المثقف - قراءات نقدية

تشوفات لسانية في بعض الإبداعات الشعرية النسائية .. مثال رجاء محمد زروقي

 من المفروض أن يكون الكلام على الشعر شعرا أو على الأقل يحمل من الشاعريّة ما يجعله قريبا من هذا الجنس الأدبي الفني، ولذلك أنا أعتذر لشاعراتنا المبدعات لأن كلامي سيكون خارج شطحات الخيال الشعري ولكنه في الوقت ذاته يتخذ من عبارات وخيال شاعرة تونسية مجالا خصبا للنمو، هي بعض الكلمات التي أحاول من خلالها تقّصي المسكوت عنه في قصائد الشاعرة رجاء محمد زروقي، من خلال توظيف بعض مظاهر اللسانيات الحديثة للوصول إلى ذلك.

أولا لا بد من الإشارة إلى أن رجاء زروقي خادنت القلم منذ صغرها وأبدعت في فترة التسعينات بقصائد نشرت أغلبها على صفحات الجرائد والمواقع الالكترونية فأبهرت  برهافة حسها وبصورها المبتكرة كل من قرأ لها. توقفت شاعرتنا بعد هذه الفترة الخصبة مدة من الزمن لعلها كانت تبحث فيها عن ذاتها بين الحروف وعن درب جديد يمكن أن يتسع لأحلامها، وها هي الآن تعود بريشة مدادها الطموح وإثبات الذات.

ما يسترعي الانتباه في تجربة شاعرتنا هو وجود ثوابت تنتظم فيها  جلّ قصائدها إن لم نقل كلها، وذلك ضمن متغيرات ظاهرية تتجلى أثناء انتقالنا من قصيدة إلى أخرى وهذه ميزة جعلت من تجربتها خيطا ممتدا في الزمن وفي اللغة، ومهما حلّقت الشاعرة بخيالها عبر دروب العبارة والصور المبتكرة فإنها ككل مبدع لم تتخلّص من الواقع الذي مثل مرجعها الأساسي والدافع القوي لهذا التحليق، فالصورة كما يرى "بيرس" قابلة للتفكيك إلى عناصر يحيل كل واحد منها إلى مرجع حقيقيّ. وانطلاقا من هذا الارتباط بين الواقع وملكة الخيال من جهة وبينه وبين الصورة من جهة أخرى يمكن أن ندرس في شعر رجاء زروقي بعض الظواهر اللسانية مثل المعجم والضمائر والتسمية والإحالة  والصورة الشعرية وبعض الأوجه  التداولية  كالإيحاء والتلميح  والاقتضاء والاستلزام، وذلك من منظور مدرسة فرنكفورت للتحليل النقدي للخطاب وستمكننا هذه الأدوات من الولوج إلى عالم الشاعرة المفتوح عبر قصائدها والمنغلق على نفسه عبر مجازاتها وصورها التي تقوم في الغالب على مبدإ عدم التناسب بين الصورة والمرجع لإضفاء مزيدٍ من الخصوصية على كتاباتها. وما يسوّغ لنا الاستنجاد بما توصل إليه باحثو التحليل النقدي الخطاب في مدرسة فرنكفورت سببان أولا أن الشعر خطاب مهما توغل الشاعر في الذاتية والحلم، ويمكن دراسته بالوسائل التي ندرس بها الأنواع الأخرى من الخطابات، ثانيا ان المنهجية التي اعتمدتها مدرسة فرنكفورت لتحليل الخطاب مكنت أصحابها من تفكيك الخطاب والتعرف على الدلالات المضمنة وغير المصرح بها. 

إن طبيعة هذه الورقة استوجبت أن أحصر المدونة التي أشتغل عليها وهذا في الحقيقة كان أصعب مرحلة لأن كل القصائد حبلى بالمعاني وناطقة بالأساليب اللغوية المغرية بالدراسة والتفكيك فكان الاختيار صعب ولكن رغم ذلك فقد حاولت أن أنتقي بعض القصائد أرجع إليها لبيان الظواهر اللسانية المذكورة سابقا.

