيتوني .. إلخ ليعود إلى الموقف المتوتر والمقلق الذي عاشه سالم، والذي ظهر فيه أخيرا أن"الجسم" المختبىء لم يكن لجندي جندرمة . وهل يُعقل أن تطارد "شيئاً" منذ أيام كما يقول الكاتب ولا تعرف ما هو؟!! ثم يقطع الحدث ويتحدث عن جشع الجندرمة ثم كيف أن صياداً عجوزاً قتل أربعة جنود منهم، وأن اسمه لم يُنس في البلدان الثلاثة، ومازالت الناس تطلقه على أسر المنطقة (لكن من هو؟ وما هي المنطقة؟ فهذا ما لا يخبرنا به الكاتب برغم أهميته في تاصيل "واقعية" حكايته) ليعود ويخبرنا أن الشيء المطارد كان " دبّاً " ذا رائحة كريهة . وعندما يصف حركة هذا الشيء الملغز يقول: "فالدبيب قريبا من الأرض يحدو – ص 10" . وهو تعبير متناقض حيث أن الدبيب هو الزحف الهادىء أو المشي ببطء في حين أن الحداء يناقضه (حدا الحادي رفع صوته بالحُداء، وحدا الإبلَ / حدا بالإبل: ساقَها وهو يغنِّي لها ؛ ليحثَّها على السّير).

 

 المكان هو وعاء الزمان:

وعلى امتداد هذا القسم، بل طوال هذه الرواية، يزاوج الكاتب بين وقائع الزمن الحاضر والزمن الماضي عبر تقنية "الإرتجاعات – flashbacks " الفنّية، بالحركة الذهابيابية بين وضع سالم في الكهف، وهو يعاني من ألم خاصرته المزمن وتوجّسه من غارات الطائرات المقاتلة التي أصاب واحدة منها ذات مرة، وبين ذكريات المهمة الخطيرة التي كُلّف بإنجازها، والمتمثلة بنقل السلاح بين دولتين لم نعرف اسميهما - ولا نعرف السبب الذي يجعل الكاتب يتكتم عليهما وقد حدد لنا ساحة عمله في كردستان، وخصوصا هو يكتب روايته في الكويت في عام 1986 وينشرها في دمشق في عام 2012 بعد زوال الرقابة والطغيان - وتجواله في المدينة التي لم نعرف اسمها في هذه الصفخات أيضا، في حين أن مرجعية المكان هي من أدق المرجعيات السردية، لأن المكان هو وعاء الزمان، والحدّاد الذي سيقوده إبن أخته إلى تجّار السلاح والذخيرة التي يحتاجها رفاقه خلال أسبوع ؛ رفاقه الذين وعدوه (فور انتهاء المهمة بإجازة طويلة، لم يحلم بها سابقا، ولم يحلم بها الآن، الإجازة للعلاج، وإن رغب فللدراسة، الخيار له – ص 15) .

ثم يخبرنا القاص بمعلومة سيتركها مستقبلا وهي أن سالم (قبل أن يدخل القرية احتار بالنقود . الحدّاد رفض استلامها:

- هنالك، عليك تقديمها .

حفر في الطرف الثاني للجدول الموصل إلى القرى وخبأ المال، ثم واصل طريقه إلى بيت المختار، يعدّه مقراً في سفراته ويبعد عنه العيون – ص 15) .

على الكاتب أن لا يترك المعلومات المهمة معلّقة أو يغفلها لاحقا . وبالمناسبة فالجدول ليس له طرفان أول وثان، بل ضفتان .

لقد خبّأ سالم المال وذهب إلى بيت المختار . وهناك يقتحم الخيّالة البيت . أي خيالة؟ ويتبعون أي جهة؟ لا نعلم ذلك .

هنا تتصرّف بنت المختار بمبادرة حازمة، حيث تسحبه إلى غرفة فارغة ليس فيها سوى سرير، وكأنها معدّة لهذه اللحظة، وتتعرى وسط شجار والدتها مع الرجال الاربعة، وهي تصيح بهم:

- إبنتي مع خطيبها (ص 16) .

وهي مبادرة مكملة من الأم في الوقت الذي خلعت فيه ابنتها ملابسها، والتحمت بسالم على السرير . وهنا يقدّم لنا الكاتب وصفا لا معقولا:

(قبل الصراخ تعرّت، ملابسها متناثرة في الغرفة وتشعر بثقل جسده فوقها، العرق بدأ يختلط، ثم أمسكت ما انتصب لتوغله بين فخذيها، طقطق شيء، إلتفتت صوب الباب حينما اقتحمه الرجال . لكنها ظلّت متواصلة معه، تراجعوا مخلفين الباب مفتوحا، الذي انتصب [= أي قضيب سالم] ما يزال رطباً وصلباً لحظة نهوضه، سحبت البندقية من تحت جسدها، أمّها عند الباب تقول:

-حسناً فعلتِ . لقد ذهبوا .

على السرير مسترخية، تومىء تريد الفستان – ص 16) .

هل يُعقل أن رجلا يوشك أن يُعتقل من قبل أربعة رجال قساة، وتحاول فتاة إنقاذه، ويستطيع قضيبه الإنتصاب؟ ثم هل لدى الفتاة وقت ورغبة واستعداد لإمساك قصيبه المنتصب، وإدخاله بين فخذيها وهي في هذا الموقف المرعب؟ هل سيعتب عليها الرجال الأربعة إذا لم تدخل قضيب خطيبها بين فخذيها؟

ثم لاحظ الغلطة المهلكة: فالأم تقول للرجال المقتحمين أن ابنتها مع خطيبها . فهل يعقل أن الخطيب ينام مع خطيبته عارياً ويمارس معها الجنس؟ أم هذه من وظائف وحقوق الزوج؟ لو قالت الأم: زوجها، لكان الأمر مبرّراً .

في الصباح، قاده قريب الحدّاد لمقابلة تجّار السلاح . يقول الكاتب: (سكنا في مقهى شعبيّة – ص 17) . وفي المقهى نجلس ولا نسكن . والمقهى مذكّر مثل مرمى وملهى ومبكى على وزن (مفعل) . ثم تتم عملية استلام السلاح وتسليم النقود بيسر، ويستعد سالم لرحلة العودة التي ستستمر لثلاثة ايام . ولا أعلم كيف يتم تكليف شخص بعملية تهريب سلاح شاقة جدا وخطيرة، وتتم على البغال كما سنرى، وهو مريض يعاني من الم مزمن ومتعب في الخاصرة يقطّع أنفاسه؟

 تصوير رائع للرحلة:

وفي وصف الكاتب لرحلة العودة يقدّم تصويراً رائعا وشديد التأثير في نفس المتلقي عموما، والعراقي تحديداً . وما لا يقل أهمّية عن ذلك هو هذه الروح "الإحترافية" بمعنى التعرّف التفصيلي على عمل مهرّب السلاح وتعامله الدقيق مع سلوكيات بغال المهمة وعاداتها وردود فعلها على الخوف (أصوات الرصاص) والإستفزاز (نفخ البالون وإقحام الغصن في مخرجها) . وحين كرّرنا كثيراً (إن القصة القصيرة فن، والرواية "علم")، فإن سلوك حميد الربيعي السردي في هذا الموقف هو واحد من شواهد مقولتنا هذه . يجب أن لا يبيح الكاتب لنفسه تناول مسالة "إختصاصية" من دون أن يكون ملمّاً بأدقّ تفاصيلها . يقول سومرست موم في كتابه "عشر روايات خالدة" إن فلوبير قرأ أكثر من 1500 كتاب استعدادا لكتابة روايته "بيكار وبيكوشيه" . ويبدو أن حميد الربيعي يتناول هذا الموضوع مسلّحا بالخبرة العملية وهي الأهم في فن الرواية . وقد ساعد استثمار الكاتب لإمكانت اللغة العامّية في موضعين مناسبين تماماً ؛ الأغنية الشعبية التي ردّدها سالم، ووصف حركة البغل الهائج، على تعميق أثر التصوير الذي قدمه في نفس القارىء:

(بدأ الموكب يتحرّك . بغلان في المقدمة ثم هو وبغلان خلفه . الصناديق مثبتة على الجنب، البندقية بين يديه، الشموع مربوطة بعتق بغل، الشمس وخيوط الظلام تتشر بكثافة وظل الجبل يخفي سير الموكب .

