المثقف - قراءات نقدية

شعرية المكان ومتعة القراءة في رواية وصايا جدي للكاتب المغربي "إبراهيم أكراف"

لعل أول ما يلفت النظر في رواية "وصايا جدي" هو ثقل المكان وطابعه الرمزي، إذ تخلق الأمكنة التي اختارها الكاتب إبراهيم أكراف مسرحا للأحداث مجموعة من الدلالات الضاربة في عمق وتاريخ المغرب، فيحاول من خلالها كشف وتعرية واقع موبوء، إنه المكان الذاكرة الذي يصعب محو أحداثه وذكرياته. فكيف يتخذ المكان بعده الرمزي في هذه الرواية؟ ولماذا يخيم هذا الفضاء على أحداث الرواية من البداية حتى النهاية؟ وكيف يمكن أن يكون المكان نافذة لفضح الواقع وتعريته بغية استرجاع أحادث تريد يد النسيان طيها للأبد؟

يطالعنا الفضاء المكاني بكل تجلياته وخصوصياته، إذ ترتبط قرية "أكدز" "وتزممارت" مثلا بدلالات رمزية خفية عمل الكاتب على تبيانها وجعلها جلية من خلال الحوار بين الشخصيات التي أفصحت عن ملامح هذه الأمكنة، إن أكدز وتزممارت تحيل إلى واقع مر تتجاذبه البطالة والعطالة والأحداث الطافحة بالمآسي، يقول الكاتب متسائلا: "أم تراك ستفخر بأمجادك الخشبية في مكونة وأكدز وتزممارت؟" ، ليضيف "تمهل، وستسمع كل شيء... نعم كنت جالسا كما قلت لكم، وصادفت رجلا، وجبت معه شوارع الحديث، وأعلمته بوضعيتنا التزممارتية، ومن غريب الصدف أنه من أبناء جلدتنا، وهو أيضا خريج أكدز" . فماهي هذه الأوضاع ياترى التي ريد الكاتب إطلاعنا عليها؟ لنعمل بنصيحة الكاتب، ولنتمهل قليلا فسنسمع كل شيء...

إن الكاتب لا يكتفي بالتلميح عن الأوضاع التي يعيشها أناس الجنوب الشرقي كما في هذا المقطع، بل يفصح عن واقعه بلغة الضحك المر "أنا يا سيدتي من قبيلة المعطلين فخذ يؤسفني" . إن هذه اللغة اللاذعة ساهمت إلى حد كبير في إضفاء طابع رمزي على هذين المكاننين. كما يرتبط تزممارت في الذاكرة المغربية بالسجن والاعتقال الذي طال أبناء الجنوب الشرقي وغيرهم من ذوي القربى، فبدل أن يطعم السيد خادمه خبزا وتمرا ولبنا يطعمه نارا وخوفا ورعبا، وفي ظل هذه الأوضاع التي يحفل بها المكان، تظهر اللغة\ أو كتابة السيرة كمنقد من الظلام، وكدليل على الهوية والحياة، وهذا ما بينه الكاتب منذ بداية الرواية، لغة تقدم له شرعية في تغيير الأوضاع والجرأة في فضح واقع ميت قبل أوانه: "بربكم متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟ بربكم هل للكتابة هوية؟ هل لها جنس أو عرق؟ هل هي الأخرى تحتاج إلى بطاقة وجواز سفر؟" .

فلماذا هذا القلق الوجودي؟ وما دلالة كل هذه الأسئلة؟ هل يريد الكاتب أن يخبرنا بشيء ما؟

هي أسئلة كثيرة إذا تؤرق مضجع الكاتب، يبحث لها عن جواب في هذا الزمن المستعار، جواب ربما يشفي الغليل ويقدم الخبز والإكليل للشهداء والمطرودين في هذه الأرضة المنسية المغلوبة على أمرها.

 يعري الكاتب ابراهيم أكراف عن الأمكنة التي يختارها بعناية فائقة عن طريق اللغة الشعرية التي تزيد من كشف الواقع وتدفع القارىء لتتبع تفاصيل المكان والأحداث، فيرسم بذلك لوحة فسيفسائية عن جغرافية منطقة تأبى النسيان.

وعن طريق المكان أيضا يبرز الكاتب ثقل المكان وما تحمله الذاكرة من هموم، وهذا ما تبينه شخصيات هذه الرواية، وهو نفس الشيء الذي نجده في روايات وقصص عربية ومغربية أخرى، "فالشخصية في هذه المرحلة، تشغلها هموم تاريخية، وهي مرحلة تنطوي على أصالة نادرة في أنها تطمح لتمزيق حجب الظلام وكل القناعات المستقرة في الوعي، وتتحول فيها الشخصية إلى نموذج مهدد ومطارد لا يملك للدفاع عن نفسه، غير وعيه الأصيل بمواجهة الوعي الزائف" .

