المثقف - قراءات نقدية

طالب عبد العزيز .. (الخصيبي) الخصيب بالشعر!

115-mahmodهذه مجموعة شعرية تستحق التوقف عندها، فهي تضم بين غلافيها ـ بحسب قناعتي ـ أكثر نصوص شعرنا العربي الحديث، والعراقي منه تحديدا، ارتباطاً بالمكان الجغرافي المعروف الحدود والتراب والنخل والشطآن، والأصدق التماساً لمكوّنات هذا المكان، عنيت (أبا الخصيب) المدينة وريفها وبساتينها المقيمة على ضفة (شط العرب) في أقصى جنوب العراق، عنيت أقاصي محافظة (البصرة) قبالة عبّادان من أرض الأحواز، التي طالما أخبرنا أحد الأمثال الشعبية القديمة بأنها "ما بعدها قرية"!

و(الخصيبي) التي صدرت قبل شهور عن دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد، لتحمل الرقم (8) ضمن مشروعها الجديد المهم الذي قصد الاحتفاء بالشعراء العراقيين المتميزين، تحت عنوان عام كبير هو (شعراء)، تسجّل لشاعرها ذي الصوت المتميز، عنيت الصديق (طالب عبد العزيز)، بصمة إضافة متميزة إلى ما سبق أن تلقى متلقو الشعر من نصوصه، بفرادة عنايته ـ هذه المرة ـ بمدينته ذات البساتين المتشابكة، والسباخ التي شهدت عبر تاريخها ثورات المسحوقين على السلطة منذ العصر العبّاسي، وإن سبق له وأضاء في بعض نصوص مجموعته السابقة (ما لا يفضحه السراج) جوانب من أعماقها والظاهر من أرضها وناسها، لكنه ابتداءً من ثريّا (الخصيبي) شاء طالب عبد العزيز أن يشد متلقيه إلى ما يمكن أن أسمّيه "قاموس أبي الخصيب" أولا، وإن أخذه في نصوص عدة فيها إلى أماكن قريبة أو بعيدة عنها، من مثل (عين كاوة) الأربيلية، والكويت ونابولي وروما الإيطاليتين وماليزيا وبعض جزرها، قبل أن يتركها ويترك (أبا الخصيب) ليجول به في بعض أحياء البصرة ـ المدينة، من دون أن يبتعد كثيرا عن مدينته الأم تلك، التي أصر على تأكيد انتمائه إليها، ومنحها ما استحقته منه من صلات متينة، مثلما فعل الرائد الكبير بدر بن شاكر السيّاب معها، من خلال قريته (جيكور) التي ظلت مجهولة وكشف عنها أغطية التجاهل والنسيان.

ولأنني لم أشأ قراءة ما سجله أستاذي الشاعر الكبير سعدي يوسف على الغلاف الخلفي لـ (الخصيبي) قبل أن ألج أعماق نصوصها، لم تفاجئني أسطر محددة مما كتبه العزيز (أبو حيدر)، كسؤاله:"هل كتب طالب عبد العزيز شعراً محليّاً، كما تغري التفاصيل؟"، وقوله:"هو لا ينظر إلى الريف نظرة استشراقيّة .. الريف هو المادة الخام للنص، الريف هو الأصل"، وقوله:"هو يقرأ الريف، كما يقرأ المدينة .. "، بل زادتني ثقة بما أمكنني تثبيته من التقاطات دهشة شخصية على نصوص (الخصيبي)، وأسجّل هذه القراءة التي اعتدت "ارتكابها" تشجيعاً لقلبي على قراءة المزيد مما يثير دهشتي وإعجابي، وما تمنيت دائما أن يشاركني فيها غيري من المتلقين، خارج مفاهيم النقد ومتاعبه!

وابتداءً أقول: لقد توزع ما قرأت وتوقفت عنده من نصوص (الخصيبي) على ثلاثة اتجاهات، أولهما خطاب الشاعر الذي وجهه لآخر سرعان ما تبيّن أنه ـ عنيت الآخر ـ هو نفسه طالب عبد العزيز، وثانيهما الموجّه إلى آخر سرعان ما يُفاجئنا الشاعر أنه والده تحديداً، وثالثهما خطاب بالغ مبلغ التراتيل التي وصلت إلينا من خلال نصوص تاريخنا القديم، عنيت تراتيل حضارات الوركاء والسومريين والبابليين، وهذا ما سأبيّنه في هذه القراءة.