بهدوء ورويّة وأناة وصبر وأغنية "بويه اجعلني أمّك، وأريد ارباي منّك " . مرّت نقطة الجندرمة، الأخرى سيتجاوزها بعد قليل (.. ) سقطت حجارة، جفل البغل الأول، توقّف فارشاً اذنيه . رصاصة أزّت، تلتها رصاصة ثانية .. أربع صخور خلفها أربعة بغال .. لم يعد ثمّة مفر من أن يعيد ألعاب طفولته . يخرج البالونات، يعبئها بهوائه المعلول، يربطها بغصن، ويحشر الطرف الآخر في مخرج البغل . إلتاع من الألم فانطلق معربداً ... طلقة طائشة تستقر في الكتف . يندفق الدم حارّاً، البالونات تصعد، البغل يطارد و"يعنفص" كيفما شاء . كم صريعاً وقع؟ ..

يربط صندوق البغل الضائع . يربط نفسه تحت بطن بغل . يربط الجرح الذي في الكتف الأيسر بكتلة الشمع . البندقيّة جعلها تتقاطع بالعرض مع بغل .

يسير الموكب، بغل وبغلان في المؤخرة، هو في الوسط . قاد الركب بغل . "هندرين" على بعد يومين – الصفحات 20 و21 و22) .     

وقد ساهم ذكر كلمة "هندرين" – برغم أن الكاتب لم يقل أسلسلة جبلية هي أو مدينة؟! - في تعزيز صورة المكان أمام القارىء . من المهم جدا أن نعرف على أي أرض يتحرك سالم أو أي بطل لاي رواية . نحن لسنا هنا في مضمار جنس القصة القصيرة حيث يكون التركيز على الحدث المكثف المركز أكثر من التركيز على هويات الشخصيات ومجموع علاقاتها وتفاعلاتها . وإذا جاز لي الوصف يمكنني أن أقول أن القصة والرواية تشبه سيرك في سوق يوما ما . وقوفك أمام أي محل أو مقهى أو لقاؤك بصديق غائب .. إلخ في السوق، هو قصة قصيرة . ولكن مجمل رحلتك في السوق ؛ بالمحال التي تقف عندها وتتعامل مع أصحابها، والسلع التي تشتريها والبشرالذين تلتقي بهم، والحوادث والمصادفات التي تقع لك مع البشر والموجودات في السوق .. إلخ، هي رواية . طبعا هذا الوصف مبسّط وتوضيحي . رحلتك في باص من منطقة إلى أخرى في مدينة هي قصة . أما رحلتك مع جمع من البشر في حافلة من مدينة إلى أخرى فهي رواية . والمثال مبسّط من جديد . كيف ترحل مع شخص من مدينة إلى أخرى، ويجلس بجوارك ولا تعرف عنه شيئا كاسمه مثلا، أو لا تعرف معلومات عن الشركة وسائق الحافلة والطريق والمدن التي سوف تمر بها؟ وعليه فإن تحديد هوية الشخصية أو الشخصيات الرئيسية في أي رواية هو مسالة حساسة وحيوية . وقد أضفى ذكر اسم "هندرين"، أيضاً، معرفة نسبية حول وجهة سالم المقبلة . هو ذاهب إلى العراق بعد أن جلب سلاحا لرفاقه من دولة مجاورة لا ندري أهي إيران أم تركيا، لأن الجندرمة مصطلح لصق بذاكرتنا مرتبطاً بالإحتلال العثماني . من دون هذه المعلومة، وعلى الرغم من بساطتها، ستبقى رحلة سالم معلقة في الهواء وبلا اتجاه أولا . واتجاهه يعني "القصدية"، قصدية الفعل، التي تميّز الإنسان عن الحيوان . وتعني فتح دائرة "التوقّع" في ذهن القارىء للمزيد من الوظائف والأدوار والعلاقات والمخاطر . كما أنها تعني محاولة – ولو جزئية – لعملية "الإغلاق - closure"، إغلاق "دوائر" بعض الأفعال والمهمات، وفتح دوائر أفعال أخرى . إن ما نلاحظه على الكثير من النصوص – المحلية والعربية والأجنبية - التي تُكتب في العقود الأخيرة، وبتأثير المد البنيوي ثم االتفكيكي وتوجهات الرواية الحديثة، وسوء فهم متطلبات الحداثة، هو إلغاء المكان أو اضمحلال ملامحه وضعف دوره في الرواية . ولهذا حديث طويل ليس هنا مجاله .  

الآن، أكملنا تأملاتنا التحليلية في وقائع القسم الأول، وطبيعة شخصية سالم وسلوكياته ومتغيرات علاقاته مع من حوله . هو أصلا طالب مفصول من معهد الفنون (قسم النحت) بسبب سلطة العميد الغاشمة من جانب، والسلطة العامة الطغيانية من جانب آخر . ترك العاصمة والتجأ إلى كردستان، ليقوم بمقاومة السلطة، وينقل السلاح عبر الحدود في مهمات أصيب في آخرها برصاصة في كتفه . ورغم ذلك نجح في الإفلات من مطارديه ونقاط السيطرة للعودة إلى "هندرين" في السليمانية . ارتبط بعلاقة حبّ أولية مع ابنة المختار الذي كان يؤويه في بيته خلال مهماته . هو مريض مزمن يعاني من الم الخاصرة . والآن هو في كهف جبلي آمن بسبب جرحه البليغ .

 

 مواكب الذاكرة الحزينة:

في القسم الثاني "الموكب" يواصل الكاتب حكايته بضمير الغائب أولا حيث يتحدّث عن ذكريات ومشاهد مرتبطة بـ "موكب" العزاء الحسيني:

(قبل الوصول الى الباحة، التي تطل زاويتها السفلى على المرقد، تأتي المواكب، طويلة وتسير ببطء، قادمة من أنحاء قصية، من القصبات والقرى المنتشرة قرب حدود المدن يقدمون . رجال ملتحون فوق خيول بيضاء، تمشي خببا، لا تسمع صهيلها رغم الزحمة واكتظاظ الناس على الأرصفة، أصوات أخرى تعلو وتختلط، تندمج بين المارة والمتجمهرين في الساحات . أنّات حزينة وصوت بكاء، عويلا على مقتل “الشهيد” في ذكراه السنوية .

الموكب بعد وصوله ينزاح فاسحا المجال لاخر سيقدم بعد حين، يخرج الناس من السراديب، يرمقون التشييع الذي يتم عادة مرة في العام - ص 23) .

ولعل من تسلسلات السرد الغير موفقة هو أن مفردة "الموكب" قد استعملت – في القسم السابق - أكثر من ثلاث مرات لوصف موكب البغال التي نقل عليها سالم صناديق السلاح .

وارتباطا بصفة "البيضاء" التي وصف الكاتب بها خيول المواكب، وجدت أن صيغة "فعلاء" للجمع قد تكرّرت عشرات المرّات في الرواية . تكررت لفظة "بيضاء" فقط في أكثر من تسع مواضع: غيوم بيضاء، حلقات بيضاء، بالونات بيضاء .. وغيرها . وكلها خاطئة، والصحيح هو: بيض، لأن القاعدة للألوان هي أن يكون المفرد المؤنث على وزن فعلاء مثل خضراء، والمفرد المذكر على وزن أفعل مثل أدكن، وكلاهما يجمعان على وزن فُعْل: دُكْن وخُضْر . ألم نقرأ في القرآن الكريم: (سبع سنبلات خضر) ؛ القرآن الذي يهمل قراءته الشباب من كتابنا مرة في السنة على الأقل، ويلهثون وراء مؤلفات بارت ودريدا برغم أهمية الأخيرة .

وسيطلعنا الكاتب على حقيقة أن هذه الذكريات المستعادة عن طقوس العزاء الحسيني، ترتبط بطفولة سالم الذي كانت والدته تحمله على كتفيها كي يراقب مشاهد التمثيل . كما يشير إلى ميله "التبصصي" وهو في تلك السن الصغيرة حيث "كانت تستهويه مراقبة العباءات السوداء الخارجة من الحارات . وعندما يقتربن يلاحظ بريق العيون السود والذراع البضّ لحمه – ص 24) .

ومن ذكرى الماضي الطفولي الجميل في ظلال الأمومة هذه ينتقل الكاتب إلى حاضر سالم وهو يقود "موكب" البغال جريحا نازفاً منهكا:

(الموكب يسير ببطء. كان قد اجتاز طرف الجبل الذي ظلله بعدما انطلق الرصاص. الليل يتشرب المكان. ظلام حالك يرافقه صمت مطبق حتى من الريح - ص 24) .

وكم كنتُ أتمنى أن يعرض الكاتب هذا الوصف الجميل، وما تلاه من أوصاف للطبيعة القاسية التي مرّ بها موكب سالم، مرتبطة بحيثياتها الجغرافية الحقيقية، مادامت هذه الإمكانية متوفرة لديه كما يتضح من الصور التي رسمها لطبيعة المنطقة، لا أن تكون الجبال والوديان والقرى والبيوت هي كأي جبال ووديان وقرى وبيوت في أي مكان من المعمورة .