وسنبدأ بالبحث في المعجم الذي اختارته الشاعرة ليكون وعاء لأحلامها ورُآها.

يرى ريتشاردسون[1] أن الكلمات تنقل بصمة المجتمع والأحكام القيميّة على وجه الخصوص. إنّها تنقل المعاني الإيحائيّة والصريحة التي تكون عادة مُضمّنة في الأسماء والأفعال والصفات. وفي الحقيقة تداخلت المعاجم في شعر رجاء تداخلا أضفى على إبداعها نسيجا متنوعا يطغى عليه اللون الرمادي المتأرجح بين اليأس والطموح، يتربع معجم الشوق والسعي للانعتاق في صدارة كتاباتها ولكن يقابله معجم آخر لا يقل أهمية عن الأول وهو معجم اليأس من واقع أبى أن يستجيب لطموح أنثى تعلقت أهدابها بآمال ضاق بها هذا الواقع.

من البديهي أن يكون والحب و الشوق والشهوة  هي المحركات الأساسية لخيال الشاعر ولكن توظيف رجاء لهذه البواعث على الإبداع كان توظيفا خاصا إذ تركض كلماتها وراء شيء هلامي غير محدد المعالم رغم وضوح هذا المعجم، ومن المعلوم كذلك أن الألم يولّد الإبداع كما يقول المسعدي "الأدب مأساة أو لا يكون" ولكن معجم الألم في إبداع هذه الشاعرة كان نبعا لا ينضب ومعينا منه تستسقي عطشها للحياة، بل كان الشريان الكبير الذي جعل قصائدها تنبض، ونبش جراحها فكان الحرف المعبر والكلمة المعمدة في تباريح نفسها،  وسأحاول أن أتقصى بعض مفردات هذين المعجمين الرافدين في ما اخترته من قصائد لتتضح الرؤيا أكثر.

ينعكس هذان المعجمان على عناوين القصائد، هذه العناوين التي تمثل بوابات الإبداع وعتبات الدخول لكل أثر فني، فنجد الشاعرة تعنون بعض قصائها بــ "عقم" أو "عاقر غيم الصبا" أو أشتهيك" أو "خارج دائرة شهوتنا" أو "وينسلّ حبّي" أو "صلوات العشق" أو "أشكو صديقا". تتكرر المفردات في هذه العناوين متخذة مظاهر متعددة ولكن الجوهر واحد، " عقم، عاقر، خارج الدائرة، ينسلّ، أشكو" إنه معجم الحياة حين الجدب والتصحر، حين يجف النسغ الذي يمدها بالأمل. ويصطدم هذا المعجم بمعجم آخر يحاول تجاوزه بما في النفس من قدرة على التحدي من خلال تأجج العاطفة والاندفاع نحو المجهول  والبحث عن قطرة أمل تولد منها الحياة وهذه القطرة هي الشهوة التي وردت فعلا واسما "أشتهيك" و" شهوتنا"، هي "الحب" وهي "العشق" في مواطن أخرى أو "الصلاة" و"الدموع" تتطهر بهما الشاعرة من جدب اللحظات الخاوية ، مالي ...ظلّ، يساير قدمي، ما لي وجه... يعكس وجعي، ما لي كفن يحضن جسدي...سواك أمّاه /ودموعي"،  وتجد رجاء محمد زروقي في نداء الأم ملاذا تحتمي به من تعابير الحزن والضياع "ملءُ ضياعي ملءُ بكائي، ملءُ حنجرتي...أناديك هلمي". وتصبح الأم والدموع وجهان لعملة واحدة هي الانعتاق من ربقة حاضر يتلاعب بخطو هذه الشاعرة. ويأتي حينئذ معجم آخر يتلقّف هذا الضياع ويسلّمه لسفر مترامي الأطراف لا ضفاف له فينتقل الوجع بين المسافات باحثا عن بلسم لجراحه، وعن ماء يطفئ نار اللوعة داخله تقول حين تشد الرحال للحبيب الساكن في لا مكان "...وأجيء إليك/ مفعمة بحديث الاشتهاء/ طافحة بنبيذ الهذيان/ بعد جفاف مورقة الرؤى.../أجيئك وقد أضعت رغيف المسافات/ أضعت... بوصلتي". يقف "الجفاف" دافعا أساسيا وراء هذا الارتحال، لن تستطيع هذه الأنثى المفعمة ب"الاشتهاء" و"الرؤى المورقة" أن تتحمل قحطا يفرضه الواقع الاجتماعي على كل أنثى ترغب في رفض العادات والتقاليد التي تكبّل رغبتها في التحرر، لذلك فإن مغامرة السفر تصبح حتميّة لا مهرب منها ولو رفضتها المسافات كما تقول "تتقيّؤني المسافات...ويأخذ حذائي طريقا غير التي بها قدمي". ويقف الفعل "أجيء" شامخا أمام كل مصادر الضياع، متحدّيا كل العراقيل ، متحديا قلة الزاد و"ضياع الرغيف" متحديا ضياع البوصلة وهي قمة الضياع في المكان وأكبر عائق للارتحال، ولكن طموح الأنثى لإرواء عطشها العاطفي والمعرفي ورغبتها في كسر القيود المفروضة عليها تجعلها تغامر بالسفر دون بوصلة، فالمهم هنا هو فعل الارتحال في حدّ ذاته، الذي تستطيع من خلاله أن تثبت أنها موجودة، لأن ما يؤلمها فعلا هو السكون وعدم المحاولة تقول في ذلك "ما يؤلمني/ تكرري/ بكل قائمة وجع/ ما يؤلمني ../.موتي عند كل مساء". الحياة بالنسبة إليها تقترن بالسفر. لمن ترتحل؟ وهل ستحقق هدفها؟ وهل ستشفي غليلها بواقع أفضل؟ ذاك ما لا تستطيع هذه الشاعرة أن تؤكّده من خلال قصائدها المترددة بين التفاؤل بقدرة المرأة على التحدي وبين التشاؤم من سطوة وسلطة واقع لم يغيّر كثيرا من عقلية الرجل الشرقي الذي يمكن أن يحاسبها على حلمها. 