على مستوى الاتجاه الأول، يوقفنا الشاعر طالب عبد العزيز على نص (رائحة ماءٍ بعيدـ ص13) الذي يُخاطب في مستهله كائناً ما مجهولا ًبالنسبة للمتلقي:

" أقترحُ البنفسجَ لحظة ًبيننا / وأحتفظ برعشة يدكَ في صدري / بينما تنزلقُ عرَبة أبيك في المدى / ويعبر الهواء بيننا، / يعبر، حتى لم تعُدْ تراني / أنتَ بلا اسم، خيالٌ وظِلٌّ / كيف أحصي النجوم التي ماتت / في الطريق إليك؟"، ليفتح في مقطع النص الثالث ، باباً مواربة على ذلك الآخر المجهول:"أنتَ التوتُ الذي لا يكبُر / وأنا اللوبياء ، ألتفّ على جذعِكَ / وأغفو .. / وحين يحلّ الصيف / سأفتح أزرارَ قميصي / واُريكَ الزغب الذي تأبّى / أن ينموَ إلا بين راحتـَيك."، ثم ليوسع من انفتاح الباب ليقترب المتلقي مزيداً من القرب، ولتتوالى المداليل العميقة بالظهور:" كنتُ ألتقط التمرَ معكَ / ومعكَ، حملتُ العذوقَ والحشفَ وأعناق اليقطين / حيث لا أحدَ يؤوّل انحناء القصب / لا أحدَ يؤوّل موتَ الفراشات وسط الشماريخ / كنتُ العرجون المنسي / والفراشات التي تذبل في الظهيرة / وحين كنتُ أغيب في الجداول النائية / هناك .. مع طوّاشات تمر أبيكَ / كنتَ وحدك / ولما كان النهار ينتصف على جذعك التوت / كنتَ تمرِّر أصابعكَ على خصورهنّ جميعا .. / .. / ستسمع اصطفاق الزمن بالأشياء / ستشمُّ رائحة ماءٍ بعيد".

هي ـ إذاً ـ حياة ريفيّ شاء أن يسترجع ما كاد يعفو من زمن التفاصيل، عنيت من تفاصيل زمن مضى، على وجهٍ أدقّ، حاول الشاعر الصديق طالب أن يلتمس لعرضها أسلوب أولئك الشعراء القدامى، الذي احتفظت لهم ذاكراتنا بالكثير من عبارات التثنية (قفا ـ خليليّ ـ علـّلاني .. ) ولكنْ بأسلوب شاعر حديث، إذ لابد من آخر تتم مخاطبته، يكون متـّكأ لبث ما يريد الشاعر بثـّه عبره، وهذا ما سيعمد إليه الشاعر في نص (الخصيبي ـ ص25) بشكل مباشر، فهو يستهله بـ:

"ليس وهْناً أبداً، وليس شحوبا / ليس دواراً أن تتلفت، / فلا ترى الجسرَ أو النخلة، / مائلة الظلّ، أو الجدارَ / الذي كنتَ تنغرسُ / تحته باكراً كلَّ صباح"، لتستمر هذه السطور الشعرية البادئة بالفعل الماضي الناقص الدال على النفي (ليس)، في المقطع الثاني من النص فالثالث، حيث يعمد الشاعر إلى أسلوب المقابلة بين ما ينهى المخاطـَب عنه وما يتمنى عليه أن يفعله:"ليس مروءة ً .. / أن تتركَ الصفصاف، / لتتحدّث عن اصفرار الوقت / وشحوبِ القناطر .. / أن تتركَ اليقطين محزوز الرقبة / نائحاً .. / وجرار الماء يابسة تتقاذفها الخراف / لتمسِكَ دوائرَ الريح التي تذبل / على أريكة الجريد / .. / يا آخر الخصيبيين على الأنهار / يا أنتَ .. إلى أين .. ؟ / قل لي إلى أين؟ إلى أين .. / تطوي بعصاكَ العوسج / خرائط َهذا الليل؟".