وعلى أي روائي أن يتذكر – كما أشرت سابقا - أن الرواية "علم" حين تُقارن بالقصة القصيرة التي هي فن . ومن اشتراطات هذا "العلم" الذاكرة الحادة المتوقدة، التي تنتبه لحركة المتغيرات في مسار الرواية الطويل، مقارنة بمسار السرد الفصير في القصة . عاد سالم بموكبه تطارده الطائرات والجنود المعادون:

(قبل فترة حلقت طائرة .. لم يرها لكنه سمع الصوت .. حلّقت بدوائر لولبية ثم انسحبت صاعدة إلى كبد السماء – ص 25) .

فكيف لم يرها، وعرف أنها عملت دوائر لولبية؟

ثم يعود الراوي إلى الماضي مسترجعا ذكريات مواكب العزاء الحسيني في مدينة سالم الصغيرة، التي لا يذكر اسمها الروائي حتى الآن، وليست بسر ولا تنتقص من الرواية، بل بالعكس تعزز قيمتها وتماسك نسيجها وتغني دلالاتها المكانية:

(لم تكُ المواكب، في مدينته، صغيرة هكذا (يقصد المقارنة بموكب البغال الصغير – الناقد) ربما يكون طرفها الآخر خارج حدود البلدة التي يتوسطها المرقد . يُقدم أولا حملة الرايات ... يلي المهرّجين رجل يحمل دفّاً كبيراً – ص 25) .

وهنا لدي ملاحظتان تتعلق الأولى بحذف نون الفعل "كان" المضارع حيث تكرر كثيرا في الرواية لسبب ومن دون سبب . صحيح أن إبن مالك يجوّز ذلك في ألفيته لكن هذا مصدر لا يُعتد به قياسا إلى اللغة القرآنية . وقد حدد النحاة عدّة شروط لحذف نون كان المضارع هي: أن يكون المضارع مجزوما، وأن تكون علامة جزمه الســــكون، وألا يتصل المضارع بضمير نصب، وألا يأتي بعده حرف ساكن .وعليه فجملة يقول فيها الربيعي "لم تك المواكب" لا تقع ضمن هذه الشروط .

أما الملاحظة الثانية فتتعلق بذكر "المهرّجين" في الموكب الحسيني . وأعتقد أن هذه من طقوس مواكب الملكية الغربية في القرون الوسطى أو من مكملات المسرح الشكسبيري إن لم أكن مخطئاً .

ولا أعلم لمَ لم يركّز حميد، إلا في موضع واحد سريع من هذا القسم، على المشهد الرائع والمؤثّر فنّياً ونفسياً، والذي سارت فيه مجموعة البغال، وسالم مربوط إلى بطن أحدها، وهو يئن من ألم الجرح وينزف دما؟!:

(الأوراق تتساقط تحت أقدام البغال التي تنتظم بخط مستقيم في سيرها وبينها شاب . دمٌ يبقّع الثوب الذي تتهدّل أطرافه مادام مربوطاً إلى بطن بغل . الحبل الذي يربطه بالآخر يتوتر مرّات حينما يتعثر، لكنه لا يتوقف . قائد المسيرة يشق طريقه رافعاً رأسه، يتطلّع إلى صوت غريب .. سكون تام .. الأنين يتحوّل إلى وجع يخنق صدره . يرغب بلف سيجارة . أنّى لقائد الركب أن يعرف هذا؟ يحسّ ببطنه مصفّدة . يمدّ يداً إلى الضلوع ولا يطول كيسه . أهله يشدونه في الوسط، لماذا خالفهم؟ - ص 26 و27) .

وبين وقت وآخر تحصل عودة ذاكراتية لاستمداد العون وقوة الإرادة، حيث يرتفع من أعماق الذاكرة صوت الأم، وهي تدعو طفلها إلى أن يقتدي بذاك الذي أهل بيته حوله، وكان يعرف موته (ص 27) .

 

 مفاجآت .. وتوقيتات غير موفّقة:

وفي مفاجأة غير متوقعة تصل بنت المختار باحثة عن "ذاك الذي أشعل لهباً ثم رحل – ص 28"، وتطلق ضحكة وهي ترى الطريقة الغريبة التي ربط بها سالم نفسه إلى بطن البغل .

وهنا يحصل الأمر الغريب، الذي لا يمكن إلا أن يعكس دوافع لاشعورية، سيضيع الغوص فيها التركيز على الخطأ الفني . فسالم مربوط إلى بطن البغل بقوة عبر مسيرة يومين .. جريح منهك .. ينزف .. وابنة المختار، ويا للعجب، تداعب عضوه التناسلي الآن:

(أصابعها تداعب جسده، حين بدأت الحديث كانت عند الرأس . الآن وصلت إلى الدغل (..) شعرتْ أنه يسترد انفاسه بهدوء، مرّرت اصابعها قليلاً إلى الأسفل . سيوصلها الخط النازل إلى الذي دلع نارها وظلّت متقدة ليلة ونهاراً – ص 28 و29) .

إن انشغالنا بما هو "أسفل" يضعف ويشوّش تركيزنا على ما هو "أعلى" .. واللغة "فوق" برغم أن جذورها تكمن في "الأسفل" في اللاشعور:

(الجرح فتح فاه فأنّ بآهة متقطعة .. مسّدتْ الجرح بأنمل كأنه حرير – ص 29).

وأنمل إنمالا: كذّب، فسد ونمّ . أما الأُنْمُلَةُ فهي المَفْصِل الأعلى من الإصبع الذي فيه الظُفْر . والجمع: أَنامِلُ . وفي التنزيل العزيز: آل عمران آية 119 (وَإذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيكُمُ الأنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ) . وأعتقد أن ما يقصده حميد هو الأنامل وليس الأنمل .

الآن تجلس إبنة المختار مع سالم يدخّنان، وقد جعلا البغل وسادتهما لأنها لم تحلّ وثاقه، ومازال سالم مربوطا إلى جسد البغل . وهنا سوف يحصل أمر أكثر غرابة، حيث يرفض سالم فك الحبل، ويقرّران ممارسة الجنس وفق طريقة لم نشاهدها حتى في أفلام البورنو التي أدمنّاها أيام المراهقة المجنونة:

(يبعد البغل رأسه . يتقاطعان عند الوسط . تضع يدها تحت الورك . تحاول أن تطوله جيداً . رعشات الملامسة تصير دفقاً . الجسد يرتجف . يتعالى التأوّه . ربّما صهيلاً كان . الريح تصفر، والبغل يهتز، والصراخ غمر المكان – ص 30 ) .

وفي غمرة هذه النشوة الجنسية الغريبة والجامحة، يأتيه صوت أمّه من الأعماق السحيقة، الصوت الوصيّة:

(لا تدع الزمن يسرقك)

.. فيتساءل سالم: "أمن المعقول أنّ أحداً يدركه الموت دون تحسّس دفء امرأة تنطرح بجانبه؟ - ص 30 ) .

وبعيدا عن أي تخريج وجودي ملفّق، يجب أن يكون الناقد عمليّاً وشديد اليقظة . إذا كنّا ثوّاراً، ونقتدي بالحسين الشهيد (هذا الذي حوله أهل بيته، والذي كان يعرف موته)، فيجب علينا أن نفكّر بـ "القضية" قبل الجنس .. وبتوصيل السلاح والأمانة قبل تفريغ ضغوط الشهوة . وبهذه الحركة الواحدة التي صمّمها اللاشعور وألعابه الماكرة، أجهض الكاتب مخططات الوعي في استعادة أوجاع المواكب ومرارة تجربة الشهيد وعِبَرها الدفينة .

وفي الرواية، كما قلت كثيرا، يجب أن يضع الكاتب مخطّطاً "عامّاً" مسبقا لمسارات روايته، يفضّل أن يُرسم على ورقة، يضعها أمامه، لتذكّره بالشوط الذي قطعه، وما أنجزه وما تبقى من مشاهد وحركات وصراعات وافكار ورؤى . وأؤكد على صفة "العام"، لأن الرواية عند الكتابة تقود نفسها بنفسها أحيانا . فأتساءل وفق هذا المعيار كيف كان تصوّر الكاتب عن تناوب تداعيات بطله عن مواكب الطفولة وارتباطها بوقائع حياته الراهنة أولا، وتوقيت تعاقب هذه الإرتدادات الفنّية مع تسلسل الحوادث القائمة في الحاضر ثانياً .