 ما يلفت الانتباه هو ترابط معجم الحب والشهوة والشوق بمعجم الألم ترابطا لا يكاد ينفك، إنه الارتباط الطبيعي الأزلي  بين اللذة والألم، وبين الحب والدمع، وبين اللقاء والفراق، قمة اللذة ألم، وذروة السعادة دمع، ولا وجود للقاء لم يكتحل بالفراق. تتقابل العبارات من المعجمين المذكورين فتكوّن صورة متداخلة الأبعاد لكنها  تعطي انطباعا بمحاولة السعي لتحقيق التوازن الداخلي بين الواقع والمنشود، وحين تختلط السبل وترتجّ المرايا العاكسة للماضي وتنكسر الذات أمام دوامة السفر والانعتاق تقول: "تتقيّؤني المسافات...ويأخذ حذائي طريقا غير التي بها قدمي" حينذاك تعود الشاعرة لذاتها تسافر في أغوار نفسها فتتبعها المسافات تؤثث رحيلا متخيلا تحملها فيه الرياح لمن يحضن انكسارها فتردف "حين أذكرك تشتهي الريح التمشي بجسدي وإشعال دمي يشتهي المساء خلع ظلي حتى يدخلني الليل فيسكت فيّ الصحو والنهار أشتهي ان انام بصدرك حتى الانصهار".