ثم يتوالى خطاب الآخر، الذي يشي بحضور أوضح للشاعر نفسه، في المقاطع الخمسة التالية، إذ تنثال في المقطع الرابع مجموعة من (لقطات) اختزنها طالب في القلب قبل الذاكرة، يحمل بعضها مداليل مغايرة لبهجة ما كان عاشه في الريف الخصيبي:

"المؤذن الضريرُ مات / وقتلوا بائعَ المرايا .. / ولم يعُدْ منذ أمس حطـّابُ الكلمات / هم أوقفوا العجلاتِ على الإسفلت / وعلى الدكـّة المُعشبة انتظروكَ / شجرة َآس عتيقة / على النهر، أوهَمْتـهم بأنكَ لستَ خلفها"!، وتتواصل التفاصيل لتنفتح في المقطع السادس على مزيدٍ من ذكرى ما سبق:"مع الحلـْفاء والسمك والبنادق .. / حمَلتـْكَ مراكبُ الصيّادين / وأضاءتْ صُرَّة َمتاعكَ نارُ عبّادان .. / فانوسٌ واحدٌ هو كل ما لديك / من ذخائر هذه الأرض .. "، ثم لتنفتح في المقطع السابع على محنة أشدّ قسوة وإيلاما، تشير إلى (نعرة) الطائفية المقيتة التي أربكت نفس الشاعر / المخاطـَب وقلبه وعقله، وحاول التمويه على مدلوله الرئيس هنا:"أكنتَ سُنـّيـّاً لا يعرفكَ أهلُ بُخارى / شيعيّـاً تجاهلكَ الناس / حين اجتمع تجّارُ مكـّة َليَبيعوك؟ / يا قبضة بقدونس / وسلـّة قِثـّاءٍ رطب / هل أسبلتَ يديكَ لتـُذبحَ بسكـّين / هل رفعتهما لتـُقتل بالرصاص؟"، لينتهي المقطع الثامن من هذا النصّ الموحي الجميل، وقد انفتح على مزيد من مظاهر المحنة، بسؤال مفارق مقارب للمحنة:"مَن أنتَ تـُرى؟" .. ولتنتهي معه رحلة (الخصيبي) المثيرة.

وبالانتقال إلى مستوى الاتجاه الثاني، سيعمد الشاعر طالب عبد العزيز إلى ما يُشبه التحايل في إخفاء مدلول مَن يوجّه إليه خطابه، أو التلاعب بأعصاب المتلقي قبل أن يشي بمدلوله الخفي، وهي انتقالة في مستوى الأداء الشعري، من محاولة إخفاء الأنا المباشرة إلى محاولة إخفاء الآخر إلى حين، إذ بالوقوف على نص( مغيب أخضر ـ ص31) سيواجَه المتلقي باستهلال يأخذ أسلوب الأمر:

"على ساحل آلامِكَ قفْ / وانتظرْ، ريثما تتحطم المرساة / نشيدُكَ أن تعصف الريحُ بصواريك. / أن يُغويكَ الموج. / هذا الليلُ سَفرجلة واحدة / وأنتَ أكثر من سماء / .. / أنتَ، وأنتَ الأعظـُمُ البائسة / على مهل أتذكـّرُ الآن أشرعتـَك / التي عبثتْ بالأمل حتى المغيب."، لأقف في المقطع الثاني من هذا النص على ما يشي بذكرى تقرّب المسافة من المُخاطـَب خطوات:"كان جناحُكَ حارّاً، عطِرا / يُسَوّي بيني وبينكَ والسماء / وقد رعَتني شياهُ محبّتِك / وأرَتني الريحُ رفيفـَكَ دبقاً على العتبة / هذا غيابُكَ، في الثياب، وعلى السطوح / عطرٌ يذبُل في أريكةٍ على الجدار"، لينتهي المقطع الثالث بانحراف مفاجئ إلى المخاطـَب الذي يعنيه النص:

"ذات يوم .. يا عبدَ العزيز .. / أوقفتـَني على مفارق بهجتِك / وقد تفارَط النخلَ الماءُ من حولنا / وانحنتْ بيننا"، ويعود الخطاب إلى مساره الأول، في المقاطع الثلاثة المتبقية من النص، لينتهي ـ عبر المقطع السادس ـ بإعراب الشاعر عن ألمه لهذا الغياب:"أيّ ألم، أن أتيقـّن بأن السعف اليابس / والظلَّ الذي دسته، ونثرَته الرياح .. هو صوتـُك، / قميصُكَ الذي تـُخرِّقه الريحُ / ويندحر على الشبابيك".