لقد وصلنا نهاية حلقة من حلقات الحوادث الراهنة المتمثلة بالممارسة الجنسية العاصفة، التي جمعت بين سالم وبنت المختار، التي لا نعرف من اين جاءت وكيف ظهرت .. ولكن يجب أن نعرف كيف تختفي، ولماذا؟

الآن يعود بنا الكاتب إلى سالم وحيداً، ويصف حاله، متعباً، يقطع المسافات بين الغابة وطرف الجبال، وكيف عليه أن يتخفّى طوال النهار:

(فكّ أربطته . الجوع يقرص المعدة . يجمع التوت الأحمر كومة كبيرة . يتناول حبّات لكن الظمأ شقّق الشفة .. حتى تبرز الأشعة البيضاء عليه أن يستلقي، التوت فوق الجرح، تنتابه رعشة شديدة . يمزّق طرف القميص، مازال نظيفاً . نوبات الألم تأتي متتالية، مرّات ترافق وجع الخاصرة – ص 31) .

وحتى نهاية هذا القسم الذي يصل فيه سالم إلى الشلالات، فإنه يصل وحيدا، فأين اصبحت بنت المختار؟ وهل جاءت لتمارس الجنس معه فقط، ثم تعود إلى بيتها؟

ولا تحدّثوني عن التصدّع الزمني، والفلاش باك وألعاب الذاكرة، فأنا لستُ حماراً يحمل أسفاراً نقدية أو قرائية . أمارس النقد منذ أكثر من ثلاثة عقود، وأقرأ النقد الغربي والرويات العالمية – باللغة الإنجليزية أحيانا – منذ أكثر من أربعة عقود . وفي لحظة ختام هذا القسم، وحيث وصل سالم منطقة الشلالات كمحطة للخلاص، وحيث يزاوج الكاتب بين ذكرى عطش الشهيد الغائرة في الوجدان، وسقوطه صريعاً قرب الجرف، وبين سالم الجريح المستنزف الذي يسحبه البغل:

(ماسكاً بحبل الثالث يتقدم، يتفتّح أمامه الشلال دوامة رعب . كان الفارس يشق دربه إلى الفرات، يسقط صريعاً قرب الجرف . لم يبلل ريقه . مياه الشلال عند القاع جداول ممتدة . الموت عطشاً . الموت في المياه . البغلان يتطلعان لثالث يجر جريحاً . يفسحان الطريق لهما. الشلال يواصل هديره – ص 37) .

لا تستطيع نسيان مشهد ممارسة الجنس المحتدم والغريب، ولا واقعة أن سالم فارس يقود بغالاً، وكلاهما أرخيا صلات الربط بين الماضي والحاضر .. بين صورة الأنموذج .. وسلوك البطل الراهن .

حمل القسم الثالث تسمية "الثعابين"، ويستهله الكاتب بصورة شديدة الروعة والدقة والفرادة حين يصف الشلالات "كحمل سيبتلعه أسد فاغر فاه":

(المدينة تقع في واد ؛ سلاسل جبلية تمتد شرقاً حتى تحاذي الحدود، عندها تنتشر الجداول . في الغرب تنشطر الجبال بالشلالات، تبدو مثل حمل سيبتلعه أسدٌ فاغر فاه – ص 39) .

وهذا هو الدور العظيم للفن في حياتنا ؛ أن "يحيي" تصوراتنا البليدة عن الموجودات وحركة الأشياء، والتي شحبت قيمتها الجمالية بفعل العادة والرتابة وركود الأحاسيس ؛ ينفخ الفن روحا جديدة في التشكيلات الواقعية الموميائية لتأتلق حضورا عبر الشعر . وهنا اذكّر بضرورة التوظيف المنضبط والمحسوب للغة الشعرية في مسارات الوظيفة السردية، والتي يمكن أن يسبب الإفراط في استخدامها أضراراً بالغة كما سنرى .

 

 التسميات وتحديد ملامح المكان والشخصيات:

 ومرّة ثانية وعاشرة أؤكد على المسمّيات . المدن والأشخاص والجبال والأنهار يجب أن تُسمّى، ولا تكون غفلا من أي تسمية . التسمية تعني الوجود .. والأشياء في الكون لم "تنوجد" إلا بعد ان سمّاها "الله" . هذه من عبر أسطورة الخليقة حين طلب مردوخ أسماء مجلس الآلهة الحسنى .. ثم مزّق الشبكة بالكلمة .. بالتسمية . ومن دروس الخلق في القرآن الكريم "علّمه الأسماء" . وحميد يستهل هذا القسم بالحديث عن المدينة، التي هي أول مكان وصله سالم بعد تركه العاصمة الكئيبة، وصار يعرفها الآن كما يعرف راحة يده، ولكنه لا يسمّيها أو لا يعيد تسميتها ولا أعرف السبب . وبدلا من أن يقول في استهلال هذا القسم: "المدينة تقع في واد .. إلخ – ص 39" كان يمكن له أن يقول: "والسليمانية أو هندرين تقع في واد .. " مثلا . والشيء نفسه ينطبق على تسمية الأشخاص . فبعد الإستهلال يتحدث عن أحوال المدينة وطقوسها، وعن علاقات سالم بالناس فيها، ويخصّص وقفة بمقدار صفحة عن صديق يحاول إقناعه بعدم مواصلة مشواره منفرداً:

(- نخاف عليك. أنت تعرف الأوضاع الأمنية .

لم يكترث .. ظلّ يلاحقه فترة ليست بالهينة ..

- أنت أنظف وأرفع مما قيل . لا يهمك و.. – ص 41) .

ومن المؤكد أن القارىء سيتوقف عند عبارة (أنت أنظف وأرفع مما قيل ..) ويتساءل: أنظف من ماذا؟ وأرفع من أي قول؟ فأقول إن هذا جزء من تقنية "الإستباق السردي" الذي اتبعه الكاتب هنا بنجاح .

ولنواصل متابعة تعامل سالم مع إلحاح صاحبه:

(- دعني .

قالها صادماً .. إنسحب تاركاً صاحبه .. بيد أن الآخر لا يكل . جرى خلفه ..

قفل مستديراً بيد أن الصاحب من هرول إليه . كان عناقا حاراً . الكلمات ذابت في حرارة الأحضان . مثل صديقين إلتقيا تواً وافترقا . .

إن ولج المدينة فالثاني يعد الأيام بشوق لملاقاة صديق العمر – ص 41) .

فهل كانا (مثل صديقين) أو أصدقاء عمر؟ وصديق العمر هذا أليس له إسم؟

يواصل سالم السير (يبرطم الشفة بنوع من الضيق مخافة أن تسقط الكلمات منه . رفع رأسه علّ أحداً يراه يحادث دواخله – ص 42) .

وعلّ هي لغة من لعلّ بحذف لامها الأولى، وهي تفيد الترجّي ولا تصلح للتعبير عن تخوّف سالم من أن يراه أحد يحادث نفسه .

ومع مواصلة سالم السير يشاهد الشمس عمودية، وخلفها قرص معتم كأنه القمر . وهنا يدخل الروائي موضوعة أسطورية وخرافية مركّبة، هي موضوعة ابتلاع القمر للتعبير عن صراعات سالم وحالته النفسية المُقلقة:

(رأيتُ القمر قرصاً، الثعابين تقرصه . عمّا قريب ستأكله . إلى القاع أهبطُ متسوّلاً، أغتسل بغيوم تجرّها عربات الخشب، سائقوها يغطّيهم التراب، في القيعان أنزع أدراني . أصرخ: أيها القرص الذي تأكله الحيّات . تعال، نتطهّر من الضجيج – ص 42) .

وفي الموروث العراقي يعتقد الناس أن القمر يبتلعه الحوت فيهزجون "يا حوته يا منحوته ..إلخ"، ولكن في الموروث الهندي تعتقد بعض القبائل – وحتى يومنا هذا – أن القمر تبتلعه الثعابين . ولو تأملنا مسار التعبير الذي اتبعه الكاتب لتوصيل فكرته، فسنجده قد بدأ بالثعابين، وانتهى بالحيّات . كل ثعبان هو حيّة، ولكن ليس كل حيّة ثعباناً . كلمة ثعابين تُطلق بشكل عام على أصناف هذا الزاحف . وإن جميع الأفاعي سامّة، ولكن ليس كل الثعابين سامة . ولو عدنا إلى القرآن الكريم، لعرفنا الفارق الشاسع بين الحية والثعبان، وبين "فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى" و"فأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ" . الحيّة تُطلق على الصغير، بينما يُطلق الثعبان على الكبير المخيف .