وانظلاقا من هذا المتكلَّم عنه يمكن أن ندخل باب دراسة الحمليّة predication والضمائر في شعر رجاء زروقي.  توصلت الأبحاث الحديثة في مجال التحليل النقدي للخطاب إلى أن الاستراتيجيّات المرجعيّة تحتفظ ببصمة أحكام القيمة، واختيارُ الكلمات المستعملة في أي خطاب هدفه تمثيل القيم والمميّزات التي تسم المتحدَّث عنهم ويسمّي "رايسغل" و"ووداك"[2] هذه الأوصاف "الاستراتيجيات الحمليّة للنصوص" أو "التمشّي" وهو: النتيجة الأساسيّة لإسناد الصفات لسانيّا (لغويّا) للأشخاص والحيوانات والأشياء والأحداث والأعمال والظواهر الاجتماعيّة [3]"، ويضيف "راسيغل وووداك " مفسرين  ذلك بقولهما: "يخصَّص الأشخاص ويميَّزون بحسب الكمّ والجودة والفضاء والزمان، وقس على هذا (...). وتتحقّق الاستراتيجيّات الحمليّة أساسا - من بين أمور أخرى- بواسطة أشكال مخصّصة من الإحالة (قائمة على الإشارة الواضحة وكذلك على الإيحاء الضمني بهذا القدر أو ذاك) وبواسطة الصفات في شكل نعوت وبدائل [جمع بدل]، وأشباه جمل، وجمل الصلات، وبواسطة المحمولات أو الأسماء الحمليّة، والصفات، والضمائر الحمليّة، وبواسطة المتلازمات، أو المقارنات، والتشبيهات، والاستعارات الصريحة، وأساليب بلاغيّة أخرى (...)، وبواسطة التوريات والتداعيّات الضمنيّة، والافتراضات والاستلزامات.[4] ". وإذا ما نظرنا إلى المدونة التي أمامنا فإن الاستراتيجية الحملية للخطاب الشعري تتراوح بين الوضوح والغموض وبين الذات والآخر المُتَحدّث عنه، مفردا أو جمعا.

ويطل علينا المخاطب في قصائد رجاء محمد زروقي يلبس بدائل متنوعة ومتعددة بتنوع السياقات التي تحضن القصائد فيحضر الضمير "أنت"  صريحا موَجّها نحو  شخص تستحضره الشاعرة أمامها ولا تفصح عنه فهو الحاضر الغائب في قصائدها تقول في "أحلى العذابات": مِن حيث يبتسم الفرح/مِن جنون أسميه أنت/ من اشتهاء أسميه أنت"، ويتلون غياب هذا المخاطب وحضوره بألوان الفرح والجنون والاشتهاء، حين تكون الرغبة في اللقاء هي المتحكمة في سياق القصيد، وحين تلحّ ذكرى حزينة أو يشتدّ وهج الشوق وما من مجيب يصير الضمير أنت وعاء لكل الأحاسيس الانسانية ولا فرق حينذاك بين الفرح والحزن مادام هذا المخاطب موجودا بالقوة في مخيلة الشاعرة يغذي كتاباتها ويعطي معنى لوجودها تقول له في نفس القصيد حين تتأكد أنها تسكنه "سيّان عندي...أن تكون/ صخبا زمهريرا/ صحوا وعبيرا/ فوجودي لديك/يمدد قصار الأيام/لسنينا فعصورا"، وتحيا الشاعرة من خلال  حلولها في ذات المخاطب فتشد إليه الرحال ويصبح موتها فيه  هو حياة تتوق إليها "فامنحني تذكرة السفر/لأرتحل...مني إليك.../امنحني...القضبان/ امنحني القيودا/فالدفن... لديك /يشكل انتمائي إليك".

نلاحظ أن التوجه إلى المخاطب المفرد المذكر يتراوح بين الضمير أنت أو الضمير المتصل "ك" وبين عدة صفات ونعوت تطلقها عليه الشاعرة فهو "الوجه البني ، الواقف بباب الكلمة،  الغاضب، القاتل، المقتول"، تقول في قصيدة جثتنا حبلى يا وطني "ومن دمي سقطت أغنيات/ حزينة.../لشمسنا السمراء/ ووجهك البني/وأسوار المدينة". وتلخص الشاعرة كل ما تحمله من مشاعر وأحاسيس نحو هذا المخاطب في كلمة واحدة هي  "البحر" إنها استراتيجية حملية لا يمكن التغافل عن معناها لدى الشاعرة ولدى كل من يقرأ لها، هذه الاستراتيجية التي كثيرا ما استعملت في الشعر القديم لتحقيق دلالات خاصة مثل الكرم، والقوة، وشدة البأس ويمكن أن نذكر على سبيل المثال قول المتنبي "وأقبل يمشي في البساط فما درى/إلى البحر يسعى أم إلى البدر يرتقي". واتخذت هذه الاستعارة منحى الدلالة على الغموض والرهبة في الشعر الحديث، إلى جانب توضيفات شخصية أخرى تعود إلى إبداع الشاعر وكيفية صياغته لصوره،  وجاء المخاطب في شعر رجاء زروقي بحرا يمتلء بها ويتهيأ لمعانقة السماء وهي في أحشاءه "حينها كان المكان / خاليا خاليا/ وكان الزمان عاليا عاليا/ وكان البحر /يراقص لآلئ السماء/ كنت أنت البحر/ وكان الغريق أنا" (صلوات العشق) إنها الغريقة بمعنى الانصهار والاتحاد والذوبان في ذات مخاطبة احتوت أحلامها وآمالها وحزنها وفرحها.