115-mahmodوثمة نص ثان يندرج ضمن هذا الاتجاه، جاء تحت عنوان (غيمة بيضاء بعيدة ـ ص51)، ولكن بالمخاطـَبة المباشرة منذ جملة الاستهلال للأب الراحل بعيداً في الغياب، وبأسئلة بليغة مدلول الألم والأسى:

"ها قد أدِمتَ كثيراً يا أبي / شمسُُ مَن هذه التي على ظهرك؟ / نجوم مَن تلك التي تركتها تلهث هناك / أ كلُّ هذا الفجر الذي بجبهتِك لي / خطاكَ الوئيدة على النهر، / المساءُ الذي يوشِكُ / والنمورالهرمة التي على ذراعك / فسائلك وأنهارُك / نجواكَ وصمتك الأخير؟ / أ كلـُّها لي؟ / .. / أيها الوارفُ الكبير / يا سيّد التمر والسباخ والشتاءات / يا سيّد الآفلين على النخل / صباحاتٌ كثيرة ستبكي محراثـَك / الباسلَ العنيد"، وهو مقطع يضجّ باللغة الشعرية الموحية التي لا أجد معها إلا التوقف مندهشا، قبل أن أنتقل إلى أمثلة من نصوص الاتجاه الثالث (التراتيلي) مثلما سمّيته آنفاً، إذا جاز التعبير.

ففي هذا الاتجاه، أوقفني الصديق الشاعر طالب عبد العزيز في لجّة نصـَّين: الأول (حين تنحني السماء زرقة ًـ ص19) الذي جاء في مستهله:

"كيفما تشاء، سأدَعُها تنمو / نـُوى العذوق الصفر هذه. / سأتركها تخضرُّ لاهية. / فلا أقطعها، ولا اُشذبها .. / ولتشتجرْ عالياً .. عاليا / حتى تخالط السماء / أريد أن يغمُرَني هذا الأخضرُ البُنيّ"، ليواصل الشاعر ترتيلته في المقطع الثاني:"لا أريدها أن تتيبّس وتموت / هذه الطحالبُ الفقيرة، / هذه الأشناتُ البائسة التي تدنو خائفة ً / لن أقطع عنها الماء .. / سأدَع الضفادعَ تنطـّ على أديمها الرخو / ولتنسج الثعابينُ الوديعة أرديتها منه / سعادتي أن يُغطي العشب / غصون الأرض الحزينة هذه"، ثم يروح الشاعر يكرر على متلقيه رغباته التي جاءت مسبوقة بجملة النفي (لا أريد) أو (لا أريدها) في مفتتح كل مقطع تال، فهو في المقطع الثالث يرغب في جعل جداول الماء "مترنمة بالأسماك والأشرعة" قبل أن يختتم المقطع بالكشف عن هويته التي يُباهي بها: "أنا الفلاح الخصيبي"، وهو في المقطع الرابع "لا يريدها أن تحط على اليابسة / هذه اللقالق البيض الغريبة" ولا أن يُخيّب "ظنّ مناقيرها"، لذا سيترك لها الكثير من التمر، وسيُغريها بالمجيء باكراً، وقبل ارتخاء العراجين على السعف يريد "أن تصطبغ المنائر بأجنحتها"!