المهم أن الكاتب أفلح في توظيف هذه الخرافة لتجسيد معاناة سالم الشخصية والجماعية، وهو يستعيد مظاهر الخراب التي عصفت بالواقع المحيط به، وخرّبت قيم الناس وحيواتها، مخاطبا القمر المهدّد ايضاً بثعابين الخراب:

(تعال ..

في الممر الأول مقابر ملكية، وفي الطرف الآخر جمهورية، وفي الوسط تنام النساء من البرد والجوع، الفتيات اللاتي ابيضّ لحم أذرعهن صرن يرقصن في الفنادق بعدما أكلهن جرب الموتى، وآخريات يسايرن شهوة جنود مدجّجين بالخراب، مخافة أتّون النار الموقدة عند الحدود والجبال .

المأوى الذي كان يوماً مرتعا لآمال عريضة صار الآن جمراً يحترق كل حين حتى نمل الإنتظار .. الثكنات التي يختبىء فيها الجنود صارت بيوت دعارة . يهرب الجنود من الحرب إلى أحضان المومسات، ويبيعون البنادق للمهربين – ص 42 و43) .

وعند وصول سالم إلى دكان صاحبه الحدّاد، وفي ذهنه تدور أهزوجة للأطفال "لو هلهلتي يا ميّاسة"، يقول الكاتب:

(التقط النغم فأطرق حديده على هوى "الهوسة" – ص 43) .

وهو يقصد أن الحدّاد صار "يطرق" حديده على إيقاع الهوسة المنغّمة، ولكن الفعل "أطرق" يعني أمال راسه إلى صدره وسكت ولم يتكلم أو سكت لحيرة أو خوف أو نحوهما .

وعلى الكاتب دائما أن يحافظ على وحدة المناخ النفسي المزاجي إذا ساغ الوصف، فلا يجوز أن ننقل أي شخصية من حالة مزاجية إلى أخرى بصورة مباشرة تقضي على حالة مزاجية تدعمها الحالة النفسية والإجتماعية الخاصة والعامة بالتباساتها المدوّخة وخرابها الشامل . كان سالم مكتئبا ناقما وساخطا على ما يراه من معالم الدمار الذي لحق بشعبه ومجتمعه، وإذا به يقف الآن عند باب الدكان، ويرقص الدبكة فرحاً مع الحدّاد، وعلى صوت نغم أجاده أحد المارة بالصدفة !:

(وقف مشدوهاً من النغمة التي يصدرها الطرق .

امتزج الإثنان [= سالم والحداد] معاً بالنغم فرقصا، الأول خرج من دكّانه والآخر كان عند قارعة الطريق يقف، دبكا سوية بصوت عال، على إيقاع النغم، الذي أجاده أحد المارة صدفة – ص 44 ) .

والمشكلة أن الأهزوجة الجميلة، كانت في ذاكرة وعقل سالم حيث استدعاها من ذكريات المواكب القديمة التي شاهدها في طفولته عندما "تصعد الثعابين لتقرص قرص القمر"، فكيف سمعها الحدّاد، وصار يوقّع ضرباته على الحديد وفق إيقاعها؟

وحين يجلس سالم على كرسي قدّمه له الحداد (وطبعا الحدّاد سيبقى بلا إسم حتى نهاية الرواية !) يقوم الأخير بمحاصرته بأسئلة حول محاولة تقديم سالم للمحاكمة برغم أنه قام بصدّ الهجوم (ص 44) . كجزء من التقنية الإستباقية كما اشرنا، وسالم يتجاوز أسئلة الحدّاد، ويحاول تغيير وجهة الحوار بالإلحاح عليه بأن يعمل معه في الحدادة . يوافق الحداد ويغادر دكانه، ويستل سالم ورقة، يرسم عليها مشاهد من خطوط قصّته، وقصّة جيله المريرة خلال الخدمة العسكرية حيث تعبيرات التذمّر القاسية على الوجوه، والتكشيرات الحادة الناقمة الصموت، وأحمال الأمتعة العسكرية التي تكسر الظهور .

 

 ثعبان القمع العسكري:

وعلى ورقة ثانية يأتي استخدام رمز "الثعبان" موفقاً ودقيقاً حين يمثّل (يرمز) لأوامر القائد العسكري المتجبّر بعصا غليظة، يبرز طرفها كثعبان، وثمّة أرقام كثيرة تظلل أسفل اللوحة، هي بمثابة أسماء الجنود المرهوبين من اوامر النقل التي تُتلى عليهم من العصا (ص 45) .

وعلى صفحة تالية، يخطّط لسرب طويل من المصفحات، وبوابة معسكر هو الوحدة التموينية لقاطع العمليات في غرب السليمانية . أي أن اسم الوحدة العسكرية الذي قد لا يغيّر كثيرا في مسار الأحداث نعرفه وبدقة، أمّا أسماء الشخصيات التي من لحم ودم وعواطف فلا نعرفها .

وحين يصل وحدته العسكرية، يُصاب بالرعب . لماذا؟

(ذاك أن قائد المنطقة استدعاه، خاصة إذا ما وضع في ذهنه ما يُقال عن سطوة ولواطة هؤلاء، القوّادون يختارون أجمل الغلمان للعمل في غرف القادة – ص 46) .

ولكن الكاتب لم يقدم لنا اي معلومة ولو بسيطة عن "جمال" سالم . على العكس من ذلك، كان يؤكد أنه قصير القامة، وأن ابنة المختار كانت تصفه بـ "الشيطان الصغير" !

الآن يقف سالم أمام آمر الوحدة العسكرية الذي يصفه الكاتب بالقول:

(فوق الخمسين تجاوز عمره . لكن خدّيه يتقطران دماً وحيوية . مرتجفاً بالكاد تصطك ساقاه من البرد – ص 47) .

ولم أستطع تحديد من هو الذي يرتجف، بسبب غرابة تركيب الجملة . وسوف أتوقف عند التراكيب الغريبة للكثير من الجمل لاحقا ً . لكن الآن نقف أمام إشكالية جديدة . ففي بداية الرواية أخبرنا الكاتب بأن سالماً رفض أمر عميد معهد الفنون الجميلة بلبس السفاري الزيتوني، وغادر العاصمة الكئيبة لاجئا إلى كردستان . أمّا الآن، فإن الكاتب يخبرنا بأن سالماً يقف أمام الآمر العسكري الذي يقرأ عليه "التهم" من إضبارته العسكرية:

(تلا عليه ما في ملفه، أي منها تقوده إلى التهلكة.

- فعلاً صنعتُ تمثالاً أمام جرف الشط، ورفضت اللباس السفاري .. و..

- أنت وقح – ص 47 ) .

فاي الموقفين نصدّق؟

ولكن لنتفحّص ردّة فعل الآمر، المتسلّط المستبد، على جندي تحدى السلطة وخرج على تعاليمها أيام كان طالباً، وها هو يتحدّاها ويتحدّاه، جنديّاً، بالإعتراف الجسور بالتهم الموجهة إليه والمحفوظة في إضبارته . إن الآمر يدعو الجندي للعب "الطاولي" . هكذا ببساطة وبلا مقدّمات . إن القصة القصيرة بفعل تكثيفها الزمني قد لا تتيح فرصة للكاتب لتبرير الأفعال وتوفير شروط مصداقيتها، لكن الرواية توفّر ذلك بقعل امتدادها الزمني . وينبغي على الروائي ألا يكون عجولا في المواقف التي تتطلب بناء وصبرا:

(- أنت وقح .

يضرب الطاولة أمامه، يفتح فوقها علبة نرد:

- تعال نلعب .

بوغت بالطلب، لكنه شعر بالإسترخاء:

- لا تخف، أنت ندٌ لي – ص 47).

وفي هذا اللقاء الأول، رمى الآمر سالماً بوسادة ثقيلة أصابت خاصرته، ومنذ ذلك اليوم بدأ يعاني من الم خاصرته الذي يصعد باتجاه صدره . وفي تلك الليلة ألقي في السجن .

كل هذه الذكريات المريرة استعادها سالم، وهو يخطط الوجوه والأرقام على الورق . والآن يتحوّل إلى "التنفيذ"، حيث وضع التخطيطات جانباً، وبدأ يصب السائل المصهور من البوتقة في قوالب مصغرة شكّلت "ملحمة لأقزام يتحركون من أول اللوحة إلى نهايتها – ص 48) .

ثم يقوم بتصرّف يمكن أن تختلف عليه الأحكام . فقد بدأ تساقط المطر متسقاً مع تمنياته، وما كان منه إلا أن يخلع ملابسه، ويقف عارياً أمام الأفق .