أما بالنسبة للضمير أنا المتكلم فيخيم الحزن والتشاؤم على المعجم الخاص به والذي تعتبره الشاعرة وجها آخر من وجوه الأنت المخاطب، هذا الأنا الجريج الحامل لتاريخ مثقوب يجعله ضائعا في حاضره حائرا أمام مستقبله الضبابي، يلتفت وراءه فلا يجد جذورا يتشبث بها لينطلق ملء جناحيه في سماء الحرية التي يصبو إليها، إنه أنا صاخب رغم صمته، مشعّ رغم عقمه، ومن خلال هذا الأنا تطل علينا صورة المرأة تغرق في تلابيب النسيان ولكنها تتشبث بالحياة في كل معانيها تشبث الغريق بمنجده، تتشبث بتلابيب الحرف يصب في ذاتها روحا قادرة على التحدي. يأخذ الأنا بدائل مختلفة ولكنه يتكرر بنفس الشكل وبنفس اللمسات الحزينة، إن هذه البدائل ليست في الحقيقة سوى  تنويعات للحزن الساكن في أغوار النفس والمتولّد عن اصطدام عنيف بواقع يرفض أن تصدر الكلمة الجريئة من فم أنثى خَبَرت معنى الظلم والنسيان والإقصاء وعدم الاعتراف بقدرتها على الإبداع بل عدم تقبل هذه الفكرة من أساسها، ولمَ تحتاج الأنثى إلى التفكير وهي مازالت ترزح تحت نير تقاليد ترى أنّ دورها في الإنجاب ورعاية الأسرة كاف، وما يأتي بعد ذلك هو إضافة يمكن أن تتخلى عنها بيسر. وهنا نرى أن الاستراتيجيات المرجعية التي اعتمدتها الشاعرة نابعة من واقع عايشته. فطبعت الأنا أحكام قيميّة قائمة على الإحالة الواضحة في أغلب الأحيان،  وأمام هذا الموقف تطلق الشاعرة صرخة تحدّ تصل بها إلى حد نكران أنوثتها كما يراها المجتمع فتقدم له "جثة" بلا روح في "يوم عاقر"، وتسعى إلى إثبات أنوثة جديدة قادرة على الفعل والتغيير والتعبير عن ذاتها.

ولا تكتفي الشاعرة باستحضار المخاطب الملهم، الحاضر في جل القصائد، النائم بين أعطاف الحروف، الحامل للأنا ولهمومها، وإنما تدعو الشاعرة الغائب متوسلة استراتيجيات حملية متنوعة تُحيل على شخصيات بعينها مثل الأخ، والأم، أو شخصيات عامة تجمعها بها علاقة اجتماعية معينة مثل "الرفيق" أو الرفاق" والصديق"، إنها حاجة الشاعرة لأن تكون محاطة بأناس تستمد منهم الأمل لمواصلة الطريق، أو تشكوهم همها وتبثهم ما جرّح خلجاتِ نفسها المُتعبَة، أو تحاول إقناعَهم بضرورة السير في طريق لا بد منه، وتنبت حروفها بين الألم قائلة لأمها "حملت حقيبتي /بين أدمعي/ وقلت أيا أمي/ لا تنزعجي". وأحيانا يكون منبع القصيدة غياب الآخر الذي كانت تحتمي به فتستنطق الكلمات قائلة في "أشكو صديقا" : "أفل الصديق/ومعه رغيفُ الغد/ وزادُ الطريقِ/ أفل الصديق فحفرت في القلب/ ذكراه جرحا عميقا"   