وإذ تستمر مقاطع هذا النص الجميل الشبيه بالتراتيل القديمة، ينحرف الشاعر ملتفتاً عبر توجيه خطابه إلى مَن لا يُسمّي، ليأمرهم في المقطع الثامن:

" أتركوها تعبث بأخصاصكم / خنازيرُ القصب الوحشية هذه، / لاَ تطلقوا عليها النار، / دعوها تـُلطأِّع الجذوع / لتحُكَّ ألسنتـُها الدلاء والكيزان اليابسة / ولتخمط اليقطين الصاعدَ إلى السما. / .. "، قبل أن يلجأ إلى تذكير مَن وجّه الخطاب إليهم:"أجدادُكم الطوال / كتبوا أسماءهم على المناجل / وعلى الشبابيك الخجلى من الشمس / .. / هم أوصلوا العشبَ بالعشبُ، حتى انحنتِ السماء زرقة ًومسرّات / لا زالت رطِبة، دبـِقة، / ذكرى أقدامهم على الجذوع، / لا زالت الريحُ تتذكرهم / واحداً .. واحدا".

أما النص الثاني ضمن هذا الاتجاه، فحمل عنوان (آخر الخصيبيين ـ 41)، وفيه بدا الشاعر أشد التصاقاً بذلك الإرث العظيم من تراتيل الأجداد، ولاسيما إذ حمّله مداليل الدعاء على خصم مجهول غيّر حياته، فأخرجه من مجاله الحيوي (الريف) إلى مجال لم يعش فيه غير التعاسة، هو (المدينة) بما تقود إليه عادة من متاعب، وقد استهله بـ:

"لتزأرْه الأسودُ في الفلوات / ولتنبحْـه الكلابُ .. / ولتدخل الأفاعي بيتـَه / ولتنهش وجهـَه المرايا، / هذا الذي قادني إلى المدينة .. / ولتحرقْ كبدَه النار .. / هذا الذي أغراني بالخمر والكتب والنساء، / أخرجني من الغابة، / فرّق بيني وبين الأنهار .. / أنا آخر الخصيبيين على التراب / أوقفني على الإسفلت، / وأمام الأسمال والكرات والسكك الضيّقة، / أنكر طفولتي عليّ .. / وأربكني وسط حشد الفراشات، / أنا .. الأمينُ على السعفِ والقصبِ والحَلفاء والسواقي الممتلئة .. ".

وإذ يستمر الشاعر في تعداد فضائله في الريف، يروح يُخاطب المجهول الذي عمل على توريطه بالهجرة إلى المدينة، فهو ينطلق في المقطع الثالث متسائلا:

"هل أدُلكَ على أكثر الحجَر خيبة؟ / عينيَ، التي لا تبصرك في الصورة / هل أدُلك على أكثر الكلام قسوة .. ؟ / حين أعدّ أصابعي، وأتخطـّاك"(!)، ليعود إلى تعداد فضائله ومعالم حياته الجميلة السابقة، لينقل إلى متلقيه في نهاية هذا المقطع واحدة من أجمل مداليله الغنيّة بالشعرية وما تخفيه من مرارة:"صِحتُ بالريح، تصارع الميازيب وعذوق الموز، / صحتُ به، تـُفرّق بين الفسائل الصغيرة، صحتُ بها، تقتلع أسوارَ القصب والخيزران / تنخلع الميازيب، وتنكفئ أطباق الخوص / صحتُ بها تزأر على السطوح والثياب والقوارب .. / أيتها الريح. أيتها الريح .. / أثبَتُ منكِ فاختة ٌبين الأغصان"، ثم ليعلن أساه في المقطع التالي:"بكيتُ، حين سبقتني الحِملانُ إلى الغابة / بكيتُ .. بكيتُ، بكيت .. / لكأني خسِرتُ الحربَ مع قلبي / .. "(!)

ولكي يؤكد لذلك المجهول الذي استحق الدعاء الملعون عليه بأن لا تبصره عين الشاعر ولا تعدّه أصابعه بين مَن يعدّهم عليها، يختم نصّه التراتيلي الرائع هذا، بصيغة مَن يُخاطب نفسه:

"اُسمّيه الندى .. ويُسمّيني الخـُسران / أمنحه الحجَر، فيسبقني إلى المعاول / اُريه الخطى التي مشيتُ إليه بها / فيمحو التراب .. / أصعد المئذنة معه، فيركبُ ظهرَ الهلال / وحين سكبتُ جدولي على خريطة يدِه / ذاب الماءُ، ولم تسقط قطرة منه / يكتفي من شجري بما أظلـَّه / يعيبُ عليّ السماء".