 

 اللغة العربية .. فطرة:

سأتوقف الآن عند المقطع الذي يلي هذا الموقف، ليكون مدخلي لتأمّل التركيبات اللغوية الغريبة، كما وعدت القارىء الكريم قبل قليل، وساضع تعليقاتي وتساؤلاتي على تراكيب الجمل وارتباطاتها بين قوسين:

(- ملعون الكلب الذي يجرح القطيع .

تلك الصرخة ليست بالجديدة، إذ طالما رددها في شوارع المدينة . كانوا يبصرونه مشدوهين (من هم؟) . في مرّة أطلقها عبر نافذة، من تلك التي بمستوى الأرض (أين؟ وأي مرة؟ وأين النافذة . أعرف أنها في سراديب النجف)، أبصر الدخان فقاربها (من هي؟) مع مدينته (من هي؟) . دخلها خلسة (من هي؟)، كالتكية يرتفع صوتُ (لمن ومن أين؟ وهل مشبّه الصوت بالتكية عادة أم بمشبه به مقارب؟) فيرنو الباقي إلى الصمت (منَ الباقي؟ أصوات أم اشخاص؟ وهل الصمت مجسّم فيرنون إليه أم مجرّد؟) .

يُكمل آخر من حيث توقف السابق (والصمت أين أصبح؟)، كل صوت يتلو مقطعاً من ملحمة (أي ملحمة؟ وبما أنها نكرة فهل الميدان مفتوح لتلاوة الملاحم؟) .

تبدأ المراسيم بالنقر، درويش على دفٍ كبير يدق (أليس الأجمل: يدق درويش على دف كبير، أو درويش يدق على دف كبير؟) الراقصون ينزلون تباعاً . كلّما ازدان النقر رقّة، ازداد هياج الرقص (أليس هياج الدراويش يزداد مع هياج دقّهم على الدفوف؟ ) .

بدخوله تبدأ السيرة (من هو؟ وأي سيرة؟)، كالتعويذة تسري بين الحاضرين – ص 48 و49 ) .

وحين اقتبست هذا المقطع، فلأنني وجدت صياغات تشبهه أو قريبة منه في مواضع كثيرة من الرواية، تُربك عملية التلقي التي اعتدنا عليها . على سبيل المثال، إن السمة الغالبة على الجملة العربية هي أنها جملة فعلية (ذهب زكي إلى المدرسة )، أما الجملة الإنكليزية فسمتها الأساسية هي أنها جملة إسمية –zeki went to the school . فلماذا نقول: إلى المدرسة ذهب زكي، أو زكي ذهب إلى المدرسة، بل لماذا نُربك بنيتها المعروفة المستقرة ونجعلها: ذهب إلى المدرسة زكي . خذ هذه الشواهد:

- درويش على دفّ كبير يدق . والأسلم من وجهة نظري القول: (درويش يدق على دفّ كبير)

- تحت خوذة كان الجندي يبرز (كان الجندي يبرز تحت خوذة أو الخوذة)

- السماء خلف غيوم سوداء تحجب (السماء تحجب خلف غيوم سود)

- فوق البغال الصناديق تُحمل (الصناديق تُحمل فوق البغال).

- الذي بعده يجلس يقف منشداً (الذي يجلس بعده يقف منشدا)

- طاولة قليلا عن الأرض ترتفع (طاولة ترتفع قليلا عن الأرض أو ترتفع عن الأرض قليلا)

- أدوات الحلاقة إلى العين الجارية يحملها

- سلسلة طويلة من الوصايا كأن الصديق آلة تسجيل يلقيها

- مما أجفله وجعله يكره الوقت الذي بالنرد غلب آمره

- ترفس أطرافه في الهواء معلّقة، كان قد صدته صخرة في عرض الطريق منتصبة

- لكنّه أصابه المسّ وكأن عقرباً داس !

- كان عند قارعة الطريق يقف !

.. وغيرها الكثير .

 

 لعبة إيهام موفّقة:

ومع استدعاء ذكرى المنقبة بمصوّتيها العشرة، وتخيّله دخوله وطواف الدراويش، يقدّم حميد الربيعي لعبة إيهام في غاية البراعة، يتنقل فيها بين الواقع والخيال، وبين الماضي والحاضر، انتقالا تلقائيا وسلساً وغير مفتعل، يصوّر عبره محنته الراهنة التي طرحها الكاتب على لسان الحدّاد بصورة استباقية:

(بدخوله تبدأ السيرة .. عشرة الحاضرون وبه يفتتحون كل أمسية منقبة المدائح، الذي على اليسار يبدأ ثم تطوف ..

- كان يحمل المؤونة لرفاقه، يا عيني .

الذي بعده يجلس يقف منشدا:

- صناديقه وبغاله اجتازت الشلال

أكمل التالي:

- جرح الكتف انفتق، أراد أن يستريح فاتخذ قمة جبل

الثالث ينهض مباشرة:

- تحته يزحف رتل، مجنزرة في المقدّمة ومجنزرة في المؤخرة، بينهما صف طويل

لم يصدّق . فرك عينيه علّه يرى وهما ً .

مازالت المنقبة تدور:

- حمل سلاحه على الجرح وأطلقها قذيفة نحو أول الرتل والثانية إلى النهاية، فأعطب رتل الزيتوني .

- حاصرهم بين آليتين معطّلتين، بهدوء كان يصطادهم، الواحد تلو الآخر .

اختلفت نبرة من نهض:

- عند رفاقه، في مقر الأنصار ألقى حمولته، صناديق مكسّرة بوغتوا من خلوّها .

الذي يليه بصوت جوهري أعلن:

- يقدّم إلى المحاكمة لخيانته الأمانة ومخالفة التعليمات بجلب صناديق فارغة – ص 49 و50) .

لقد اتضحت أبعاد محنة سالم الآن، فقد استخدم السلاح الذي جلبه بمهمته الخطيرة في تدمير قوة حكومية معادية حاولت أن تهاجم مقر الأنصار، وعاد بالصناديق فارغة . مبادرة مهمة بل عظيمة، لكنها خارج السياقات العملياتية كا يقال عادة . اعتبروا مبادرته التعرّضية التي أجهض ودمّر بها محاولة القضاء على مقر رفاقه فعلا فرديّا ومخالفا للتعليمات ! وها هو يداري جراح الخيبة بالترياق المجرّب: الفن . صبّ جدارية مثّل فيها الجندي والعصا والثعبان والرتل، واستعصى عليه التشكيل النهائي لـ "الطفل" .. الطفل الذي كانه والذي يرفض أن ينضجه إلى الشاب الذي تمرّد فتجرع مرارات العذاب والمطاردات والتخوين . يريد إبقاءه طفلا للبراءة منطلقا ببهجة في الحارات أو مستقراً بحنو وإلفة على كتف أمّه . لكنه الآن يحرق ناره بنار الفرن (ص 51) فتخنقه الهموم وتركبه الأحزان . يقرّر الخروج متعطّشاً لرؤية أصدقائه، تاركاً (أبواب الدكّان مشرعة، ضامناً أن الكلاب السائبة تحرسه – ص 52) . ولا أعلم كيف تحرس الكلاب السائبة دكّاناً !

قرّر السير في أزقة المدينة، مادامت غافية في أحضان الصبح . ولكن في أحد المنعطفات، باغته ملثم بطعنة قاتلة من (مدية كأنها نصل – ص 52) . والمدية هي الشفرة الكبيرة، وكل مدية أو سيف أو رمح له نصل فهو الحديدة القاطعة من هذه الأدوات الجارحة وليس مكوّنا مستقلاً !

هوى سالم مرتطما بالأرض بعنف، ملتمّاً على نفسه يضغط بقوة يائسة لإيقاف صنبور الدم الذي فتحته الطعنة التي مزّقت احشاءه بلا رحمة . وفي رحلة تذكّرنا برحلة (سانتياغو نصّار) بطل رواية ماركيز "أحداث موت معلن"، الممزق بطعنات إثنين من أخوة حبيبته، وهو يدور على الأبواب، حاملا أحشاءه ببرازها المندلق بين يديه، مع الفارق طبعاً، حيث تستولي على ذهن سالم، وهو يسير على الخط الفاصل بين الحياة والموت، تساؤلات عن الفناء ولعبة الحياة والموت وسنوات العمر الضائعة، وحيث لا يجد "الطفل" الكبير من ملجأ، وهو يلتم بين شدقي الموت، غير الرحم الأمومي المنعم:

(ترنح، لكنه استند إلى حائط، الأحشاء تتسربل خلفه، يحملها بين راحتيه، يبصر أن لا ثمة قمر فيها، استغرب لم الوقت صباحا، هل بهكذا سرعة تغيم الحياة؟ (...) ترى كم تطول هذه اللحظة؟ هل حقّاً سيغمض عينيه وبعدها العتمة الأبدية؟ ما لون الموت؟ أيأتي قاتما أم يمرّ خاطفاً دون أن يُدرك؟ سنوات العمر الممتدة من المواكب التي تغادر الفسحة إلى الجبال الشاهقة والضباب؟

- أمّاه ..