ومن بين المفاهيم اللسانية الأخرى يمكننا الاستعانة، في الحالة التي ندرسها بعدد معين من المفاهيم والإجراءات ذات الأهمية الخاصة في تحليل الشعر، ومنها الإيحاء والتلميح allusion, connotationوتعتبر ووداك أن الإيعازُ عبر الإيحاء (انظر أيضاً ووداك وآخرين 1990) ، والتعبيرُ عن تلميحات سلبية أو إيجابية دون أن تترتب عنها مسؤولية. وفي نهاية المطاف لا يتجاوز ما نفعله الإلماعَ إلى التداعيات، وعلى المتقبلين [المتلقين] أن يجعلوها صريحةً حين تقبّلها. تتوقف الايحاءات على المعارف المشتركة[5]. فالشخص االموحي إليه بشيء على استعدادٍ عام ليُرجّع الصدى، وترجمةُ ذلك ميلُ المستمع إلى توسيع الدلالة الحرفية تبعاً للمعارف المشتركة.

وهكذا، قد لا تخلو الإيحاءات، في حقل الشعر من نيةٍ تتمثل في التعبير عن مواقف من أشياء وأحداث معينة فيتحقق الهدف منها، دون قبول تحمّل مسؤولية ما قيل ضمنياً، ويخلق ما لم يُصرّح به، في مثال الإيحاءات، ضرباً من السرّ أو الحميمية، وتوحي هذه الألفة بشيء من قبيل: "نعلم جميعاً ما يعنيه هذا". على أن عالمَ التجارب يوجد في "مجموعة منظمة من المعارف الجماعية" يـمْكننا تحليلها معتمدين الدراسات والنظريات التاريخية والنفسية، الخ.،. وترتكز الإيحاءات في غالب الأحيان على عناصر لغوية ممعيَرة، لها دلالات محدّدَة بوضوح، فحين تقول الشاعرة "جئته ضمآى/علمني الكأس والاحتراق" إنما هي إيحاءات مشتركة في مجتمعنا تعود على احتياج الأنثى للعيش ملء أنوثتها ولإرواء غرائز الجسد فيها هذه الغرائز التي يمنعها المجتمع من تناولها علنا وإن حصل فإنها تُنعت بأبشع النعوت، وهي بقولها هذا نفت عن نفسها مسؤولية عبءِ تجاوزِ الأعراف، لأن الضمأ يبقى عاما لا تفصيل فيه ولكن القارئ لن يفوته ما ترمي إليه الشاعرة لأنه يشاطرها تقاليد هذا المجتمع ويعلم أنها لن تتحدث عن حياتها الجسدية إلا إيحاء وتلميحا.

وعلى الرغم من أن الإيحاءات تشبه ضروباً أخرى من المكونات المضمَرة للدلالة، فمن اللازم تفصيل القول والتعمق فيه وتمييز مختلف أصناف الإيحاءات بحصر المعنى. يقدم لنا جانوشيك تعريفاً مفيداً بخصوص الإيحاءات يقول "تتطلب الإيحاءات تفكيراً منطقياً حيوياً ومتقبلِين[متلقين] ذوي فطنة. ليس كل الناس بقادرين على فهم الإيحاءات، وعلى الذين يفهمونها أن يفعلوا بها شيئاً: عليهم أن يجدوا لها دلالة. وهكذا بإمكان صاحب الإيحاء أن يتنصل من مسؤولية الدلالة المنبثقة: يمكنه أن يتبرأ منها. وبعبارة أخرى يمكن أن تكون الإيحاءات شديدة الإيجاز- لكن لا يمكن بتاتاً أن تكون أفعالاً تواصلية ذات اتجاه وحيد. ويمكن أن تُفهم الإيحاءات بطريقة شديدة الإحراج-لكن بطريقة غامضة تجعلها دائماً مثار تَناقضٍ، وتستعصي على أن تصنَّف ببساطة في أحياز خاصة"[6].