وأخيرا؛ سأتوقف على نص (أسماء وظلال ـ ص83) تاركاً شأن بقية نصوص هذه المجموعة الجميلة لمتلقيها، فهو في تصوري يحمل خلاصة ما عاشه الشاعر ويعيشه بعيداً عن ريفه الذي ترك، لا بل خلاصة رحلة إنسانية ملأى بالمداليل الثرّة المتعلقة بالحياة. ها هو طالب عبد العزيز يمنحنا ما يواجهه في رحلته:"في طريق أوبتِكَ من الليل / تأمّل جيّدا .. / هناك مَن ينتظرُ منكَ كلمة / بدلاً من النقود وكيس الحلوى / قفْ، وامنحْه، لعلك لن تصادفه غداً / لعلّ انتظارَه كان الأخير" ثم: "كثيرون هم الذين وقفنا بانتظارهم / وطال وقوفنا .. / لم نعُدْ نراهم، لقد مرّوا سريعا / بالكاد، شعرنا بظلالهم / تخطف فينا / .. / لقد مرّ الماءُ كثيراً / على أسمائهم وظلالهم / مرّ الماءُ، الشاهدُ الوحيدُ / على أشباحهم اليوم / .. ".

وكما قلت في بدء قراءتي؛ لقد سبقني أستاذي الشاعر الكبير سعدي يوسف، فدلّ بأسئلته التي سجّلها على غلاف هذه المجموعة الشعرية المتميزة، على كثير مما استحق ويستحق القراءة المتأنية المدققة في نصوص (الخصيبي) طالب عبد العزيز، روح (المحليّة) المكانية المزدحمة بالتفاصيل، والتشبث بهذه الروح الريفية التي حاولت أن تستعيد سعادتها تذكـّراً لها ولـ "أشيائها" الدائمة الخضرة في البال .. ولعلني لم آتِ بمزيد.

 

قرأها د. عبد المطلب محمود ـ العراق

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

السلام عليكم ايها المبدع اتمنى التواصل مع حضرتك.فكيف يتسنى لي ذلك ارسلت لكم اكثر من رسالة دون رد.

د. محمد ثامر السعدون
This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزي الدكتور محمد ثامر.. تحياتي واحترامي .. شكرا لك على اهتمامك بما أقرأ وأنشر في (المثقف) الغالية. سبق أن أجبت طلبك ونشرت بريدي الألكتروني لتسهيل الاتصال.. وأعيده هنا muttalib52@yahoo.com وأنا بانتظار تواصلك.. مع امتناني.

د.عبد المطلب محمود ـ العراق
This comment was minimized by the moderator on the site

قراءة نقدية للشاعر والناقد المبدع الدكتور عبد المطلب محمود، تتقصى وتحلل بدقة وشفافية، وهي تتناغم مع نصوص الشاعر الخلاق طالب عبد العزيز الذي يؤكد من خلال مجموعته (الخصيبي) على خصوصيته وتفرده من خلال (المكان – الأنا) متمثلة بأبي الخصيب مدينة الشاعر جوهرة الخصب الجميلة المنجبة ، مدينة المبدعين المتميزين ، ولوحة الطبيعة الساحرة والموروث التاريخي والشعبي ..
ذكرتني هذه المجموعة التي لم أقرأها حتى الآن بمجموعتي الشعرية (مخطوط موصلي)الصادرة في دمشق عام 2010
تحية لصديقيَّ العزيزين المتألقين الشاعر الناقد العذب الدكتور عبد المطلب محمود والشاعر البصري الجميل طالب عبد العزيز

معد الجبوري
This comment was minimized by the moderator on the site

وإليك أجمل التحيات أخي الشاعر المبدع معد الجبوري.. مع خالص شكري وامتناني لمحبتك التي غمرتني بها وصديقنا الشاعر الخلاق طالب عبد العزيز. أتمنى أن أحظى بـ (مخطوط موصلي) لأمنحه محبتي قراءة وتحليلا.. فأنت يا أبا الحارث شاعر طالما أدهشتني منذ (وردة السفر) التي ما أزال أضعها في موقع خاص من قلبي.

د. عبد المطلب محمود
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2460 المصادف: 2013-05-31 02:09:18