رعشات تمرق بأطرافه، يرتعش فيهوي ممدداً فوق الرصيف . الدم يعبر العلوّ ويسيل إلى الشارع، يغسل الطرقات من الأتربة يتدفّق سريعاً وهارباً – ص 53 و54 ) . 

وفي وصفه لحركة سالم شبه المحتضرة، قال الكاتب بأن أحشاءه "تتسربل" خلفه . تسربل بـ "السربال "، وهو قميص أو نحوه: لبسه، وتسربل بالسِّربالِ مُطاوع سربلَ: لبِسَه " ما زلت أرميهم بثغرة نحره ... ولَبَانه حتَّى تسربل بالدَّمِ: حتَّى تغطَّى بسربال من الدَّم "، وتسربَل بالمجد: تجلَّل به .

أما في ختام هذا المقطع فقد قال بأن الدم يعبر العلوّ، ولا أعلم شيئا مادّيا يُعبر واسمه "العلوّ" .

وحين أتحدث عن جوانب الضعف والهنات اللغوية نحوا وإملاءً وبناءً، فأنا لا أقصد الإستخدام الشعري في العمل السردي الذي حذّرتُ من الإفراط فيه مرارا وتكراراً، والذي تجده في مواضع كثيرة من الرواية أيضا منها – على سبيل المثال لا الحصر – هذا الصوت الآمر الذي يزعق طالباً جلب القاتل الذي طعن سالم حيّاً . فاي قارىء سيتوقع أن صاحب هذا الصوت الزاعق، المتحمّس للثأر لسالم، سيُنزل به قصاصا عادلا ومعقولا على جريمته النكراء هذه، وإذا به يقول:

(- أريد القاتل حيّاً . إنبشوا الأرض عنه، إكسروا المخافر، أريده حيّاً ينحني، يطبع قبلة على جبين الجريح الذي غام في وجعه – ص 55).

وهو عقاب "شعري" كما هو واضح .

ويختم الربيعي هذا القسم، بتداعيات هاذية، يطلقها سالم الطعين والممزق بصورة تحفظ وحدة وتسلسل حلقات الأفكار التي بدأت من العنوان "الثعابين" .. الثعابين التي ابتلعت اقمار حياتنا وآمالنا:

(- سنعالجك . كن مطمئناً .

ما زالت السماء تدور في عينيه . لا تدعو الثعابين تأكل القرص . كنّا صبيانا نحمل الدفوف . نخرج الحيّات . نشقّ جوفها . نحرج قرص القمر – ص 55 و56) .

 

 ذكريات الكهف المعذّبة:

حمل القسم الرابع من الرواية عنوان "أزمر"، وهي سلسلة جبلية معروفة في السليمانية، وعبرها ستنقل سالم الجريح مجموعة من رفاقه، لتأمين مكان يختفي فيه ريثما يشفى . ووسط صعوبات كثيرة بعضها مميت، ووسط احتفاء الناس ببطولته، يوصله رفاقه إلى ملاذ آمن، هو كهف كان قد شاهده من قبل . وتداعياته في هذا الكهف هي التي استهل بها حميد روايته في قسم "الأحراش" . وقبل أن يعودوا يخبره أحدهم بأنه قد تمّ فصله من قبل الهيئة القيادية .

وفي الكهف، يستدعي ذكريات موجعة أخرى، ذاقها على يدي آمر الوحدة الظالم المتعجرف، ومنها أمر غريب ولا يُصدّق، وهو تكليفه بأن يتحوّل إلى راعي . لكن يرعى أي شيء؟ يرعى "الدببة" بعد أن أعطاه الآمر كتيباً صغيراً: كيف تعتني بالدب في خمسة أيام؟ . ولا أدري هل هي نكتة هذه، يطلقها حميد وسط أجواء الرواية الجادة واحداثها المتوترة؟ إنها نكتة افسدت هذه الأجواء الجادّة المشحونة، فقد خدمنا في الجيش لأكثر من ربع قرن، ولم نسمع عن وحدة عسكرية عراقية تربّي الدببة لا في الشمال ولا في الجنوب ! وقد اعتبرتُ نفسي مخطئا، واتصلت بأصدقاء شيوعيين - إثنان منهم روائيان معروفان جدا – سبق أن قاتلوا في صفوف الأنصار في الثمانينيات، وبعدد من العسكريين الذين أدوا الخدمة العسكرية في الشمال، فأنكروا وجود تربية للدببة في القطعات المسلحة في الشمال مهما كان نوعها !

كما لم أستطع استيعاب "تراشق" سالم وآمر الوحدة بالوسائد .. هو يضرب الآمر بالمخدّة، والآمر يحتمي بشرشف المنام الأبيض الشفّاف، ويصيح:

-إهدأ قليلاً، لنتفاهم ! (ص 65) .

خصوصا وأن الكاتب قد قدّم لنا، سابقا، لمحة عن التاريخ السري للآمر وأمثاله بأنه لواطي يختار أجمل الجنود لخدمته !! فأوقعنا في إشكال لا مبرّر له في محاولة تفسير هذه "الميانة" والعلاقة الغير طبيعية بين سالم والآمر .

وفي هذا القسم أيضاً، يعود الكاتب لتذكيرنا، بأن سالم قد نحت تمثالا قبالة جرف النهر . وبما أن واحدة من التهم التي ضمتها إضبارته، واستعرضها آمر الوحدة أمامه، هي قيامه بنحت هذا التمثال، فمعنى ذلك أن هذا التمثال مرفوض من قبل السلطة الغاشمة . لكن لمن؟ ستنتهي الرواية ولن نعرف من هو صاحب التمثال (برغم أنني أتوقع ماهيته كناقد) الذي زغردت أخته حين أكمله ؛ أخته التي قالت لرجال الزيتوني بجسارة إن أخاها ينحت التمثال على الجرف فاذهبوا إليه، فأي روح رياضية يمتلكون؟:

( في مدينته كما في الجبال هذه، كان مشردا . ثمة امنيات تقبع في الجوف، يؤجلها عل الزمن القادم يتيح فرصة، أمه تسأل:”متى تعود؟” وقد أحست بأنها الأخيرة التي تراه فيها، لقد داهمها مريدو السفاري ليلتها، بينما أخته تجاسرت وأخبرتهم أن أخاها يصنع تمثالا قرب الجرف – ص 32 و33) .

وقبيل ختام هذا الفصل، يحاول الروائي لمّ خيوط مسارات ما مرّ بنا من وقائع حكاية سالم في حزمة واحدة، وذلك من خلال مزج المتخيل بالواقعي، والذكرى بالراهن، وعبر استثمار آية قرآنية معروفة من سورة "النور":

(يا لخراب المدن ! دب في جوفه حيّة، الحية في داخلها قمر، كمثل مشكاة فيها مصباح – ص 69 ) .

ومن جديد كان ما ابتلعه الدب ثعبانا وليس حيّة، كما أن الصورتين غير متطابقتين ولا متناسبتين، فالدب ابتلع حية، وبذلك اجتمع رمزان سلبيان، والحية ابتلعت رمزا إيجابيا هو القمر، فأشاعت الظلام والوحشة، أمّا نور الله المبارك الكوني فهو (نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ {سورة النور – الآية 35} .

 

 سفر الخيبة والإنبعاث:

حمل القسم الخامس عنوان "سفر" بلا تحريك حروف الكلمة، فلا تعرف هل هي سِفر بكسر السين أم سَفَر بفتحها . وأنا أعرف أنها "سِفر" بكسر السين اتساقاً مع العنوان: "سِفر الثعابين" . ولكن دعوني أولاً أثبّت المعنى القاموسي والتداولي لكلمة سِفر، ثم نمضي مع وقائع هذا القسم لنرى طبيعة العلاقة بين العنوان والمتن . السِّفْرُ: الكتابُ أَو الكتاب الكبير . وفي التنزيل العزيز: الجمعة آية 5 "كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً . والسِّفْرُ جزءٌ من أَجزاء التوراةِ . والجمع: أسفار .