في الحالة التي نحن بصدد دراستها مثلاً، بإمكاننا ملاحظة أن الشاعرة وهي تخاطب القارئ بطريقة لا تخلو من الاتهام، لا تنفك تستخدم الإيحاءات. وبهذا النوع من الإجراء الخطابي تُنشأ استلزامات وتُلقي إلى الجمهور باقتضاءات مشتركة و"معارفَ بديهية" أو "حقائقَ مشتركة". بيد أن هذه ليست استراتيجية خطابية جديدة فاستعمالها في الشعر بدأ مع  القصائد السياسية التي يفرض طابع الخطاب فيها الإيحاء لا التصريح خوفا من الحاكم وزبانيته، وهذا ما نجده في "قصيدة جثتنا حبلى يا وطني" تقول الشاعرة " يا أيها الواقفُ ببابِ الكلمةِ/تنهش لحمك/ثم تحمل جثتَك لتساير نعشك/ومعَهم يسكرك الطرب/ يا الغاضبُ دون غضبٍ" كُتبت هذه القصيدة في التسعينات وما كان لها أن تقول أكثر مما قالت لأنها تعرف أن الرسالة وصلت للمتقبل وأن الحس الجمعي هو الذي يضمن وصول دلالاتها.ومن اقتضاءات هذا الاتهام هو الدعوة للوعي واتخاذ موقف مما يجري. ويرى "يول"[7] أن عددا من الظواهر اللغوية رُبطت بالاقتضاءات، من المفيد التنبيه إلى أن للاقتضاءات خصائص ملحوظة فيما يتصل باستثارة انخراط الجمهور في الرسالة المعبَّر عنها. يُقبَل المحتوى القضويّ – في ظروف عادية، ما لم يكن هناك موقف تأويلي متيقّظ من قبل المستمع- دون عناية نقدية (بينما يكون المحتوى المصرّح به والاستلزامات الجليّة عادةً عُرضةً لتقويم من درجة معينة).

تناولت الشاعرة قضايا متعددة بأساليب متنوعة ولكنها تنتظم داخل توجه عام يمكن أن نطلق عليه عنوان إحدى قصائدها وهو : "أحلى العذابات"، في هذا العنوان وجدنا اختزالا لشعر رجاء محمد زروقي، إنه العذاب المولدّ للرغبة في الانعتاق والتحرر، إنه الألم، ألم ولادة جديدة تتحرر من مشيمة القهر والظلم وتلبس رداء من شعاع الشمس، إنه عنوان يذكرني بأسطورة الفينق يحترق ومن رماده ليولد من جديد.

 تلك هي شاعرتنا، عسى أن أكون قد ألممت ببعض ما جال بخاطرها متوسلة أساليب بلاغية وتداولية ربما أكون من خلالها قد تعسفت بعض الشيء على طبيعة الشعر المنفلتة على الإمساك، وأنا أعتذر لها ولشاعراتنا المبدعات عن هذا التعسف. 

  

  منية عبيدي

كلية الآداب والفنون والانسانيات – منوبة-

تونس



[1]-John. E. Richardson, Analysing Newspapers, An Approach from Critical Discours Anallysis, Palgrave Macmillan, 2007.

[2]-Reisigl and Wodak, 2001

[3]-Martin Reisigl and Ruth Wodak, Discourse and Discrimination, Rhetorics of Racism and Antisemitism, Routledge, P54,  London and New York, 2001.

[4]-Op cit.

- (انظر عوالم الاعتقاد (الافتراضات الخلفية) عند سورل، 1976، التجلي المتبادل عند سبربر وولسون 1986، معارف البداهة[5]

 عند فان ديك 2005

 [6]- يانوشيك 1994: 115

-        يول (1996: الفصل 4) [7]         

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2458 المصادف: 2013-05-29 11:30:04