ليتخد المكان بعد ذلك بنية نووية كبرى، فيدل على الوطن الحزين الرديء بأكمله "تبا لهذا الزمن الرديء، أنظروا كيف تعهرنا في وطننا... لقد استبيحت كرامتنا. أي وطن هذا الوطن الذي لا يشعرك بالدفىء والكرامة والانتماء؟ انظروا إلى هذا الإفرنجي عزيز في الهنا والهناك، أما نحن فأذلة في الهنا والهناك.. كما حكى لي جدي ذات ليلة" .

هكذا يصبح الإنسان سجينا في وطنه، بعدما يقتلون أفكاره وتستباح كرامته، ويصبح موضع قدم للسخرية والاستهزاء، إنه المكان اللامكان، الواقع اللاواقع، الكرامة اللاكرامة، الحياة اللاحياة...

وقد أفصح الكاتب في روايته عن ما يعيشه سكان هذا الوطن المتمثل في تزممارت وأكدز ومناطق مجاورة من كبث للحريات وتكبيل للأيادي: "ولدت في زمن أغلق فمك، أغلق عينيك، أغلق أذنيك، أبتر لسانك، كبل يديك... فقدت الولد قبل أن أولد في حرب الكرامة، فقد كان عهدئد حاكم يتزوج كل بكر غصبا، ويحبس الناس فلا هو أطعمهم ولا سقاهم ولا تركهم يأكلون خشاش الأرض، ولا هو قتلهم فأراحهم من ويلات عهد ضنت في السماء على العباد" .

وتبلغ الأحداث ذروتها، وتكتمل ملامح المكان وتفاصيله، فيضفي عليه الكاتب سيمات رامزة ودالة، فهو العدم واللاوجود، لذلك ترغب بعض شخصيات القصة العيش في هذا اللاوجود وفي اللاشعور "من قال لك إن التدخين والنبيد يقتلان. أنا أدخن لأدفىء صدرا قهرته برودة الراحة، وأشرب النبيذ لأزيل غصة في الحلق وأعيش بعيدا عن هذا العالم الموبوء في عالم تملأه المحبة وتغشاه السكينة، هنا مع السكيرين يرتاح ضميرك، يوثرون على أنفسهم ولوكانت بهم خصاصة" .

وهكذا يحمل المكان كل هموم الشخصيات المريضة بالبطالة والراحة والتكبيل وعدم الإنصاف واللاعدل: "صبيان يولدون وفي أيديهم مقاليد الحكم، وآخرون يولدون وفي أيديهم مقاليد المأساة يتوارثونها أبا عن جد، حصدوها من حبهم لوطن أكرم اللئام وأدار ظهره للكرام" .

وفي آخر الرواية يدعو الكاتب إلى الحفاظ على الوطن في زمن الأشرار، زمن الركوب على آمال الناس وقتل براءة الأطفال، دعوة صريحة لركوب الخيل والامساك بصهوته، دون الاكتراث للمال أو البحث عن المناصب: "يا ولدي كن وطنيا كما تريد أنت لا كما يريدون، وإذا داهمت الأشرار البلاد فكن في طليعة المحاربين، فإن من يدافع عن الوطن ابتغاء المال والفوز بالمناصب لا فرق بينه وبين بائعة الهوى..." .

إن المكان كما يبدو هو الذي جعل قلم الكاتب مداد حياة يعبر به عن الواقع الذي يعيشه وتعيشه مناطق كثيرة في المغرب، ومع ذلك يرى الكاتب أن "قطران بلاده أفضل من عسل الضفة الأخرى". إنها وصايا الجد التي يجب الحفاظ عليها ولو كلف الإنسان إفناء حياته ثمنا لها، فوصايا الجد في الرواية هي الأرض والكنز الذي يجب صيانته دوما.

 لتنتهي الرواية بالحيرة غير المرتقبة "أنا محتار.. أنا محتار.. سأتوقف هنا لأعبىء نفسا جديدا" ، إنها حيرة الكاتب وحيرة القارىء الذي أصبحت له أراء متضاربة ومتداخلة عن مكان كان لا يعلمه حق المعرفة، مكان سيبقى كالوشم في ظاهر اليد، مكان يبحث عن من يشفي غليله ولو بالكتابة، وهذا ما قام به الكاتب إبراهيم أكراف الذي يوجه في هذه الرواية رسالة كبرى لغزاة لا يقرؤون.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2460 المصادف: 2013-05-31 01:59:08