وفي السطر الأول من القسم نقرأ:

(إسمه سلام ابو الخير، لستُ غريبة عنه – ص 71)

أي أن القارىء انتظر إحدى وسبعين صفحة ليطلعه الكاتب على إسم بطله، وهي ليست معلومة تُعطّل لتمثل مفاجأة سردية بأي حال من الأحوال . وإذا كان اسمه حسين سرمك حسن .. ما الذي سيحصل؟

والراوي المتكلم هنا، هي إبنة المختار التي تتحدث عن تعلقها بسالم، منذ أن دلق اللهيب بين فخذيها في الأيام الأولى .

ولم يخلو السرد من مبالغات وإفراطات منها ما هو شعري مثل حديث الفتاة عن "الحلم الذي يلتصق بالشرشف" (ص 71)، ومنها ما هو اجتماعي مثل تشجيع الأب المختار لابنته لأن تأخذ سالم بالحضن وتطفىء شوقها، وهو لا يمت لها بصلة اجتماعية بعد (ص 72) .

وحين تندهش البنت من جرأة أبيها تقول:

(أشعر لحظتها أنّ كل الشرايين تطبل زموراً لمقدمه – ص 73) .

والزَّمُورُ هو الغلام الجميل . والجمع: زُمُرٌ . وأعتقد أن حميداً يقصد المزمار "آلة النفخ الموسيقية" .. وهذا لا يُطبل به .

وأعتقد أن الكثير من سقطات الكاتب اللغوية، يعود إلى هذا الميل الملعون للشعرية المفرطة .. وأؤكد المفرطة، لأن جرعات محسوبة منها وفي مواقف منتقاة، هي مسألة ضرورية جداً . فهذا الميل المفرط يغيّب انتباهة الكاتب، ويضعف تركيزه على الحدود التي تفصل بين الواقع والخيال، وتجعله يستسهل مديات استخدام المفردة، وتوصله إلى حدود لا عقلانية لا تصلح لفن السرد . تصف إبنة المختار نغمة صوت سالم المحببة جدا إليها فتقول:

(هي نغمة محبّبة إلي جداً، وأفرح بعدم استعمالها مع الآخرين، يخصني بصوت شذري دون العالمين أجمع – ص 73) .

وهنا يثور سؤال حتمي: هل هناك صوت شذري؟ وآخر بلون آخر مثلاً؟

وفي استعادتها للقائها الأول بسالم، "الشيطان الصغير" كما تصفه، سيلاحظ القارىء أمراً غريبا، وهو أن سالم "المقاتل الثائر" دخل بيت المختار من الشباك ! لماذا؟ لا نعلم . ولعب بنهدي إبنة المختار الغرة آنذاك . وقد فتحت الشباك، ودخل وكأنه يدخل فندفاً:

- مساء الخير .. آسف .. الوقت متأخر .

لم يرض أن أوقظ أبي .. رمى الحقيبة قرب مسند السرير .. بهدوء قال:

- سأنام الليلة عندكِ .. في الصباح سنرى المختار .

(إذن هو يعلم أن للمختار بنتاً .. جاء إلى نافذتها ونام ليلة في سريرها)

.. أكثر من مرّة تمتد يده تحتضنني . وقد تمد لتقبض على النهد – ص 75 و76 ) .

وقد يحصل - وهذا مؤكد في مثل هذ الحالات التي يضع فيها مكر الغريزة غشاوته على عيني البصيرة - تواطؤ بين الكاتب والمتلقي، تواطؤ يتستر خلف سلوك البطل الذي يبدو في ظاهره مبهراً، حتى لو كان لا أخلاقيا . فوفق أيّ قيم ومقاييس، يدخل شخص غريب من نافذة بيت، إلى غرفة فتاة، ويبدأ بمغازلتها، والقبض على نهديها؟ ثم كيف تفتح فتاة، في قرية، شباك غرفتها لأول طارق، لشخصٍ لم تعرفه من قبل، وينام على سريرها حتى الصباح، ويداعب نهديها، وهي لا تعرفه أبداً؟

من الناحية الفنية، قد تُغري الحركة الدرامية المحتدمة والمثيرة الكاتب وتستدرجه، خصوصا عندما يدفع به تماهيه المفرط بعيدا، ليتجاوز دائرة الحضور الشخصي للبطل المتخيّل والمصنوع، ليحضر بنفسه على خشبة النص، مزحوماً بحفزاته واندفاعاته اللائبة، ليأخذ دور البطل الذي يخرق التابو .

وشخص يقوم بمثل هذا التصرّف الشائن، لا يمكن أن يكون ثائراً ومقاتلا وأسطورة كما يحاول الكاتب تصويره .

ثم تاتي الطامة الكبرى المغلّفة بحماسة عجيبة . فنحن نتذكّر الموقف الذي اتصل فيه سالم بابنة المختار جنسيا في الغابة، بالطريقة الغريبة، وهما مربوطين إلى جسم البغل . لقد صارت هذه الحادثة الجنسية واحدة من ملامح "أسطورة" سالم الخارقة، كما تقول إبنة المختار:

(تلك الممارسة الغرائبية صارت حكاية، وطافت على القرى كلها . هي سردتها لصاحبتها . من فرط دهشتها بما حصل لم تستحي، قصّت الحكاية كاملة، ولأن الأخرى احتارت أيضا بالكيفية التي وقعت بها، راحت الحكاية تتناقل حتى غدت اسطورة وأنت بطلها .

كل القرى التي وصلتها الاسطورة حمّلتني نساؤها السلام لك، لم يصدقن أن من خلق ملحمة بهذا الجمال يطعنه ملثم – ص 84 ) .

وها نحن نقف أمام مفهوم جديد للملحمة، يتمثل في أن يمارس الفرد الجنس مع صاحبته مربوطين إلى جسد بغل ! ونواجه فهما جديدا لرجولة المقاتل وشهامته .

وفي خضم انحياز الكاتب المفرط لبطله أيضا، تتناقل الناس خبرا يشبه الشائعة في البداية . ثم يؤكده مقاتلون كثيرون لابنة المختار، وهو ظهور المئات من المقاتلين على قمم الجبال 0"كأنهم دود يملأ الأعالي – ص 77" . ثم ظهر أن سالم، هو الذي كان ينحت هؤلاء المقاتلين من الصخر، تماثيل يضعها على قمم الجبال ! ولسنا بحاجة لتعليق، كقرّاء ونقّاد، مسلّحين بخبرة عميقة وواسعة في مجال الرواية وبنائها، لنقتنع بهذه القدرة الخرافية على نحت تماثيل المقاتلين، وحملها إلى قمم الجبال، وعجز السلطات الباغية عن اكتشاف أنها مجرّد تماثيل .

وفي العادة تلعب النوازع التبصصية أهمية كبيرة في تعزيز آليات السرد والإلتقاط الفريد والسريع والسرّاني في كثير من الأحوال لمتغيّرات في سلوك وطبيعة الشخصيّة الروائية، أو البيئة المحيطة بها . و"عين" الروائي التي تلتقط مثل هذه المتغيّرات التي قد تكون خاطفة وسريعة ولا تتكرر، هي عين استثنائية باهرة . وفي الكثير من الأحوال تثري هذه الإلتقاطات دلالات العمل الفني لأنها، برغم بساطتها وسطحيّتها أحيانا، تكون محمّلة بمعان رمزية وجمالية كبيرة . لكن الوجه الآخر السلبي – وهذه من طبائع الأشياء في الحياة عموما – قد يكمن في الفعل نفسه، وذلك حين تقود هذه النزعة – ممتزجة مع دوافع استعرائية كامنة - الكاتب لاهثة للبحث عن الإشباع، فتصبح مصيدة . يوافق الأب المختار على سفر ابنته الوحيدة للبحث عن سالم الذي أجج اشواقها وغاب، فتلملم حاجياتها وتتهيّأ للرحلة:

(صرّة من ثوبين وقطع داخلية وسروال يحمل أثر اشتعال اللهيب، ثمّة ثقب فيه يؤشر إلى ذاك الذي انتصب وحرقني بناره – ص 79 ).

وفي حركة شبه نهائية موفّقة يختم بها هذا القسم، يحوّل الكاتب بطله إلى "غائب منتظر"، ترنو إلى ظهوره العيون المشبوحة التي ابيضّت من وطأة الإنتظار، والأرواح الملتاعة بقسوة القهر والخذلان . وقد صمّم الكاتب هذا التحوّل مع مجيء الربيع، فصل النماء والتجدّد .. وانبعاثة "دوموزي" الإله العراقي المنقذ رمز كل منتظر وأصله . إحتفاء عارم تحييه أسراب من الشباب يحملون الرايات الخضر الشبيهة برايات الشهيد العطشان التي كان سالم يستذكر مواكبها .. فصار رمزاً لها الآن .  

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2451 المصادف: 2013-05-22 02:11:17